المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ولضم درمـــــــــــــــان!


آدم صيام
26-11-2008, 06:34 PM
قصة حقيقية
يمكن إن صدقت
أن تدرج على استحياء في أدب الرحلات وأي رحلات تلك



وردني للتو أن تينو أوف لاين!

آدم صيام
26-11-2008, 06:56 PM
التاريخ العسكري يكتبه المُنتصرون. أما التاريخ الاقتصادي فيكتبه إلى حدّ ما البنوك المركزية. وفي الحالتين كليهما، عليك أن تأخذ آراء المسؤولين الرسمية بدرجة كبيرة من الحذر. ولسوء الحظ، فإن من الصعوبة بمكان أن تتغلب الحقائق على المعتقدات المزيّفة. وتلعب تلك الآراء المزيّفة دوراً بارزاً في الأبحاث المتعلقة بالسياسات الاقتصادية.


ستيف إتش. هانكي

آدم صيام
29-11-2008, 01:25 PM
(01)


من أجمل صدف الحياة أن تتقاسم الحجرة مع أحد المهتمين بعلم النفس والاجتماع ، فقد واتتني الفرصة التي فتحت لي نوافذ على الشواطئ الأخرى من التصرفات البشرية وتكهناتها في ميناء راس لانوف الصحراوي و المطل على خليج سرت في ليبيا.


حملتني الصدفة يوم أن توقفت سيارة مرسيدس أمام المحل الذي أديره في مدينة سرت، هذا المحل متخصص في كتابة اللوحات والإعلانات، وبعد أن كسد المحل من جراء قلة الزبائن واستهدافه من مجموعات اللجان الثورية التي كثيرا ما تطلب مستعجلة 100 أو 250 متراً مخطوطة بشعارات اليوم الأسود الذي اختطف فيه الليبيون إلى جزر إيطاليا، أو يوم قيام سلطة الشعب، ثم ترمي لي ورقة مبين عليها استلام تلك الكمية وأن اللجان هي التي تحدد قيمة العمل ومتى إن شاءت تدفع! بعد أن كسد المحل .


إبانئذ كنت في طريق ذهابي وإيابي أمر على محل إعلانات لشخص سوري متخصص في تزيين سيارات الأعراس ، وللحق رغم موسمية الأعراس في العالم كله وليس ليبيا فحسب فإن محله عامر بالسيارات العرسية. ساورتني فكرة تغيير المحل إلى مزين لسيارات الأعراس، وكانت كل لوازم الزينة لا تتجاوز قيمتها 25 ديناراً شاملة الملاصق والشرائط الملونة والمزركشة وقد أدخلت عليها الألوان المائية لسهولة إزالة عبارات التهاني والرفاء بعد انقضاء المناسبة ، ثم واصلت في تزيين السيارات إلى أن حطت تلك السيارة المرسيدس أمام المحل ونزل منها شخص أقرب إلى الأرض ومعه موظف العقود المشهور في أمانة تعليم سرت وهو محمد الأمين.


بادرني القصير بعبارات كسر الحواجز و الإشادة، وبعد تبادل مفردات التهكم بالسودانيين والليبيين على السواء ، أشار لي زميلي محمد الأمين أن هذا هو العجيلي أمين التعليم في منطقة راس لانوف النفطية وهو بدروه في حاجة لأستاذ مثلي، وبعد أن عدد لي أسباب الترف والرفاه في ثكنته الثانوية ،وأن المدرسين يتم ترحيلهم بواسطة سيارات خاصة وسكن خاص ومأكل خاص ومدرسته أقيم فيها المؤتمر المغاربي الثاني وهي أعظم مدرسة جنوب البحر المتوسط، وأنه يعدني بكامل الرفاهية من ميادين الرياضة المتنوعة وحتى المريسة! أعلمته أن سبب تركي هذه الوظيفة لعدم الوفاء بشروط العقد حيث يتوجب تحويل نصف الراتب إلى الخارج بينما العقد المطبق هو عقد معاملة العرب الليبيين الذي لا يسمح لك بحمل راتبك أو إبداله إلى عملة صعبة، وعدني أمين التعليم بعقد مغترب وتواعدنا على تسليم المحل لصاحبه ومرافقته إلى رأس الأنوف ولسان حالي يلوك مقطع المحجوب:
الناس مرقدها النهود
ونحن مرقدنا الأنوف
لو كنت تدري ما الأنوف
طويت الفراسخ بالألوف


