العدد الثالث مايو 2008

 

  

بسم الله الرحمن الرحيم

مسجل بعلم الوصول

صالح فرح

  عزيزي خالد ،

 

كان الأقدمون يقولون : الخطاب نصف المشاهدة . ولعلهم أبقوا النصف الآخر للجواب . وحتى لا يفلت أحد من نصف المشاهدة هذه ، فإنك تهديهم السلام جميعا دفعة واحدة ثم تنثني تذكرهم فردا فردا ، وقد تتكرم فتشمل بالسلام والسؤال عن الصحة كل من ذكرنا أو سأل عنا . بعد هذا السلام " الشامل " والمفصل ، قد تعوج إلى استدراك صار من مأثورات الخطاب ، كلماته : أما إذا سألتم عنا فلا ينقصنا إلا سوى عدم رؤياكم . قال العارفون بعلم الرياضيات أن هذه الجملة لو كانت معادلة في علم الجبر أو الحساب ، فإنك بإجراء حذف نفي ومقابله من الإثبات . . تماما كما تفعل بين الأرقام بعد علامتي الزائد والناقص في مسألة الجبر او الحساب فإننا سننتهي إلى قراءة جملة تقول : لا تنقصنا رؤياكم . بعد ذلك قيمة الكتاب كنصف المشاهدة تكون قد سقطت لأنها " مافرقت " .

تذكرت قولة الأقدمين هذه وأنا أجلس أمام تقنية جديدة ، كل ما أتكلفه أمامها لمسا لأزرار هنا وهناك حتى تكون أمامي مشاهدة كاملة وليس نصف مشاهدة لمن في الطرف الآخر ، كما أكون أنا امامه بنفس القدر ، ثم نحن نتحادث كما لو كان كل منا في حضرة الآخر . قبل اليوم ألغى التلفون قيمة التواصل التي كان يوفرها الكتاب ، واليوم ألغت التقنية الحديثة مقولة نصف المشاهدة التي كانت تُزعم للكتاب فاجتمعت المشاهدة مع التواصل تماما كما اجتمع "  الحلا والحَمار " للبطيخ قبل اليوم .

بما أن الكتاب يضمه ظرف ، فلقد كانت تكتب على الظرف مع الإسم ، وفي أسفـل الجانب الأيسر منه الأرقام 8642 مسبوقة بكلمة " بدوح " . قال العارفون إن الكــــلمة والأرقام بعض أسرار علم الحرف .الكلمة استدعاء لدعاء كلماته " لا يقع ولا يروح " . والأرقام أمر " للخدام " لحراسة الكتاب حتى يصل إلى حيث مخطط له ان يصل . والخدام ـ لمن لا يعلم ـ هم الجن من جند سليمان عليه السلام ، الذين يتمكن بعض الناس من تسخيرهم في الشر وليس غيره . أما كيف يستطيعون ذلك فقـد زُعم بـتوفرهم على أوراد معينة يعرفها أهل الذكر فاسألوهم إن كنتم لا تعلمون ، ويعرف خبرها من يعرف عن الفكي " باتع السر"  كلما كانت هنالك مباراة حامية بين أندية كرة القدم في الخرطوم .

