ali rofaie
16-10-2005, 08:30 PM
ملحوظة مهمَّة : يُرجى مِمَّن يودُّ الاطِّلاع عَلَى الجزأين الأَوَّل والثَّانى مِن هذا اللَّقاء الصِّحافى الرُّجوع إِلى أَرشيف سنة 2005م
* بعد أَنْ أَوفى على الرُّفاعى في جزء من إِجابة السُّؤال السَّابق أَحد مقوِّمات الرِّواية وهو اللُّغة حقَّه ؛ نسأَله عن شرط آخَر مِنْ شروط الرِّواية النَّاضجة .. نسأَله عن الشَّخصيَّات ؛ هل الشَّخصيَّات في روايات عَلَى الرُّفاعى حقيقيَّة أَم خياليَّة؟ ومانوع علاقة على الرُّفاعى بشخصيَّاته الرِّوائيَّة؟ وكيف تتبلوَّر الشَّخصيَّة الرِّوائيَّة في رواياته؟ وهل حاج النُّعْمان شخصيَّة حقيقيَّة أَم خياليَّة؟ نترك له حقَّ الإِجابة غير مرتَّبة بحسب أَجزاء السُّؤال .
ـــ قبل أَنْ أُجيبك أَرجو أَن تصغى إِلىَّ قليلاً ؛ إِذ سأَخصُّك بشىء لم أَخصَّ به أَحداً قبلك .. شىء لم أَقله من قبل لجنس إِنسان . أَنا لى شكوى .. فعلى الرَّغم مِنْ أَنَّنى لم أَتعوَّد الشَّكوى في كُلِّ عمرى .. لم أَتعوَّد شكوى الحال والنَّاس والزَّمان .. على الرَّغم مِنْ ذلك أَشكو إِليك وإِلى النُّقَّاد والقُرَّاء والأَحرار في كُلِّ مكان .. أَشكو إِليكم المدعو : "حَسُّوْن وَدَّ النُّعْمَان" رحمه اللَّه . حَسُّوْن لم يلزم حدوده و"مَرَق مِنْ عِلَبه" كما يقول أَهلنا الطَّيِّبون . يُقالُ إِنَّ شخصيَّة حَسُّوْن شخصيَّة خياليَّة ؛ لكنَّها أَحالت واقعى إِلى جحيم وقَلَعَتْ صَمْغَة رأَسى . حَسُّوْن عاش في الدُّنيا بإِرادته .. اغترب ببلاد الإِنجليز بإِرادته .. عمل بإِحدى جامعات أَفريقيا يإِرادته .. تزوَّج قاريقا بإِرادته ؛ وانتحر باختياره . لم أَتدخَّل مطلقاً في أُموره منذ أَنْ صدمنى في اَوَّل مواجهة بيننا .. كلَّما رسمتُ له طريقاً سلك غيره .. كلَّما حاولتُ إِقناعه بفكرة جاءنى بفلسفة كاملة .. حذَّرته فما انتهى وزجرته فما تورَّع . حَسُّوْن استغلَّ مساحة الحريَّة الواسعة الَّتى أُوفِّرها لشخصيَّات رواياتى ؛ فصادر منِّى حرِّيتى الشَّخصيَّة . ياآنسات وسادة وسيِّدات : أَنا ضحيَّة شخصيَّة اسمها حَسُّوْن وَدَّ النُّعْمَان . هل اَدركتم الآن أَنَّ المؤَلِّف قد يُصبح ضحيَّة شخصيَّة مِنْ شخصيَّات رواياته؟ حَسُّوْن أَقلق نومى وبدَّد راحة نفسى حتَّى بعد أَنْ مات .. أَفكاره ظلَّت تطلُّ كرؤوس الشَّياطين بين وقت قصير وآخَر .. ظلَّت تطلُّ عَلَى الدُّنيا وهو في عالَمٍ غير الدُّنيا .. أَطلَّت ـ بعد الطَّاحونة ـ في ثنايا :"النِّيْل يعبر إِلى الضَّفَّة الأُخرى" . لكنَّنى لم أَنتبه إِلى اَنَّ هذه الإِطلالات ماهى إِلاَّ بداية لكارثة اُخرى .. لم أَنتبه إِلى أَنْ أَلمَّت بقُوْز قُرَافِى الخواجيَّة جُوْهانا ريد . هذه الخواجيَّة آفة مِنَ الآفات .. ظلَّت تتقصَّى ـ بدأَب غريب ـ سيرة حَسُّوْن مِنْ حاج النُّعْمَان ومِنْ أَهل أَبورِغيوة ومِنْ ضابط شرطة بمَرَوِى ومِنْ عَمِّى تَبيْق ومِنْ أَهل قُوْز قُرافِى فرداً فرداً؛ حتَّى توصَّلت إِلى أَنَّ حَسُّوناً قد تزوَّج شقيقته"قاريقا"؛ الأَمر الَّذى لم يكتشفه إِلاَّ لحظة دخوله بها ؛ فأُصيب بجنون مُؤَقَّت فانتحر قبل أَنْ يفيق منه . هذه الخواجيَّة لم تسلم هى الأُخرى مِنْ شخصيَّة حَسُّوْن بعد أَنْ سرقت عظامه مِنْ قُوْز قُرَافِى وحملتها إِلى لندن ؛ فدخلت في مشاكل لاعَدَّ لها مع برلمان بلادها ومع سفير السُّودان بلندن وغيرهم وغيرهم إِلى آخِر القصَّة المعروفة . أَنا لااُطالب إِلاَّ بشىء واحد : إِنصافى مِنْ حَسُّوْن وَدَّ النُّعْمَان وإِيقافه عند حدِّه ؛ وإِلاَّ فإِنَّنى سأَتَّبِع أُسلوباً آخَر .. أُسلوب " عَلَىَّ وعَلَى أَعدائى يارب" .