هنا كنت على موعد مع القدر و الأستاذ جعفر ضحية، وهو من أبناء امتداد ناصر أستاذ في علم النفس والاجتماع والذي غيرت اسمه إلى جعفر الضحية وذلك لوقوعه ضحية إهمال لمدة عامين لم يصرف فيها رواتبه حتى تغيرت سحنته و نفسيته، حيث تقاسمنا السكن لعام كامل.

آدم صيام
29-11-2008, 04:34 PM
إن الرأي ( بشروط إنسانيته) الذي يصلح الإنسانية أولى من رأيك الذي تتبعه، وهنا تكمن إنسانيتك من حيوانيتك!!




آدم صيام

الفاتح
29-11-2008, 04:39 PM
مرحب بيك يا آدم ، نوًرت الديار
معليش ترحيبي جا متأخر لظروف خارجه عن الإرادة..
سرد سلس وممتع ، واصل فنحن بإنتظارك.
مودتي.

آدم صيام
29-11-2008, 05:10 PM
مرحب بيك يا آدم ، نوًرت الديار
معليش ترحيبي جا متأخر لظروف خارجه عن الإرادة..
سرد سلس وممتع ، واصل فنحن بإنتظارك.
مودتي.
__________________
الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون في الكراسي
- جيفارا-

الكريم شليل سبعة
شكراً لمروركم الترحيبي المقدر

نعم، حين يجلسون على الكراسي، بلا شك!




إن كنت لاتحب أخاك الذي تراه فكيف تحب الله الذي لاتراه
القديس يوحنا

آدم صيام
01-12-2008, 03:37 PM
(02)


في رأس لانوف خيرتني المدرسة بين أن أسكن في منزل لوحدي أو أشارك الأستاذ جعفر ضحية، فاخترت السكن مع جعفر وكان نعم الرفيق، كانت ليالينا عامرة بالقراءة و التنظير والتحليل وكانت الكتب شبه مجانية نتلقفها من المعارض برخص الفلوس ولا سيما أن مكتبة المدرسة عامرة بالكتب من العيار الثقيل وقد نصبت نفسي أميناً عليها بالإضافة لأعباء التدريس بل نقلت مكتبي إليها وصنفتها عشوائيا طبقاً للتقسيم العشري لجون ديوي ولم أفارقها إلا بعد أن هجم علينا في نهار غائظ أفراد من شعبة اللجان الثورية وهم يجرجرون المدير العجيلي حتى وقف الجميع أمام صورة للأخ القائد أبي منيار القدافي ولم يعتورها شيئ غير أنها في وضع مائل فهددوا المدير بل أمين التعليم أن هذا التصرف غير الثوري يعرض كامل المدرسة للتقفيل والتشميع، فرضخ إلى مطالبهم بقفل المكتبة إلى حين آخر، وقد علمت من رفقاء الطبشورة أن إغلاق المكتبة كان بسبب اجتياح الطالبات والمدرسات إليها بصورة لم يسبق لها مثيل .

كانت لياليا ونهاراتنا تزخر بهكذا تكلم زرادتش، ثلاثي الوجودية: هيجل فيختة وشيلنج ، البنيوية وأثرها في الأدب المغاربي ، مجلة الناقد من مؤسسة الريسي في لندن، الصادق النيهوم ومن سرق المسجد، نفق تضيئه امرأة واحدة وإبراهيم الفقيه،الطاهر بن جلون وليلة القدر، النقد الاشتراكي لحسين مروة، محمد أركون والإسلام الحداثي، سلام خياط والبغاء غبر العصور و.......... كل ذلك وتتخللها القهوة المدنكلة والتنباك العماري وسجاير المارلبورو، وعزف مبتدئ على العود على يدي بدأته بعازة في هواك كعادة مبتدئ العود وختمتها بالقليب الراسمو حنة!