أعادني إلى موضوع الرسائل ذكريات من أيام الطلب ، عن ابن العميد وأضراب آخرين له قال مؤرخو الأدب العربي أن شهرتهم كانت في كتابة الرسائل . وقارنت بين مقارفة ابن العميد لكتابة الرسائل وكتابة المحدثين لو طرقوا هذا الفن من فنون الأدب . لكن كتابة الرسائل ليست أدبا منشورا حتى تستطيع الوصول إليه ، وكتابة التحليلات والتعليقات وشغل الكاتب والقارئ بذلك لا يوفرهما لغيره ، وأعتقد أننا لو استطعنا أن نصل إلى الرسائل رغم خصوصيتـها سنجد فيها أمانة السرد وموضوعية التعليق  ، فالكاتب يكتب في أمان فما حاجته للتخفي أو المداراة ، وهو لا يكتب ليتظاهر أو يدعي فما حاجته للتظاهر أو الإدعاء ! إن كتاب المنشور كثيرا ما يجدون في ما ينشرونه سانحة لنشر " غسيلهم " من المعرفة . هذا كاتب ضجر بمن أسماهم اللاعبين القدامى الذين يصرون على مواقع اللعيبة مع أن مقاعد الإحتياطي ، كما قال ، ما عادوا شاغلين مناسبين لها ، فلقد أصبحوا قوة مستنفدة حريا بها أن تعرف أن الزمن قد تبدل ، ويمضي في تبيانه تبدل الزمن فيقول ، أن الثقافة ما عادت هي الثقافة التي عرفها فرنسيس بيكون ، وأن الفن ما عاد الفن الذي عرفه موزارت ، وحتى السرقة ماعادت هي الهمبتة التي عرفتها بادية السودان . وأنت إن تجاوزت عن هذا الإستعراض وصلته أو عدم صلته بالموضوع هل تراك محتاجا لفرنسيس بيكون أو موزارت لتعرف أن الزمن قد تبدل ! وهذا كاتب آخر يتخير من مفردات اللغة ما قد لا تتيسر لك معرفته حتى وان حاولت الإستعانة بقاموس ، ولكنه امعانا في الأستاذية يشرح لك معنى المفردة ربما في جملة ، ومن قال ان الإيجازمن البلاغة ! ثم هنالك فريق من الكتاب لا يبدو ان همه نشر المعرفة بقدر ما هو تسجيل لوجهة نظر حتى وإن كانت وجهة النظر هذه كما وجدناها عند حمودة العركي يرحمه الله .  فلقد حكوا أن حمودة  كان يتابع مباراة في كرة القدم فحجبه عن المتابعة جلوس متفرج آخر أمامه ، فما كان من حمودة إلا ان احتج إليه بوكزة ثم أردف : يا أخـي ادينا معاك وجهة نظر .

من قال ان الحـديث ذو شجون ربما ظلم المتحدث ، فالشجون شجون المتحدث فقط ، والحديث وسيلته في التنفيس عنها . أم أنا لا أنفس عن شجون في ما كتبت وإنما هي شجون الحديث التي نقلتنا من واحد للآخر .

ومهما يكن ، كلمة أخيرة . هذا الخطاب إليك تكذيبا لقول ابن الكلب الذي قال البعيد عن العين بعيد عن القلب . وهو مسجل حتى أستوثق أنك قد تسلمته ، وهو بعلم الوصول حتى يصلني خبر استلامك له . ورغم أن التواصل اليوم بالمشاهدة كاملة فلقد قيل ما لا يدرك كله لا يترك جله .

وبعد يا عزيزي ،

لئن فاتني أن أبدأك بتحية في أول هذا الكتاب فمعذرة أرجو أن تقبلها  ، وأرجو ان تكون بخير وصحة جيدة . أما إذا سألت عنا فنحن بخير، والحمد لله ، ولا ينقصنا إلا سوى عدم رؤياكم . ( حاشية : لك الخيار:  أن تعزو كلمتي " الحمد لله " إلى ماسبقـهـما أو إلى ما أعقبهما من حديث . . أنت حر. )

وبعد مرة أخرى :

ترى هل عبَرت ؟ ولكني من غزية  ، أضل إن ضلت  ، وإن ترشد غزية أرشد .

مع ودي ، وتحياتي من جديد .

أبدا،

 

صالح فرح ،

 أبوظبي في : 20/02/8.

 

طائرٌٌ، أسدٌ و جحوش !!