لعلَّ فى ذلك مايُوَضِّح العلاقة بينى وبين بعض شخصيَّات رواياتى .. علاقة مُتَأَزِّمَة أَحياناً ؛ بسبب قوَّة شخصيَّة ما وطغيان نفوذها وسطوتها الفكريَّة والرُّوحيَّة . أَقول بعض وليس كُلَّ شخصيَّات رواياتى . وفى واقع الأَمر ليست لدىَّ شخصيَّات مُفَصَّلَة وجاهزة لرواياتى ؛ وفى أَغلب الأَحيان لاأَعرِف صاحب الشَّخصيَّة إِلاَّ بعد كتابتى عنه بوقت طويل ؛ وقد لاأَعرِفه أَبداً! وقد أَوقعتنى عدم المعرفة هذه في الحرج كثيراً ؛ إِذ فجأَة يأَتينى مَنْ يقول لى إِنَّ الشخصيَّة الفلانيَّة هى شخصيَّة فلان ؛ وبالفعل أَجد أَنَّ كُلَّ الصِّفات والملامح تنطبق تماماً عَلَى تلك الشَّخصيَّة! لعنة اللَّه على العقل الباطن الَّذى تترسَّب فيه الأَشياء فلاينساها مطلقاً وإِنْ نسيها العقل الواعى ؛ وَأنا بين هذين العقلين كعصفور في أَيدى أَطفال . عموماً أَقول لك ـ إِنْ بالعقل الباطن أَم بالعقل الواعى ـ إِنَّ شخصاً عاديّاً للغاية ليست له أَىُّ علامات مُعَيَّنة ولاميزات خاصَّة قد يتحوَّل فجأَة بقدرة قادر إِلى بطل يُزْجِى ـ كأَنُوشَرْوان ـ الصُّفُوف تحت الدِّرَفْسِ! أَىُّ شخص يٌقابلنى أَويُحادثنى أَويُضاحكنى أَويُؤاكلنى أَو يُسافر معى أَونُصَلِّى معاً أَويتزوَّج مِنِّى الخ الخ ؛ لايأَمن أَنْ اُدخِلَه إِلى معملى الخاصَّ ويخرج منه بصورة أُخرى . مِنْ أَين تأْتينى هذه الرُّوح الَّتى اَرسمُ بها شخصيَّات رواياتى ؛ والَّتى بِتُّ حقّاً أَخاف منها وأَخشاها؟ لاأَدرى . أَهو شىء في أَعماقى يخرج منِّى ؛ أَمْ هو شىء يدخل أَعماقى مِنَ الخارج يسكن فيها حيناً ثُمَّ يخرج منها؟ كُلُّ الَّذى أَعرفه أَنَّنى لست ُ أَدرى لست ُ أَدرى . الأَمر كُلُّه ـ بالنِّسبة لى ـ مِنَ الشَّخصيَّات إِلى الأَحداث إِلى النَّتائج المرجُوَّة إِلى الآفاق المُحْتَمَلة ؛ شىء غامض غامض غامض . وقد أَراحنى كثيراً قول مَنْ يمتُّ إِلىَّ بقرابة لصيقة : "داخل كُلّ إِنسان في الدُّنيا روايات وروايات ؛ ومِنَ النَّاس مَنْ يُقَدَّرُ لرواياته أَنْ تخرج منه ؛ ومنهم مَنْ يدخل القبر ورواياته قابعة في أَعماقه" . لقد أَراحنى قوله هذا كثيراً ؛ فقد شاءت قدرة اللَّه ـ بلا أَىِّ تَمَيُّزمنِّى ـ أَنْ تخرج هذه الرِّوايات ـ أَوعَلَى الأَقلِّ بعضها ـ مِنْ أَعماقى .. رُبَّما حتَّى لاتُقْلِقُنى في قبرى .
من ذلك ترى أَخى الفاضل أَنَّ الشَّخصيَّة بعد أَنْ تخرج مِنْ تَنُّوْر معملى الخاصِّ ؛ هى في الغالب مزيج حقيقة وخيال . بعض شخصيَّاتى الرِّوائيَّة قد تحمل اسمها الحقيقى مثل تَبيْق وهو لقب له وليس اسمه الحقيقى ؛ وقد ذكرتُ اسمه الحقيقى في رواية قبيلة مِنْ وراء خط الأُفق وهو : "أَحمد مصطفى عبدالرَّحيم" ؛ بل ذكرتُ اسم أُمِّه في الرِّواية نفسها :"التُّومَة" . هذا جانب مِنَ الحقيقة في شخصيَّة تَبيْق ؛ ولكن هنالك الكثير مِنَ الخيال اَضفيتًُه عَلَى أَقواله وطريقة حياته وفهمه للأشياء . ورُبَّما يكون هنالك جانب مِنْ تجربته في الحياة وصفاته الشَّخصيَّة هو مِنْ الجوانب الحقيقيَّة فى شخصيَّته ؛ كذلك الأَمر بالنِّسبة إِلى شيخنا وَدْ جَكُّوْم . أَمَّا شخصيَّة نِمِر سائق اللَّورى بالفصل الأَوَّل مِنْ رواية الشَّمس تغيب إِلى أَعلَى ؛ فتكاد تكون الشَّخصيَّة الحقيقيَّة الوحيدة فى كُلِّ رواياتى ؛ أو عَلَى الأَقلِّ قَصَدْتُ أَنْ تكون الحقيقيَّة . فهو باسمه وصفاته نِمِر بابِكِر الَّذى مازال عَلَى قيد الحياة ؛ ويسكن بمنطقة "منصُوْركُتِّى" . وقد أُتيحت لى فرصة مقابلته قبل نحو شهرين ؛ فوجدْتُه مازال كما وصفْتُه في تلك الرِّواية .. وجدْتُه فنَّاناً بأَدقِّ معانى كلمة فنَّان ؛ ومازال رقيقاً وحسًّاساً ومُرْهَفاً .. يُصافحك بالدُّموع مِنْ عينيه قبل أَنْ يُصافِحك بيديه . وشخص كهذا يحتاج إِلى معاملة خاصَّة وعناية خاصَّة مِنَ المجتمع قبل رعاية الدُّولة ؛ فهو دُرَّة نادرة في ركام الحياة المُتَعَجْرِفة في هذا الزَّمن الأَرعن .
