مشاهدة النسخة كاملة : مدخل لرؤى : محمد أحمد محجوب ، في بواكير أيامه
عبدالله الشقليني
16-12-2006, 07:23 AM
في الأدب والفن والثقافة والوطنية
مدخل لرؤى : محمد أحمد محجوب
تينع الثمرة وتزدهي ، تحفها الأوراق تحتفل بالخصوبة وهي في قمة التكوين . ترفرف الأجنحة إذ تضربها الريح وتنتصب البوصلة ، وتشير إلى الأفق والشمس تحاوره صباح مساء . على أرض تلك الأمة التي تزينت بتنوع الأعراق والديانات واللغات ، وما يتبع من ضروب فنون الشعب وآدابه ، نهض جيل تفتحت طاقته الثقافية والسطوة البريطانية في نصف عمرها . عنيت كوكبة من شباب الوطن حينها بالثقافة والفن والأدب لتلاقح الشجون الوطنية لشعب مغلول اليد ، إذ وجدوا أنفسهم في طليعته . فكانت رؤاهم الاستزادة من العلوم والثقافة استعدادا لتحمل الأعباء ومن ثم حمل المستعمر على الرحيل .
كان المحجوب من ضمن تلك الطليعة . ونتطلع الآن معكم إلى مقدمة سفر ضم مجموعة من المقالات المتفرقة كتبها في "النهضة " و"الفجر" ما بين عامي 1931 م و1937 م، وسماه ( نحو الغد ) . تكشف تلك المقدمة بعضاً من رؤاه خلال تلك الفترة ، قبل احتدام الصراع السياسي بين أطراف الحركة الوطنية ، ومن ثم انقساماتها وفق الذي عرفنا من بعد . والتي أسهمت بنصيبها من رفد الأزمة الراهنة للوطن .
فلنترك تفاصيل السياسة للناشطين ، ونتأمل المحجوب الكاتب و الأديب والمفكر من خلال تلك المقدمة ، ووهج الوطنية التي تغلف تلك الرؤى . ربما هي نافذة ينظر منها من يريد أن يعرف كيف كانت تفكر النخبة عند بواكير نهضتها تتلمس الطريق : المحجوب أنموذج .
وسنورد نص المقال :
عبدالله الشقليني
عبدالله الشقليني
16-12-2006, 07:27 AM
نص ما كتبه محمد أحمد محجوب في مقدمة سفره : ـ
مقدمة
المسطور في لوح القدر لاشك كائن ، وعلى المرء أن يتقبله راضيا .فقد شاءت قدرة الله أن يأتي جيلي في هذه البلاد في فترة إنتقال من أصعب وأحرج ما يتعرض له شعب من الشعوب ، ويزيدها خطورة أن هذا الشعب خاضع لحكم أجنبي ، وما يمكن إنجازه في بلاد حرة ناشئة في عام واحد يحتاج إنجازه هنا إلى عشرات الأعوام . وكان من حظ جيلي أن يكون الوارث الشرعي لتركة مثقلة بالديون وعليه أن يصفي الحساب ويبدأ صفحة جديدة يأمل أن تكون زاهرة وباقية على الزمن يزيد إليها الجيل المقبل ويتركها بدوره للأجيال المقبلة خير تراث وأثمن زخر .
