تاج السر الملك
25-10-2007, 02:04 AM
اعتدت ان انشر حكاياتى فى سودانيز اون لاين. وتعودت ان يكون اول من يقرأها بشكل نقدى هى الدكتورة نجاة محمود ( بيان )
ولكن بيان تركت سودانيزاونلاين منذ فترة مسجلة موقفا رافضا للعديد من الممارسات التى مست بشكل مباشر اهل بيتها وعلى رأسهم الدكتور ابراهيم زوجها.
وقد احببت هذه المرة ان أسجل موقفا شخصيا.
قررت ان انشر هذه الحكاية، ابتداء، حيث تكتب ( بيان) فى سودانيات. وتناقشت فى الامر مع الاخ الصديق تاج السر الملك، الذى رحب مشكورا بدعم الفكرة. خاصة وانا لست عضوا فى سودانيات.
ارجو ان تستمتعوا بقرائتها.
منعم
أزقــــــــــة
(4) زقاق مستقيم
الى الدكتورة نجاة محمود والدكتور ابراهيم محمد زين
لم اقع على اية تفاصيل مثمرة فى كل الروايات التى رُويت، وكل الحكايات التى حُكيت، عن حياة (علوية باشرى)، أو (علوية النجيضة) كما ينادونها. ولها من الالقاب ايضا (علوية الشاويش) لصرامتها، و(علوية نسيج النقادة) لدقة تقاطيعها وجمال هيئتها. اما القابها السرية فلا حصر لها، الا ان اشهرها كان (علوية الضكرية).
لا اكاد اعرف شيئا عن حياتها قبل زواجها الاول، سوى بضعة اقاويل متفرقات، التقطتها من هنا او هناك. كانت قد ذهبت الى مدرسة بالواو الاولية للبنات وكانت - كما قيل - لها صولات وجولات فى شجاراتها مع اولاد مدرسة بالواو الاولية للبنين، طبعا بعد ان فرغت من كل الشجارات الممكنة مع تلميذات ومعلمات وخفراء وفراشات مدرسة البنات.
وقد سمعت حكايات اسطورية عنها فى شبابها حين امسكت بلص كان قد تسور الحائط الطينى فى بيت (سيداحمد الشايقى) اوكما ينادونه( سيداحمد الاعور)، صاحب الكنتين، فصرخت زوجة (الاعور) عندما رأت اللص يخرج عليها فجأة من خلف جوالات الفحم المردومة فى الحوش الورانى.
.
ان هى الا صرخة واحدة جمدت اللص فى مكانه لحظات من اثر المفاجأة. لحظات فقط، كانت كافية لان تصحو (النجيضة) من نومها مع انطلاقة الصرخة، ثم تقفز تلاثة حوائط متتالية تفصل بين بيتهم وبيت( الاعور). وتجثم- كما القدر- على صدر اللص الذى راح يعافر محاولا فقط استنشاق بعض الهواء النقى.
قيل انها ضرطت فى انفه مباشرة فأغمى عليه!! والثابت ان البوليس حين جاء كان اللص فى غيبوبة كاملة افاق منها بعد عدة ساعات ليجد نفسه داخل زنزانة رطبة فى مركز بوليس المدينة. ربما كان هذا واحدا من اهم الاسباب التى جعلت من الزقاق مكانا آمنا من غشوات اللصوص. فلا يكاد يذكر احد ان لصا قد سرق بيتا فيه. السرقة الوحيدة التى يتذكرونها كانت حين اختفت كراسى الجمعية التعاونية والتى اتهم فيها (عبد الله ولد البيه). كان هذا منذ زمان لايتذكره احد بالضبط، قبل ان يتحول مبنى الجمعية الى مسكن لمفتش الزراعة.
كان عندها شقيق واحد اشتغل فى الجيش ومات فى الجنوب. واربع شقيقات تزوجن وتفرقن فى اركان البلاد. وقد تزوجت على صغر من (عبد الدايم جقود) وسكنت معه فى الزقاق، وأنجبت تحته (زاكى الدين) و(موسى) ويقال له ( الاحمر) لسرعة غضبه وقلة صبره. و(بلال) الملقب ب (العجيل)، لسمنته وقصر قامته. ولما توفى عنها (جقود) تزوجها صديقه الحميم ( باب اللة) الدونقلاوى . قال ليتولى تربية ابناء صدبق عمره، وقد فعل واحسن الفعل فى تنشئتهم تنشئة تتحدث بها المدينة الى يوم الناس هذا. فصار ( زاكى الدين)، اكبرهم، من اشهر اصحاب التجارة بين الحدود مع يوغندا وكينيا وافريقيا الوسطى. كان ينقل كل شئ، الملح، وزيت السمسم، والحلويات، والدقيق، والصابون. وكان ينقل الدراجات، والاقمشة، والسكسك، والتمباك. ورحل عن الزقاق حيث ابتنى له قصرا فى ضاحية ( الامتداد)، حتى قبض عليه البوليس وفى مخازنه عشرة اطنان من البنقو، وحكم عليه بالمؤبد الذى قضى فيه خمس سنوات ثم توفى فى ظروف غامضة.
اما (موسى الاحمر)، فقد قتل بطعنة سكين فى مشاجرة داخل بار(الدرايسة) ولم يعرف قاتله حيث تفرق دمه بين قبائل السكارى.
الوحيد الذى خرج من تلك التشوهات هو( العجيل) والذى استقام اول حياته فصار درويشا ملازما لفروة الخليفة (عطا) ولد(الصادق) خليفة الشيخ(الدبيك) فى ضاحية (الفنجرة) ريفى (العبابير شرق) ثم تزوج من ابنة الخليفة وعاش معها سنة كاملة قبل ان تضبطه ووالدها يلوطه، فاصرت على الطلاق، وارتحلت الى حيث لايعلم بها الا الله. وعاد( العجيل) الى الزقاق وقد سبقته شهرته التى نشرتها الصحف، وعاش به فترة، ثم رحل الى الجزيرة(يقال) واخيرا، سافر الى السعودية ولم يعد قط.