كانت تصل أيامنا إلى ذروة عنفوانها بزيارة جمال سوزي أستاذ المسرح وأريحية الأستاذ جعفر التجاني النصف الآخر من كوب سوزي، ولا أنسى تلقينه للطلاب عبارة مسرحية تقول: ( أ لأن عدو الله يؤدب هل هذا يستدعي الرجرجة والدهماء!) وعدو الله المقصود هو الحلاج.



ذات مساء عثرت على شريط أغاني باسم سنبلاية للفنان محمد وردي فقلت في نفسي هذه صرعة لجعفر الذي كل أغانيه غربية عدا شرحبيل أحمد، وما إن دلفت إلى السكن قصدت المفاجأة، وأنا إذ أكتب هذه الجملة يتراءى لي جعفر بقميصه البرتقالي وسرواله الأزرق وهو مستلق بعد أن أعد سفته على دربة تحفزاً للاصطراع، استلقى على السرير دون أن ينبث ببنت شفة حتى إذا عبرت الأغنية الصفحة الأولى من الشريط أرسل ابتسامة وحيطة حسبتها انحيازاً لرؤيتي، لم أسأله و واصلنا الاستماع وما إن انتهى بادرته مستفسراً عن نقده،

فإجاب: إن محمد وردي بدأ يأكل في نفسه، وأن موسيقى هذه الأغنية جزء منها من موسيقى الحزن القديم والآخر من بناديها أو المستحيل أو هكذا قال! وبعد إعادتي للشريط كرة أخرى وتذكر باعه الطويل مع الموسيقى وجلوسه إلى شرحبيل وتجواله مع الفرق الخرطومية آنذاك من البلو ستار وغيرها أصابني الإحباط من رؤيتي رغم تأبطي لهذا الشريط ولم أفارقه إلا عندما طلبه مني محمد علي الدنقلاوي في نيامي عاصمة النيجر شتاء 1992.

عرفت أن جعفر قضى في نيجيريا عامين وقد شجعني للذهاب إليها وخاصة جامعة مايدوغري حيث أن مدرس اللغة العربية يتقاضى 500 دولار أمريكي وأن العملة النيجيرية النايرة تساوي سدس دولار .

مضت الأيام في تلك الصحراء وأبناء المناطق شبه الصحراوية أو السافنا مثلي يعانون هناك من مناخ البحر الأبيض ولا سيما الرطوبة العالية وقد انتابتني أزمة عطاسية لم تبارحني إلا بعد أن هبطت في مدينة سبها في الجنوب، ولكن ولله الحمد لم أقض 3 شهور في ليبيا إلا وبارحتني القارديا المعوية إلى غير رجعة دون دواء بعد أن كدت استهلك فلاجيل السودان وما وراء الصحراء.


كانت أيام المدرسة الشتوية أيام لئيمة بحق فقد وردت الأخبار أن أمريكا تريد الإغارة على المناطق الحيوية والنفطية في ليبيا فقررت أمانة التعليم إيكال مهام الحراسة الليلية للمدرسين، تم توزيع المدرسين إلى مجموعات تنوب ليلياً، أحدنا يحمل لاسلكي يزن 2 كيلو والآخر من وراء مضاد الطائرات رغم عدم معرفتنا باستخدام تلك الأسلحة حتى مرت تلك الأزمة بسلام وانقضى العام ولم يف العجيلي بوعده فاستقلت وكان البديل جاهزاً السفر إلى نيجيريا اكتشافا للقارة الأم وجمعاً لجورج واشنطون.

الفاتح
01-12-2008, 03:45 PM
بلا إستحياء ،
جديرة بأن تدرج في أدب الرحلات ،
تعجبني الكتابة عن الأماكن الغير مألوفة..
واصل لا فض فوك.

آدم صيام
06-12-2008, 12:52 PM
بلا إستحياء ،
جديرة بأن تدرج في أدب الرحلات ،
تعجبني الكتابة عن الأماكن الغير مألوفة..
واصل لا فض فوك.