كما ذكرتُ فإِنَّ معظم الشَّخصيَّات فى رواياتى هى مزيج من واقع وخيال ؛ وأُضيف أَنَّ أَكثر هذه الشَّخصيَّات شخصيَّات مُرَكَّبة مِنْ عِدَّة شخصيَّات ؛ مِنْ الصَّعب التَّوصُّل إِلى صاحبها الأَصلىِّ . وهذا في نظرى يخدم ناحية فنيَّة مُهِمَّة ؛ فقد أَكون بحاجة إِلى خمس شخصيَّات تؤدِّى خمسة أَدوار ؛ لكنِّنى أَدمجها في شخصيَّة واحدة تحمل صفات هذه الخمس شخصيَّات وتُؤَدِّى أَدوارها ؛ فأُوفِّر بذلك أَدوار خمس شخصيَّات وأَسماءها في محاولة لتفادى تزاحم الشَّخصيَّات وكثرتها في الرِّواية الواحدة . ومع هذا لم أَسلم مِنْ هذه الكثرة ؛ وإِنْ كان لهذا الأَمر دواعيه وأَسبابه المنطقيَّة الكثيرة الَّتى يضيق هذا المجال عن إِحصائها . أَمَّا بالنِّسبة لحاج النُّعمان فهو ليس استثناءً مِنْ مزيج الواقع والخيال ؛ إِلاَّ أَنَّ صفاته لاتجدها في بقيَّة الشَّخصيَّات وقَدَرُه هو قَدَرُه وحده ؛ يختلف عن قَدَر أَىِّ شخصيَّة أُخرى في نوعه وكَمِّه . هذا ؛ وهناك مِنْ شخصيَّات رواياتى ماهو مَحْضُ خيال لاجذور لها في الواقع ؛ كشخصيَّة الرَّجل الَّذى خطف فصّاً مِنَ البُرتُقال مِنْ حَرَّان آدم الخَطِيْب عند النِّيل في وقت الأَصيل ؛ وأَخبره أَنَّه قد حضر زواجه الثَّانى وهو زواجه بالسَّهْوَة بِتْ مَنْصُوْر؛ وأَخبره أَنَّه ـ أىْ حَرَّان ـ قد هرب مِنْ ذاك العَالَم ؛ إِلى آخِر القصَّة ؛ وذلك في رواية الشَّمس تغيب إِلَى اَعلى . ذلك لأَنَّ النَّاحية الفنيَّة وإِيقاع الرِّواية في هذا الجزء بالذَّات يقتضى أَنْ تكون هذه الشَّخصيَّة مِنْ نسج الخيال . ولكنَّ السُّؤَال هو :"هل شخصيَّة عَوَض وَدْ كُرَاع الفَرْوَة بطل رواية الشَّمس تغيب إِلَى اَعلى حقيقيَّة أَم خياليَّة؟ وهل رواية الشَّمس تغيب إِلَى اَعلى نفسها رواية حقيقيَّة أَم خياليَّة؟" أَترك الإِجابة لأَستاذتى مِنْ النُّقَّاد ومِنَ القُرَّاء الأَذكياء ؛ إِذ الإِجابة تتطلَّب تحليل النَّصِّ الرِّوائىِّ بكامله ؛ وماتعوَّدتُ تحليل نصوصى الرِّوائيَّة ؛ فقط أَكتبُ النَّصَّ وينتهى دورى عند هذا الحدِّ تماماً ؛ وأَترك النَّصَّ يقدِّم نفسه ويطرح شخصيَّته ويُدافع عن وجوده . إِذ أَنَّنى أُؤمن أَنَّ النَّصَّ الذَّى لايقدر عَلَى ذلك مِنَ الخير أَلاَّ يُكْتَبَ أَصلاً ؛ وذلك ليقينى التَّامِّ أَنَّ النّصَّ الجيِّد يجذب القارىء الجيِّد ويُحَفِّز النَّاقد الجيِّد . إِنَّنى لاأُحَلِّل نصوصى الرِّوائيَّة ؛ ولكنَّنى أَحياناً أَتحدَّث عن الإِطار العامِّ كحديثى السَّابق عن الشَّخصيَّات فى رواياتى ؛ أَحقيقيَّة هى اَم خياليَّة ؛ أَم مزيج مُتجانِس مِنَ الواقع والخيال؟
* لاشكَّ أَنَّ لتجارب الرِّوائى الشَّخصيَّة آثار واضحة تنعكس عَلَى رواياته ؛ والسَّفر يُكْسِبُ الكثير مِنَ التَّجارب ؛ وعَلِى الرُّفاعى كما نعلم كثير السَّفر ؛ حدِّثنا عن مفهومك للسَّفر ؛ وعن أَسفارك ومالقيته فيها ومنها .
ـــ لقد تعاملتُ مع عِدَّة أَنماط مِنَ السَّفر .. سافرتُ السَّفرَ الجُغرافىَّ مُتَنَقِلاً مِنْ بلد إِلى بلد مثل مُؤَشِّر الرَّاديو .. سافرتُ كثيراً بالخيال ؛ وهو سفرٌ ضرورىٌّ أَحياناً للتَّخفيف مِنْ وطأَة الواقع .. سافرتُ بروحى كثيراً وأَكثر ذلك في المنام ؛ حيث التقت روحى بأَرواح علماء ودراويش وصعاليك ونُظَّار مدارس وباعة تبغ . ثُمَّ جرَّبْتُ أَقسى أَنواع السَّفر .. السَّفر داخل النَّفس ؛ وهو سفر ماأَفظعه وماأمتعه! حيث هنالك آفاق شديدة الوعورة وظلال وأَطياف ونقاط تفتيش وجواسيس يُحصُون كُلَّ شىء ويُحلِّلُون كُلَّ شىء ؛ ويخرجون أَحياناً بلا شىء . لقد جرَّبْتُ ـ تقريباً ـ كُلَّ أَنواع السَّفر سوى سفر واحد ؛ هو السَّفر إِلى الآخرة . وهو سفر بدأَتُ بالفعل أَعُدُّ له العدَّة منذ فترة طويلة ؛ فقد حزمتُ كُلَّ أَمتعتى تأَهُّباً إِلاَّ حقيبة واحدة لاأَدرى مكانها ؛ لكنَّنى اَرجو أَنْ تكون أَجمل حقائب سفرى وأَيسرها حملاً . وكن دعنى أُحدِّثك قليلاً عن السَّفر الَّذى يُمارسه كُلُّ النَّاس وأَحياناً كُلُّ غير النَّاس ؛ وأَعنى به السَّفرَ الجغرافىَّ . وهذا الضَّرب مِنَ السَّفر ارتبط في وِجدانى بأَشياء أُخر ؛ فالسَّفر من أَهمِّ هواياتى تماماً كالقراءة والتَّصوير وسماع الموسيقى ؛ وخاصَّة أَنغام الطُّنْبُور . وأَىُّ رواية ـ عَلَى الأَقلِّ حتَّى الآن ـ ليس فيها سفر كتبها أَحد غيرى ولم يكتبها شخصى . بمعنى آخَر أَنَّنى لم أَكتب بعد الرِّواية الَّتى ليس فيها سفر .. رواياتى كُلُّها لاتخلو مِنَ السَّفر والزَّواج والموت ؛ ربَّما لقناعتى الدَّاخليَّة بأَنَّ هذا الثُّلاثىّ هو أَهمُّ أَوجه الحياة ؛ وهل الموت إِلاَّ الوجه الآخر للحياة؟ وقد بلغ وَلَعِى بالسَّفر أَنْ خصَّصْتُ الفصل الأَوَّل بأَكمله في رواية الشَّمس تغيب إِلى اَعلى للسَّفر ؛ وفى رواية أُخرى تحدَّثْتُ عن جيلٍ ما قائلاً :"مازال شعاره المرفوع : ليس مَنْ يعِشْ كثيراً يرَ كثيراً ؛ ولكن مَنْ يُسافرْ كثيراً يرَ كثيراً" . لقد أَرانى السَّفر نظرة الكلاب وأَعين النِّعاج ؛ فعندما كُنْتُ بجزيرة مالطا عام 1982وقد انتصف النَّهار أَوكاد ؛ وداخل بصٍّ سياحىٍّ مُكتظٍّ بالسُّيَّاح الأُوروبيِّين ؛ وأَنا أَقِفُ وسَط البصِّ ؛ قمتُ برفع آذان الصَّلاة كاملاً مُتَعَمِّداً إِبراز مخارج الحُرُوف . فإِذا بالسُِّيَّاح ينظرون إِلىَّ نظرة الكلب .. النَّظرة الََّتى ـ كما يزعم بعضهم ـ تبدأُ بالقدمين وترتفعُ شيئاً فشيئاً حتَّى تبلغ الوجه . تابعتُ نظرة الكلب تلك ؛ ولكن لدهشتى حين وصلتْ إِلى وجهى لم تكن تنطلق مِنْ أَعين الكلاب ؛ ولكن مِنْ اَعين النِّعاج! أَعين زرقاء مفتوحة إِلى آخِرِها ؛ فيها نظرة باردة تتَّهم شخصى البعيد عن دياره ونيله ونخيله بأَردإِ أَنواع الجنون . وعندما نزلْتُ مِنَ البصِّ كانت أَعين النِّعاج تلك تقوم بمسحٍ فوتوغرافىٍّ لجسدى الهزيل .. مِنْ آَخِرِ شَعْرَة في رأْسى إِلى أَقصرِ خيطٍ مِنْ خُيُوط حذائى ؛ وأَنا أَقف قريباً مِنَ البَصِّ قصيراً كالوتد الَّذى كنتُ أَربط فيه حمارتى بمزارع قريتنا البعيدة . لقد أَذَّنْتُ بمالطا .. ربَّما تحقيقاً للمَثَلِ الشَّهير : "فلان يُؤَذِّن في مالطا" ؛ ذلك لأَنَّ مالطا ليست بديار إِسلام ؛ والَّذى يدعو للصَّلاة بها يُريد تحقيق أَمر مُستحيل ؛ كالَّذى ينفخ في قِرْبَةٍ مَقْدُوْدة . إِنَّا للَّه وإِنَّا إِليه راجعون ؛ فما أَكثرَ ما نَفَخْتُ في قِرَبٍ مَقْدُوْدَة!