ولما مات (الدونقلاوى)، قطعت جزء من البيت وبنت فيه الطاحونة والتى كانت تشتغل فيها بنفسها. كانت قوية البنية وحادة المزاج. وقد قيل انها فى اكتوبر كانت تقلب كومر البوليس وحدها.
فى اقوالها امامى افادت ( النجيضة) بأن الدونقلاوى كان يغيب عن المنزل فترات طويلة قد تصل الى عدة شهور ثم ينتصب فجأة فى وسط المنزل متنحنحا ليعلن عن قدومه. لاتدرى بالضبط اين يذهب ولا ماذا تفعل. قال لها مرة انه يتاجر فى الحبوب الزيتية. وهى بطبعها كما قالت لا تحب ان تطارد رجلا يهملها. ثم فالت والسخرية تطل من بين ثنايا كلماتها ان الدونقلاوى كان حضوره مثل غيابه .... سيان!!
لم تكن لتعرف له اعداء. كما ولم تكن تعرف له اصدقاء سوى ( ولد جقود) زوجها الاول. كان يأتى لزيارتهم يوميا ويجلسان تحت النيمة الكبيرة. كانا يلعبان الطاولة ويشربان الشاى ويهمسان دون ان تعرف ماذا يقولان. وعندما رجل زوجها واظب الدونقلاوى على الحضور فى نفس الموعد، وكان يجلس تحت نفس النيمة، وحده، ويشرب الشاى وحده. الا انه لم يكن يلعب الطاولة وحده. كما وانه لم يكن يهمس وحده.
ومنذ ان تزوجها لم تر اى مخلوق يأتى ويطرق الباب ليسأل عنه.
ضحكت بفجور حين سألتها ان كانت تعلم بأن له علاقات اخرى خارج الزوجية.
قالت انها لم تكن تعلم ان له شئ داخل الزوجية اصلا!!
حدثنى الدكتور (علم الهدى بادى)، حديثا قيما عن تاريخ الزقاق، منذ ان قدم اليه الشيخ (عبد المرفوع بالواو) المنحدر من اسرة بالواو الشهيرة فى تونس الخضراء، وانشأ اول الامر مدرسة (بالواو) الاولية للاولاد ثم اعقبها بمدرسة البنات. والتى تقوم مكانها الان مكاتب مصلحة المساحة.
وكانت مدرسة الاولاد فى الواقع هى اول ما انشئ فى هذا الزقاق، حتى قبل ان يكون هنالك زقاق اصلا. وقد سكن السيد عبد المرفوع اول الامر فى جانب من المدرسة والتى بدأت كغرفة وحيدة ابتناها بنفسه من الطين اللبن والقش، يقيم فيها الدرس نهارا ويسكن اليها ليلا. ثم بنى المرحاض بمساعدة رجل من البرنو اسمه ( بامَى ) صار فيما بعد خفيرا للمدرسة بعد توسع بنايتها وضمها للفسحة المجاورة من ناحية الجنوب، ثم اضيف اليها السور الخارجى فيما بعد. ثم تتالت البنايات وتطاولت من جهتى الشمال والجنوب اولا، ثم تلاصقت معها بنايات اخرى من جهة الشرق. وبنايات اخرى اقيمت فى الصف الموازى لها من جهة الغرب لتصير المساحة بينهما شارعا وحيدا مستقيما ينتصب من الشمال حيث يلاصق ( دكاكين العرب ) والتى صارت فيما بعد سوق المدينة الرئيسى، ويمتد جنوبا حتى ميدان الجامع، حيث يلعب الاولاد الكرة عصرا، ويؤمه اصحاب الكيف ليلا للتمتع بدخان سجائرهم التى يلفونها مخلوطة بالبنقو، او بسوائلهم التى يشترونها من الانادى الجاثمة على مبعدة من الزقاق، فى المنطقة التى تعرف الآن ب ( ديم القزاز).
او ل اطراف الخيط، تدلى امامى وانا امسك بصحيفتى اقلبها عند المغرب، جالسا فى قهوة ( صافى النية ) القائمة عند طرف الزقاق الجنوبى ليس بعيدا عن الجامع، وحولى فئات مختلفات من البشر بسحنات تتباين وتتطابق من شايقية وجعليين هم اصحاب وسائقى اللوارى الرابضة فى الميدان، الى فور ونوبة من عمال مصنع الثلج المجاور للديم، الى خليط من الحلب والعرب الصنايعية، الذين يبرعون فى صناعة الاسرة الحديدية والكوانين وبعض منتجات الصفيح من اوانى منزلية وغيرها.
كانوا يتسامرون، كعادتهم، عندما طرق اذنى اسم النجيضة، وأحد الحلب يصفها باللبوة. انتبهت، دون ان ارفع عينى من الصحيفة. وواصل الرجل بأنها تكثر من زياراتها لبيت ( ابونيران ) الفلاتى. وانه يستغرب ان تقيم امرأة فى حسنها علاقة مع هذا القزم القمئ!!
- عنده ماذا من بضاعات الرجولة!؟ والله لو رضيت بى لأريتها شيئا لم تذقه من قبل.
وعاتبه حلبى آخر
- انت دائما تكثر الكلام عن آلتك. والله اظنك ماعندك شئ
وضحكوا عليه حينا ثم جائنى صوت ( رحمة ) الحلبى
- انت تظن انها على علاقة بالفلاتى؟ والله انت لاتعرف شيئا. قل ياساتر
وصمتوا حينا فواصل الرجل
- علاقتها مع ( مريومة ) زوجته!!
وخيم صمت كثيف عقب افتضاح السر الذى دلقه الحلبى غير مكثرث كثيرا. حتى انا رفعت رأسى من الصحيفة ورمقته بنظرة سريعة، يبدو انه لاحظها فآثر الصمت، خاصة وهم لم يكونوا يعرفوننى بعد.