عبد العزيز بركة ساكن



إذا شاء لي أن أقدر عددنا في ذلك اليوم فاننا قرابة الستين طفلا، تتراوح أعمارنا مابين السابعة و الثامنة،بعضنا و أنا واحد منهم ، ماتزال قنابيرنا في مقدمة رؤسنا مبللة بالزيت وعلي أعناقنا تتدلي التمائم التي تحفظنا من العين و الحسد وتبارك أيامنا وتهبنا الحظ الجيد و الخير الوفير، كنا نتحدث جميعا في آن واحد بأعلي ما وهبنا من أصوات، كل يريد أن يوصل صوته للآخر في خضم غابة الحناجر التي تزأر في فوضوية، كنا نتحدث عن الكرة ، الطيور ، الحمير، حسونة المجنون،صيد الجراد ، جلب القراقير من جبل تواوا،التشعلق في الكواري و لقيط الفول السوداني من الزرائب،المطر،الحرب التي دارت مؤخرا ما بين أولاد حي السجون و أولاد حي البوليس و الذين استعانوا بثلة من أولاد ديم النور لرد هجوم أولاد السجون علي ضفاف خور مقاديف،لم ينتبه أي منا للأستاذ وهو يدخل الفصل ، إلا عندما صاح بصوت غليظ أجش
- انتباه!
صمتنا ، أشار علينا بيديه علامة أن نقف، و دعمها بالقول
- قيام.
قمنا و اقفبن،
صاح،
- جلوس.
جلسنا، ولكنه هتف مرة أخري،
- قيام!
قمنا،
- جلوس !
جلسنا وكثير منا يصدر أصواتا تنم علي عدم الرضي حيث أنه لم نفهم الضرورة من هذا القيام و الجلوس، ولكن ألم نأت للمدرسة لتعلم الأشياء التي لا نعرفها. شخبط الأستاذ في السبورة بطبشور ابيض شيئا، عرفنا فيما بع أنه : بسم الله الرحمن الرحيم. ثم من أشياء كثيرة يحملها، أخرج صورة كبيرة لأسد ضخم ، علقها علي مسمار دُقّ في أعلي السبورة، كان أسداً جميلاً كبيراً ينظر إلينا جميعا في آن واحد،أشار الأستاذ أليه بالمسطرة الطويلة و صاح فجاة
- ما هذا؟
فصحنا خلفه
- ما هذا؟
نظر الينا الأستاذ في استغراب ولكن في فمه ابتسامة صغيرة مخفية باتقان وذلك للحفاظ علي هيبته
قال،
- يا أولاد ....ما هذا معناها : دَا شُنُو، لمّان أقول ليكم ما هذا يعني أنا بسألكم دَا شُنُو ، فاهمين؟
هززنا رؤوسنا أن : نعم.
فصاح مشيرا بالمسطرة إلي الأسد الذي مازال ينظر إلي كل واحد منا و يكاد ان يبتسم لنا طفلاً طفلاً، لقد كان أسداً جميلاً.
- ما هذا؟
هتفنا بصوت واحد
- دا أسد.
قال في نفاذ صبر
- لا .. مش دا أسد، قولوا هذا أسد.
أشار إلي الأسد و صاح مرة أخري
- ما هذا؟
صحنا،
-هذا أسد.
قال مصححا إيانا و مستدركا خطأ ما قد وقع هو نفسه فيه.
- هذا أسدن.
عرفنا الآن أشياء كثيرة جديدة، أهمها أن الأسد أسمه أسدن، وليس أسد كما يطلقون عليه في البيت خطأً وهذه نعمة التعليم وسوف أخبر حبوبتي حريرة بذلك بمجرد أن أصل إلي النزل .
همس جاري عبادي كافي وهو جارنا أيضا في قشلاق السجون، بينما يلعب بقنبوره القصير
- شايف الطيّرة ؟
كان طائر ود أبرق صغير الحجم أرقط يَرِكّ أعلي السبورة، وعندما رفع المعلم المسطرة الطويلة للمرة الثانية، طار نحو عمق الفصل،و ركّ علي النافذة التي قرب ود حواء زريقا، فحاول ود حواء زريقا الأمساك به ولكن الطائر كان الأسرع فحلق فوق رؤوسنا باحثا عن مخرج، فتسابقنا جميعا دون فرز للإمساك به، صعد بعضنا علي الأدراج، صعد البعض علي أكتاف البعض علي وعد تقاسم ملكية الطائر ما بين الحامل و المحمول،استخدم البعض الرمي بالكتب و الكراسات في محاولة إصابة الطائر في الهواء حيث لا توجد حجارة أو سفاريك في الفصل، تشعلق البعض علي أعمدة السقف في محاولة جنونية للإمساك بطائر ود أبرق الشقي،لا أحد يدري شيئا عن الأستاذ ، هاج الفصل و ماج، أبرق و أرعد،ضج ضجيجا عنيفا ،ولكني استطعت أن أنهي الصراع بقفذة موفقة في الهواء مستعينا بكتف جاري عبادي ورأس أوشيك الكبير حيث وضعت عليه ركبتي و أنا أهبط علي الكنبة و الطائر المسكين يصوصو في يدي، قمت بسرعة بتجنيححه حتي لا يطير أو يجري ورميت به في الدرج إلي أن نعود إلي البيوت لنذبحه و نشويه و نأكله مناصفة مع أوشيك و عبادي.ولم يصمت الفصل إلا حينما سمعنا ما يشبه زئير الأسد أو هزيم الرعد بل ، قل نهيق ألف حمار متوحشٍ في لحظة واحدة في الفصل ، كان ناظر المدرسة يقف عند باب الفصل و حوله كل المدرسين و المدرسات و الخفراء و بائعات الطعام وحتي عم الخير العميان الذي يشحذ عند باب المدرسة،كان الناظر السمين يدق علي السبورة بكل ما أوتي من قوة بكفه وهو يجعر كالثور، صمتنا، مضي زمن من الصمت طويل وثقيل ، كانت أنفاس المدير تعلو و تهبط دون سبب وجيه نعرفة ولا نظن أنه يتعلق بالطائر فالطائر ملك لمن اصطاده ولمن شارك في اصطياده، كان غضبان و حانقا يتطابر الشرر من عينيه، لابد أن هنالك مكروها ألم به : هل ماتت أمه أم مات أبوه ؟ كنا ننتظر في قلق للأستماع ما يود المدير قوله،الشيء الذي أحضر له كل هؤلاء الناس عاملين بالمدرسة و معلمين. و أخيرا صاح وهو يحملق بعينين شريرتين نحونا ويضرب بكفه علي السبورة ضربة أخيرة قاسية، تطير الأسد المسكين في الهواء فيسقط و معه قلوبنا علي الأرض مثيراً عاصفةً من الغبار ،
- ما هذا يا جحوش...؟
أجبنا بصوت واحد منغم
- هذا أسدن.