* عناوين روايات عَلِى الرُّفاعى في حَدِّ ذاتها روايات دَسِمة ؛ كيف يعثر عَلِى الرُّفاعى عَلَى هذه العناوين الغريبة المُدْهِشة؟
ـــ لماذا لم تسأْلنى كيف تهجم العَطْسَة عَلَىَّ ؛ وماهو شُعُورى في أَثنائها وبعدها؟ عناوين رواياتى كالعطسة تماماً .. تَنْقََضُّ عَلَىَّ فجأَة بدون أَىِّ مُقدِّمات ولابروتوكولات ؛ وأَشعر براحة كبرى حين تنتهى الغارة . رواية الشَّمس تغيب إِلى أَعلى وهى الأَصعب مِنْ حيث التَّأْليف مِنْ بين كُلِّ رواياتى ؛ كانت لها عطستان .. الأُولى جاءت وهى تحمل :"لغة السُّقُوط إِلى اَعلى" ؛ وقد ظللتُ أُواصِلُ الكتابة بها تحت هذا الغُنوان مُتنقلاً بها مِنْ اَبوظبى إِلى القُريْر فنيجيريا فالنَّيجر فالجزائر فليبيا . وكنتُ قد أَمِنْتُ مِنْ عَطْسَة أُخرى تقلب موازين نظرتى ؛ لكن فجأَة هجَمَتْ عَلَىَّ عَطْسَة أَعتى وأَطول في مدَّتها مِنْ سابقتها ؛ ووجَدْتُ شيئاً كعَتُوْدٍ أَبيض يرضع مِنْ ضرع اُمِّه .. شيئاً ناصعاً لم ينفصل عن أَصله .. وجَدْتُ :"الشَّمس تغيب إِلى أَعلى" . ولكن أَتعرِف كيف يعطس الفيل؟ عنوان رواية النِّيْل يعبر إِلى الضَّفَّة الأُخرى كان شيئاً أُسطوريّاً كعطسة الفيل . كنتُ قد كتبْتُ الرِّواية وحُمْتُ كثيراً حول نفس هذا العُنوان .. كنتُ اَحمل المعنى لكنَّنى لم اَجد الكلمات الَّتى اَترجمه إِليها ؛ وفوَّضتُ أَمرى إِلى علاَّم الغيوب وأنا اَعلم يقيناً أَنَّه لن يكلنى إِلى غيرى ولا إِلى نفسى طرفة عين . وبينما كنتُ اَجلسُ عصر اَحد الأَيَّام عَلَى جُرْف النِّيْل ومعى جماعة مِنْ كبارِ السِّنِّ ومِنَ الشُّبَّّان وبعض الأَعراب ؛ كان يجلس بيننا اَعرابِىٌّ يافِعٌ يعمل اَجيراً عند ابن عَمٍّ لنا .. يَحُشَّ القَشَّ لبهائمهم ويَسقِى زرعهم . وكان الماء قد انقطع مِنَ القناة الرَّئيسيَّة مُدَّة طويلة ؛ وبِرْسِيْم ابن عمِّنا ذاك كاد يموت مِنْ العطش . هذا الأَعرابِىُّ اليافع كان يمقت اَشدَّ المقت أَعرابيّاً آخَرَ عَمِلَ أَخيراً خفيراً عَلَى الماء وأَصبح مسؤولاً عن السَّماح أَوعدم السَّماح بسقىِِ زرعٍ ما . وقد تطوَّرَ الحديث بيننا حتَّى عَلِمَ الأَعرابِىُّ اليافع بأَمر الأَعرابىِّ الَّذى يمقته والَّذى عَمِلَ خفيراً عَلَى الماء ؛ فما كان مِنْ هذا اليافع إِلاَّ أَنْ قال بلهجة أَهل المنطقة وبصوتٍ مُفْعَمٍ برائحة الرَّمل المَبْلُوْل :"يَعَلَمْ اللَّه أَتَارِىْ البَحَرْ قَطَعْ شَرِقْ!" وفجأَةً عثرت من كلماته عَلى عُنوان الرِّواية . اَلم أَقُلْ لك إِنَّ عنوان رواية النِّيْل يعبر إِلى الضَّفَّة الأُخرى كان شيئاً أُسطوريّاً كعطسة الفيل؟ "الطَّاحونة" كانت عطسة في آخِرِ اللَّيل والنَّاس نيام في قرية كُلُّ شىء فيها ساكن . ولئن كانت هنالك عَطْسة مُهَذَّبة ؛ فإِنَّ كُلاًّ مِنْ قبيلة مِنْ وراء خطِّ الأُفق وكى لايستيقظَ النَّمْل كانت عَطْسَة مُهذَّبة . الآنْ أُحسُّ بكلِّ أَعراض العَطْسَة بأَعماقى وبأَطراف فَتَحتَىِّ أَنفى مِنْ داخلهما .. اللَّهمَّ اجعلها عَطْسَة مُهَذَّبة وسَهِّل لى مخرجها واجعلها عطسة نافعة وارضِنى بها ثُمَّ بارِك لى فيها .. آمين آمين .