فى اليوم التالى ارسلت ( ولد البنقالى ) امباشى المركز لاستدعاء الرجل. ولما سألته عما يعرف انكر فى بادئ الامر ثم لما اخبرته بخطورة اخفاء معلومات تتعلق بقضية قتل، صمت قليلا ثم قال بأن كل مايعرفه هو انه دخل حوش الفلاتى بغرض تصليح ماسورة الحمام فى الحوش الورانى، وبدعوة من الفلاتى نفسه، وان الرجل تركه يعمل وذهب الى بعض شؤونه. وانه احتاج لبعض ادواته فذهب يطلبها، وعندما عاد شاهد (علوية الضكرية) تدخل البيت. قال بأنه لم يعر الامر انتباهة، وانه واصل عمله. ويبدو ان اهل البيت لم ينتبهوا لوجوده خاصة وان غيابه فى طلب الادوات قد اخذ وقتا طويلا. ثم انه شاهد مريومة تقوم باغلاق الباب بالضبة! واستغرب الامر، لكنه واصل عمله. وعند انتهاء العمل اراد ان يفتح المحبس الرئيسى من عند حنفية المطبخ، وكان عليه ان يمر بالفراندا، حين سمع اصواتا نسائية تهمس فى ايقاع يعرفه جيدا!! فاسترق النظر ورآهما معا، شبه عاريتين فوق السرير.
قال بأنه انتظر فترة يراقبهما، ثم انتبه لنفسه فعاد الى الحوش الورانى واحدث بعض الجلبة، جاءت على اثرها زوجة صاحب البيت تستطلع الامر، واندهشت لوجوده حيث قالت بانها لم تكن تظن انه لايزال موجودا. ثم اخبرها بأنه يريد ان يفتح المحبس، فذهبت معه الى المطبخ، وبعدها عاد ليتم عمله، ثم انصرف الى حال سبيله. وعاد مساء ليتسلم بقية حسابه من الفلاتى.
سألته عن معلوماته فيما يتعلق بقتل الدونقلاوى، فقال انه لايعرف شيئا عن الموضوع وان كل معلوماته مما يتناقله الناس فى المقهى.
عقب خروجه مباشرة، ارسلت فى استدعاء ابونيران الفلاتى، والذى جاء مستغربا الامر، فهو كما قال لم يدخل قسم الشرطة من قبل، لاشاكيا ولامشكوا. وكانت دهشته تبدو صادقة. سألته عن واقعة القتل وعن علاقته بالقتيل وزوجته، فقال انه لم تكن لديه علاقة بالرجل لامن بعيد ولامن قريب، وان زوجته كانت ولاتزال صديقة للنجيضة، وان الاخيرة هى التى تولت امر تجهيزها للزواج!! وانها لاتزال تزورهم بين الحين والحين لمساعدة مريومة فى التخلص من الشعر الزائد فى جسمها، او بغرض تزويقها كما تفعل النسوة عادة.
كنت فى حيرة من امرى تجاه استدعاء مريومة. فالامر لايخلو من خطورة اجتماعية. كما وان معلوماتى عن الامر الذى بينها وبين النجيضة لا تخرج عن كونها مستقاة من اقوال الحلبى، وأن الاخذ بها على اعتبار انها حقيقة، قد يدخلنى واياهم فى مشاكل لاحصر لها، كما وان الموضوع برمتهه يبتعد قليلا عن مجال القضية التى اعمل فيها، فآثرت الانتظار قليلا للتأكد من معلوماتى من ناحية، ولاستيفاء بعض شروط التحرى، من الناحية الثانية. وان كنت فى واقع الامر قد بيت النية على تجاهل الموضوع برمته مالم يستجد مايفيد بعلاقته بموضوع الجريمة. خاصة وكنت قد استبعدت مبدئيا علاقة النجيضة بالامر كله. حيث ثبت من كافة اقوال الشهود انها باتت ليلة اكتشاف الجريمة فى بيت ظار، فى الحلة الفوق، وهو بيت (حاجة قيمة) بل وانها وخلال اربعة ايام قبل ذلك اليوم لم يشاهدها احد تغادر بيت الظار وحدها الا لماما، وان اغلب خروجاتها كانت بصحبة الدكتور ( ياسين زين العابدين )، خبير تفكيك الآثار المشهور، وابن الحاجة قيمة الأكبر، وفى عربته التى سخرها لمشاوير السوق الكبير وتدبر توفير احتياجات حفلات الظار المتتابعة والتى قدر لها ان تكون سبعة ايام لولا حادث مقتل الدونقلاوى، فى بيته وداخل غرفة نومه، حيث انتهت جميع الحفلات بعد ظهر الربعاء، اليوم الخامس للظار.أى لحظة حضور البوليس الى البيت لأخذ (علوية الجاويش) بغرض التعرف على الجثة، والتى يبدو انها بقيت هنالك عدة ايام، ساعدت مع حرارة شهر مايو فى تحليلها، حتى ارتاب الجيران فى الامر بعد ان انبعثت الروائح الكريهة من البيت.
فى اقواله امامى، قال ( حامد ضرار الخاساوى ) والذى يمتهن الطباخة فى بيوت المناسبات، ان النجيضة قضت ليلة الخميس، ونهار وليلة الجمعة فى بيت ( عطانا بنت الباهى ). وقال بأنها كانت كثيرا ما تقضى بضعة ايام مع عطانا فى بيتها المطل على زريبة المواشى من ناحية الديم.
وقد سألته عن عطانا وعلاقتها بالنجيضة على ضوء شكوكى فى سلوك الاخيرة الجنسى، فأخبرنى بأن عطانا بعد ان تنصرت، ابتعد عنها كثير من احبابها القديمين، ولم تبق منهم على صلتها سوى علوية ( نسيج النقادة ) كما كان يناديها.
