أبوجهينة
16-10-2005, 09:46 PM
توافد الأهل و الأقارب على منزلهم من كل حدْب و صوب ..
يعانقونه و هم من طرف خفى يرمقون زوجته الروسية بتمعنٍ و نظرات متفحصة.
سُمْرة المُلْتَفِّين حولها تزيد من إنبعاث وهج بياضها الثلجي ..
يحدوهم الشوق إليه بعد هذه الغربة الطويلة التي لم يألفوها من قبل ..
فأطْول غربة في نظرهم هي غربة سكان المدن عن قراهم و العودة إليها في مواسم المناسبات و نهاية الأسبوع كالعصافير في هجرتها بحثاً عن القوت و أوبتها لأعشاشها..
كنور ..كدباس ..خليوة ..العكد .. أم الطيور ..
( و الله يا جنا بقيت أبيض زى الروس .. حتى شعرك بقى ناعم ) ..
تختلط عفوية الأهل بأتيكيت ميزالونا و نظرات زوجها التي تحثها و تشجعها على الإندماج في هذا الكرنفال الإحتفائي.
تتابع بنظرتها المندهشة عناق زوجها الطويل لفتيات و نساء و رجال ..
تجفلها زغاريد تنطلق من قريباته ..
أشاحت بوجهها ذعراً عندما نحروا العجل عند عتبة الباب و جعلوها تخطو عبر الدم إلى الحوش الذي تتناثر فيه العناقريب بحبالها التي غيرتْ الشمس ألوانها.
تبتسم بين الفينة و الأخرى لشقيقة زوجها الصغيرة التي تقف ملتصقة بها تحدق النظر إلى زرقة عينيها و شعرها الفضي الطويل و بشرتها (الجبنية).
أمه إمتلأتْ نفسها زهواً و فخراً .. فها هو فلذتها يعود و معه الشهادة الكبيرة بعد غيبة طويلة ، أكل فيها الشك قلبها .. بعد أن أرهقتْها الشائعات طويلاً بأنه لن يعود بعد أن تزوج من أجنبية ..
ترمق ميزالونا من حين لآخر بشيء من الإمتنان .. فرغم عدم رضاها في دواخلها بهذا الزواج .. إلا أنها تشعر بأن الفتاة تحب إبنها و إلا لما جاءت تتبعه إلى هنا ..
( عشان خاتر عيون ولدي .. رِدْتَها و الله ) .. و هي (تصوط ) جك العصير و تضرب حافته بالملعقة .. فتموسق الرنة مزاجها المعتدل فتتورد خدودها بحمرة الفرح اللامتناهي .. فرح فارقها طويلاً .. و ها هو يعود بزخم أفقدها توازنها .. تدلق مجاملاتها بلا حساب.. فتعانق ( الشّفّة ) رغم الخصام .. و تقالد ( النعمة ) و هي في خجل شديد منها لأنها لم (تحمِّد) لإبنتها السلامة بعد ولادتها القيصرية ،، فتبالغ في إكرامها لتغطي ندمها و تقصيرها.
في مناسبات كهذه .. تنكسر حواجز نفسية كثيرة و يجتاز الناس بعض حدود قناعاتهم حباً في إستطلاع شيء جديد عليهم .. كوصول هذه الروسية إلى هذا الحى الهاديء .. الكل يريد أن يخرج بمعلومة قبل الآخر .. فهو كرمْى حجر على سطح بركة ساكنة .. فتمتد دوائر لا نهائية تتسابق نحو الأطراف ، و هكذا هي الحكاوي عن فرد جديد أو دخيل على سكون بركة الحى.
مكث فيهم أسبوعاً مسترخياً يتلقى حفاوة الإستقبال ..
أدْخَلَ صديق الصبا ( عبدالقادر) جردلين من المريسة سراً.. و توسط به ( المنضرة) و دلق فيه حفنة من مسحوق الكركدي و كتلاً من الثلج ..
ضحك عبدالقادر و هو يمازح ود المرضي : هاك أشرب( المريسوف ) على وزن ( إسميرنوف ) يا شيوعي .. قزايز الفودكا و الجِنْ البتشربوها الصباح بكان الشاى .. إن شاء الله ما تنفعكم.
و أطلق ضحكة مجلجلة و هو يحرك الجردل بكوز ألمونيوم منبعج.
يلعب المشروب برأس عبدالقادر قليلاً ..
( عليك الله حسع يا ود المرضي .. جنس الروسيات ديل زى نسوانا ؟ آآآ )
نطقها و إبتسامة خبيثة تقف في منتصف الطريق بفعل مَطَب سَفَة من التنباك.
