المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جمال محمد احمد - بقلم الطيب صالح وآخرين


عجب الفيا
21-03-2006, 02:09 PM
جمال محمد أحمد
بقلم : الطيب صالح

الحديث عن جمال محمد أحمد ليس سهلا ، فأنت لا تعرف من أين تبدأ . أنه بالنسبة للناس الذين عرفوه عن قرب وأحبوه ، لم يكن شخصا بالمعنى المعروف للكلمة ، ولكنه كان عالما متكاملا قائما بذاته . كان مثل زعماء الأحـزاب ، أو قادة المدارس الفكرية ، له حواريون وأتباع وأنصار . وكان بالنسبة لي ، كما لكثيرين ، علما من أعلام الخرطوم ، من القلة الذين أسعى للقائهم أول وصولي ، وإذا وجدته مسافرا ، أشعر أن ثمة فراغا هائلا . والآن وقد رحل إلى الأبد ، فان الخرطوم قد قلت بهذا المعنى إلى الأبد .

عاد جمال محمد أحمد من إنجلترا أواخر الأربعينات بعد أن أكمل تعليمه في جامعة اكسفورد . وكان يدرس التاريخ واللغة الإنجليزية في مدرسة وادي سيدنا الثانوية حين كنت طالبا فيها . كان واضحا بنشاطه وآرائه المتحررة . وحين التحقت بكلية الخرطوم الجامعية التي أصبحت بعد ذلك جامعة الخرطوم ، كان جمال محمد أحمد قد عين مسؤولا عن شئون الطلبة بها ، فعرفته أكثر ولكنني لم أكن واحدا من حوارييه وأنصاره ، فإنني لم أكن قد بلغت النضج الذي يمكنني من تقدير مواهبه العقلية الفذة . ذلك حدث لي بعد أن ذهبت إلى لندن . كان هو سفيرا للسودان في أديس أبابا ، فأرسل لي عن طريق أحد أصدقائه المقربين يثنى على قصة نشرت لي . قال أن القصة أعجبته وأغاظته في آن واحد . وكانت تلك عادتـه ، لا يثنى عليك ثناء صرفا ، ولا يثنى عليك وجها لوجه ، ولكن عن طريق شخص آخر . وفي آخر لقاء لي معه ، صيف العام الماضي ، كان يحدثني أن أخاه محجوبا ، وقد توفى قبله بأربعين يوما ، قضى إجازته في قبرص . ثم قال عرضا : " ناس محجوب يروحوا قبرص يتفسحوا . وأنت رحت قبرص كتبت " الرجل القبرصي " . عجبت لأن القصة كان قد مضى على نشرها أكثر من عشرة أعوام ، ولم أكن أظن أنه قرأها . قلت له " هل أعجبتك " فضحك كأنه يستغرب سؤالي ولم يقل شيئا . كان موضوع القصة ، الموت ، ولا أدرى هل كان يفكر في الموت حينئذ . كان قد أدرك السبعين وكان صديقه الأثير محمد عمر بشير يتزعم حركة لإصدار كتاب يتضمن مقالات يكتبها عدد من أصدقائه المقربين احتفالا ببلوغه سن السبعين .

وجدناه ، عثمان محمد الحسن وأنا ، بين كتبه يقرأ ويكتب ويدخن الغليون مرة ، والسجائر مرة ، شربنا معه القهوة أواخر الصباح ، وتحدث معنا حديثه الودود . كانت طريقته عجيبة في الحديث . ينسج لك غلالة رقيقة من المحبة ، ويخلق مناخا من الألفة . يستحضر أصدقاءه الغائبين ، ويداعب الحاضرين ، ويذكر أفراد عائلته وأقاربه وأصهاره ، يصنع من كل هذا عائلة كبيرة ممتدة هو مركزها وقطبها . لا ينصح ولا ينتقد . وحين يسخر يسخر برقة ، وإذا أثنى أثنى بخفة حتى لا تكاد تتبين ثناءه إلا بعد حين . لا يغضب لشيء ولا يدهش لشيء ، متسامح مثل قلب رؤوم يتسع لكل المتناقضات . ورغم غزارة علمه وتوقد ذهنه ورحابة آفاقه الفكرية ، فإنه لم يكن يتحدث في الثقافة والأدب إلا نادرا ، وإذا فعل ، يلقى لك بالأفكار العميقة كأنما جزافا في ثنايا كلام عادى . كل ذلك بحركات لطيفة مميزة من البدين والوجه والعينين ، ولحظات صمت وضحكات صغيرة في ثنايا الجمل . كان إنسانا جذابا إلى حد أن عددا غير قليل من حوارييه أخذوا يقلدون طريقته في الكلام والمشي والسلوك . وكان في سلوكه ، على سجيته تمامـا ، لا يفعل شيئا لا تألفه نفسه . حتى وهو سفير ، لم يكن يفعل ما يفعله السفراء من مجاملات ، مثل استقبال القادمين في المطار وزيارة المرضى في المستشفيات . وقد عين سفيرا للسودان في لندن ثلاث مرات ، في كل مرة يحدث شئ يقطع عليه إقامته . في المرة الأخيرة جاءه وزير في زيارة خاصة فأرسل من يستقبله في المطار ويدبر أمر نزوله . واكتفى بذلك . لم يزره ولم يسأل عنه . وعاد الوزير غاضبا إلى الخرطوم ، وكان صاحب نفوذ تلك الأيام ، فأقنع الحكومة بعزل جمال محمد أحمد ، ليس نقله ولكن عزله كلية ، فعزلوه برسالة مقتضبة مكتوبة باليد . وكان ذلك العهد عهدا عجيبا ، واعجب ما فيه أنه لم يكن يعطى أي اعتبار لقيمة أحد مهما علا قدره . حاولنا أن نسرى عنه ، سيد أحمد الحردلو الشاعر المعروف ، الذي كان أيامئذ سكرتيرا في السفارة ، وأنا . ولكنه لم يكن غاضبا . كانت تغلب عليه الدهشة أن السودان الذي أحبه وساهم في بنائه آلـت مصائـره إلـى نفـر لا يحفلون بأحد ، حتى الرموز الكبيرة في حياة الأمة .

وكان وضع جمال في ذلك النظام خير مثال على مأساة الإنسان المتحضر المثقف في وضع همجي . لقد رحب جمال في البداية بذلك الانقلاب الذي سمى ثورة ، مؤملا أن يصنع أولئك الشباب تغييرا حقيقيا . وكان هو معجبا بتجربة الحزب الواحد كما صاغها جوليس نيريري . وكان يقول لنا في تبرير ذلك : " هل نظل رافضين أو متفرجين دائما ؟ علينا أن نشارك لعلنا نغير مسار الأحداث " . ولكن هيهات . فقد اتضح له أن فتانا ليس كمالك ، وأن نميري غير نيريري .

سألته : " ما حكاية فلان معك ؟ هل بينك وبينه شئ ؟ فقال " يا أخى مش دا الولد الكان في دفعتكم في وادي سيدنا ؟ " قلت له : نعم ، فقال : " يا أخى دا ولد عابر سبيل . أنا قلت لهم يرسلوا له السيارة ويحجزوا له في الهوتيل . تاني عاوز مني أيه ؟ " . ولا أدرى ماذا قصد بعبارة " عابر سبيل " فقد كان أحيانا يترجم العبارات الإنجليزية ترجمة طريفة . ولعله قصد أنه " رفيق سفر " كأن يقال أن فلانا شيوعي " رفيق سفر " أي أنه ليس شيوعيا ولكنه متعاطف مع الشيوعية . بمعنى أن هذا الوزير لم يكن من قادة النظام بل على هامشه ، وأن الأستاذ جمال كان يظن أن له من مكانته وصلاته بالرؤوس ما يغنيه عن مجاملة الفروع . ولكن الدنيا كانت قد تغيرت .