سألته عن عطانا، فقال، وفى كلامه شبهة خنوثة، ان عطانا تنصرت. وان امها خدمت عند ناس ( عبجى ) لثلاثين سنة. ثم خدمت هى عندهم بعد موت امها، بل وقبل ذلك، وكان اجرها طعاما وشرابا وفراشا لينا، يعبث فيه ( ناصف ) ابن عبجى الوحيد وسط ثلاث بنات. وكان يدس فى يدها بعض النقود ويغدق عليها من ثياب ( تيريزا ) الجميلة، فسألته عن ايهما يعنى بالجميلة، فضحك فى فجور واضح وقال: الثياب وتيريزا معا، وكانت اقرب بنات عبجى الى سن عطانا. وانها حين حبلت من ناصف اخذها عبجى ونسيج النقادة الى داية فى قرية (أم شلوخ) شمال المدينة، حيث اسقطت جنينها. ثم اشترى لها ناصف بيتها هذا فى الديم، والذى كان يزوره بانتظام، بل وواظب على زيارته حتى بعد ان تزوج من بنت ( الأصْوَلِّى ) وانجب منها اولاده الثلاثة. واكد لى بان عطانا كانت تداوم على الذهاب الى الكنيسة مع ناس عبجى كل يوم احد، وفى نفس الوقت كانت تذهب الى المسجد يوم الجمعة من كل اسبوع، وهى وان لم تكن تصلى غير الجمعة، الا انها كانت تصوم رمضان كله وتتطوع بالصيام يوم سبعة وعشرين رجب، بل وكانت تذهب الى الكنيسة وهى صائمة فى نهارات رمضان.
سألته عن سر علاقة عطانا بالنجيضة، فضحك قليلا ثم استغفر الله من سيرة الناس وقال بانه لايعرف شيئا. ولما الححت عليه قليلا قال بان كل مايعرفه هو ان ثلاثتهم كن يحببن الانفراد ببعضهن بغرض الونسة النسوانية!! فسألته عن ثالثتهن هذه فقال انها ( بثينة ) زوجة الناظر. ولما رأى الدهشة تكبر فى عينىَّ، قال بانه يقصد ( حمدتو ) الذى كان ناظرا لمدرسة بالواو للبنين فترة طويلة، وابتنى لنفسه بيتا فى الزقاق، ثم ترك المدرسة واشتغل بتجارة العيوش، والتمور. مع شريكه، (مجوك العبد) والذى قدم الى الزقاق فى زمان مضى وعمل خفيرا فى مدرسة البنات ثم تحول فجأة الى خفارة مدرسة الاولاد. وكان بجانب خفارته للمدرسة يقوم بتلبية حاجات بيت الناظر، ثم ضحك ضحكة صغيرة ماجنة وقال بأن من بينها احتياجات زوجة الناظر وبنت عمه الفارعة الجمال.
ولما استزدته قال بانه كان يعرف ان الناظر عنين لاينتصب!! وان مجوك كان يقوم مقامه فى تلبية حاجات زوجته. وانها لم تتطلق منه لانه فى النهاية ابن عمها ومن الضرورى ان تستر عليه. خاصة وانها كانت راضية تماما تحت العبد. ولم يكن لينقصها من الزواج شئ!!
المشكلة كانت فى معرفة تحركات المجنى عليه. خاصة فى الايام التى سبقت وقوع الجريمة. فلم يكن لدى اية معلومات عن نوع الاشغال التى يمارسها. ولا الجهات التى يذهب اليها عندما يتغيب عن بيته الاسابيع الطوال. ولم اقع له على اصدقاء ولا على اعداء. الرجل كان كأن لم يكن موجودا فى هذه الدنيا!! وماهى حقيقة علاقته بولد جقود، وفيم كانا يتهامسان طوال تلك السنين!؟
بل واين كان يقيم قبل زواجه من النجيضة؟ واين هم اهله؟ فحسب علمى لم يأت احد لحضور ليالى المأتم سوى اهل الزقاق المعروفين والجيران.
تقرير الطبيب الشرعى زاد الامر صعوبة علىَّ. فالرجل طعن بسكين كبيرة اكثر من عشرين طعنة كلها فى الصدر والبطن!! ثم ان قضيبه قد اقتطع من مكانه وحشر فى فمه!! مما يعنى ان للامر علاقة بالشرف والاخلاق!!
شرف من!!؟؟ وأخلاق من!!؟؟ فى هذا الزقاق العجيب؟؟!!
لم اعثر على احد شاهد الدونقلاوى وهو يعود من غيبته. ولا يوجد شاهد واحد يفيد انه رأى اى شخص يدخل او يخرج من بيت النجيضة!! حتى الطاحونة كانت مغلقة لعدة ايام بسبب غياب المرأة وانشغالها بأمر الظار. خاصة وانه لم يكن هنالك من يعمل فيها سوى النجيضة نفسها، بعد ان طردت كل العمال الذين تتالوا فى العمل معها. وكان ذلك امرا عاديا فى الزقاق حيث تظل الطاحونة مغلقة عندما تغيب صاحبتها فى واحدة من جولاتها الغريبة والتى تستمر عدة ايام. ولم تكن تفتحها بانتظام الا فى موسم تجهيز ( الحُـلومُـر ) قبل رمضان حيث تظل تعمل فيها الى وقت متأخر من الليل.
ولم اجد متطوعا واحدا لا فى الزقاق ولافى غيره يمد لى يد المساعدة او ينير طريقى ولو بضوء من شعلة ثقاب. الكل تمنع وادعى عدم المعرفة. والكل انكر. والكل ابتعد بنفسه واهله وماله، ولم يبق امامى سوى اغلاق القضية.
ما انا سوى متحرى بوليس متقاعد. ولست روائيا اروى جريمة واتعسف فى حلها بطريقة الرواة السحرية. حيث يظهر فى آخر الرواية من يقود الى الفاعل!! لا.. لم يظهر احد. ولهذا فان النيابة وافقت على تسجيل القضية ضد مجهول!!