قال ودالمرضي كمن لم يفهم السؤال : زيهن في شنو يعني ؟
قال عبدالقادر و هو يكرع كوزاً من المشروب و هو يتكلم داخل الكوز فيرجع الصدي إلى فمه ليعود إلى الكوز مرة أخرى : ما تستهبل يا غتيت .. إنت لسع مكار؟
قطعتْ ميزالونا حديثهما الذي كاد أن يكون وصفاً ماجناً لتساؤل عبدالقادر غير البريء.
كرعتْ معهما المشروب و كأنها تشرب ليمونادة السكة حديد في زجاجاتها ( المدردمة )..
كسَرَ المشروب قليلاً من حدة الحر المطبق .. و نُذُر كتاحة صيفية تلوح في الأفق فيتلون سماء عطبرة بلون أرجواني كشفق المغيب.
أراحت جبهتها على كتف زوجها و هي تهمس كلاماً ناعماً.. فبحلق فيها عبدالقادر و جزء من لسانه يتدلى و كأنه يحلم غارقاَ في نصف إغفاءة .. و سائل هلامي يندلق من (سفته) الماكنة في خط ملتوي على أطراف فمه حتى نهاية ذقنه .. فيمسحها بطرف كُمْ جلبابه.
رفع ودالمرضي رأسها برفق و حدثها بالروسية فهو يعرف مزاجها إن هي تخدرتْ بالمشروب : دة هنا ما ممكن ..
طنطنتْ كثيراً و هي تتجرع المشروب.
إستساغت طعمه .. فصارت تغرف بنفسها دون أن تنتظر عبدالقادر.
وقف ودالمرضي ليصافح جموعاً من المستقبلين .. عندما شق المكان صراخ ميزالونا ..
إلتفتَ نحوها فإذا هي تشير فَزِعةً إلى عبدالقادر الذي كان يلتهم قطعاً من ( الكبدة النية) المعطونة في صحن ( البصل و الليمون و الشطة) ..
( الله ياذاك يا عبدالقادر .. مش كفاية منظر السفة كمان تسفسف في الكبدة النية قدام البنية.؟).
لم يأبه عبدالقادر بهذه الجملة ، فقد كان تائهاً في مذاق (مَزّتِه) و هو يستمتع بقرقشة الكبدة بين أسنانه الصدئة.
إستأذن أسرته و أخذ زوجته و إنطلق ليروي غليل حنينه بين ثنايا مدينته العزيزة.
إيهي يا عطبرة ..
مر بالمدرسة الغربية ( الأولية ) :
هاهنا يا عزيزتي عرفنا طعم الزمالة في عمر مبكر جداً..
تداعت إلى ذاكرته أيام ( خُرْتاية الكتب ) المصنوعة من ( قماش الوزْن عشرة و الدمورية ) .. و سندويتشات الفول من (عم شَنَاكة اليمني) في سوق القيقر ترقد مستكينة مع الكراسات و الكتب..
و الجزمة (الباتا) البيضاء تبرق بياضاً بفعل الطباشير.
و معلم الأجيال الأستاذ ( بدوي ) الذي كان ( يفش غبينته ) بأن يعض قلم التصحيح الأحمر بين أسنانه حتى ينكسر ..
موسيقى القِرَب كانت تقطع الهدوء المخيم ، يُمَوْسِقه صرير أقلام الرصاص.
عرج بها إلى نهر عطبرة من جهة قشلاق البوليس .. :
هنا يا ميزالونا تعلمنا أن نسبح ( مع التيار و ضد التيار ) .. فالسباحة في هذا النهر المجنون هو كأن تجتازي مفازة في ليلة حالكة السواد دون دليل أو راحلة .. و هنا يا عزيزتي غرق صديق عمري في غمرة هيجان النهر و نحن نتراهن على الغوص في ذلك الماء العكر ..
ألا رحمك الله يا صديقي .. لا زلت أذكر صياحه و التيار يأخذه بعيدا و كأنه علق في شيء يسحبه إلى أسفل و نحن وقوفاً لا حول لنا و لاقوة .. ثم خاصمْنا النهر طويلاً .. تحاشينا حتى النظر إلى مياهه و شطآنه ..
و هاهنا يا عزيزتي المدرسة الأميرية الوسطى ..
أترين كل هذه الميادين ؟ كلها شهدت ( شيطنتنا ) و لقاءات ( السداسي ) و تحديات ( الدافوري ) و دوري المدارس ..
أما هذا الصرح .. فهو مدرسة عطبرة الثانوية الحكومية .. صومعة العلم التي أوَتْ مئات طالبي العلم من أبناء الشمال ..
و هنا .. عاشت البلابل مع والدهم طلسم ناظر الثانوية .. أتذكرين تلك الأغنية ( غالين غلاوة ) و أنت تنطقينها ( قالين قلاوة ) ....؟
***
و نتابع ...