في هذه الفترة نفسها كان جمال يزور المرحوم محمد أحمد محجوب بانتظـام ، علما بأن محجوبا كان قد فقد منصبه كرئيس للوزراء نتيجة لانقلاب مايو فأقام في لندن . ذلك أن محجوبا كان صديقه وصفيه . وكان ذلك دأبه ، يحتفي بالناس الذين يحبـهم ، ولا يحفل بالناس الذين لا يحبهم مهما كانت مناصبهم . وكانت علاقته بالنميري علاقة غريبة . فقد فتن النميرى به أول الأمـر ، ثم ضاق به ذرعا ، وظل يبعده ويدنيه طوال فترة حكمه . وهكذا عين جمال بعد عودته من لندن ، رئيسا لتحرير الصحافة " ثم عاد مستشارا لوزير الخارجية . وتلك من مآثر منصور خالد الذي كان وقتها وزيرا للخارجية ، فقد كان جمال أستاذه في أمور كثيرة ، وهو من أكثر الناس تأثرا به ، فأعاده وفاء لتلك الصلة . ثم أصبح وزيرا للخارجية وانتهى به الأمر أن عينوه أمينا عاما للمجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون . وكان منصبا أجوفا بلا معنى ، فإنهم لم يعطوه المال اللازم لإنجاز أي شئ وكانوا قد الغوا وزارة الأعلام والثقافة تلك الأيام والحقوها بوزارة الداخلية . وكان أستاذنا الجليـل ، عليه رحمة الله ، يحكى لنا ضاحكا كيف أنه كان يحضر اجتماعات يعقدها وزير الداخلية تناقش فيها قضايا الثقافة جنبا إلى جنب مع قضايا الشرطة والأمن ومكافحة المخدرات والدعارة .

حين صنعوا به ما صنعوا يوم عزلوه من منصبه في لندن . قمت بجهد المقل ، وكانوا يريدونني أن أعمل في وزارة الأعلام فكتبت إلى وزير الإعلام أقول : " أن حكومة لا تحترم رجلا مثل جمال محمد أحمد لا تستحق أن يعمل الإنسان معـها " . وكان صرخة ضعيفة في واد سحيق ، لم يسمعها أحد ولم يكتـرث لـها أحد . ولم يكن ذلك عملا بطوليا مني ، فقد كنت في مأمن عند الإنجليز في لندن . منصور خالد صرخ بعد ذلك صرخة مدوية حين قتلوا محمود محمد طه ، رحمه الله . وهي حسنة أرجو أن تحسب له حين يجد الجد ، فأنه يسير الآن في طريق وعر ، لا أحسب أستاذه جمال محمد أحمد يرضاه له .

تبع ..

عجب الفيا
21-03-2006, 02:15 PM
]
أشهد أن جمال محمد أحمد كان من خيرة السفراء في لندن ، بل كان سفيرا نابغة بين السفراء . كان يعمل بأسلوب خاص به . لقد وظف علاقاته الواسعة منذ عهده في اكسفورد ، ومعرفته العميقة باللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية ، وجاذبية الشخصية ، كل ذلك وظفه في خدمة السودان والعرب أجمعين . وكان في أحسن حالاته خلال العهود الديمقراطية في السودان ، فإن من أصعب الأمور أن تكون سفيرا لنظام ديكتاتوري في بلد ديمقراطي كان إنسانا ، ليبراليا ، بحق وحقيقـي ، بالمعنى الحسن للكلمة . كان بين مثقفي الإنجليز كأنه واحد منهم ، وبين مثقفي إفريقيا كأنه واحد منهم . وكان بوسعه أن يتنقل بسهولة بين حالات متباينة من العيش ، فقد ولد ونشأ في قرية من قرى شمال السودان ، فظل قرويا في بساطته وحنوه . وكان من صفوة الصفوة بين السودانيين ، فعاش في المدينة كأنه نشأ فيـها . وتشبع بالثقافة الإنجليزية بشكل لم يتح إلا للقليلين ، فكان في لندن أو أكسفورد مثل السمكة في البحر . وكان عاشقا للعروبة ، ولمصر بصفة خاصة ، فكان في بغداد أو بيروت أو دمشق أو القاهرة كأنه في الخرطوم . فقد جمع جمال محمد أحمد كل هذه الصفات التي تبدو متناقضة بلا أدنى جهد أو مشقة . كانت شخصيته خالية تماما من التوتر والعنف . ليس معنى هذا أنه لم يكن يتعذب ويعانى . بلى ، ولكن أحزانه كانت بعيدة الأغوار . لابد أنه حزن لضياع الأرض التي ولد وتربى فيها ، وتشرد أهلها شمالا وجنوبا . ولابد أنه حزن لما حل بالسودان وبالأمة العربية . وعلى الصعيد الشخصي كان يحس لذعة فقدان الخلان أكثر من غيره . لقد حزن لموت أحمد الطيب وعبد الإله أبو سن والشيخ المرضي ومحمد أحمد محجوب وغيرهم . وحزن حين ألجم المرض صديقه القديم داؤد عبد اللطيف بعد أن كان ملء السمع ذكاء وفصاحة . وحين ألم المرض بمحمد عمر بشير قال لي في حزن بالغ : " يعني هل الناس الأخيار بهذه الكثرة حتى يضيع منا محمد عمر بشير ؟" ولكن الله لطف بمحمد عمر فشفاه من علته أطال الله عمره . أنه أشبه الناس بجمال محمد أحمد في علمه وثقافته وذكائه وسعة أفقه وطيبته . وقد كان بارا به إلى آخر لحظة ، خاصة في الأيام المظلمة أواخر عهد نميري حين ضاقت الدنيا بالناس ، وبدا كما لو أن السودان قد لبس وجها غير وجهه المألوف . أحس جمال محمد أحمد إحساسا عميقا بالمأساة . وكان محمد عمر بشير وآخرون إلى جواره يسرون عنه ويشدون أزره .
كان جمال محمد أحمد رحمه الله نسيج وحده بأدق معاني الكلمة ، في حياته وفي فكره . وكان أسلوبه في الكتابة من الأساليب المميزة في الأدب العربي المعاصر ، يمكن أن يوضع ، دون أدنى مبالغة ، جنبا إلى جنب مع الأساليب العظيمة كأسلوب طه حسين وأحمد زكى ومصطفى صادق الرافعي والمازني والمسعدي . كان إذا رثى الشاعر الإنجليزي لوى ماكنيس ، أو إذا وصف لقاءه للبابا ، أو إذا حدثك عن أيامه في جامعة هارفارد ، خلق لك عالما طريفا مدهشا ، تتماوج فيه الأضواء والظلال ، والابتسام والسخرية ، والفكرة والأحاسيس ، شأن كل أدب عظيم ، فإذا أنت تسمع وترى وكأنما لأول مرة ، وإذا روحك تنتعش كأنك سبحت في بركة صافية ذات صباح جميل ، هكذا كان : ضوء كأنه مجموعة أضواء . كان أخا وأبا ومعلما لرهط كثيرين . وسوف يكتسي حزننا لفقده ألوانا شتى فيما بقى لنا من أيام .

