العدد الأول
أغسطس2007
طقوس القراءة !!
عبد الغني كرم الله
(1)
غريبة هي القراءة، حين أرى حبوبتي وهي تتصفح أي كتاب (وهي ترى حروف ملتوية تتخذ اشكالا سريالية غريبة أ، ش، ظ، ن، ي، وتلتصق هذه الحروف لتكون كلمات، هي أكثر غرابة أيضاً)، تمرر نظرها، لهذا الخربشة، ولا تثير في ذهنها أي شي، سوى تصور (سبحان من يضع سره في اضعف خلقه)، وللحق هي اضعف الخلق، وافتكهم، كم أعجب للغة الهندية، والسيرلانكية، حين أرى احد الهنود وهو يقرأ وبإمعان في احد المقاهي هذه الجرائد، حروف صامتة، سوداء، تتلوى، وتثني، كما أراد لها الإرث الهندي، وعبقريته، وفنه، وتفرده، وسكب كل خمره فيها، وأنا أرها (كحبوبتي)، ديدان سوداء، تتلوى، وتنثني، وتنام بشكل أفقي على سرير الصفحة!!...
غريية، هي القراءة !!... مجرد حروف سوداء، تتلاصق مع بعضها، فتصرخ، وتغرد، وترعد، دون ان تفتح فمها، سبحان الله، تقع العين على هذه الصفحات، ثم يصيغ العقل عوالم لأحد لها، عوالم إثارتها هذه الحروف النائمة، على سرير الصفحة، وبهدوء تام، كالقبور..
(هناك حياة في القبور، إذن!!)، في صمتها، كالحروف، تنام على سرير الأرض الحنون، القراءة هي عمل خاص، ذاتي، هي الاستغراق مع الخيال والذكرى، معا، وفي وقت واحد، لا شأن للقراءة مع العوالم الخارجية، هي شأن ذاتي، كالخواطر، لا يسمعها سواك، هي الاكسير، قد تنسب لليالي العباسية، وأساطير اليونان، قد تبرد إطرافك في عز الصيف، وتتجول في مدينة اندثرت، سوى في كتاب (عجائب الأمصار، وتحفة النظار)، لابن بطوطة!! ... كم لهذه الحروف من ذاكرة حديدية، حكايات كانتر بري، كتاب الإنجيل، قصائد ابوالعتاهية، تحفظها على ظهر قلب، تحفظها في صمتها الأبدي، في تلكم الحروف الجميلة الإشكال (ا، ب، ي، V، F، ى، س ش،)..
"مالك بتبكي!!؟".. (هكذا تسألني أمي، وأنا صبي صغير، كنت أقرأ في جين اير، في صالوننا الطيني)!!..
("أجي"، بتضحك براك، جنيت) .. (تصيح نادية، بنت أخي، وأنا أقرأ دون كيشوت، في صالون معلقة عليه صورة أبي، وآية الكرسي، بامتداد ناصر)!!
بساط سحري، يسافر بك، للأمس، للأمس البعيد، وللغد الأبعد، ولبلدان بعيدة، عنك، وعن أرثك، وعاداتك، (حين ماتت زوجة سندباد، شرع الناس في دفنه معها، مغامرة أن تندس في أديم ثقافي غريب)، وحين جاع سندباد، في تلكم الجزيرة الصغيرة، وأشعل النار، تحركت الجزيرة به، وغاصت، لأنها لم تكن سوى حوت ضخم، آذته النار التي أشعلها سندباد!!..
حين اشرع في القراءة، اعد أدواتي، أدوات العمل، فلاح محب، وحقل حلوب، (قلم رصاص، وقلم فسفوري، وكراس)، كي دون الفقرات التي تسحرني، وكي ألون الصفحات التي تشدني باللون الفسفوري، كي ارجع إليها في حزني القادم، أحيانا أتكاسل للوصول لنهاية الكتاب، كي لا أخرج من دفتي الجنة، حب التسكع بمهل فيه، إن كان شيقا، كتاب (الرجل الذي مات مرتين)، لجورج أمادو قرأته في أسبوع، وهو لا يتجاوز الثمانين صفحة، صغيرة، مجرد ساعة تكفي لالتهامه، ولكن حلاوته، نشوته، تستحق الإبطاء، بل التوقف، تحت شجرته الوارفة، كي استجير من وعثاء السفر، وهجير الحياة الماثلة، المادية، البغيضة، كنت أوي للكتاب (كعش، كمحراب، كصدر حنون، كحضن، كقبر)!!..
المسافة بين بيت أختي فاطمة (امتداد ناصر، مربع 6)، ومكتبة (الموعد)، ببري، أكثر من كيلو ونصف، ونحن أطفال، نشد الرحال، ومعي جماع ابن أختي، في رمضاء، وحر، كي نشتري الإلغاز، ونعلب القرعة لمن يقرأه أولا، ويقسم من يقرأه أولا أن لا يخبرني بشي، من حل اللغز، بيد المهندس تختخ!! الولد السمين المحبوب... ومع هذا كنا نرى الطاحونة بعيدة، حين نرسل لها، وهي لا تبعد سوى شارعين من البيت (لو تعلق قلب رجل بالثريا لنالها)، داخلنا معجزة، حين نعشق، أو نرغب!!..