يعانقونه و هم من طرف خفى يرمقون زوجته الروسية بتمعنٍ و نظرات متفحصة.
سُمْرة المُلْتَفِّين حولها تزيد من إنبعاث وهج بياضها الثلجي ..
يحدوهم الشوق إليه بعد هذه الغربة الطويلة التي لم يألفوها من قبل ..
فأطْول غربة في نظرهم هي غربة سكان المدن عن قراهم و العودة إليها في مواسم المناسبات و نهاية الأسبوع كالعصافير في هجرتها بحثاً عن القوت و أوبتها لأعشاشها..
كنور ..كدباس ..خليوة ..العكد .. أم الطيور ..
( و الله يا جنا بقيت أبيض زى الروس .. حتى شعرك بقى ناعم ) ..
تختلط عفوية الأهل بأتيكيت ميزالونا و نظرات زوجها التي تحثها و تشجعها على الإندماج في هذا الكرنفال الإحتفائي.
تتابع بنظرتها المندهشة عناق زوجها الطويل لفتيات و نساء و رجال ..
تجفلها زغاريد تنطلق من قريباته ..
أشاحت بوجهها ذعراً عندما نحروا العجل عند عتبة الباب و جعلوها تخطو عبر الدم إلى الحوش الذي تتناثر فيه العناقريب بحبالها التي غيرتْ الشمس ألوانها.
تبتسم بين الفينة و الأخرى لشقيقة زوجها الصغيرة التي تقف ملتصقة بها تحدق النظر إلى زرقة عينيها و شعرها الفضي الطويل و بشرتها (الجبنية).
أمه إمتلأتْ نفسها زهواً و فخراً .. فها هو فلذتها يعود و معه الشهادة الكبيرة بعد غيبة طويلة ، أكل فيها الشك قلبها .. بعد أن أرهقتْها الشائعات طويلاً بأنه لن يعود بعد أن تزوج من أجنبية ..
ترمق ميزالونا من حين لآخر بشيء من الإمتنان .. فرغم عدم رضاها في دواخلها بهذا الزواج .. إلا أنها تشعر بأن الفتاة تحب إبنها و إلا لما جاءت تتبعه إلى هنا ..
( عشان خاتر عيون ولدي .. رِدْتَها و الله ) .. و هي (تصوط ) جك العصير و تضرب حافته بالملعقة .. فتموسق الرنة مزاجها المعتدل فتتورد خدودها بحمرة الفرح اللامتناهي .. فرح فارقها طويلاً .. و ها هو يعود بزخم أفقدها توازنها .. تدلق مجاملاتها بلا حساب.. فتعانق ( الشّفّة ) رغم الخصام .. و تقالد ( النعمة ) و هي في خجل شديد منها لأنها لم (تحمِّد) لإبنتها السلامة بعد ولادتها القيصرية ،، فتبالغ في إكرامها لتغطي ندمها و تقصيرها.
في مناسبات كهذه .. تنكسر حواجز نفسية كثيرة و يجتاز الناس بعض حدود قناعاتهم حباً في إستطلاع شيء جديد عليهم .. كوصول هذه الروسية إلى هذا الحى الهاديء .. الكل يريد أن يخرج بمعلومة قبل الآخر .. فهو كرمْى حجر على سطح بركة ساكنة .. فتمتد دوائر لا نهائية تتسابق نحو الأطراف ، و هكذا هي الحكاوي عن فرد جديد أو دخيل على سكون بركة الحى.
مكث فيهم أسبوعاً مسترخياً يتلقى حفاوة الإستقبال ..
أدْخَلَ صديق الصبا ( عبدالقادر) جردلين من المريسة سراً.. و توسط به ( المنضرة) و دلق فيه حفنة من مسحوق الكركدي و كتلاً من الثلج ..
ضحك عبدالقادر و هو يمازح ود المرضي : هاك أشرب( المريسوف ) على وزن ( إسميرنوف ) يا شيوعي .. قزايز الفودكا و الجِنْ البتشربوها الصباح بكان الشاى .. إن شاء الله ما تنفعكم.
و أطلق ضحكة مجلجلة و هو يحرك الجردل بكوز ألمونيوم منبعج.
يلعب المشروب برأس عبدالقادر قليلاً ..
( عليك الله حسع يا ود المرضي .. جنس الروسيات ديل زى نسوانا ؟ آآآ )
نطقها و إبتسامة خبيثة تقف في منتصف الطريق بفعل مَطَب سَفَة من التنباك.