والجيل الجديد الذي أشير إليه هو الذي نشأ بعد الثورة المهدية وتلقى من العلوم الحديثة قسطاً ولو يسيراً وتعرض إلى تجربات جسام كانت آخر تجربة منها تجربة عام 1924 م ، ذلك العام المليء بالحوادث والعبر والذي رأى بعده أبناء هذا الجيل أن لا خير في حركة قومية أو سياسية لا تدعمها ثقافة حقة وخلق رصين ومقدرة على تعرف صعاب الحياة والخروج منها بلباقة وحسن تدبير . وان هذه المؤهلات لا يمكن الحصول عليها بمجرد تلقى العلوم المدرسية ، بل لا بد من الدراسة الحرة والإطلاع الواسع المثمر والتروي في الأمور _ المحلي منها والعالمي _ ووضع الأساس لنهضة قومية في شتى فروع الحياة ، يزينها عقل ناضج ويحميها قلب نابض وإيمان قوي بالله والوطن . وكان أول ما اتجه إليه أبناء هذا الجيل وأقبلوا عليه إقبالاً صادقاً هو القراءة التي يرجى منها النفع ، فأخذوا يلتهمون جل ما تخرجه المطابع المصرية وبعض ما تخرجه المطابع الإنجليزية ، فهنالك من الشبان من يتوفر على دراسة العلوم الاقتصادية والسياسية وهؤلاء قلة . وهنالك من يدرس الآداب ويحسن أساليب الكتابة والخطابة في اللغة العربية وبعضهم يضيف إليها اللغة الإنجليزية لأنهم مؤمنون بأن إجادة تلك اللغة مما تستلزمه قضية البلاد في مقبل الأيام ، على أني لا أذيع سراً إذا قلت أن هذا النفر من أبناء البلاد قليل لا يفي بالحاجة ، ولكن فيه الكفاية ليقود الرأي ويوجهه ويرشد الشبان الجدد إلى طريق الدرس ليتكاثر العدد . وإن كان هنالك خير تمخضت عنه حركة التثقيف التي بدأها بعض أبناء هذا الجيل ، فهو أنهم قد فتحت عيونهم على النقص الثقافي المتفشي في بلادهم فأخذوا بتلافيه في أنفسهم أولاً ، وهاهم قد بدءوا يشخصون الداء ويقدمون الدواء لغيرهم . وأخذوا يقدرون مطالب هذه الفترة ، فترة الانتقال ، وما تحتاجه من هدم وبناء ، ومن حفاظ على الأخلاق والعقائد وقد اتخذوا لكل شيء أهبته وحملوا المعول والفأس يهدمون البائد المتداعي ويقطعون الأعشاب والطفيليات من النباتات ، ليضعوا الأساس للنهضة المقبلة .
وأول ما ظهر نتاج تلك الحركة الميمونة على صفحات مجلة النهضة السودانية لصاحبها الطيب الذكر محمد عباس أبو الريش ، ثم على صفحات مجلة الفجر لصاحبها الطيب الذكر عرفات محمد عبد الله ، وكلتا المجلتين من عمل هذا الجيل لم يقصد من ورائهما كسب مادي ، وإنما كان داعي الوطن رائد صاحبيهما عليهما أطيب الثناء من الله ومن أبناء هذه البلاد .
والمقالات التي يحويها هذا الكتاب نشرت كلها في مجلتي النهضة والفجر ما بين عامي 1931 م – 1937 م ، وكتبت جميعها خاصة لتينك المجلتين حيث كان لي شرف الاشتراك في تحريرهما . و لما كان عمل المجلتين هو النهوض بالبلد في جميع مرافقها فقد كان من الحكمة أن يقسم العمل ، وكان من نصيبي أن أتعهد الناحية الأدبية يساعدني في ذلك الكثيرون من أبناء هذه البلاد الذين جرت أقلامهم في صحف تينك المجلتين مشكورين ، وما كنت أحسب أن الأيام ستدور دورتها وتحتجب النهضة ومن بعدها الفجر ويقضي أبو الريش نحبه ويلحق به في الشهداء والصديقين عرفات الذي كان القدوة والمثل في الوطنية وعملنا لها . ما كنت احسبني سأجلس وأراجع ما كتبت لأقدمه للناس في كتاب بعد أن قدمته لهم فصولاً متفرقة في أزمنة متقاربة ومتباعدة ، ولكن هؤلاء الرفاق الذين اشتركوا معي في تحرير مجلتي النهضة والفجر ، والذين يتحملون بعض مسئولية النهوض بأعباء فترة الانتقال ما زالوا بي يحملونني على نشر هذه الفصول في كتاب لتكون بمثابة تمهيد لحياتنا الأدبية والاجتماعية ، وما زلت أعدهم وأماطلهم إلى