عبد العزيز بركة ساكن
الفاشر-3-11-2007

 

 

جُرْحُ البسَاتين ِ . . في الجنينة

جمال محمد إبراهيم

 

جُرْحُ البسَاتين ِ
سَالَ دمَاً فِي شِعابِ "أزوْم "
وفاضَت جبَالُهُ وَاسْتطابَتْ أنيْنَهْ . .
فمَنْ يَقطِفَ اليومَ تفاحةً في الجِبَالْ،
تَطِلّ مُعذّبةً فِيْ "الجِنيْنَة " . .
وَليْسَ النّدَىَ مَا ترَىَ فِيْ الغُيُومِ
ولكِنَهَا الدّمْعَةُ المُسْتكيْنةْ . .
وَليْسَ النّحوْلَ الذِي لا يُرَىَ
غيْرَ أذرُعٍ لِنَحِيْفاتِ كُنّ غَصُوْناَ
خرَجْنَ بأكفَانِهُنَ يُرِدْنَ الحيَاةَ
فخُضْنَ رمَالَ الأسَىَ وَالضّغِيْنَة . .
يا مجْدَ كُلِ السّلاطِيْنِ هَلْ ضَيّعتكَ
التوَاريْخُ مَنسيّةً فِي المَديْنَة . .؟
أوَمَا مَرّ "دينارُ" ذاتَ يومٍ هُنَا . .
أوَمَا عفّرَ الكبرياءُ المُمِضُّ جَبينَه. .؟
هيَ دارفوْرُ. . أم دارُ نِقمَةٍ ،
أمْ صَحَارَىَ تدوْرُ فِي بؤسِهَا مسْجُونَة . . ؟
سكَنتْهَا نَائِحَاتٌ مِن النِسَاءِ حَيَارَىَ
يتجَنبْنَ فِي الفلاة ِ كَمِيْنَا
ليْسَ فِي رعُوْدِ السّماءِ صُرَاخٌ
وَلَكنَّ طِفلَ "المَسَالِيْت" شَقّ أنيْنَا . .
أمْطَرَ الغَيمُ فِي هَامِهِ لُؤلُؤاً ورُصَاصَاً،
فَكانَ تاجُهُ الجِرَاحَ الثخِيْنةْ ،
سَقىَ وادِياً بالصّدِيْدْ وأرْبىَ . .
فمشىَ الشرُّ فِيْه ِ مَشْيَ الهُوَيْنَىَ . .
يُنازِعَهُ الوَهْمُ مِنْ كُلِ صَوْبٍ
وَيَقتلهُ الجنجَوِيْدُ قَتلاً مَهيْنَا . .
نَهبُوْا كُلَ " فاشِرٍ" فِي الطّرِيْقِ ..
وَذبَحُوْا كُلَ مُسْتَجيْر ٍ
يَؤُمُّ قَصْرَ "الجنينة". .