* بعد أَنْ أَوفى على الرُّفاعى في جزء من إِجابة السُّؤال السَّابق أَحد مقوِّمات الرِّواية وهو اللُّغة حقَّه ؛ نسأَله عن شرط آخَر مِنْ شروط الرِّواية النَّاضجة .. نسأَله عن الشَّخصيَّات ؛ هل الشَّخصيَّات في روايات عَلَى الرُّفاعى حقيقيَّة أَم خياليَّة؟ ومانوع علاقة على الرُّفاعى بشخصيَّاته الرِّوائيَّة؟ وكيف تتبلوَّر الشَّخصيَّة الرِّوائيَّة في رواياته؟ وهل حاج النُّعْمان شخصيَّة حقيقيَّة أَم خياليَّة؟ نترك له حقَّ الإِجابة غير مرتَّبة بحسب أَجزاء السُّؤال .
ـــ قبل أَنْ أُجيبك أَرجو أَن تصغى إِلىَّ قليلاً ؛ إِذ سأَخصُّك بشىء لم أَخصَّ به أَحداً قبلك .. شىء لم أَقله من قبل لجنس إِنسان . أَنا لى شكوى .. فعلى الرَّغم مِنْ أَنَّنى لم أَتعوَّد الشَّكوى في كُلِّ عمرى .. لم أَتعوَّد شكوى الحال والنَّاس والزَّمان .. على الرَّغم مِنْ ذلك أَشكو إِليك وإِلى النُّقَّاد والقُرَّاء والأَحرار في كُلِّ مكان .. أَشكو إِليكم المدعو : "حَسُّوْن وَدَّ النُّعْمَان" رحمه اللَّه . حَسُّوْن لم يلزم حدوده و"مَرَق مِنْ عِلَبه" كما يقول أَهلنا الطَّيِّبون . يُقالُ إِنَّ شخصيَّة حَسُّوْن شخصيَّة خياليَّة ؛ لكنَّها أَحالت واقعى إِلى جحيم وقَلَعَتْ صَمْغَة رأَسى . حَسُّوْن عاش في الدُّنيا بإِرادته .. اغترب ببلاد الإِنجليز بإِرادته .. عمل بإِحدى جامعات أَفريقيا يإِرادته .. تزوَّج قاريقا بإِرادته ؛ وانتحر باختياره . لم أَتدخَّل مطلقاً في أُموره منذ أَنْ صدمنى في اَوَّل مواجهة بيننا .. كلَّما رسمتُ له طريقاً سلك غيره .. كلَّما حاولتُ إِقناعه بفكرة جاءنى بفلسفة كاملة .. حذَّرته فما انتهى وزجرته فما تورَّع . حَسُّوْن استغلَّ مساحة الحريَّة الواسعة الَّتى أُوفِّرها لشخصيَّات رواياتى ؛ فصادر منِّى حرِّيتى الشَّخصيَّة . ياآنسات وسادة وسيِّدات : أَنا ضحيَّة شخصيَّة اسمها حَسُّوْن وَدَّ النُّعْمَان . هل اَدركتم الآن أَنَّ المؤَلِّف قد يُصبح ضحيَّة شخصيَّة مِنْ شخصيَّات رواياته؟ حَسُّوْن أَقلق نومى وبدَّد راحة نفسى حتَّى بعد أَنْ مات .. أَفكاره ظلَّت تطلُّ كرؤوس الشَّياطين بين وقت قصير وآخَر .. ظلَّت تطلُّ عَلَى الدُّنيا وهو في عالَمٍ غير الدُّنيا .. أَطلَّت ـ بعد الطَّاحونة ـ في ثنايا :"النِّيْل يعبر إِلى الضَّفَّة الأُخرى" . لكنَّنى لم أَنتبه إِلى اَنَّ هذه الإِطلالات ماهى إِلاَّ بداية لكارثة اُخرى .. لم أَنتبه إِلى أَنْ أَلمَّت بقُوْز قُرَافِى الخواجيَّة جُوْهانا ريد . هذه الخواجيَّة آفة مِنَ الآفات .. ظلَّت تتقصَّى ـ بدأَب غريب ـ سيرة حَسُّوْن مِنْ حاج النُّعْمَان ومِنْ أَهل أَبورِغيوة ومِنْ ضابط شرطة بمَرَوِى ومِنْ عَمِّى تَبيْق ومِنْ أَهل قُوْز قُرافِى فرداً فرداً؛ حتَّى توصَّلت إِلى أَنَّ حَسُّوناً قد تزوَّج شقيقته"قاريقا"؛ الأَمر الَّذى لم يكتشفه إِلاَّ لحظة دخوله بها ؛ فأُصيب بجنون مُؤَقَّت فانتحر قبل أَنْ يفيق منه . هذه الخواجيَّة لم تسلم هى الأُخرى مِنْ شخصيَّة حَسُّوْن بعد أَنْ سرقت عظامه مِنْ قُوْز قُرَافِى وحملتها إِلى لندن ؛ فدخلت في مشاكل لاعَدَّ لها مع برلمان بلادها ومع سفير السُّودان بلندن وغيرهم وغيرهم إِلى آخِر القصَّة المعروفة . أَنا لااُطالب إِلاَّ بشىء واحد : إِنصافى مِنْ حَسُّوْن وَدَّ النُّعْمَان وإِيقافه عند حدِّه ؛ وإِلاَّ فإِنَّنى سأَتَّبِع أُسلوباً آخَر .. أُسلوب " عَلَىَّ وعَلَى أَعدائى يارب" .