الطيب صالح

***
* نقلا عن كتاب :سيرة كاتب سرة شرق
اعداد :علي عتمان محمد صالح والبشير سهل
الطبعة الاولي 1988
* * شاركت به في احتفال سودانيزاولاين بذكري جمال سنة 2003 [/size]

عجب الفيا
21-03-2006, 02:36 PM
في جمال محمد أحمد أعزى كل محمد أحمد

محمد المكي إبراهيم


لمن تهرع بكتابك الجديد ؟ بقصيدتك الأثيرة ؟ لمن تهدى لوحتك المنتقاة ؟ أي أرض تقلك وأي سماء تظللك تحت وقدة هذا الهجير وأي جبل يعصمك من الطوفان ماذا يبقى لك من هذه المدينة إذا أوصدت دونك " سرة شرق " مثلما أوصدت للأبد دار المجذوب الحكومية وقد أعجلوه عنها بالإنذار تلو الإنذار حتى لتخالهم بسبيل أن يشيدوها مرمرا ويجللوها كلسا ويغدو للطير في ذراها هدير، فإذا هي على حالها إلى اليوم باقية ما هدموا ولا شادوا ولا أنقصوا ولا أزادوا ولكنها الزراية بأهل الفضل والعلم .

موته موت دنيا كاملة كما يقول في عنوان كتابه الدكتور عبد الحليم وكانت دنيا وديعة لينة زينة في الدنياوات ، جمال كان بدرها وريحانتها وكان أيامها وكيلا للخارجية يأتي للمكتب بالجاكيت أو البليزر ذي الأزرار النحاس في جيبه العلوي منديل أحمر مطوي على هيئة الوردة وشعره كان أطول على تلك الأيام وقد شرع فيه المشيب شروعا ، ممتلئ العود مستقيمة كثير إشارات اليدين بسطا وقبضا يلون بذلك الحديث ، ويشترك رأسه وكتفاه وأساريره القسيمة في صنع التعبير .

داره كانت منتدى العلية من أهل الذوق والنجابة .. روحني على تلك الدار البهية أول عودة المحجوب من رحلة العلاج الأولى وكان رئيسا للوزارة في أوج الصولة والعنفوان حين دهمه المرض فعاد من الرحلة وقد فقد جزءا من توهج الحافظة الذي اشتهر به بين الناس . قال له جمال ابنك هذا يدرس سحيما عبد بنى الحساس ويستوحيه . وكان في الجمع محي الدين صابر فألقى شيئا من شعر سحيم وأخباره وقال صادقا أنه من النوبة أصلا ، يقره على ذلك أبو الفرج . وراح المحجوب يستنشدني شعره فأنشده البيتين والثلاثة أخالسه بها بالصوت الخفيض فيحفظها للتو ينشدها صابرا يغايظه بذلك يريه أن انتماء الاثنين للنوبة لا يجعله أحسن منه حفظا للشعر .

خلال ذلك يطوف جمال على الجالسين شأن رجل الصالون العريق يقرن هذا بذاك يدخل المحاورة ويخرج ، يغير مجرى الحديث ويجدده حتى لتصبح المحاورة طوافا على بستان وليس عكوفا على وردة مفردة .. وجه صبوح ، ضحكة رائقة وصور من الجد الساخر مألوفة عن لوردات البريطان . قد يحكى النادرة أو الاندكوت في عرف الغربيين ولكنه لا يروى النكتة أو الجوك في عرفهم أيضا . وبدأ لي أن ذلك من شيم أهل الذوق فالنكتة المروية ربما سمعها صاحبك سالفا ولكنه يتأدب لك . أما النادرة فلا تكون إلا جديدة طلية . ولحكمة ما كان صاحب التوحيدي يطلب منه في نهاية الإمتاع والمؤانسة أن يتحفه بملحة الوداع فلا يروى أبو حيان إلا النوادر بأسماء أماكنها وأبطالها .

حين وقع الخلاف بينه وبين أحد وزراء الخارجية كنا في اتحاد الدبلوماسيين ( وليس نقابتهم كما هو الحال الآن ) ورحنا إليه في مكتبه ننصره على الوزير فبكى من التأثر ومسح دمعه الكريم بمنديله الأحمر المطوي على هيئة وردة وكان ذلك آخر عهدي بالدمع في مكاتب الحكومة .

صهره الدبلوماسي اللامع مصطفى مدني كان أثيرا عنده ومرفوعا بينهما الحجاب فبلغ من كرمه ومأثرته أنه اصطفاني دون الجميع لأعمل معه في سفارة واحدة وكان ذلك أول عهدي بالعمل في السفارات . ومن مصطفى السفير ، كما يسمونه في العائلة ، وليس السفير مصطفى ، تعلمت خير ما تعلمت عن المهنة وتقاليدها الرفيعة . وعن طريق غرسه الكريم عائدة تلقيت أول هدايا السماء . وشاء ربك أن يجعل إقامتي معهم أسعد الأوقات وأطيبها وأبلغها أثرا في صنع حياتي كلها . . مأثرة لأب عظيم ولأبناء يستحقونه .

ثم جاء زمن الجدب والتعاسة … جاء النميري بسكاكين حقده الطوال يعملها في الأفاضل والأماثل وهم دائما أغراض للزمن والسفهاء فكانوا أن عزلوا جمالا وأحالوه على المعاش وقطعوا الصلة بينه وبين مهنة أحبها وأحبته فأسلست له القيادة ورأيت أن ذلك ظلم لا يمكن السكوت عليه فدبجت بذلك مقالة طويلة بعثتها للأستاذ بشير محمد سعيد لتنشر في الأيام ولم تكن قد أممت بعد وأغلب الظن أن بشير أطلع عليها جمالا فأخذته الخشية على مغبة ما كتبت فحال دونها والنشر وسطر لي رسالة رقيقة ابتدع فيها أسبابا وتعلات لما قام به من حيلولة دون نشر المقال . وكان ما ابتدعه قوله أنه علم بنية الحكومة طرد أقرباء الزعيم الأزهري في الخدمة المدنية فخاف أن يكون مقالي عنه حافزا للإقدام على ما انتووا من خراب بيوت الناس . ولم يكن الغالي ليعرف إنني وإن كنت من عشيرة الأزهري وأرحامه فإنني لست من أقربائه المباشرين وأسررت في نفسي أنها محض تحجـج . مأثرة أخرى لأبى المآثر والفيوض .

ثم استوى العود أو هكذا بدا لي فصارت صحبته متعة المتع وقفة للتثبت والاستيقان ، عرضة على شيخ الخلوة الحافظ المجود واستزادة من بحار العلوم وسعدت مرة أخرى بالعمل في ديوانه وهو وزير للخارجية فكان يدخرنى لأنواع من الصناعات كنت بها جد سعيد . مرة أراجع مقاله لهذه الدورية العالمية أو تلك ومرة أطالع سيناريو لأحد أفلام هوليود بعثوا به إليه . ومرة نراجع الكتاب الكريم لنتثبت صحة استشهاده للملك الحسن بالآية الكريمة " فاذهب أنت وربك فقاتلا عنا إنا ههنا قاعدون " يريد أن يتأكد من وجود فاء الاستئناف في أذهب وقاتلا والهاء الثانية في " ههنا " . وكنت قد تعرضت قبل مقدمه على الوزارة لما يتعرض له أهل الحظ المنكود من التخطي في الترقيات والترفيعات فكتمت الأمر عنه ولم يفاتحني فيه إلا بعد أن ترك الوزارة بسنوات فعرفت أنه كان يعلم وكان يعتبر ذلك من سفاسف الأمور التي لا ينبغي أن ينشغل بها الرجل الكريم . مأثرة أخرى لجمال ننجو بها من رضاء مايو أهلها .