أن قيض الله لي الآن أن أحقق رجاءهم عند حد رغبتهم . هذه المقالات والمحاضرات وإن كانت فصولاً متفرقة إلا أنها في جملتها تمت إلى بعضها البعض بوشائج من القربى ليس فقط في أنها من نتاج قلم واحد ، ولكن لأنها كتبت في شئون متقاربة وفي كثير من الأحيان يتفرع بعضها من بعض . فمن حديث عن " النهوض " في جملته إلى حديث عن " كيف ينهض الأدب " ومن حديث عن " البراعة والتقدير " إلى حديث عن " حياة السآمة والملل واثرها في تأخير الفنون والآداب " . وبينما أكتب عن " أدب التجارب " تجدني أكتب عن " الشعر إلهام وصناعة " ، أو عن " الشعر القومي " ، وفي الوقت الذي أحاول فيه وضع " مثل عليا للحياة السودانية المقبلة " تضرب على الحيرة نطاقاً من جديد فتسد علي كل أبواب التفكير فأوثر أن أتحدث للقراء عن " حيرة الأديب " وكيف السبيل إلى التخلص منها . وعندما تلوح بارقة أمل أو بسمة إسعاد وأكتب عن " الجمال في حياتنا " تأبى الجدود العواثر إلا أن اصطدم بحقائق الحياة وما نلقاه من عنت في بلادنا فأتحدث إلى مواطني عن " بلاد الجحيم " ، وفي الآونة التي أكتب فيها مقالاً عن " النقد " ومميزاته وطرقه وأحاول تطبيق تلك القواعد التي وضعتها للنقد على الصديق الشاعر صالح عبد القادر ، تأبى الكتب إلا أن تتراءى علي وإلا أن تحملني على المضي في هذه الدراسات الأدبية فأتحدث إلى القراء عن " الملاح التائه " و " الشرق والغرب يلتقيان " و " أدباء معاصرون " و " أديب " حتى أصبحت أجد هذه الكتب التي الجأ إليها _ هرباً من الكتابة التي لا تألفها النفس وخصوصاً إذا اتصلت ، تدفعني إلى الكتابة _ وويل لمن لا يدفعه الكتاب إلا إلي القلم والقرطاس !
ووشيجة أخرى أقوى من هذه وأثبت ، هي أن هذه المقالات والمحاضرات جميعها كُتبت بغرض واحد ألا وهو وضع الأساس لحياة أدبية واجتماعية لهذا البلد على النسق الذي يراه أبناء جيلي ويطمحون له وأراه معهم وأطمح له . فهذه الفصول إذن تمهيد لما هو آت ، وهي توجيه نحو الغد المنشود ، ومن هنا كانت تسمية هذا الكتاب " نحو الغد " .
عبدالله الشقليني
16-12-2006, 07:30 AM
إن هذا الغد قريب ولا ريب آت ، ومهمة هذا الجيل أن يعمل له فرادى ومجتمعين ، وهذا الغد سيكون زاهراً خالياً من الإحن والضغائن ، وسيكون عماده الحرية الذاتية والتسامح الشامل والتعاون مع جيراننا أولاً ، ومع بقية العالم ثانية . وسيقوم على ثقافة سودانية هي نتاج ثقافات متعددة ، ولكن بعد أن تأخذ الصبغة السودانية ، لأن السودان الجديد سيكون شعباً واسع الصدر ، مفتق الذهن يقبل على دراسة كل ما يهمه ويتعلق بمسائله في ثقافات كل الأمم الحاضرة والسالفة . وسيهضم تلك الثقافات ويحولها إلى دم يجري في عروقه ويختلط بدمه حتى يصبح دما سودانياً فيه كل مميزات السودان ، من أخلاق وعادات وطباع . وسيقبل على خلق أدبه الخاص وفلسفته الخاصة ، لأن تخيلات أهله وأحلامهم وأمانيهم غير تخيلات وأحلام وأماني الأمم الأخرى ، وسيتخذ من حوادثه وأخلاق أهله وتقاليدهم مادة لفنه القصصي والشعري ، ومن مناظر غاباته وصحاريه ووديانه مادة لفنه التصويري ، ومن مشاعر أهله واحساساتهم وحركاتهم وسكونهم مادة لموسيقاه . وكفاه الإسلام دينا ينير له طريقه الروحي .
إن هذا الغد قريب وإنا إليه سائرون ، وكل الذي قمنا به ونقوم به ، ما هو إلا بعض التمهيد في طريقنا " نحو الغد " . وما هذا الكتاب إلا لبنة في زاوية من أساس بنيان ذلك الغد المنشود ، لبنة ضمن لبنات كثيرة وضعها بعض شباب هذا الجيل من لحق منهم بربه ، ومن لا يزال حياً عاملاً في السر والعلانية .