إنه الحج بعينه!!
أسبوع كامل لم أخرج من البيت، لم أكن مصاب بالملاريا، ولا حمى، ولكنها (الثلاثية)، بين القصرين والسكرية وقصور الشوق، لا شي يحبسني في البيت سوى المرض، والقراءة... أو جاءت فتاة جميلة، لزيارة أخواتي!!.
كم قبلت شفاه بعيدة عني، قبلت زهرة في بنسيون ميرامار، وامتعض قلبي لماساة (الغريب، السيد ميرسو)، بل للبير كامو نفسه، فكل إناء بما فيه ينضح.. لقد أحسست بالبير كامو حين كان يكتب، هو، وليس بطله المسكين، المنزوي (من عالم مادي بغيض)!!.
أحياناً، أحس بظمأ لقراءة "خيري شلبي"، خيري شلبي فقط، ... أحس بشوق لعوالمه فقط، كم تحس بشوق لصديق معين، في وقت معين، لن يجدي معه أي صديق سواه، (بابا شلبي، وبس)، طيبته، إبطاله الفقراء المديونون، ووصفه الوئيد، السلس للبيوت والروائح، فأبحث في مكتبتي عن كتبه، أقلب الرفوف، يقابلني كتاب (الإلف)، لبورخيس، فأزيحه، والطيب صالح، ببرود أزيحهم، حتى أعثر على (وكالة عطية)، ثم أمضي للسرير، وكأنني خبأت المصباح السحري في جيبي!!... وحين أغرق في عوالمه، أجزم واقسم متعصباً، بأنه: أعظم روائي!!
ثم يدور فلك مزاجي، ليتغير الطالع، والسعد والفرح، انتقل مزاجي لفصل أخر، من فصول العشق، فاشتهي قراءة كتب الرحلات، مثل امرأة حامل تحن للطين، من يرفض طلبها؟ (تحفة النظار في عجائب الأمصار)، كتاب ضخم، أجده بيسر في المكتبة.
ثم استلقي بدفء، وقد خرجت من هذا العالم وخرائطه وشعوبه ومدنه، وذهبت (ببراق القراءة)، لعوالم ابن بطوطة، وأقسم صادقاً "حينها)، بأنه أعظم كتاب، وبأن "أعظم أدب هو أدب الرحلات"...
القصة كلام فارغ، فالمسرح هو الأصل، الحوار والجدل هي أصل الإنسان، منذ سقراط وإلى (أمل....)!!..
هل الإنسان مسير؟..
كيف يخلق شيئا، من لا شي!!
هل بمقدور الإله خلق جنة، بلا نار!!
إن كان الإله يعلم بكل ما يجري في الغد، بل على الغد أن يجري كما هو في علم الإله، بلا زيادة أو نقصان، إنه التسيير..
أين الماضي، والمستقبل، هل الحياة هي هذه اللحظة الحاضرة، الرقيقة، الصغيرة، فقط؟... والحلم يفسد أن تصور للحتمية، فالحياة قد تكون حلم، كابوس طويل، نصحو كما يقول بورخيس (فراشة حلمت بأنها إنسان، أم إنسان حلم بأنه فراشة)... من أنت؟ قد تصحو إنسان سوي (أيتها الفراشة)..
هناك كتاب اغبطهم على صدقهم، على شجاعتهم، يطرحون حديث الخواطر، أصلهم، فصلهم، جرأة محببة، وطفولية، وصادقة، يزيلون الأقنعة الكاذبة، يتوغلون اكثر في المكون النفسي، والثقافي للإنسان، لذ تم تجريمهم، وشنقهم، وإقصاءهم، هم رسل، رسل القلم والعقل والقلب... يغوصون أكثر في الأشياء، كالضوء، كالتنويم المغناطيس، كالشعر، كالخمر، يحركون الموتى، وينشرون السحب في الحقول الجدباء، يصنعون الإكسير، ويضيئون الفانوس السحري بكل النفوس، يزخرفون الحياة بألوان ساحرة، وكأنك هناك عشرات الحيوات في هذه الحياة، نظرهم اقوي من أشعة اكس، ومن جاما، ومن .. ومن.. وكأنهم خلقوا من مادة الخيال، مادة رخوة، وهشة، وسريعة، أسرع من الضوء، أسرع من الفكر، تجوب العالم في لمحة عين، بل تجوب الماضي والمستقبل كله، في لمح العين، ترى عوالم لم تأتي بعد، وتتذكر حيوات قديمة، قبل خلق اللغة، والعادات والأديان...
GRAPHIC DESIGN BY 2006