لعلَّ فى ذلك مايُوَضِّح العلاقة بينى وبين بعض شخصيَّات رواياتى .. علاقة مُتَأَزِّمَة أَحياناً ؛ بسبب قوَّة شخصيَّة ما وطغيان نفوذها وسطوتها الفكريَّة والرُّوحيَّة . أَقول بعض وليس كُلَّ شخصيَّات رواياتى . وفى واقع الأَمر ليست لدىَّ شخصيَّات مُفَصَّلَة وجاهزة لرواياتى ؛ وفى أَغلب الأَحيان لاأَعرِف صاحب الشَّخصيَّة إِلاَّ بعد كتابتى عنه بوقت طويل ؛ وقد لاأَعرِفه أَبداً! وقد أَوقعتنى عدم المعرفة هذه في الحرج كثيراً ؛ إِذ فجأَة يأَتينى مَنْ يقول لى إِنَّ الشخصيَّة الفلانيَّة هى شخصيَّة فلان ؛ وبالفعل أَجد أَنَّ كُلَّ الصِّفات والملامح تنطبق تماماً عَلَى تلك الشَّخصيَّة! لعنة اللَّه على العقل الباطن الَّذى تترسَّب فيه الأَشياء فلاينساها مطلقاً وإِنْ نسيها العقل الواعى ؛ وَأنا بين هذين العقلين كعصفور في أَيدى أَطفال . عموماً أَقول لك ـ إِنْ بالعقل الباطن أَم بالعقل الواعى ـ إِنَّ شخصاً عاديّاً للغاية ليست له أَىُّ علامات مُعَيَّنة ولاميزات خاصَّة قد يتحوَّل فجأَة بقدرة قادر إِلى بطل يُزْجِى ـ كأَنُوشَرْوان ـ الصُّفُوف تحت الدِّرَفْسِ! أَىُّ شخص يٌقابلنى أَويُحادثنى أَويُضاحكنى أَويُؤاكلنى أَو يُسافر معى أَونُصَلِّى معاً أَويتزوَّج مِنِّى الخ الخ ؛ لايأَمن أَنْ اُدخِلَه إِلى معملى الخاصَّ ويخرج منه بصورة أُخرى . مِنْ أَين تأْتينى هذه الرُّوح الَّتى اَرسمُ بها شخصيَّات رواياتى ؛ والَّتى بِتُّ حقّاً أَخاف منها وأَخشاها؟ لاأَدرى . أَهو شىء في أَعماقى يخرج منِّى ؛ أَمْ هو شىء يدخل أَعماقى مِنَ الخارج يسكن فيها حيناً ثُمَّ يخرج منها؟ كُلُّ الَّذى أَعرفه أَنَّنى لست ُ أَدرى لست ُ أَدرى . الأَمر كُلُّه ـ بالنِّسبة لى ـ مِنَ الشَّخصيَّات إِلى الأَحداث إِلى النَّتائج المرجُوَّة إِلى الآفاق المُحْتَمَلة ؛ شىء غامض غامض غامض . وقد أَراحنى كثيراً قول مَنْ يمتُّ إِلىَّ بقرابة لصيقة : "داخل كُلّ إِنسان في الدُّنيا روايات وروايات ؛ ومِنَ النَّاس مَنْ يُقَدَّرُ لرواياته أَنْ تخرج منه ؛ ومنهم مَنْ يدخل القبر ورواياته قابعة في أَعماقه" . لقد أَراحنى قوله هذا كثيراً ؛ فقد شاءت قدرة اللَّه ـ بلا أَىِّ تَمَيُّزمنِّى ـ أَنْ تخرج هذه الرِّوايات ـ أَوعَلَى الأَقلِّ بعضها ـ مِنْ أَعماقى .. رُبَّما حتَّى لاتُقْلِقُنى في قبرى .
من ذلك ترى أَخى الفاضل أَنَّ الشَّخصيَّة بعد أَنْ تخرج مِنْ تَنُّوْر معملى الخاصِّ ؛ هى في الغالب مزيج حقيقة وخيال . بعض شخصيَّاتى الرِّوائيَّة قد تحمل اسمها الحقيقى مثل تَبيْق وهو لقب له وليس اسمه الحقيقى ؛ وقد ذكرتُ اسمه الحقيقى في رواية قبيلة مِنْ وراء خط الأُفق وهو : "أَحمد مصطفى عبدالرَّحيم" ؛ بل ذكرتُ اسم أُمِّه في الرِّواية نفسها :"التُّومَة" . هذا جانب مِنَ الحقيقة في شخصيَّة تَبيْق ؛ ولكن هنالك الكثير مِنَ الخيال اَضفيتًُه عَلَى أَقواله وطريقة حياته وفهمه للأشياء . ورُبَّما يكون هنالك جانب مِنْ تجربته في الحياة وصفاته الشَّخصيَّة هو مِنْ الجوانب الحقيقيَّة فى شخصيَّته ؛ كذلك الأَمر بالنِّسبة إِلى شيخنا وَدْ جَكُّوْم . أَمَّا شخصيَّة نِمِر سائق اللَّورى بالفصل الأَوَّل مِنْ رواية الشَّمس تغيب إِلى أَعلَى ؛ فتكاد تكون الشَّخصيَّة الحقيقيَّة الوحيدة فى كُلِّ رواياتى ؛ أو عَلَى الأَقلِّ قَصَدْتُ أَنْ تكون الحقيقيَّة . فهو باسمه وصفاته نِمِر بابِكِر الَّذى مازال عَلَى قيد الحياة ؛ ويسكن بمنطقة "منصُوْركُتِّى" . وقد أُتيحت لى فرصة مقابلته قبل نحو شهرين ؛ فوجدْتُه مازال كما وصفْتُه في تلك الرِّواية .. وجدْتُه فنَّاناً بأَدقِّ معانى كلمة فنَّان ؛ ومازال رقيقاً وحسًّاساً ومُرْهَفاً .. يُصافحك بالدُّموع مِنْ عينيه قبل أَنْ يُصافِحك بيديه . وشخص كهذا يحتاج إِلى معاملة خاصَّة وعناية خاصَّة مِنَ المجتمع قبل رعاية الدُّولة ؛ فهو دُرَّة نادرة في ركام الحياة المُتَعَجْرِفة في هذا الزَّمن الأَرعن .