منعم الجزولى
اكتوبر 2007
__________________________________________________
ولكن بيان تركت سودانيزاونلاين منذ فترة مسجلة موقفا رافضا للعديد من الممارسات التى مست بشكل مباشر اهل بيتها وعلى رأسهم الدكتور ابراهيم زوجها.
وقد احببت هذه المرة ان أسجل موقفا شخصيا.
قررت ان انشر هذه الحكاية، ابتداء، حيث تكتب ( بيان) فى سودانيات. وتناقشت فى الامر مع الاخ الصديق تاج السر الملك، الذى رحب مشكورا بدعم الفكرة. خاصة وانا لست عضوا فى سودانيات.
ارجو ان تستمتعوا بقرائتها.
منعم
أزقــــــــــة
(4) زقاق مستقيم
الى الدكتورة نجاة محمود والدكتور ابراهيم محمد زين
لم اقع على اية تفاصيل مثمرة فى كل الروايات التى رُويت، وكل الحكايات التى حُكيت، عن حياة (علوية باشرى)، أو (علوية النجيضة) كما ينادونها. ولها من الالقاب ايضا (علوية الشاويش) لصرامتها، و(علوية نسيج النقادة) لدقة تقاطيعها وجمال هيئتها. اما القابها السرية فلا حصر لها، الا ان اشهرها كان (علوية الضكرية).
لا اكاد اعرف شيئا عن حياتها قبل زواجها الاول، سوى بضعة اقاويل متفرقات، التقطتها من هنا او هناك. كانت قد ذهبت الى مدرسة بالواو الاولية للبنات وكانت - كما قيل - لها صولات وجولات فى شجاراتها مع اولاد مدرسة بالواو الاولية للبنين، طبعا بعد ان فرغت من كل الشجارات الممكنة مع تلميذات ومعلمات وخفراء وفراشات مدرسة البنات.
وقد سمعت حكايات اسطورية عنها فى شبابها حين امسكت بلص كان قد تسور الحائط الطينى فى بيت (سيداحمد الشايقى) اوكما ينادونه( سيداحمد الاعور)، صاحب الكنتين، فصرخت زوجة (الاعور) عندما رأت اللص يخرج عليها فجأة من خلف جوالات الفحم المردومة فى الحوش الورانى.
.
ان هى الا صرخة واحدة جمدت اللص فى مكانه لحظات من اثر المفاجأة. لحظات فقط، كانت كافية لان تصحو (النجيضة) من نومها مع انطلاقة الصرخة، ثم تقفز تلاثة حوائط متتالية تفصل بين بيتهم وبيت( الاعور). وتجثم- كما القدر- على صدر اللص الذى راح يعافر محاولا فقط استنشاق بعض الهواء النقى.
قيل انها ضرطت فى انفه مباشرة فأغمى عليه!! والثابت ان البوليس حين جاء كان اللص فى غيبوبة كاملة افاق منها بعد عدة ساعات ليجد نفسه داخل زنزانة رطبة فى مركز بوليس المدينة. ربما كان هذا واحدا من اهم الاسباب التى جعلت من الزقاق مكانا آمنا من غشوات اللصوص. فلا يكاد يذكر احد ان لصا قد سرق بيتا فيه. السرقة الوحيدة التى يتذكرونها كانت حين اختفت كراسى الجمعية التعاونية والتى اتهم فيها (عبد الله ولد البيه). كان هذا منذ زمان لايتذكره احد بالضبط، قبل ان يتحول مبنى الجمعية الى مسكن لمفتش الزراعة.
كان عندها شقيق واحد اشتغل فى الجيش ومات فى الجنوب. واربع شقيقات تزوجن وتفرقن فى اركان البلاد. وقد تزوجت على صغر من (عبد الدايم جقود) وسكنت معه فى الزقاق، وأنجبت تحته (زاكى الدين) و(موسى) ويقال له ( الاحمر) لسرعة غضبه وقلة صبره. و(بلال) الملقب ب (العجيل)، لسمنته وقصر قامته. ولما توفى عنها (جقود) تزوجها صديقه الحميم ( باب اللة) الدونقلاوى . قال ليتولى تربية ابناء صدبق عمره، وقد فعل واحسن الفعل فى تنشئتهم تنشئة تتحدث بها المدينة الى يوم الناس هذا. فصار ( زاكى الدين)، اكبرهم، من اشهر اصحاب التجارة بين الحدود مع يوغندا وكينيا وافريقيا الوسطى. كان ينقل كل شئ، الملح، وزيت السمسم، والحلويات، والدقيق، والصابون. وكان ينقل الدراجات، والاقمشة، والسكسك، والتمباك. ورحل عن الزقاق حيث ابتنى له قصرا فى ضاحية ( الامتداد)، حتى قبض عليه البوليس وفى مخازنه عشرة اطنان من البنقو، وحكم عليه بالمؤبد الذى قضى فيه خمس سنوات ثم توفى فى ظروف غامضة.
اما (موسى الاحمر)، فقد قتل بطعنة سكين فى مشاجرة داخل بار(الدرايسة) ولم يعرف قاتله حيث تفرق دمه بين قبائل السكارى.
الوحيد الذى خرج من تلك التشوهات هو( العجيل) والذى استقام اول حياته فصار درويشا ملازما لفروة الخليفة (عطا) ولد(الصادق) خليفة الشيخ(الدبيك) فى ضاحية (الفنجرة) ريفى (العبابير شرق) ثم تزوج من ابنة الخليفة وعاش معها سنة كاملة قبل ان تضبطه ووالدها يلوطه، فاصرت على الطلاق، وارتحلت الى حيث لايعلم بها الا الله. وعاد( العجيل) الى الزقاق وقد سبقته شهرته التى نشرتها الصحف، وعاش به فترة، ثم رحل الى الجزيرة(يقال) واخيرا، سافر الى السعودية ولم يعد قط.
