الانتماء الرياضي
إشباع لحاجة الشعور بالانتماء
.. أم بحث عن انتماء غير ممنوع..
معتصم الطاهر
ينتمي الشباب و غيرهم لكثير من الأحزاب السياسية والمنتديات الأدبية ولكن شيء واحد ينتمون إليهم دون وجهة سياسية و دون انتماء قبلي أو جندري ..
ينتمي أهلنا في السودان إلى قبائل وجهات و مناطق .. بعصبية أو عنصرية أو انتماء الروح إلي وطن كبير أو صغير أو بقصد خدمة منطقة أو فخر بها ..
أكثر الأماكن إقبالا من الشباب في بلادنا هي المسجد والملعب ، و المقاهي سابق و الحدائق حاليا ... وقد استجد حاليا مقاهي الانترنت .
ولكن أكبر وجود وتواجد للشباب هو في الملاعب .. وأكثر انتماء يجمع الغنى والفقير الشمالي والجنوبي الغربي و الشرقي .. هو الانتماء لهذين الفريقين الكبيرين .. الهلال والمريخ..
نعم ينتمي البعض للموردة أو أهلي مدني ملكية جوبا .. أو حي العرب بورتسودان أو زهرة ربك .. أو أهلي أم روابة .. ولكنه حتى هؤلاء ينقسمون في أنهم ( هلالاب أو مريخاب) ..
لاشكّ أنّ لهذه الملاحظة التي قد تبدو عابرة أكثر من دلالة عميقة،
فهل لا يرى المنتمون رياضيا ( انتماء رياضي بحت) جدوى في الانتماء إلى الأحزاب السياسيّة ، ممّا يؤكّد مدى ابتعاد شبابنا عن قضايا الشأن العامّ، واستبداله لهذه الأُطر المميّزة للمجتمعات الديمقراطيّة الحديثة بأخرى قد تتجاوز حجمها ووظيفتها الأصليّين.
وظاهرة "الانتماء الرياضي" والإقبال الشبابي الكبير على تشجيع الفرق الرياضيّة - إلى حدّ التطرّف أحيانًا – يبرز هذا التساؤل .. هل هو إشباع لحاجة الشعور بالانتماء .. في زمن منعت فيه الحكومة أو ضيقت الانتماء السياسي ..
فصار الناس يبنون برنامجهم الحياتي على إيقاع أقدام اللاعبين و مونديالات الكؤوس ومباريات فرقهم المفضّلة، ثم تجدهم يُمضون عصاريهم في نقاشات لا تنتهي حول آخر مباراة لفريقهم أو خصمهم ، ليختموه بالتحاليل والتكهّنات الخاصّة بالمباراة القادمة .
لا تفوته أيّ مباراة يخوضها فريقه
يتبعه من إستاد إلى آخر و من مدينة إلي أخرى ..
تجدهم أكثر وفاء لفرقهم من عائلاتهم ..
يحفظون تاريخ فرقهم أكثر من تاريخ السودان..
يرددون أهازيج فرقهم أكثر من الباقيات الصالحات ..
يوفون لفريقهم أكثر من حبيباتهم ..
الفريق كل حياتهم .. بل صارت لهم روابط ينتمون لها و يتعارفون اجتماعيا.. وصلت إلى البيوت .. يتفقدون بعضهم عند الغياب و وصل الحد بأن للبعض مقعد خاص بالإستاد .. يترك خاليا وفاءا له حتى لو غاب .. كالعم إبراهيم بالحصاحيصا . والذي إذا رحل إلي مباراة فريقه في مدني ترك له أهلها مقعد يماثل مقعده في مدينته .. .و كمونية بربك والذي يسمج له أعضاء الإتحاد بالتجوال حتى داخل سور الملعب .. و تجد مثل هؤلاء في كل مدينة .. و كل إستاد ..
هذا العشق بلا حدود ليس مقصورًا على الشاب ولا الذكور إذ نلحظ في السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا للفتيات تصل لدرجة الخروج إلي الشارع عند انتصار فريفهن ..
( هذه العلاقة المتينة بين المشجّع وفريقه يفسّرها الدكتور مبروك بالسعي الطبيعي للشباب إلي تحقيق ذاته من خلال تبنّي "سبب وجود raison d’ętre" أو قضيّة ما يكرّس لها جزءًا كبيرًا من وقته وجهده، وتختلف نسبة هذا الوقت والجهد مع اختلاف المستوى الثقافي والبيئة الاجتماعيّة للمشجّع، كما أنّ الانخراط في عمليّة تشجيع الفريق المفضّل توفّر للشاب منظومة من الطقوس والشعائر (الأهازيج الجماعيّة، ألوان الفريق وقمصانه، التغنّي بانتصاراته وأبطاله...) التي تُشعره بالاطمئنان إلي انتمائه إلى مجموعة بشريّة متجانسة ذات "قضيّة" واحدة، كما تخلق لديه نوعًا من الشعور بالحماية. مضيفًا أنّ "ذلك أمر طبيعي في عصر "نهاية الحكايات الكبرى" حسب تعبير المفكّر الفرنسي فرانسوا ليوتار، حيث خفت بريق الأيديولوجية لتعوّضها "حكايات صغرى" ليست أقلّ تأثيرًا وقدرة على نحت كيانات الأفراد"، )* .
فهل هذا الانتماء الرياضي يمثّل نوعا من التعويض للانتماء السياسي أو الوعي الطبقي لدى جموع الشباب، تبقى "الكورة" هي أحد الملاذات الآمنة القليلة لشباب يعاني الكثير منه من ضيق الأفق و ضيق الحال ومن فقر المستوى الثقافي،وفقر معيشي .. حيث الكورة هي المكان الوحيد الذي يؤمن شيئين ..
1- الشعور بالانتصار الوحيد الممكن.
2- سب الحكام جهرا ..
*من كتابة ..غسّان بن خليفة ..في "تحت الياسمينة في اللييل"