قال ودالمرضي كمن لم يفهم السؤال : زيهن في شنو يعني ؟
قال عبدالقادر و هو يكرع كوزاً من المشروب و هو يتكلم داخل الكوز فيرجع الصدي إلى فمه ليعود إلى الكوز مرة أخرى : ما تستهبل يا غتيت .. إنت لسع مكار؟
قطعتْ ميزالونا حديثهما الذي كاد أن يكون وصفاً ماجناً لتساؤل عبدالقادر غير البريء.
كرعتْ معهما المشروب و كأنها تشرب ليمونادة السكة حديد في زجاجاتها ( المدردمة )..
كسَرَ المشروب قليلاً من حدة الحر المطبق .. و نُذُر كتاحة صيفية تلوح في الأفق فيتلون سماء عطبرة بلون أرجواني كشفق المغيب.
أراحت جبهتها على كتف زوجها و هي تهمس كلاماً ناعماً.. فبحلق فيها عبدالقادر و جزء من لسانه يتدلى و كأنه يحلم غارقاَ في نصف إغفاءة .. و سائل هلامي يندلق من (سفته) الماكنة في خط ملتوي على أطراف فمه حتى نهاية ذقنه .. فيمسحها بطرف كُمْ جلبابه.
رفع ودالمرضي رأسها برفق و حدثها بالروسية فهو يعرف مزاجها إن هي تخدرتْ بالمشروب : دة هنا ما ممكن ..
طنطنتْ كثيراً و هي تتجرع المشروب.
إستساغت طعمه .. فصارت تغرف بنفسها دون أن تنتظر عبدالقادر.
وقف ودالمرضي ليصافح جموعاً من المستقبلين .. عندما شق المكان صراخ ميزالونا ..
إلتفتَ نحوها فإذا هي تشير فَزِعةً إلى عبدالقادر الذي كان يلتهم قطعاً من ( الكبدة النية) المعطونة في صحن ( البصل و الليمون و الشطة) ..
( الله ياذاك يا عبدالقادر .. مش كفاية منظر السفة كمان تسفسف في الكبدة النية قدام البنية.؟).
لم يأبه عبدالقادر بهذه الجملة ، فقد كان تائهاً في مذاق (مَزّتِه) و هو يستمتع بقرقشة الكبدة بين أسنانه الصدئة.
إستأذن أسرته و أخذ زوجته و إنطلق ليروي غليل حنينه بين ثنايا مدينته العزيزة.
إيهي يا عطبرة ..
مر بالمدرسة الغربية ( الأولية ) :
هاهنا يا عزيزتي عرفنا طعم الزمالة في عمر مبكر جداً..
تداعت إلى ذاكرته أيام ( خُرْتاية الكتب ) المصنوعة من ( قماش الوزْن عشرة و الدمورية ) .. و سندويتشات الفول من (عم شَنَاكة اليمني) في سوق القيقر ترقد مستكينة مع الكراسات و الكتب..
و الجزمة (الباتا) البيضاء تبرق بياضاً بفعل الطباشير.
و معلم الأجيال الأستاذ ( بدوي ) الذي كان ( يفش غبينته ) بأن يعض قلم التصحيح الأحمر بين أسنانه حتى ينكسر ..
موسيقى القِرَب كانت تقطع الهدوء المخيم ، يُمَوْسِقه صرير أقلام الرصاص.
عرج بها إلى نهر عطبرة من جهة قشلاق البوليس .. :
هنا يا ميزالونا تعلمنا أن نسبح ( مع التيار و ضد التيار ) .. فالسباحة في هذا النهر المجنون هو كأن تجتازي مفازة في ليلة حالكة السواد دون دليل أو راحلة .. و هنا يا عزيزتي غرق صديق عمري في غمرة هيجان النهر و نحن نتراهن على الغوص في ذلك الماء العكر ..
ألا رحمك الله يا صديقي .. لا زلت أذكر صياحه و التيار يأخذه بعيدا و كأنه علق في شيء يسحبه إلى أسفل و نحن وقوفاً لا حول لنا و لاقوة .. ثم خاصمْنا النهر طويلاً .. تحاشينا حتى النظر إلى مياهه و شطآنه ..
و هاهنا يا عزيزتي المدرسة الأميرية الوسطى ..
أترين كل هذه الميادين ؟ كلها شهدت ( شيطنتنا ) و لقاءات ( السداسي ) و تحديات ( الدافوري ) و دوري المدارس ..
أما هذا الصرح .. فهو مدرسة عطبرة الثانوية الحكومية .. صومعة العلم التي أوَتْ مئات طالبي العلم من أبناء الشمال ..
و هنا .. عاشت البلابل مع والدهم طلسم ناظر الثانوية .. أتذكرين تلك الأغنية ( غالين غلاوة ) و أنت تنطقينها ( قالين قلاوة ) ....؟
***
و نتابع ...