ولما مات (الدونقلاوى)، قطعت جزء من البيت وبنت فيه الطاحونة والتى كانت تشتغل فيها بنفسها. كانت قوية البنية وحادة المزاج. وقد قيل انها فى اكتوبر كانت تقلب كومر البوليس وحدها.
فى اقوالها امامى افادت ( النجيضة) بأن الدونقلاوى كان يغيب عن المنزل فترات طويلة قد تصل الى عدة شهور ثم ينتصب فجأة فى وسط المنزل متنحنحا ليعلن عن قدومه. لاتدرى بالضبط اين يذهب ولا ماذا تفعل. قال لها مرة انه يتاجر فى الحبوب الزيتية. وهى بطبعها كما قالت لا تحب ان تطارد رجلا يهملها. ثم فالت والسخرية تطل من بين ثنايا كلماتها ان الدونقلاوى كان حضوره مثل غيابه .... سيان!!
لم تكن لتعرف له اعداء. كما ولم تكن تعرف له اصدقاء سوى ( ولد جقود) زوجها الاول. كان يأتى لزيارتهم يوميا ويجلسان تحت النيمة الكبيرة. كانا يلعبان الطاولة ويشربان الشاى ويهمسان دون ان تعرف ماذا يقولان. وعندما رجل زوجها واظب الدونقلاوى على الحضور فى نفس الموعد، وكان يجلس تحت نفس النيمة، وحده، ويشرب الشاى وحده. الا انه لم يكن يلعب الطاولة وحده. كما وانه لم يكن يهمس وحده.
ومنذ ان تزوجها لم تر اى مخلوق يأتى ويطرق الباب ليسأل عنه.
ضحكت بفجور حين سألتها ان كانت تعلم بأن له علاقات اخرى خارج الزوجية.
قالت انها لم تكن تعلم ان له شئ داخل الزوجية اصلا!!
حدثنى الدكتور (علم الهدى بادى)، حديثا قيما عن تاريخ الزقاق، منذ ان قدم اليه الشيخ (عبد المرفوع بالواو) المنحدر من اسرة بالواو الشهيرة فى تونس الخضراء، وانشأ اول الامر مدرسة (بالواو) الاولية للاولاد ثم اعقبها بمدرسة البنات. والتى تقوم مكانها الان مكاتب مصلحة المساحة.
وكانت مدرسة الاولاد فى الواقع هى اول ما انشئ فى هذا الزقاق، حتى قبل ان يكون هنالك زقاق اصلا. وقد سكن السيد عبد المرفوع اول الامر فى جانب من المدرسة والتى بدأت كغرفة وحيدة ابتناها بنفسه من الطين اللبن والقش، يقيم فيها الدرس نهارا ويسكن اليها ليلا. ثم بنى المرحاض بمساعدة رجل من البرنو اسمه ( بامَى ) صار فيما بعد خفيرا للمدرسة بعد توسع بنايتها وضمها للفسحة المجاورة من ناحية الجنوب، ثم اضيف اليها السور الخارجى فيما بعد. ثم تتالت البنايات وتطاولت من جهتى الشمال والجنوب اولا، ثم تلاصقت معها بنايات اخرى من جهة الشرق. وبنايات اخرى اقيمت فى الصف الموازى لها من جهة الغرب لتصير المساحة بينهما شارعا وحيدا مستقيما ينتصب من الشمال حيث يلاصق ( دكاكين العرب ) والتى صارت فيما بعد سوق المدينة الرئيسى، ويمتد جنوبا حتى ميدان الجامع، حيث يلعب الاولاد الكرة عصرا، ويؤمه اصحاب الكيف ليلا للتمتع بدخان سجائرهم التى يلفونها مخلوطة بالبنقو، او بسوائلهم التى يشترونها من الانادى الجاثمة على مبعدة من الزقاق، فى المنطقة التى تعرف الآن ب ( ديم القزاز).
او ل اطراف الخيط، تدلى امامى وانا امسك بصحيفتى اقلبها عند المغرب، جالسا فى قهوة ( صافى النية ) القائمة عند طرف الزقاق الجنوبى ليس بعيدا عن الجامع، وحولى فئات مختلفات من البشر بسحنات تتباين وتتطابق من شايقية وجعليين هم اصحاب وسائقى اللوارى الرابضة فى الميدان، الى فور ونوبة من عمال مصنع الثلج المجاور للديم، الى خليط من الحلب والعرب الصنايعية، الذين يبرعون فى صناعة الاسرة الحديدية والكوانين وبعض منتجات الصفيح من اوانى منزلية وغيرها.
كانوا يتسامرون، كعادتهم، عندما طرق اذنى اسم النجيضة، وأحد الحلب يصفها باللبوة. انتبهت، دون ان ارفع عينى من الصحيفة. وواصل الرجل بأنها تكثر من زياراتها لبيت ( ابونيران ) الفلاتى. وانه يستغرب ان تقيم امرأة فى حسنها علاقة مع هذا القزم القمئ!!
- عنده ماذا من بضاعات الرجولة!؟ والله لو رضيت بى لأريتها شيئا لم تذقه من قبل.
وعاتبه حلبى آخر
- انت دائما تكثر الكلام عن آلتك. والله اظنك ماعندك شئ
وضحكوا عليه حينا ثم جائنى صوت ( رحمة ) الحلبى
- انت تظن انها على علاقة بالفلاتى؟ والله انت لاتعرف شيئا. قل ياساتر
وصمتوا حينا فواصل الرجل
- علاقتها مع ( مريومة ) زوجته!!
وخيم صمت كثيف عقب افتضاح السر الذى دلقه الحلبى غير مكثرث كثيرا. حتى انا رفعت رأسى من الصحيفة ورمقته بنظرة سريعة، يبدو انه لاحظها فآثر الصمت، خاصة وهم لم يكونوا يعرفوننى بعد.