الكريم شليل شكراً لموقفكم التشجيعي الضاف
اليومين ديل شوية زحمة ولنا عودة بمشيئته

آدم صيام
23-12-2008, 04:10 PM
(03)



في الطريق المؤدية إلى طرابلس عبرت بنا الحافلة رقعة مملةً من الرمال المحاذية للبحر الأبيض المتوسط في اتجاهٍ من الشرق إلى الغرب، مملة لتكرار مناظرها التي تبلد الانتباه غير بعض اللافتات التي نشاهدها على صدر كل نشرة إخبارية وكل خطاب مكتوب ولو لحبيبة، لمحت لبرهة مدينة بن جواد ثم تهت في صحراء ضاربة في القحلة لا أرى إلا كثبان الشتاء المتواعدة وقطعان الضأن التي حتى الآن لا أدري من أي نوع من الأعشاب غير المرئية تتغذى، وصلت حذو مدرسة الستين فتذكرت زميل المهنة الأستاذ كمال أشقر وليلته التي قرأنا فيها رسالة خطيبته الشهيرة التي وضعته أمام الخيار المميت، إما أن يهبط السودان فيتمم زواجه منها أو الطوفان ولم تمض عليه في الوظيفة إلا شهور و لا يتسنى له قبض راتبه إلا بعد حول!


هذا وادي الأبيض الذي عملت فيه سنتين مدرساً للمرحلة الابتدائية، مباني المدرسة بجانبها مكاتب الأمانة الفرعية للزراعة، كنت أحصل على سجائري (الرياضي) من تلك الجمعية كل شهر، يقبع بالقرب منها جرار وحصادة حمراوان هالكتان لاتصلحان إلا مخابئاً للسحالي والعملات المعدنية الفالتة المسكونة برغبة الاختفاء. تراءت مباني مدينة سرت ثم تخطتها الحافلة غير منظور إليها، مر حطام قصرٍ منيف قيل إن الكلاب الضالة! اتخذت منه وكراً للبغاء فحطمته اللجان الثورية غير عابئة بقيمته.


غشيتني سنة من نوم بعد أن بدت حركة الحافلة تعزف نوتةً منتظمة، وصعدت أرواح المسافرين إلى فضاء الحافلة تأخذ قيلولتها لتترك أجسادهم المهلهلة تحزمها مقاعد الحافلة الوثيرة وتغفو الأمعاء مكتنزة بسندوتشات التنة والبيض وبعضاً من هريسة (فلفل)، كدت أن أنام غير أن تذكرت أن في هذه المنطقة يوجد الميناء الذي تم عبره تصدير العبيد إلى أوروبا في الأيام الغابرة وكأنما ألمح عطيل بين الجموع، تراءت لي في الخيال زرافات الشباب السمر الأقوياء مجندلين بسلاسل الحديد، يتقدمهم كونتا كنتي مقاوماً ومتمرداً في مدينة تاورغاء، و ثلة قليلة من الفتيات الناهدات يثكلن القمر وكراكير الأحبة، لابد أن الرحلة مشي على الأقدام الحافية كانت طويلة ربما من أعماق أفريقيا أو بحيرة شاد وأدغال تنجانيغا، ثم جالت بخاطري عبارة التاريخ التي وقد أعتق فيها السنوسي قافلة من العبيد، حتى إذا ظهرت ملامح الوجوه السمراء تيقنت من توثيق خيالي وبدأت أشرئب لأرى نهاية الرحلة البرية عند تخوم البحر الموصولة ببداية الرحلة المائية إلى أوروبا.