يتبع ..

عجب الفيا
21-03-2006, 02:40 PM
وربما كان من واجبي أن أستفيض في الحديث عن دبلوماسية جمال محمد أحمد فهذا لكلينا المجال الأساسي هو كمعلم وأنا كطالب علم .

فأعلم حفظك الله أن جمالا ينتمي إلى جيل اقتحم الدبلوماسية اقتحاما إذ لم يكن هنالك وقت للبعثات والتدريب فالبلد تستقل وتريد أن تستكمل استقلالها بإنشاء سفاراتها وفتح حوارها مع العالم . ولم يكن من سبيل سوى انتخاب صفوة من مثقفيها لادارة ذلك الحوار . وكان جمال في طليعتهم ابن بلد نعم ولكن يتأمل وعن امتحان النوع الذي يعرف كيف يتكلم وكيف يأكل وكيف يشرب يرى إيجابيات الحضارة التي أنجبته كما يرى سلبياتها فينأى عن السلبيات على حين راح آخرون يدافعون عن تلك السلبيات على سبيل الكسل الفكري وانعدام المقدرة على التمييز بين الغث والثمين وأولئك الذين يلبسون الحذاء النمر في شوارع لندن وينقلون القعدة السودانية بذبائحها وكونكانها إلى أوروبا والذين لا تنحل عقدة ألسنتهم إلا بلغة الضاد فلا تحدثني عنهم .

أول عهدنا بالخارجية كانت تجرى بين أيدينا بعض ملفات الوزارة القديمة وكانت وقتها ملفات عاملة . وكنت أقلب صفحاتها للوراء فأجد أن لغة التخاطب بين الموظفين كانت لغة السكسون وأن أثنين من سفراء ذلك الزمان أوفدا إلى جنيف أول أعوام الاستقلال ليوقعا نيابة عن السودان على الاتفاقية الثانية لتحريم الرق … وأقرأ مكاتباتهما مع وكيل الوزارة بلغة السكسون فأعجب كيف لم يسمعا بأوراق التفويض ، ولماذا تبعث لهما الوزارة تفويضا غير قانوني الصياغة صادرا من جهة غير مخولة ، فيرتد التفويض مرتين وفي الثالثة يستحصل السفيران على الصياغة الصحيحة من منظمي المؤتمر ويبعثا بها للوزارة لتستنسخها على الوجه الصحيح وتوافيهما بها ليتمكنا من التوقيع .. عجبت لذلك إذ أنني حديث العهد بالوزارة كنت قد دربت على ذلك وأصبحت أعد تلك الأوراق للوفود المغادرة وأرفعها لتوقيع الوزير .

هنالك بدأ لي لأي مدى اقتحم أولئك الرجال عالم الدبلوماسية دون سابق إعداد ولكنهم في ظرف سنوات تمكنوا من فنونها وصاروا فيها أساتذة ومعا ولو لا بأسهم وجرأتهم ما كنا تعلمنا حرفا منها .. إنه النبوغ السوداني في أحسن أحواله وأصفاها . لقد بادر أولئك الأفذاذ مبادرة لولاها لظللنا نختصم ونتجادل إلى اليوم حول المصادر والأصول .

يقولون أن الدبلوماسية فن وليست علما مقننا فما عدا فنون البرتكول والاتكيت ليس هنالك من قانون مكتوب وكل شئ ما عدا ذاك متروك لتصرف الدبلوماسي واجتهاده . وقد كان هذا الفن يجرى في عروق جمال .. فاستطاع أن يتجاوز به الإطار الكلاسيكي لتقوم سفارته على البساطة والتواضع واجتذاب القلوب وهذا أنفع أنواع السفارات لدولة من العالم الثالث لا تخرج للعالم تفاخره وتباهيه وإنما تستعينه وتحاوره بلا استجداء . ويسحر شخصيته وتنوعها اصطفى لصداقته نفرا من أهل البلاد التي عمل فيها فصاروا أحبابا وشخصيين وأصدقاء دائمين للسودان .. صاروا مصدرا لمعلوماته سواء بقى بين ظهرانيهـم أو أرتحـل .. وكان بريده عامرا وذكره مرفوعا فأينما حللت أو ارتحلت لابد أن يلتمع في سماء حياتك نفر من رجال السياسة والصحافة يحدثونك عن ودهم لجمال ودوام صلاتهم به .

وكثيرون منا يصنعون صداقات خارج السودان ولكنهم بالكسل المعهود يتركون حبال الود تتراخى ويعلوها الزمن بالغبار .. إلا جمالا فإنه كان يحذق في التراسل ويستحليه ورسائله لأحبابه قطع من الأدب الرفيع يتكلف لها من الإتقان والتجويد نفس ما يتكلف لكتاباته المنشورة . وهو من القلة التي تحتفظ بدفتر للمذكرات اليومية يسجل فيها أحداث يومه الفكرية من كل نوع .

لعلك معي أن هذه الصفات نادرة الوجود في السودان وظني أنها وليدة التعمق المتأمل في حضارة الفرنجة من جوانبها الإيجابية وبالوقت ذاته وليدة الإحساس الحاد بعظمة الحياة وجمالها وقصرها اللذيذ فلا ينبغي أن تذهب في تزجية الفراغ أو اللهو الفارغ وعلى كل يوم من أيامها أن يترك بصماته على دفتر اليوميات وفي الرسائل إلى الأحباب . ولو صار من تقاليدنا العلمية استقصاء أخبار العظماء والمفكرين فأنني أنصح لمن يرغب في الماجستير أن يأخذها في استقصاء رسائل جمال لأحبابه ومريديه فإنه الظافر من ذلك بكنوز .

وأعلم حفظك الله أن الدبلوماسية لا تكون إلا حين يكون العلم السياسي فهي
مجرد مراسم وبرتكولات .. وهنا كان تفوق جمال .. فقد ألم بالعلم السياسي إلماما ضليعا متمكنا وأسعفه ذي ذلك لسان ذرب وتعبير جذاب وسلاسة في لغة الافرنج هي موضع إعجاب الافرنج .. فإذا حلل الأمور ووزنها وأفاض في شرحها أو أوجز ، داخل محدثه شعور أنه قد ظفر بغنيمة ووقف على دقائق فلا يملك إلا أن يفيض بما لديه .. وقد علم أهل هذه الصناعة أن الناس لا يتبرعون بمكنوناتهم تبرعا ولكنهم يتبادلونها تبادلا ولذلك نتحدث اللغة الدارجة عن تبادل المعلومات فالذي لا يعطى لا ينال وإذا لم تكن تملك التفاصيل فينبغي لك أن تمتلك الكليات أو على الأقل – المقدرة على عرض الأمور في شكلها الكلى .. وقد كان من حسن تتلمذي على جمال إنني فطنت إلى هذه الخصلة فيه وفطنت إلى مردوداتها الكثـار … فحين يخرج الناس بحبات اللؤلؤ يخرج جمال بعقد نظيم وحين ينظرون إلى الأمور من الثقوب الدقاق وتعميهم الأشجار عن منظر الغابة كان هو يستشرف الأمور من منظور بانورامي يجمع السهل والغابة والجبل .