فى اليوم التالى ارسلت ( ولد البنقالى ) امباشى المركز لاستدعاء الرجل. ولما سألته عما يعرف انكر فى بادئ الامر ثم لما اخبرته بخطورة اخفاء معلومات تتعلق بقضية قتل، صمت قليلا ثم قال بأن كل مايعرفه هو انه دخل حوش الفلاتى بغرض تصليح ماسورة الحمام فى الحوش الورانى، وبدعوة من الفلاتى نفسه، وان الرجل تركه يعمل وذهب الى بعض شؤونه. وانه احتاج لبعض ادواته فذهب يطلبها، وعندما عاد شاهد (علوية الضكرية) تدخل البيت. قال بأنه لم يعر الامر انتباهة، وانه واصل عمله. ويبدو ان اهل البيت لم ينتبهوا لوجوده خاصة وان غيابه فى طلب الادوات قد اخذ وقتا طويلا. ثم انه شاهد مريومة تقوم باغلاق الباب بالضبة! واستغرب الامر، لكنه واصل عمله. وعند انتهاء العمل اراد ان يفتح المحبس الرئيسى من عند حنفية المطبخ، وكان عليه ان يمر بالفراندا، حين سمع اصواتا نسائية تهمس فى ايقاع يعرفه جيدا!! فاسترق النظر ورآهما معا، شبه عاريتين فوق السرير.
قال بأنه انتظر فترة يراقبهما، ثم انتبه لنفسه فعاد الى الحوش الورانى واحدث بعض الجلبة، جاءت على اثرها زوجة صاحب البيت تستطلع الامر، واندهشت لوجوده حيث قالت بانها لم تكن تظن انه لايزال موجودا. ثم اخبرها بأنه يريد ان يفتح المحبس، فذهبت معه الى المطبخ، وبعدها عاد ليتم عمله، ثم انصرف الى حال سبيله. وعاد مساء ليتسلم بقية حسابه من الفلاتى.
سألته عن معلوماته فيما يتعلق بقتل الدونقلاوى، فقال انه لايعرف شيئا عن الموضوع وان كل معلوماته مما يتناقله الناس فى المقهى.
عقب خروجه مباشرة، ارسلت فى استدعاء ابونيران الفلاتى، والذى جاء مستغربا الامر، فهو كما قال لم يدخل قسم الشرطة من قبل، لاشاكيا ولامشكوا. وكانت دهشته تبدو صادقة. سألته عن واقعة القتل وعن علاقته بالقتيل وزوجته، فقال انه لم تكن لديه علاقة بالرجل لامن بعيد ولامن قريب، وان زوجته كانت ولاتزال صديقة للنجيضة، وان الاخيرة هى التى تولت امر تجهيزها للزواج!! وانها لاتزال تزورهم بين الحين والحين لمساعدة مريومة فى التخلص من الشعر الزائد فى جسمها، او بغرض تزويقها كما تفعل النسوة عادة.
كنت فى حيرة من امرى تجاه استدعاء مريومة. فالامر لايخلو من خطورة اجتماعية. كما وان معلوماتى عن الامر الذى بينها وبين النجيضة لا تخرج عن كونها مستقاة من اقوال الحلبى، وأن الاخذ بها على اعتبار انها حقيقة، قد يدخلنى واياهم فى مشاكل لاحصر لها، كما وان الموضوع برمتهه يبتعد قليلا عن مجال القضية التى اعمل فيها، فآثرت الانتظار قليلا للتأكد من معلوماتى من ناحية، ولاستيفاء بعض شروط التحرى، من الناحية الثانية. وان كنت فى واقع الامر قد بيت النية على تجاهل الموضوع برمته مالم يستجد مايفيد بعلاقته بموضوع الجريمة. خاصة وكنت قد استبعدت مبدئيا علاقة النجيضة بالامر كله. حيث ثبت من كافة اقوال الشهود انها باتت ليلة اكتشاف الجريمة فى بيت ظار، فى الحلة الفوق، وهو بيت (حاجة قيمة) بل وانها وخلال اربعة ايام قبل ذلك اليوم لم يشاهدها احد تغادر بيت الظار وحدها الا لماما، وان اغلب خروجاتها كانت بصحبة الدكتور ( ياسين زين العابدين )، خبير تفكيك الآثار المشهور، وابن الحاجة قيمة الأكبر، وفى عربته التى سخرها لمشاوير السوق الكبير وتدبر توفير احتياجات حفلات الظار المتتابعة والتى قدر لها ان تكون سبعة ايام لولا حادث مقتل الدونقلاوى، فى بيته وداخل غرفة نومه، حيث انتهت جميع الحفلات بعد ظهر الربعاء، اليوم الخامس للظار.أى لحظة حضور البوليس الى البيت لأخذ (علوية الجاويش) بغرض التعرف على الجثة، والتى يبدو انها بقيت هنالك عدة ايام، ساعدت مع حرارة شهر مايو فى تحليلها، حتى ارتاب الجيران فى الامر بعد ان انبعثت الروائح الكريهة من البيت.
فى اقواله امامى، قال ( حامد ضرار الخاساوى ) والذى يمتهن الطباخة فى بيوت المناسبات، ان النجيضة قضت ليلة الخميس، ونهار وليلة الجمعة فى بيت ( عطانا بنت الباهى ). وقال بأنها كانت كثيرا ما تقضى بضعة ايام مع عطانا فى بيتها المطل على زريبة المواشى من ناحية الديم.
وقد سألته عن عطانا وعلاقتها بالنجيضة على ضوء شكوكى فى سلوك الاخيرة الجنسى، فأخبرنى بأن عطانا بعد ان تنصرت، ابتعد عنها كثير من احبابها القديمين، ولم تبق منهم على صلتها سوى علوية ( نسيج النقادة ) كما كان يناديها.