ورجائي أن يكون هذا الكتاب بحق تمهيدا لما هو آت ، تمهيدا لمؤلفات سودانية في الأدب والاجتماع والسياسة ، وفي جميع فروع النهوض ، أن يكون تمهيدا لثقافة سودانية حقة ، تساهم بدورها في الزيادة إلى خزانة العرفان العالمية . وكم يكون سروري عظيماً لو كانت تلك المؤلفات من نتاج غيري من أبناء هذا الجيل الذين أعرفهم حق المعرفة ، وأعرف مقدار جهودهم في سبيل التثقيف والنهوض بأعباء فترة الانتقال ، والذين أرجو مخلصاً أن يخرجوا مؤلفاتهم السجينة إلى النور والحياة ، وأن يجلوا الصدأ الذي علق بأقلامهم أو كاد .أما أنا فأقسم جاهداً أنني سأواصل الجهود وسأحاول أن أقدم في القريب العاجل لبنة أخرى لتوضع في صرح نهضتنا المقبلة . وكما عملت في الماضي مع أصدقائي في الفكرة الوطنية والأدبية ، على تمهيد السبيل سأعمل معهم الآن وفي المستقبل لبناء صرح الغد المنشود ، وحاشاي أن أتنكر " للصداقة الفكرية " ، وأنا حسنة من حسناتها ، عرفت بواسطتها قيمة التعاون في الدرس ، والإنتاج وكيف يكون الصديق مصدر وحي وإنتاج للصديق .
وإني أرى واجباً لزاماً علي أن أقر الحق في نصابه ، وأنا أقدم هذه الفصول إلى القراء ، لأن في عنقي ديناً يجب أن اؤديه لعزيز علي وعليهم ، فقدناه في وقت نحن في أشد الحاجة إليه ، وذلك هو الأستاذ الطيب الذكر عرفات محمد عبد الله . فقد كان الدافع إلى كتابة معظم فصول هذا الكتاب بما يدور بيني وبينه من نقاش في شئوننا الأدبية والاجتماعية ، أو فيما كان يتطلبه مني من فصول لمجلتي النهضة والفجر . فقد كان رحمه الله ينبوع معرفة وأدب ، وشهاباً من الوطنية ملتهبا يصهر كل من يلامسه من أبناء جيله ، وقد كنت منه مكان قربي وعطف وموضع ثقة وسر ، وكان مني كذلك ، فأفدت منه كثيرا ، وتأثرت به كثيرا ، وأقل ما يستحقه من الوفاء أن أثبت له فضله أمام الناس والتاريخ . وإذا صادفت هذه الفصول نجاحاً ولقيت تقديراً فللعزيز الراحل الفضل والثناء ، وإن كانت دون ما أتمنى لها فله مني حفظ الجميل والشكران وليقبل معذرتي فربما كان مني التقصير في الأداء . وإني لأتوجه كذلك بشكري وتقديري لجميع أصدقائي الذين جمعت بيني وبينهم الفكرة الوطنية والأدبية ، وعملنا سوياً ولا نزال نعمل في سبيل تحقيق تلك الفكرة ، لأن هذه الفصول في جملتها حسنة من تلك الحسنات الفكرية . وأما القراء الأعزاء الذين تهافتوا على قراءة هذه الفصول عندما نشرت أولاً متفرقة والذين سيقبلون على قراءتها الآن ، فلهم مني الشكر ومن الله حسن الجزاء ، وإني لأعدهم وعد رجل حر ، على أني سأواصل القراءة لأثقف نفسي ، وسأواصل الكتابة لأساعد غيري من بني وطني على الأخذ بأسباب التثقيف ما وجدت إلى ذلك سبيلاً ، وفقنا الله جميعاً لما فيه خير الوطن .
الخرطوم 22 يونيو 1939 م ـ محمد أحمد محجوب
انتهت مقدمة المحجوب .
عبد الله الشقليني
11/09/2004
كمال علي الزين
16-12-2006, 09:23 AM
الحبيب الأديب / شقليني
كم أحب ذلك الرجل , المحجوب , إنه ذلك الزمان الجميل , الجيل , الوطن ,
كم قصرنا عن هؤلاء الرجال
كم قصرنا في حقهم ..
إنفض الذاكرة
وإنعشنا بهم وبسيرهم
المحبوب ( موت دنياه )
كأنه رفع عنه الحجاب
ماتت دنيا المحجوب
ودنيانا التي بها حلمنا ..
؟
محبتي
vBulletin® v3.8.8 Beta 2, Copyright ©2000-2026