إنسان عظيم إنسان جميل … نسترجع فيه ونتوجه بالحمد ، للذي لا مانع لما أعطى ولا معط لما منع . فمن نعمته وآلائه تعالى أن ألقى إلينا بهذه النفحة الزكية فعطرت حياتنا وأسعدتنا وعلمتنا التعلق بكل ما هو سام ورفيع .. ومن نعمته تعالى أنه أودع تلك النسمة الفواحة قلبا رقيقا حانيا يميل إلى القلوب الحوانى من كل جيل وسبيل فصار بين أحبابه وتلاميذه شيوخ وكهول وشباب يفع ودون ذلك .

عزاء أهلنا وسادتنا حرس البوابة الشمالية عزاء وصبرا جميلا مصطفى وعايدة .. عزاء جمال وآل محمد أحمد … عزاء لكل محمد أحمد في السودان أحس بكلمة وحرقة فراقه ..

وأما أنت أيها الغالي فالله أسأل أن يجمعني بك تحت لواء المصطفى أمام حوضه المورود … وسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون .

-- -------------------------
* نقلا عن كتاب :في سيرة كاتب سرة شرق
اعداد:د.علي عثمان محمد صالح والبشير سهل
الطبعة الاولي 1988
** شاركت به في احتفال سودانيزاولاين بذكري جمال سنة 2003

عجب الفيا
21-03-2006, 02:47 PM
رثاء صديقي الأستاذ جمال محمد أحمد رحمه الله تعالى *

عبد الله الطيب


ذكرت جمـالا صديقـي درج وكم لجمال الحيـاة ابتهـج
وكـان فتـى ذهبـي المحـيا يرى فيه ضوء الحياة انبلج
بل الموت كان على الناس حتما ونهجـا ولابـد أن ينتهـج
ذكرت براعتـه فـي الحـوار إذا جد أو بالمزاح أمـتزج
وعشنا زمانا وراء البحـــار وجمر الشباب شديد الوهج
ونقـرأ فـي شـغف لا نمـل بذوق سليم وفكـر نضـج

ذكــرت قراءتـنا ناقديــن فذا مسـتقيم وذا ذو عـوج
وكان العيار شـعور القلـوب نقيـم على ما نحس الحجج
إذا حكمــت أيدلوجيـــة علــى أيدلوجيـة لم نعج

قرأنا قضيـة في حكاية كفكا فقـال جمـال لنا في الدرج
كأنا هنـا في حكاية كفكــا نسـاق ليقطـع منـا الودج
وذلك أن الســلالم طالـت وكان الصعود بهـا ذا حرج
وكان مقيما لــدى فنــذق على ضيقـه عاليا كالبرج(1)

وزائر لنــدن فـي بدئـه يـرى كل شئ بها كالسمج
وكان جمال تخطـى الصعاب وفي سـر لنـدن حقا ولج
وقد خبـر الحسن منها الخبئ وأحزنه حيـن منهـا خرج

كما حـزن السر نجل الخليفة للبيـن كـل بكـى أو نشج
وكان القطـار لدى يســتن سمعنا الصفير له وانزلج (2)
وقـد كـان ذلك أوج الشباب الذي مشرق عنده كل فــج
وعدنـا جميعا نـؤم الصراع صراعا كرهناه أفنى المهـج

أتانى رسول نعـى لي جمالا فحق الدموع لــه أن تثـج
وان دموعي هذا القريــض الذي فيه شجوى شدا أو هزج
بكيت عليه بوجــد شـديد ومثلـى عليـه بكى وانتخج

نعوا لي جمالا فقالوا ذهـب وكان سنا وجـه كالذهـب
وكان امرئ عسجدي الأديـم ترى فيه ماء الحياة اصطخب
وكان ذكيا طموح الفـــؤاد وحلو الفكاهة مـر الغضـب

سمعنا بـه وهو في الثانوية ثـم عرفنـاه وقـت الطلب
ببخت الرضا ووجدنـاه فيها بحسـن الحديث لنا قد جذب
وأبـناء دفعتـه قبلـــه عرفناهـم الفضلاء النجـب
مضوا كلهم غير شيخين نرجو معا لهما طول عمر كتـب
وكانـت جمال له ببادرات من القول فيها بسهم ضرب
وعاتبــه الشيخ عبد العزيز يومـا فجاء بعذر عجــب
فسـر لسرعته في الجـواب فقال له أنت بالقـول طـب
ومن خلق الشيخ عبد العزيز يـرى الفكر آصرة كالنسب
كأن جمـالا إلى قلبـــه بفضل الذكاء دنـا وأقترب
وكنا نرى الشيخ عبد العزيز لنا في الدويم أبـا أو كـأب
وكان جمال يحب من الشعر بعض الطرائـف إذ تتخب

وكان يميل إلى المازنـي ويمقت أسلوب أهل الخطب
ويقرأ ليس لحب الظهـور بذاك ولكـن لحـب الأدب
وكان لـه كلـف بالرواية والمسرحية حيـن أغترب
وأذكر لمـا مضينا لنشهد تمثيل " هذا طريق العطب " (3)
وكان أسمها وحده كافيـا لو أنا عقلنـا لأن تجتنب
ولكنها فتنة قـد أردنــا بهــا للحضارة أن تنتسب
فلم نلف من بعد رفع ستارتها أي فائــدة تكتســـب
سئمنــا وكانت فراغا جسيما تحس بجسمك منه التعـب
وكان بها جانب من غموض على غير شئ غموض كذب
فضاق جمال بـها واكتـأب وقال هلـم نلـذ بالهــرب
لقد خيبت ظننا فخرجنــا لنقرأ في الخان شعر العرب (4)
وقال لنا أحمــد أننــي نهيتكما عن طريق العطــب
أليس أسمها وحده كافيـا غراب الردى عنده قد نعــب
وخالفتمانــي وضيعتما … نقودكمـا فـي مكـان خرب
وكان دعانا " لفلم " لو أنا ذهبنا لـه كـان هـذا أحـب

جمال مضى ومضى أحمد ومنذا إلى الموت لم يسـتجب
لقد نغص الموت طعم الحياة ولكــن ذلك حـتم وجـب
وأن فؤادي لذكراهمـــا حزين ودمع جفوني ســرب
وذا الشعـر فيه عزاء لنا بألحان هذا الغنـاء الطـرب

نعوا لي جمالا صديقي الفطن وجئت الصلاة فقالـوا دفـن
بكيت عليه بدمـع غزيــر وقلبي لموت جمـال حـزن

-----------------------

* القيت القصيدة في فبراير 1986 إبان انعقاد مؤتمر مجمع اللغة العربية .
(1) عاليا حال منصوب والبرج بضمتين ههنا كالبرج بسكون الراء في المعنـى .
(2) " يستن " بضم الياء وسكون السين الضمة طويلة وبضم التاء بعد ذلك
ضمة غير طويلة بل خفيفة ثم بعدها نون ساكنة Euston من أكبــر
محطات سكة الحديد بلندن وأجملها وتسافر القطارات منها إلى ليفربول
الميناء وإلى الشمال وكان آنئذ طريقة إلى ليفربول ثم إلى بورسـودان
بالبحر .
(3) هذه ترجمة تقريبية لاسم الرواية This way to the Tomb
(4) الخان بالخاء المعجمة أي الفندق .