سألته عن عطانا، فقال، وفى كلامه شبهة خنوثة، ان عطانا تنصرت. وان امها خدمت عند ناس ( عبجى ) لثلاثين سنة. ثم خدمت هى عندهم بعد موت امها، بل وقبل ذلك، وكان اجرها طعاما وشرابا وفراشا لينا، يعبث فيه ( ناصف ) ابن عبجى الوحيد وسط ثلاث بنات. وكان يدس فى يدها بعض النقود ويغدق عليها من ثياب ( تيريزا ) الجميلة، فسألته عن ايهما يعنى بالجميلة، فضحك فى فجور واضح وقال: الثياب وتيريزا معا، وكانت اقرب بنات عبجى الى سن عطانا. وانها حين حبلت من ناصف اخذها عبجى ونسيج النقادة الى داية فى قرية (أم شلوخ) شمال المدينة، حيث اسقطت جنينها. ثم اشترى لها ناصف بيتها هذا فى الديم، والذى كان يزوره بانتظام، بل وواظب على زيارته حتى بعد ان تزوج من بنت ( الأصْوَلِّى ) وانجب منها اولاده الثلاثة. واكد لى بان عطانا كانت تداوم على الذهاب الى الكنيسة مع ناس عبجى كل يوم احد، وفى نفس الوقت كانت تذهب الى المسجد يوم الجمعة من كل اسبوع، وهى وان لم تكن تصلى غير الجمعة، الا انها كانت تصوم رمضان كله وتتطوع بالصيام يوم سبعة وعشرين رجب، بل وكانت تذهب الى الكنيسة وهى صائمة فى نهارات رمضان.
سألته عن سر علاقة عطانا بالنجيضة، فضحك قليلا ثم استغفر الله من سيرة الناس وقال بانه لايعرف شيئا. ولما الححت عليه قليلا قال بان كل مايعرفه هو ان ثلاثتهم كن يحببن الانفراد ببعضهن بغرض الونسة النسوانية!! فسألته عن ثالثتهن هذه فقال انها ( بثينة ) زوجة الناظر. ولما رأى الدهشة تكبر فى عينىَّ، قال بانه يقصد ( حمدتو ) الذى كان ناظرا لمدرسة بالواو للبنين فترة طويلة، وابتنى لنفسه بيتا فى الزقاق، ثم ترك المدرسة واشتغل بتجارة العيوش، والتمور. مع شريكه، (مجوك العبد) والذى قدم الى الزقاق فى زمان مضى وعمل خفيرا فى مدرسة البنات ثم تحول فجأة الى خفارة مدرسة الاولاد. وكان بجانب خفارته للمدرسة يقوم بتلبية حاجات بيت الناظر، ثم ضحك ضحكة صغيرة ماجنة وقال بأن من بينها احتياجات زوجة الناظر وبنت عمه الفارعة الجمال.
ولما استزدته قال بانه كان يعرف ان الناظر عنين لاينتصب!! وان مجوك كان يقوم مقامه فى تلبية حاجات زوجته. وانها لم تتطلق منه لانه فى النهاية ابن عمها ومن الضرورى ان تستر عليه. خاصة وانها كانت راضية تماما تحت العبد. ولم يكن لينقصها من الزواج شئ!!
المشكلة كانت فى معرفة تحركات المجنى عليه. خاصة فى الايام التى سبقت وقوع الجريمة. فلم يكن لدى اية معلومات عن نوع الاشغال التى يمارسها. ولا الجهات التى يذهب اليها عندما يتغيب عن بيته الاسابيع الطوال. ولم اقع له على اصدقاء ولا على اعداء. الرجل كان كأن لم يكن موجودا فى هذه الدنيا!! وماهى حقيقة علاقته بولد جقود، وفيم كانا يتهامسان طوال تلك السنين!؟
بل واين كان يقيم قبل زواجه من النجيضة؟ واين هم اهله؟ فحسب علمى لم يأت احد لحضور ليالى المأتم سوى اهل الزقاق المعروفين والجيران.
تقرير الطبيب الشرعى زاد الامر صعوبة علىَّ. فالرجل طعن بسكين كبيرة اكثر من عشرين طعنة كلها فى الصدر والبطن!! ثم ان قضيبه قد اقتطع من مكانه وحشر فى فمه!! مما يعنى ان للامر علاقة بالشرف والاخلاق!!
شرف من!!؟؟ وأخلاق من!!؟؟ فى هذا الزقاق العجيب؟؟!!
لم اعثر على احد شاهد الدونقلاوى وهو يعود من غيبته. ولا يوجد شاهد واحد يفيد انه رأى اى شخص يدخل او يخرج من بيت النجيضة!! حتى الطاحونة كانت مغلقة لعدة ايام بسبب غياب المرأة وانشغالها بأمر الظار. خاصة وانه لم يكن هنالك من يعمل فيها سوى النجيضة نفسها، بعد ان طردت كل العمال الذين تتالوا فى العمل معها. وكان ذلك امرا عاديا فى الزقاق حيث تظل الطاحونة مغلقة عندما تغيب صاحبتها فى واحدة من جولاتها الغريبة والتى تستمر عدة ايام. ولم تكن تفتحها بانتظام الا فى موسم تجهيز ( الحُـلومُـر ) قبل رمضان حيث تظل تعمل فيها الى وقت متأخر من الليل.
ولم اجد متطوعا واحدا لا فى الزقاق ولافى غيره يمد لى يد المساعدة او ينير طريقى ولو بضوء من شعلة ثقاب. الكل تمنع وادعى عدم المعرفة. والكل انكر. والكل ابتعد بنفسه واهله وماله، ولم يبق امامى سوى اغلاق القضية.
ما انا سوى متحرى بوليس متقاعد. ولست روائيا اروى جريمة واتعسف فى حلها بطريقة الرواة السحرية. حيث يظهر فى آخر الرواية من يقود الى الفاعل!! لا.. لم يظهر احد. ولهذا فان النيابة وافقت على تسجيل القضية ضد مجهول!!
منعم الجزولى
اكتوبر 2007
__________________________________________________