كما ذكرتُ فإِنَّ معظم الشَّخصيَّات فى رواياتى هى مزيج من واقع وخيال ؛ وأُضيف أَنَّ أَكثر هذه الشَّخصيَّات شخصيَّات مُرَكَّبة مِنْ عِدَّة شخصيَّات ؛ مِنْ الصَّعب التَّوصُّل إِلى صاحبها الأَصلىِّ . وهذا في نظرى يخدم ناحية فنيَّة مُهِمَّة ؛ فقد أَكون بحاجة إِلى خمس شخصيَّات تؤدِّى خمسة أَدوار ؛ لكنِّنى أَدمجها في شخصيَّة واحدة تحمل صفات هذه الخمس شخصيَّات وتُؤَدِّى أَدوارها ؛ فأُوفِّر بذلك أَدوار خمس شخصيَّات وأَسماءها في محاولة لتفادى تزاحم الشَّخصيَّات وكثرتها في الرِّواية الواحدة . ومع هذا لم أَسلم مِنْ هذه الكثرة ؛ وإِنْ كان لهذا الأَمر دواعيه وأَسبابه المنطقيَّة الكثيرة الَّتى يضيق هذا المجال عن إِحصائها . أَمَّا بالنِّسبة لحاج النُّعمان فهو ليس استثناءً مِنْ مزيج الواقع والخيال ؛ إِلاَّ أَنَّ صفاته لاتجدها في بقيَّة الشَّخصيَّات وقَدَرُه هو قَدَرُه وحده ؛ يختلف عن قَدَر أَىِّ شخصيَّة أُخرى في نوعه وكَمِّه . هذا ؛ وهناك مِنْ شخصيَّات رواياتى ماهو مَحْضُ خيال لاجذور لها في الواقع ؛ كشخصيَّة الرَّجل الَّذى خطف فصّاً مِنَ البُرتُقال مِنْ حَرَّان آدم الخَطِيْب عند النِّيل في وقت الأَصيل ؛ وأَخبره أَنَّه قد حضر زواجه الثَّانى وهو زواجه بالسَّهْوَة بِتْ مَنْصُوْر؛ وأَخبره أَنَّه ـ أىْ حَرَّان ـ قد هرب مِنْ ذاك العَالَم ؛ إِلى آخِر القصَّة ؛ وذلك في رواية الشَّمس تغيب إِلَى اَعلى . ذلك لأَنَّ النَّاحية الفنيَّة وإِيقاع الرِّواية في هذا الجزء بالذَّات يقتضى أَنْ تكون هذه الشَّخصيَّة مِنْ نسج الخيال . ولكنَّ السُّؤَال هو :"هل شخصيَّة عَوَض وَدْ كُرَاع الفَرْوَة بطل رواية الشَّمس تغيب إِلَى اَعلى حقيقيَّة أَم خياليَّة؟ وهل رواية الشَّمس تغيب إِلَى اَعلى نفسها رواية حقيقيَّة أَم خياليَّة؟" أَترك الإِجابة لأَستاذتى مِنْ النُّقَّاد ومِنَ القُرَّاء الأَذكياء ؛ إِذ الإِجابة تتطلَّب تحليل النَّصِّ الرِّوائىِّ بكامله ؛ وماتعوَّدتُ تحليل نصوصى الرِّوائيَّة ؛ فقط أَكتبُ النَّصَّ وينتهى دورى عند هذا الحدِّ تماماً ؛ وأَترك النَّصَّ يقدِّم نفسه ويطرح شخصيَّته ويُدافع عن وجوده . إِذ أَنَّنى أُؤمن أَنَّ النَّصَّ الذَّى لايقدر عَلَى ذلك مِنَ الخير أَلاَّ يُكْتَبَ أَصلاً ؛ وذلك ليقينى التَّامِّ أَنَّ النّصَّ الجيِّد يجذب القارىء الجيِّد ويُحَفِّز النَّاقد الجيِّد . إِنَّنى لاأُحَلِّل نصوصى الرِّوائيَّة ؛ ولكنَّنى أَحياناً أَتحدَّث عن الإِطار العامِّ كحديثى السَّابق عن الشَّخصيَّات فى رواياتى ؛ أَحقيقيَّة هى اَم خياليَّة ؛ أَم مزيج مُتجانِس مِنَ الواقع والخيال؟
* لاشكَّ أَنَّ لتجارب الرِّوائى الشَّخصيَّة آثار واضحة تنعكس عَلَى رواياته ؛ والسَّفر يُكْسِبُ الكثير مِنَ التَّجارب ؛ وعَلِى الرُّفاعى كما نعلم كثير السَّفر ؛ حدِّثنا عن مفهومك للسَّفر ؛ وعن أَسفارك ومالقيته فيها ومنها .
ـــ لقد تعاملتُ مع عِدَّة أَنماط مِنَ السَّفر .. سافرتُ السَّفرَ الجُغرافىَّ مُتَنَقِلاً مِنْ بلد إِلى بلد مثل مُؤَشِّر الرَّاديو .. سافرتُ كثيراً بالخيال ؛ وهو سفرٌ ضرورىٌّ أَحياناً للتَّخفيف مِنْ وطأَة الواقع .. سافرتُ بروحى كثيراً وأَكثر ذلك في المنام ؛ حيث التقت روحى بأَرواح علماء ودراويش وصعاليك ونُظَّار مدارس وباعة تبغ . ثُمَّ جرَّبْتُ أَقسى أَنواع السَّفر .. السَّفر داخل النَّفس ؛ وهو سفر ماأَفظعه وماأمتعه! حيث هنالك آفاق شديدة الوعورة وظلال وأَطياف ونقاط تفتيش وجواسيس يُحصُون كُلَّ شىء ويُحلِّلُون كُلَّ شىء ؛ ويخرجون أَحياناً بلا شىء . لقد جرَّبْتُ ـ تقريباً ـ كُلَّ أَنواع السَّفر سوى سفر واحد ؛ هو السَّفر إِلى الآخرة . وهو سفر بدأَتُ بالفعل أَعُدُّ له العدَّة منذ فترة طويلة ؛ فقد حزمتُ كُلَّ أَمتعتى تأَهُّباً إِلاَّ حقيبة واحدة لاأَدرى مكانها ؛ لكنَّنى اَرجو أَنْ تكون أَجمل حقائب سفرى وأَيسرها حملاً . وكن دعنى أُحدِّثك قليلاً عن السَّفر الَّذى يُمارسه كُلُّ النَّاس وأَحياناً كُلُّ غير النَّاس ؛ وأَعنى به السَّفرَ الجغرافىَّ . وهذا الضَّرب مِنَ السَّفر ارتبط في وِجدانى بأَشياء أُخر ؛ فالسَّفر من أَهمِّ هواياتى تماماً كالقراءة والتَّصوير وسماع الموسيقى ؛ وخاصَّة أَنغام الطُّنْبُور . وأَىُّ رواية ـ عَلَى الأَقلِّ حتَّى الآن ـ ليس فيها سفر كتبها أَحد غيرى ولم يكتبها شخصى . بمعنى آخَر أَنَّنى لم أَكتب بعد الرِّواية الَّتى ليس فيها سفر .. رواياتى كُلُّها لاتخلو مِنَ السَّفر والزَّواج والموت ؛ ربَّما لقناعتى الدَّاخليَّة بأَنَّ هذا الثُّلاثىّ هو أَهمُّ أَوجه الحياة ؛ وهل الموت إِلاَّ الوجه الآخر للحياة؟ وقد بلغ وَلَعِى بالسَّفر أَنْ خصَّصْتُ الفصل الأَوَّل بأَكمله في رواية الشَّمس تغيب إِلى اَعلى للسَّفر ؛ وفى رواية أُخرى تحدَّثْتُ عن جيلٍ ما قائلاً :"مازال شعاره المرفوع : ليس مَنْ يعِشْ كثيراً يرَ كثيراً ؛ ولكن مَنْ يُسافرْ كثيراً يرَ كثيراً" . لقد أَرانى السَّفر نظرة الكلاب وأَعين النِّعاج ؛ فعندما كُنْتُ بجزيرة مالطا عام 1982وقد انتصف النَّهار أَوكاد ؛ وداخل بصٍّ سياحىٍّ مُكتظٍّ بالسُّيَّاح الأُوروبيِّين ؛ وأَنا أَقِفُ وسَط البصِّ ؛ قمتُ برفع آذان الصَّلاة كاملاً مُتَعَمِّداً إِبراز مخارج الحُرُوف . فإِذا بالسُِّيَّاح ينظرون إِلىَّ نظرة الكلب .. النَّظرة الََّتى ـ كما يزعم بعضهم ـ تبدأُ بالقدمين وترتفعُ شيئاً فشيئاً حتَّى تبلغ الوجه . تابعتُ نظرة الكلب تلك ؛ ولكن لدهشتى حين وصلتْ إِلى وجهى لم تكن تنطلق مِنْ أَعين الكلاب ؛ ولكن مِنْ اَعين النِّعاج! أَعين زرقاء مفتوحة إِلى آخِرِها ؛ فيها نظرة باردة تتَّهم شخصى البعيد عن دياره ونيله ونخيله بأَردإِ أَنواع الجنون . وعندما نزلْتُ مِنَ البصِّ كانت أَعين النِّعاج تلك تقوم بمسحٍ فوتوغرافىٍّ لجسدى الهزيل .. مِنْ آَخِرِ شَعْرَة في رأْسى إِلى أَقصرِ خيطٍ مِنْ خُيُوط حذائى ؛ وأَنا أَقف قريباً مِنَ البَصِّ قصيراً كالوتد الَّذى كنتُ أَربط فيه حمارتى بمزارع قريتنا البعيدة . لقد أَذَّنْتُ بمالطا .. ربَّما تحقيقاً للمَثَلِ الشَّهير : "فلان يُؤَذِّن في مالطا" ؛ ذلك لأَنَّ مالطا ليست بديار إِسلام ؛ والَّذى يدعو للصَّلاة بها يُريد تحقيق أَمر مُستحيل ؛ كالَّذى ينفخ في قِرْبَةٍ مَقْدُوْدة . إِنَّا للَّه وإِنَّا إِليه راجعون ؛ فما أَكثرَ ما نَفَخْتُ في قِرَبٍ مَقْدُوْدَة!