عجب الفيا
22-03-2006, 05:25 AM
طبعا المفروض يكون العنوان :

جمال محمد احمد - بقلم الطيب صالح وآخرين

وليس وآخرون

تنبهت اليها بعد الارسال وما كان في طريقة

ارجو الفزع والنجدة من اخوانا في الاشراف والادراة خالد وحنينة ومعتصم وبقية العقد
ودمتم ذخرا لخدمة هذا الحوش الانيق

عجب الفيا
22-03-2006, 06:10 AM
جزيل الشكر للاعزاء في الادارة علي تصويب عنوان البوست

فزعكم سريع ان شاء الله دائما لاحقين وناجدين

وارجو ان اعتذر للاخوان الشقليني ومحمد الخضر

حيث انني لم اعلم انه تم تنزيل بعض هذه المواد في بوست للشقليني

ولم اعرف ذلك الا من حديث الخضر هذا الصباح في بوست توظيف اللهجة السودانية

عجب الفيا
22-03-2006, 09:26 AM
الاخ /عجب

اخترت عبد الله الطيب لأطرح مداخلتى من بين جميع المراثى التى نقلتها لنا مشكورا عن استاذنا جمال محمد أحمد ,و حا اقول عشان شنو! , حيث أعلم انه رغما عن قناعتى باولئك الافذاذ من الذين نعوه الا اننى شعرت برغبة فى ان يجاور حديثى المتواضع هذا تلك القصيدة أعلاه!, بجامع الفقد فى كل من الاسمين اولا ! ولغرابة القصيده فى بنائها وهى تأتى من قامة أحد فطاحلة اللغة العربية فى بلادنا والمنطقة المتحدثة بها ثانيا !ة

فى بداية الثمانينات كنت( راجلا )امشى من عند دار النشر بجامعة الخرطوم بعد ان اديت وجبة افطار الصباح مع كل من الصديق د. محمد المهدى بشرى واستاذنا الراحل على المك سنوات كانت ادارة تلك المؤسسه عند الآخير , وبينما كنت سائرا بشارع الجمهورية وأنا امنى النفس بعربة صديق او( فضل ظهر) يرحم( فلسى)ويتفضل بتوصيلى وأنا الغادى والرائح من امدرمان الى هذه المنطقة ايابا وذهابا دون فلس حتى للركوب , وقبالة مكاتب ادارة سودانير - ان كنت ما ازال مستحضرا خريطة عاصمة الترك - طرقت احدى اذني كركبة حادث مرورى خلفى مباشرة , وعندما التفت مذعورا اتضح لى بأن سائق عربة ملاكية اندفع بعربته من موقفها وهو يود الاسراع بها الى مشواره الذى يبدو فى غاية الاهمية لتصطدم مؤخرة عربته بعربة تاكسى جديده لنج كانت مقرشة بالقرب منه , فدشدشها دشدشة احدثت كثير خراب فى واجهتها .. حديدة التصادم والكشافات والزينة , وأظن من ضمنها (البوبينا) - هذا ان كنت ملما بمعرفة اين يكمن موقع الآخيرة فى هيكل أى سيارة تمشى على الارض ! , المهم خرجت من حالة الخلعة خوفا على بدنى الى حالة التعاطف مع سائق العربة التى صدمت للتو ثم توقفتالعربة الصادمة بفعل دخاخين مشعللة , ركضت ومعى نفر من المارة لنجدة السائق, والذى ترجل من العربة نحو ( السيارة ) الاخرى لفحص ما الم بها من خراب ,وهو يتسائل عن صاحبها الذى ظنه انه من بين حشد المارة الذين تجمعوا, وبينما أنا مشغول بفحص عربة الآخر المدشدشه فأذا بنظرى يقع على السائق ( الطائش ) لأكتشف أنه استاذنا جمال محمد أحمد بشحمه ولحمه ! , كانت هذه هى المرة الاولى التى اراه فيها عن قرب واحادثه ويحادثنى - المرة التى قبل ذلك كانت فى مأتم شيخ شعرائنا المغفور له محمد المهدى المجذوب من بعيد , وكنت أجلس فى صيوان العزاء بقرب اشقائى كمال وعبد المنعم الجزولى يتوسطنا الاستاذ فاروق ابو عيسى , وأظن ان خامسنا كان استاذنا عبدالله بولا ولست بالمتأكد , المهم فى الحظة التى كان فيها الراحل جمال يسأل عن صاحب العربة فأذا بى ودون اى لجلجة اقول له وانا مازلت مبهورا بتلك القامة والابتسامة الودودة والتواضع الجم ووقار الشعر الناصع البياض وهيبة الديبلوماسية السودانية( وسالى فو حمر) وحكايات مجلة الصبيان عندما كنا( يفعا)( وروح افريقيا)( ومطالعات الشئون الافريقة)وملامح ابنته الأنيقة التى كنت أراها بين وقت وآخر تسير فى ردهات القانون بجامعة الخرطوم وفى النشاط سنوات النشاط وهى تحمل بعضا من ملامح وجهه البشوش( وسرة شرق) ! , خرج صوتى من بين كل ذلك وانا اجاوب بتماسك اقنع من هب معى من المارة المتجمعين

انا صاحب العربة

فابتسم ثانية- استاذى - بكل جلال السودانيين الذين يودون فض المنازعات بالتى هى أحسن وهو يدخل احدى يديه ربما الى حافظة نقودة من جيبه الخلفى , حينها قلت له وبكل عفويه سودانيه ما يعنى:- حصل خير يا استاذ ومافى عوجه وانشاء الله جات سليمه ونحوه من طيب الحديث فى سماحة السودانيين ! , قلت كل ذلك وانا لا صاحب العربة المدشدشه ولا اى حاجه !, فقط موقف بتاع سلبطه اتخذت فيه موقفا افترضت ان صاحب العربة نفسه سيتخذه ان علم من هو الصادم ! , وبعد اجاويد المارة الذين ازداد حشدهم وتعضيدهم لتنازلى الجم عن( كامل حقوقى )- أنا ابن الأكرمين - اقتنع جمال الا انه أصر ان يعطينى رقم هاتفى فى محاولة آخيرة منه لتغيير رأيى بعد فحصى الدقيق فيما بعد لما اصاب ( عربتى ) حقيقة من دشدشة وبشتنه ! ة

غادر راحلنا جمال بعربته الى مشواره الذى حسبته لحظتها انه من الاهمية بمكان والا ما كان لرجل فى قامته ومكانته ان يفعل فعلته تلك ! , ثم غادر , وقبل ان اغادر أنا وبعض المحسنين من اجاويد الشارع ,الذين (غطسوا حجرى) عندما أصروا على الرجل بقبول ( تنازلى ), فأذا بشخص عريض المنكبين, بارز العضلات ويتدلى الشرر من احدى عينيه كما خيل لي من هيئته, وهو يركض نحو العربة المدشدشة سابا لاعنا! , وبين لازمات هيئته تلك وفحصه لمقدمة عربته المدهوسة وشرور النظرات المتدفقة من محجريه وهو يعاين فى المتجمعين حوله ,وتبرع بعض اؤلئك الذين كانوا قبل لحظات من ( المغرظين) لموقفى المتخذ بكل سماحة وشهامة تجاة الصادم, وتحولهم لشهود ملك )ضدى ودون أن اتهيأ للحظة انقضاض المفترس على فريسته فأذا بى احس بقبضة (القبضايا) على رقبتى التى كادت أن تنكسر ( كش )بدأت فورا وبهدوء نسبى كثيرا ما توفر لدي فى مثل هذه الظروف ان اقلل نفسيا من غضبة (سائق التاكسى )المشروعة !!, وبعد ان احسست بأن قبضاته واعصابه قد ارتختا رويدا , ثم رويداو رويدا وبمساعدة نفس شهود الاثبات بدأنا فى المضى قدما من أجل انعتاقى النهائى من بين قبضاته المميتة ! , حمدالله الآن قد تم فض اشتباكه معى بحسن تدبيرى وتدبير الاجاويد الذين ازدادت اعدادهم حولى وحول الفتوة بينما اختفى تماما أستاذى جمال غفر الله له ! ة , قال لى