بيروت – ديسمبر 2007

 

محسن خالد الكاتب الغول:

الكلمات هي حربنا ضد الحرب
هل ينجح في التحدي حتى النهاية؟!!!
 عبد الله إبراهيم الطاهر

 

 


* لم تنالني من فكرة الأُسرة، إلا أبسط أُعطيتها
* البتر -القطع -الحذف –الجذ.. كلها أفعال تعود إلى عصر السكين الحجرية
* كما حَبِطت محاولات "إسحق فضل الله" و"علي يس" في قتل هذا العمل، فقد حَبِطت محاولات الطيب مصطفى
* هذه هي الملاحظة الأساسية التي خرج بها قاص عبقري مثل عيسى الحلو من "تيموليلت"
* الكتابات "اللافتية" في النقد شواهد على مقبرة
* كان الشريف يوسف الهندي مُعجَباً بجَلَدي على القراءة ولعلّي كنتُ أمنح غَيْبة ابنه الراحل معنىً سامياً
* على الرواية أن تشبه مطبّات القَدَر المترّبصة، وسفاهة الأيام التي لا تنقطع
* "إحداثيات الإنسان" كان عملاً يتقصّد الذهنية بأكثر من غيرها

هو كاتب تشتغل عليه الكتابة منذ أيام الطفولة كما يقول، له معايير مختلفة في تكنيك الكتابة عبر منهاج إفترع له إسم "شكلانية الأسس" بإعتباره المنهج الملازم للكتابة في مستوياتها وروح ذاتها ... اللغة الروائية والقصصية لديه كائن مميز ومسكون بروح عميقة الأثر بشكل جاذب يحيلك إلى التفكير بروية أفاده حفظه للقرآن من التمكن من نواصي اللغة وإمتلاكها، يتناول في كتاباته المسكوت عنه، يلامس محكات ممنوعة وإن كانت تسكن بين ثنايا تركيبة مجتمع متفاوت فيه المحافظ وفيه المنفلت، إختلف حوله الناس، بعض كتاباته في الإنترنت حُجِبت في السودان، وكتبه لا تزال محظورة وإن كانت قد وجدت رواجاً خارج السودان، إلتقيته في إمارة أبوظبي هادئ، عميق التفكير لا يعطيك ذلك الإنطباع الذي يمكن أن تخرج به بعد أن تقرأ له نصاً قصصياً أو روائياً، مختلف ومؤتلف في نفس اللحظة بين يدي القلم مشاكس وعلى مقربة منك مهذب بلا إفتعال... تقوم حياته على القراءة والكتابة، بعد ليلٍ مسهد حتى بعد الفجر وجدته في الحادية عشر بين دفتي كتاب تلمع عيناه كما تركته، له الله هذا الشاب وهو يقود حرباً بالكلمات فهل ينجح في التحدي حتى النهاية؟، عبر الإنترنت تلمسنا مع الروائي السوداني محسن خالد بعضاً من القضايا والذكريات لتكون مبتدأ حوار أوسع.