* عناوين روايات عَلِى الرُّفاعى في حَدِّ ذاتها روايات دَسِمة ؛ كيف يعثر عَلِى الرُّفاعى عَلَى هذه العناوين الغريبة المُدْهِشة؟
ـــ لماذا لم تسأْلنى كيف تهجم العَطْسَة عَلَىَّ ؛ وماهو شُعُورى في أَثنائها وبعدها؟ عناوين رواياتى كالعطسة تماماً .. تَنْقََضُّ عَلَىَّ فجأَة بدون أَىِّ مُقدِّمات ولابروتوكولات ؛ وأَشعر براحة كبرى حين تنتهى الغارة . رواية الشَّمس تغيب إِلى أَعلى وهى الأَصعب مِنْ حيث التَّأْليف مِنْ بين كُلِّ رواياتى ؛ كانت لها عطستان .. الأُولى جاءت وهى تحمل :"لغة السُّقُوط إِلى اَعلى" ؛ وقد ظللتُ أُواصِلُ الكتابة بها تحت هذا الغُنوان مُتنقلاً بها مِنْ اَبوظبى إِلى القُريْر فنيجيريا فالنَّيجر فالجزائر فليبيا . وكنتُ قد أَمِنْتُ مِنْ عَطْسَة أُخرى تقلب موازين نظرتى ؛ لكن فجأَة هجَمَتْ عَلَىَّ عَطْسَة أَعتى وأَطول في مدَّتها مِنْ سابقتها ؛ ووجَدْتُ شيئاً كعَتُوْدٍ أَبيض يرضع مِنْ ضرع اُمِّه .. شيئاً ناصعاً لم ينفصل عن أَصله .. وجَدْتُ :"الشَّمس تغيب إِلى أَعلى" . ولكن أَتعرِف كيف يعطس الفيل؟ عنوان رواية النِّيْل يعبر إِلى الضَّفَّة الأُخرى كان شيئاً أُسطوريّاً كعطسة الفيل . كنتُ قد كتبْتُ الرِّواية وحُمْتُ كثيراً حول نفس هذا العُنوان .. كنتُ اَحمل المعنى لكنَّنى لم اَجد الكلمات الَّتى اَترجمه إِليها ؛ وفوَّضتُ أَمرى إِلى علاَّم الغيوب وأنا اَعلم يقيناً أَنَّه لن يكلنى إِلى غيرى ولا إِلى نفسى طرفة عين . وبينما كنتُ اَجلسُ عصر اَحد الأَيَّام عَلَى جُرْف النِّيْل ومعى جماعة مِنْ كبارِ السِّنِّ ومِنَ الشُّبَّّان وبعض الأَعراب ؛ كان يجلس بيننا اَعرابِىٌّ يافِعٌ يعمل اَجيراً عند ابن عَمٍّ لنا .. يَحُشَّ القَشَّ لبهائمهم ويَسقِى زرعهم . وكان الماء قد انقطع مِنَ القناة الرَّئيسيَّة مُدَّة طويلة ؛ وبِرْسِيْم ابن عمِّنا ذاك كاد يموت مِنْ العطش . هذا الأَعرابِىُّ اليافع كان يمقت اَشدَّ المقت أَعرابيّاً آخَرَ عَمِلَ أَخيراً خفيراً عَلَى الماء وأَصبح مسؤولاً عن السَّماح أَوعدم السَّماح بسقىِِ زرعٍ ما . وقد تطوَّرَ الحديث بيننا حتَّى عَلِمَ الأَعرابِىُّ اليافع بأَمر الأَعرابىِّ الَّذى يمقته والَّذى عَمِلَ خفيراً عَلَى الماء ؛ فما كان مِنْ هذا اليافع إِلاَّ أَنْ قال بلهجة أَهل المنطقة وبصوتٍ مُفْعَمٍ برائحة الرَّمل المَبْلُوْل :"يَعَلَمْ اللَّه أَتَارِىْ البَحَرْ قَطَعْ شَرِقْ!" وفجأَةً عثرت من كلماته عَلى عُنوان الرِّواية . اَلم أَقُلْ لك إِنَّ عنوان رواية النِّيْل يعبر إِلى الضَّفَّة الأُخرى كان شيئاً أُسطوريّاً كعطسة الفيل؟ "الطَّاحونة" كانت عطسة في آخِرِ اللَّيل والنَّاس نيام في قرية كُلُّ شىء فيها ساكن . ولئن كانت هنالك عَطْسة مُهَذَّبة ؛ فإِنَّ كُلاًّ مِنْ قبيلة مِنْ وراء خطِّ الأُفق وكى لايستيقظَ النَّمْل كانت عَطْسَة مُهذَّبة . الآنْ أُحسُّ بكلِّ أَعراض العَطْسَة بأَعماقى وبأَطراف فَتَحتَىِّ أَنفى مِنْ داخلهما .. اللَّهمَّ اجعلها عَطْسَة مُهَذَّبة وسَهِّل لى مخرجها واجعلها عطسة نافعة وارضِنى بها ثُمَّ بارِك لى فيها .. آمين آمين .