ممكن بس تورينى انت عملت كده عشان شنو ؟ ة
قلت له : - اوريك جدا! ة
قال لى طبعا عاوز اعرف البخليك تتكلم وتقرر فى موضوع مابخصك شنو؟
قلت له :- ياابن العم والله العظيم انا غلطان وعارف نفسى غلطان وما كان مفروض اعمل كده ولو كان الصدمك ده اى واحد تانى ماكنت مشغول بالموضوع ده للدرجه دى, لكين ياخ الصدمك واحد من معارفى وامكن انت زاتك بتعرفو !ة
هنا تدخل احد المتجمهرين مؤكدا ان الصادم كان هو الاستاذ جمال محمد احمد ! ة
شعرت بأن المصدوم وكأنه قد تخلص نهائيا من بقايا غضبه المشروع ذاك فانفرجت شفتاه عن ابتسامة بدت خجولة كعادة السودانيين الطيبين ساعة البدء فى المغفرة والانشراح وهو يقول
جمال محمد احمد ؟ صدمنى ؟ ة


بعد نحو من نصف الساعة على ذلك المشهد , وبينما أنا امتطى عربته التاكسى الفارهة تلك وهى مدشدشة وهو ماخاصيهو أى شى .. وبينما نحن نتخطى الكبرى فى تلك الظهيرة الغائظة متوجهين من الخرطوم الى امدرمان قلت لصاحبى مالك (التاكسى) بعد ان تنازل بكل خشوع وجلال عن الموضوع بكامله وهو قد عرف ان (جمال محمد احمد) هو الصادم : - ايه رأيك تمشى تتغدى معاى فى البيت, واهو بالمره ممكن نتعرف اكتر ببعض

فرد علي بكل طيبة السودانيين وتقديرهم وتمييزهم للصالح من الطالح والاسود من الأبيض والتعيس من خايب الرجا , وجمال محمد أحمد من فلتكان محمد أحمد : -
عايزنا نتعارف اكتر من كده ؟ ! ة

ثم غادر حلتنا فى حى السوق بأمدرمان بعد ان اوصلنى وهو لا يلوى على شئ !ة

عندما دلفت الى داخل منزلنا المتواضع استقبلتنى شقيقتى ( مها) وهى تقول لى :- هسع دى (جمال) جانا بسأل عنك وقال ماشى وراجع وداير يتغدى معانا
قلت لها دون ان أدرى : -جمال محمد احمد ؟!ة
فردت قائلة : - ابدا .. جمال عبدالرحيم

-------------------------------
حسن الجزولي
____________________

* نقلا عن سودانيزاولاين : بوست عبدالله الطيب يرثي جمال محمد احمد

عالم عباس
22-03-2006, 11:35 AM
العزيز منعم
قرأت واستمتعت.
عوضني ذلك كتابي اقتنيت في سيرة كاتب سرة شرق
اعداد:د.علي عثمان محمد صالح والبشير سهل، تركته بالسودان( وما أحوجني إليه الآن)!، ولقد شفيت بما أوردت منه بعض شوقي
أسرتني قصيدة شيخنا العلامة عبد الله الطيب، وعلى ندرة بحرها فهي سلسة(لمن يعرف كيف يقرأها)، ورأيت أن ثمة أخطاء طباعية ربما ينبغي تصحيحها، وحاولت ذلك من الذاكرة والسياق، فعسى أن اكون قد وفقت، ووددت إعادة كتابتها بحيث يسهل قراءتها لغير الخبير، لكن عاقني قصور باعي التقاني فأحجمت، ولعل التصويبات القليلة عسى أن تكون بذي نفع!
لكم المحبة وإلى لقاء[/font]
[font=Simplified Arabic]
ذكرت جمـالا صديقـي درج وكم لجمال الحيـاة ابتهـج
وكـان فتـى ذهبـي المحـيا يرى فيه ضوء الحياة انبلج
بل الموت كان على الناس حتـ ماً ونهجـاً ولابـد أن ينتهـج
ذكرت براعتـه فـي الحـوار إذا جد أو بالمزاح أمـتزج
وعشنا زمانا وراء البحـــار وجمر الشباب شديد الوهج
ونقـرأ فـي شـغف لا نمـل بذوق سليم وفكـر نضـج

ذكــرت قراءتـنا ناقديــن فذا مسـتقيم وذا ذو عـوج
وكان العيار شـعور القلـوب نقيـم على ما نحس الحجج
إذا حكمــت أيدلوجيـــة علــى أيدلوجيـة لم نعج

قرأنا قضيـة قصةً في حكاية كفكا فقـال جمـال لنا في الدرج
كأنا هنـا في حكاية كفكــا نسـاق ليقطـع منـا الودج
وذلك أن الســلالم طالـت وكان الصعود بهـا ذا حرج
وكان مقيما لــدى فنــذق فندق على ضيقـه عاليا كالبرج(1)

وزائر لنــدن فـي بدئـه يـرى كل شئ بها كالسمج
وكان جمال تخطـى الصعاب وفي سـر لنـدن حقا ولج
وقد خبـر الحسن منها الخبئ وأحزنه حيـن منهـا خرج

كما حـزن السر نجل الخليفة للبيـن كـلٌّ بكـى أو نشج
وكان القطـار لدى يســتن سمعنا الصفير له وانزلج (2)
وقـد كـان ذلك أوج الشباب الذي مشرق عنده كل فــج
وعدنـا جميعا نـؤم الصراع صراعا كرهناه أفنى المهـج

أتانى رسول نعـى لي جمال ا فحق الدموع لــه أن تثـج
وان دموعي هذا القريــض الذي فيه شجوى شدا أو هزج
بكيت عليه بوجــد شـديد ومثلـى عليـه بكى وانتخج

نعوا لي جمالا فقالوا ذهـب وكان سنا وجـه وجهه كالذهـب
وكان امرئ عسجدي الأديـم ترى فيه ماء الحياة اصطخب
وكان ذكيا طموح الفـــؤاد وحلو الفكاهة مـر الغضـب

سمعنا بـه وهو في الثانوية ثـم عرفنـاه وقـت الطلب
ببخت الرضا ووجدنـاه فيها بحسـن الحديث لنا قد جذب
وأبـناء دفعتـه قبلـــه عرفناهـم الفضلاء النجـب
مضوا كلهم غير شيخين نر جو معا لهما طول عمر كتـب
وكانـت جمال له ببادرات بادرات من القول فيها بسهم ضرب
وعاتبــه الشيخ عبد العزيز يومـا فجاء بعذر عجــب
فسـر لسرعته في الجـواب فقال له أنت بالقـول طـب
ومن خلق الشيخ عبد العزيز يـرى الفكر آصرة كالنسب
كأن جمـالا إلى قلبـــه بفضل الذكاء دنـا وأقترب
وكنا نرى الشيخ عبد العزيز لنا في الدويم أبـا أو كـأب
وكان جمال يحب من الشعر بعض الطرائـف إذ تتخب تنتخب