هناك مقوله تقول فيما معناه "حدثني عن بيئة ما أنهارها طقسها جبالها أنهارها أقل لك من يكون إنسان هذه البيئة"، البيئة تلعب دوراً مهماً في التكوين الفكري للفرد وتنشئته، ما يقدم قراءة جيدة له، قراءة للبيئة التي وُلِد بها محسن خالد، وتأثيراتها المستقبلية في تكوينه الفكري؟
هذا الكلام أظنّه يشبه فلاسفة المجتمع والبيئة، الذين سأُقَدّرهم أكثر حين يحدّدون أنّ مثل هذا الكلام يؤثّر على نوعيات كذا وكذا من الناس. حالياً البشري في طريقه لتقبّل الدنيا كلها كحقيبة فارغة في رحلة سفره الداخلية، على الأقل أنا من هذه النوعية. ولي كتاب بعنوان "الحنين بوصفه الموطن"، الموطن هو أنا، والحنين هو اللعبة المطلقة مهما تبدّلت أنا أو تبدّل المكان، تبقى الملاحظة هي أنَّ الحنين جزئية الإنسان نفسه وليس المكان، كما هو جزئية اللحظة الزمانية أكثر منه جزئية الرقعة من المكان.
بأي حال، الإنسان هو الواقعة التي تحدث بين الزمن والمكان، ولا بُدّ للمكان أن يخفت بفعل أمكنة كثيرة إن عَرَّض الشخص لها نفسه بإخلاص شجاع، يبقى حاصل أنَّ الزمن هو المُطَارِد الأكثر لؤماً، وتبقى تاريخية أنني من مواليد الريف الشمالي، شندي-المسيكتاب، ولا أتذكّر من جهتنا سوى النهر والمقبرة، أما تراكيب الصور الأخرى، فغالباً تختلط بالأوقات وبأناس بعينهم، آمالهم، طموحاتهم، إحباطاتهم، وبشوارد هنا وهناك من مجمل سجلات وجودهم الداخلي، أمّا البحث عن جهتنا بأعماقي كمسألة يمكن أن ينحشر فيها الكيلومتر بتوقعّاته، فستُتْعِب من يتتبّعها كمكان أكثر مما أتعبت "طروادة-Troy" مخرج فيلمها "فولفغانج بيترسين" في تصوّرها كمكان، هل تلاحظ! طروادة المكان مضت، ولكن أقاصيص إنسانها بقيت سالمة في ماعون الحكاية، فلم تُحَوِّج الناس بعد ذلك إلى حفريات وعلماء أركيولوجي.
في التنشئة الاجتماعية تُشَكِّل الأسرة الصغيرة العالم الذي يأخذ منه الفرد كل ثقافة المجتمع، أسرة محسن خالد، علاقته بالوالد والوالدة والإخوة، تأثيراتهم فيه، فكرة العائلة أو الأُسرة الكبيرة؟
يبدو أنَّ الأمور معكوسة معي، فأنا لم تنالني من فكرة الأُسرة، إلا أبسط أُعطيتها، وهي تحالف الذكر والأنثى لإنجاب كائن ثالث، أعني تواطؤ أُمي وأبي على إنجابي، فأبي قد تركني يتيماً دون أن أراه، وبعد أعوام قليلة أصبحتُ عَجيَّاً بفقدي لأُمي،..
هكذا بدأتُ آخذ حياتي –الحُرّة- بجرعة أكبر منذ البداية، لعبة أن تكون مسؤولاً عن نفسك-الطفل، التي قادتني إلى المسؤولية و"الحرية" في آن، فبينما الأطفال الآخرون كانوا يُزاولون الطفولة المنزلية المرعيّة جيداً، كنت أنا خارج القطيع، في مواجهة أسئلة أكثر تعقيداً من مرحلتي –كنتُ الخارجي، وكنتُ أنظر إلى أُسريتهم ومنازلهم من موقعي ذلك بعوامل من الريبة كثيرة، ربما تمنيت الفطائر بأيديهم، ما تُعِدّه أُمهاتهم، ولكن إحساس الإنجاز في عيونهم، ولمعة أعينهم بإحساس الوصول، بعد أكل الفطائر، كانت تحبطني برؤيتي للكائن يتحوّل إلى بهيمة شَبِعة ومنتهية إلى منام عاطل، غير قلقة ومتطلعة، إحباطي تجاه ذلك كان أكثر من إحباطي في الحصول على شطيرة منهم.
إذن تصبح الإجابة على سؤالك: لا فكرة معي، أو معي الإجابة كلها التي ليس بوسع أحد صياغتها في كلمات فَقْد مناسبة.
أمَّا ثقافة المجتمع فقد نظرت إليها أبداً بعيني الخارجي الصغير ذلكم، وببيت الأُحيمر السعدي: عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذ عوى... وصوَّت إنسانٌ فكدتُ أطير،..
الدراسة الأكاديمية... المراحل، أيضاً تأثيرها في تكوين محسن خالد؟
البداية هنا كانت للخلوة بالطبع، ثم المرحلة المنزلية التي تزامنت مع الابتدائية، التي قرأتها بقريتي "المسيكتاب"، وكانت ثرية جداً، فقد قرأتُ فيها من نوعية الكتب المُبسّطة "دون كيشوت" وهو أوّل كتاب قرأته بالإنجليزية المعدّة لتدريب الأطفال، و"خطابات طاحونتي"، و"أنَّا كاريننا"، و"أحدب نوتردام"، و"قصة مدينتين"، و"المدفع"، بالإضافة لجمهورية كاملة من الألغاز وكتب الأطفال، وهي نفسها المرحلة التي قرأت في أُخرياتها "عُرس الزين"، ليجرّني نحو باقي أعمال الطيب صالح، وثابرت فيها كثيراً مع "الغصن الذهبي" لفرايزر و"كليلة ودمنة" ثم دخلت الحديقة نفسها من باب الشعر مع "حكايات الحيوان" لأحمد شوقي، وربما لذلك تنامت أوهام الشاعر بداخلي. أمّا الصدمة الحقيقية على صعيد اللغة فقد جاءتني من قراءتي لديوان محمد نجيب محمد علي "ضد الإحباط". وبحلول مرحلة دراسة المتوسِّط التي تلقيتها أيضاً بالمسيكتاب، أصبحت قارئاً محترفاً وأكثر نشاطاً. ثم جاءت الثانوية بالمدرسة الأهلية شندي، القسم الداخلي، وهنا بدأ الالتفات الحقيقي للأشياء وللمعرفة، وللمكتبة الإنجليزية الضخمة بالمدرسة، وهنا جاء "فرانسيس بيكون" و"باشلر"، وقد قرأتهما على نحو خاص. أمَّا الجامعة فهي مرحلة جئتها بنضج ووعي معقولين، وإن كانت ذهنيتي تعاني من سقفيات ما، تَمَّ بعد ذلك التطهُّر منها وترك العقل يركض ما وسعه الفضاء. هذا حدث في جامعة الجزيرة كلية الاقتصاد والتنمية الريفية.
متى أحسَّ محسن خالد بأنه يرغب في أن "يستحضر" أفكاره نصوصاً مكتوبة؟ وما هو النوع الكتابي الذي بدأ به "الشعر، القصة، الرواية"؟ وفي أي واحد منها يجد نفسه محسن خالد؟
الأمور ليست واضحة في ذهني تماماً، يبدو أنَّها حين بدأت بشكل جدّي بدأت بالمسرح الشعري، فقد كنتُ متأثِّراً جداً بمسرحية "العبادي". وعلى هذا الغرار في المدرسة الابتدائية أنجزت مسرحيتي "شنحيب". ثم تحلُّ مرحلة أخرى أصبح فيها شاعراً مضحكاً بأكثر من بهلوانياتي في المسرح الشعري. وحتى في بدايات مرحلة نضجي كنتُ أكتب الشعر بالعامية، وربما أنا فيها معقول المستوى، وإن جاءت كتأثّرات بقراءات مدشّنة جيداً. وربما برعب الاكتشاف نفسه، الذي يعرف به الإنسان رجلاً كان أو إمراة، أنَّه أصبح بالغاً، بقفزة الماء الأخضر مباغتةً من جسده، وبقفز الكائن من مرحلة عدمه، إلى كائن آخر بوسعه أن يورّث حياته لآخرين، وأن يصل حاضره بماضي السلالة، بهذا الرعب كله، بدأت أكتب "إحداثيات الإنسان" و"الحياة السرية للأشياء" في وقت واحد، ومزّقت ديوانيْ شعر والتزمتُ جادّة الحكي، والروايتان ابتدرتاني تنزُّلاً منذ الثانوية.