وكان يميل إلى المازنـي ويمقت أسلوب أهل الخطب
ويقرأ ليس لحب الظهـور بذاك ولكـن لحـب الأدب
وكان لـه كلـف بالرواية والمسرحية حيـن أغترب اغترب
وأذكر لمـا مضينا لنشهد تمثيل " هذا طريق العطب " (3)
وكان أسمها وحده كافيـا لو أنا عقلنـا لأن تجتنب
ولكنها فتنة قـد أردنــا بهــا للحضارة أن تنتسب ننتسب
فلم نلف من بعد رفع ستارتها أي فائــدة تكتســـب
سئمنــا وكانت فراغا جسيما تحس بجسمك منه التعـب
وكان بها جانب من غموض على غير شئ غموض كذب
فضاق جمال بـها واكتـأب وقال هلـم نلـذ بالهــرب
لقد خيبت ظننا فخرجنــا لنقرأ في الخان شعر العرب (4)
وقال لنا أحمــد أننــي نهيتكما عن طريق العطــب
أليس أسمها وحده كافيـا غراب الردى عنده قد نعــب
وخالفتمانــي وضيعتما … نقودكمـا فـي مكـان خرب
وكان دعانا " لفلم " لو أنا انا ذهبنا لـه كـان هـذا أحـب

جمال مضى ومضى أحمد ومنذا إلى الموت لم يسـتجب
لقد نغص الموت طعم الحياة ولكــن ذلك حـتم وجـب
وأن فؤادي لذكراهمـــا حزين ودمع جفوني ســرب
وذا الشعـر فيه عزاء لنا بألحان هذا الغنـاء الطـرب

نعوا لي جمالا صديقي الفطن وجئت الصلاة فقالـوا دفـن
بكيت عليه بدمـع غزيــر وقلبي لموت جمـال حـزن

عجب الفيا
23-03-2006, 08:21 AM
يا سلام يا استاذ عالم
لقد احلت القصيدة بلمساتك الفنية وتصويباتك النابهة ، الى لوحة رائعة

لقد نقلت النص بالهيئة التي طبع بها سنة 2003 دون مراجعة وعاقني
عن اخراجه بصورة مقبولة في ذلك الوقت جهلي بالكي بورد وابجديات الطباعة
وما زلت اعالج جهلي دون جدوى.

عبدالله الشقليني
25-03-2006, 02:51 AM
عزيزنا الأديب الفنان / الفيا

لا أعرف كيف تنـزع زمانك لتكتُب كل ما تكتُب .
من جَرَّة خُرافية ، تُعِد لنا الخُبز وقت ما نشتهي ،
بل تطهو لنا الشهي من الأطعِمة بين الوجبات فننسى أنفُسنا .
تتخم البطون ونحتاج زماناً للهضم . فكبير الطُهاة يُمزِج النبيذ مع أعواد البُهار فتتخلَّق الطعوم الممهُورة ببصمات صاحبها .
عندما نفث رجل العربية الفخيم عبدالله الطيب وكتب عن جمال محمد أحمد :
وكان امرئ عسجدي الأديـم ترى فيه ماء الحياة اصطخب
لأيقنت أن النور يضرب صفحاً عن الأديم المُتلألئ ، يخطُف هو الأبصار .جمعت لنا سيدي من كل روض زهرة ، كتبها رفيق دربٍ أو صديق مُنعَطف زمان ، أو من تتلمَذ على يديه .
بحثت مراتٍ ثلاث عن ما خطه جمال مجمد أحمد ( في ذكرى بولس السادس ) واتبعتَ نصيحتك وبحت منذ العام 1976 م وإلى 1985 م من أعداد الدوحة القطرية ولم أعثُر على المقال !
وعجبت أيما عجب . وددت لو كان لدي من جُلاس النبي سليمان لأذن لي من فضله ولنلت مقصودي من الذي عنده علم من الكتاب !
جلست إلى صديق من العُمر الجميل ( الدكتور جعفر طه حمزة )
باحث هو في الدراسات الأفريقية والأسيوية ، له باع في الدبلوماسية ، طلب التفرُغ ثم هرب من الخارجية هُروب من لا يُحب ثقل القيود .
عزيزنا الأديب الرائع الفيا
قرأت معه المقال :
بدأ جمال المقال بسينمائية مُبهِرة :
أهذا كُل الرَجُل ؟
يقصُد هو الراحل البابا ( يوحنا بولس السادس ) :
تماماً كمن يُقدَم إليه بعض الأرز في قبضة يد ، وتأخذك الدهشة وأنت في ضيافة مُلوكية الطباع :
يحق لك أن تسأل : أهذا هو كل العشاء الذي ننتظر .
كان استخداماً مُترفاً للفلاش باك :
ثم عاد وبدأ يصف السيارة تقله هو مع السفير الراحل سر الختم الخليفة عند زيارتهما الفاتيكان .
جلست والصديق جعفر نأكُل الوجبة بشوكة صينية ، نختار الأحرُف واحداً فآخر . تعرف عندها أن الرجل قد طوّع اللغة التصويرية ، إذ ألبس الصمت جسداً مادياً حين كتب :
( يكاد الصمتُ يُلامسكَ )
سيُسكرني الدهر من التبطُل بحثاً عن النص في طُرقات الدنيا قبل أن أعثر على ضالتي .
شكراً لكل من كتبوا عن اللغة الساحرة ، التي أرفدت العربية إيوان وردهة يستحق جمال تكريم فوق كل تكريم . لم يتركنا يتامى بل ترك لك أسفاراً منها ننهل .

عكــود
25-03-2006, 11:04 AM
العزيز الأديب عجب الفيا،

لا أبالغ إن قلت أني أقرأ كل ما تمدّه لنا من موائد الأدب
لكني دائماً ما أخشى النشاز فأفضّل السلامة

أمّا هذه المائدة، فقد حوت من جميع الأصناف
جمال محمد أحمد
الطيب صالح
محمد المكي إبراهيم
عبدالله الطيب
حسن الجزولي
عالم عباس
عبدالله الشقليني
عجب الفيا

فكان لزاماً علي أن أقرأ وأشكر

ومن لا يشكر الناس، لا يشكر الله


عكـــود

عجب الفيا
25-03-2006, 02:51 PM
بحثت مراتٍ ثلاث عن ما خطه جمال مجمد أحمد ( في ذكرى بولس السادس ) واتبعتَ نصيحتك وبحت منذ العام 1976 م وإلى 1985 م من أعداد الدوحة القطرية ولم أعثُر على المقال !
وعجبت أيما عجب . وددت لو كان لدي من جُلاس النبي سليمان لأذن لي من فضله ولنلت مقصودي من الذي عنده علم من الكتاب !
.
صنوي في هوى الجمال عبد الله الشقليني
ادعو الله ان يبلغك مقصودك في الحصول على هذا المقال الكنز
وقد تبقى لك من ارشيف مجلة الدوحة ارشيف 1975 و1986
اول واخر سنة من عمر المجلة التي سوف لن تتكرر
فان لم تجد ارجو مراجعة ارشيف مجلة العربي فقد كان الراحل كتابات في اوائل الثمانينات .

لي عودة للحديث عن قصيدة عبد الله الطيب التي احتوت على لمحات من ميول جمال الادبية والاجتماعية
محبتي

عجب الفيا
26-03-2006, 05:08 AM
الاخ العزيز االاديب الاستاذ /ابو ذر عكود
تحيات نواضر
تبرأ انت من النشاز يا سيدي كلماتك دائما موزونة بميزان الدهب
ولكن دا من ذوقك الجميل
وكتر خيرك على هذه الكلمات الطيبات
وشكرا على مشاركتك لينا هذه المائدة الدسمة
وطبعا نحن لينا اجر المناولة

ودائما في انتظار مشاركاتك الجميلة