"الكتاب ماعون للمحو مثلما هو ماعون للكتابة" كيف يتأسس النص عند محسن خالد وفقاً لهذا القول؟
الكتابة عندي هي الخروج في صيد،.. الأفكار، الصور، الأخيلة، العواطف، خزائن الأيام ورفوف العابر،...
الخروج في صيد لغتك الفردية من بين قطيع اللغة الوحشي وقطيعها العاطل،...
أنا أقتفي أثر الكتابة ليس من أجل احترافها، وإنما من أجل متعتها ومجانيتها، ولكي أكون وفيَّاً لطفولتي،..
"الكتاب ماعونٌ للمحو مثلما هو ماعونٌ للكتابة"، هي الجُمْلة التي شرعت بشروطها في كتابة سيرة صديقتي "تيموليلت" الليسبيان، مطبوخة مع سيرتي، العمل الذي راج بسرعة مدهشة ومُرْبِكَة في آن، ربما تشريع دِرفتيْ هذه المقولة نَبَّه الناس إلى المقهي على طرفها الآخر، مقهى المحو، فالناس لسنين وَهْمٍ طِوَال افترضوا في الكتاب مقهى كتابة فحسب، والأمر يتضح أكثر "وتُهَجِّج نارُه" مع موضوعة كالسيرة الذاتية،..
عن كتابة سيرتي أظلُّ الخارجي في نصها أبداً، وإنْ أنا وتدها في نفس الافتراض،..
الوتد ينهض في حر الأرض أو بردها –بالخارج- لأجل تصالب خيمة غيره، من هم بالداخل، وإن يبقى هو الوتد، تتصالب الأشياء به على الدوام،..
القصص أنا على الدوام أنظر إليها من حيث تفتقر هي إلى الترابط، لأنّني سأبني حكايةً لها ولن أروي أحداثها، أمَّا الاقتراب من القصة من حيث هي مترابطة ويمكن تعبئتها في فيلم تسلسلي، فهذا اقتراب لرواية صحفي أو مراسل حربي، الروائي الأمثل لا بُدّ له أن يُفَكّر في المسألة على نحو آخر، وغير إعلامي أو دعائي. الروائي يُعبئ الجُمَل، الجُمل الموقوتة لتنفجر واحدة بعد الأخرى، في طريقٍ تترصّده مفاجآت البارود كلها، شبح التفريغ، والتعبئة بمرحلة صادمة ومتشظية في كل آن، ما يفعله الانفجار بالضبط لو كنّا نذكر.. وهذه هي الملاحظة الأساسية التي خرج بها قاص عبقري وعريق مثل عيسى الحلو من رواية "تيموليلت".
وكانتباهة في ناحية أخرى، لا بُدّ من تفكيك اللحظة من الزمان، فهذا شيءٌ مهم بالنسبة للروائي، هناك لحظة تصلح للرواية، وهناك لحظة متوفية، اللحظة في ساعة حائط على جدار الغرفة، لا تناظر أبداً تلك اللحظة من ساعة المحطة وهي تمر على قلب حبيب منتظر، قُل لي إنَّك تضبط كتابتك دائماً على اللحظات في ساعة المحطة، وأنا سأقول لك إنَّ كتبك ستبقى على الدوام حيَّة ومتقدة.
والرواية لديَّ بدون خلاصات، كرواية رجلين يتساومان حول مسألة غامضة بكل سرور، وبكل ما في الغموض من غواية وطرافة، أحدهما يقول لرفيقه، أنا معي روح عصفور، فقل لي ما معك؟ ويرد الآخر، بأنَّه مفلس، ولكن الفضاء كله في جيبه هو، إن اتفق هذان 