كلما أحاول طرد فكرة أن هذه الفلوات ما هي إلا مجزوءة من إمبراطورية اليونان والرومان وجزر القراصنة في صقلية وكريت ومالطة، حتى تردني إلى صوابي أشجار النخيل وقلنسوات وطرابيش الرجال الحمراء التي اشتهرت بها منطقة جنوب ساحل البحر الأبيض من تركيا حتى بلاد فاس وكلما ابتعدت عن مركز القلنسوة الحمراء في تركيا تناقص طولها وارتد لونها إلى السواد، ثم تصحو تلك الأفكار الإمبريالية الكلاسيكية على معابد الرومان وتماثيلهم بالقرب من مدينة صبراتة ولبدة، هذه صور جاثمة لبقية معابد لبدة وها هو المسرح الروماني والبازيليكا مازالت شاخصة بكامل عواميدها الصامدة ومسارحها الحجرية وقاعات الدراسة ودوواين الحكم كأنما غادرها الموظفون لساعة الغداء ريثما يعودون لدوام ما بعد الظهيرة، ثم ارتد طوراً آخر عندما أرى بعض الشاحنات على الطريق العام وأصحابها يتلفحون الشمائل الصوفية ويطهون الشاي الأخضر حد الشواء وينفثون لفافات سجائرهم بكل إدمان لدرجة تندرهم على السودانيين بأن بياض أسنانهم ما مرده إلا الجوع الناصع، ولا عجب إن كانت الأماكن الليبية تنطق أغلب أسمائها الساحلية بلسان روماني مبين، من ليبيا، وهانيبال الروماني، طرابلس، طبرق وترهونة ليتجلى لك اللسان البربري المبين في غات، تازربو و غدامس في الجنوب.


حاذت الحافلة ناحية بني وليد ولم تدخلها، المدينة التي رجمت بالطائرات عندما أعلن بعض شبابها التمرد على النظام الجماهيري، لتترك المباني المهدومة على مر النظام عبرة لمن لا يعتبر حتى لاتسول لكائن من كان أن يفكر ولو في خياله بمشروع تمرد.


على مشارف العاصمة بدت السماء في بث (شعافيفها) شآبيبها الشتوية مع نسمات برد قاتل من جهة غير معلومة، هؤلاء ثلة من بني وطني يتسورون دوران السيارات بجلابيبهم القصيرة المكموشة من دبر وعمائمهم المتسخة يطاردون القواطين (شاحنات صغيرة ماركة بيجو) عز الشتاء لعلهم يظفرون بحمولة سناري( جزر) طماطم أو بطاطس يفرغون حمولتها اتقاء البرد والمسغبة.


أزفت ساعة دخولي طرابلس إيذانا بالشروع في الحصول على تاشيرة كل من نيجيريا والنيجر ليتحول اتجاه رحلتي الحياتية من صوب الغرب إلى جهة الجنوب حيث عمق القارة السمراء وضجيجها.

آدم صيام
02-05-2009, 07:08 AM
(4)



مضت بنا الحافلة إلى استراحة رأس لانوف ( رأس الأنوف) في قلب مدينة طرابلس المدينة البيضاء كعهد أغلب المدن المطلة على البحر الأبيض جنوباً من طرابلس في شمال لبنان وإلى الدارالبيضاء في الغرب- وللتمييز فإن مدن شمال البحر الأبيض يكسوها القرميد الأحمر الطوبي القاني أما مدن الجنوب نوافذ ومشربيات ومداخل بناياتها أغلبها مطلي باللون الأخضر لون الكتاب الأخضر –الذي تندر به النميري عندما تهكم بنعته: ظاهره أخضر وخارجه أحمر - وللدكتاتوريين فيما بينهم تهكمات ومساخر كشأن أغلب خلق الله المغلوبين - وكأنما اكتشف البطيخة لأول وهلة، يجدر بالذكر أن للبطيخ اسم ناعم الملمس والنطق في بلاد هانيبال إذ يسمونه (دلاع) بكسر الدال المعجمة وتشديد اللام المفتوحة. طفقت في أرجاء المدينة بحثاً عن كنيف لعلي أتوسد رأسي ريثما تنبلج شمس اليوم الغائب فإذا الشوارع تجوبها حسان المغرب ذات الغلانس وكل هذا الانفتاح الرهيب بفضل إعلان الوحدة المغاربية، حملتني غريزتي إلى تتبع إحدى المؤخرات التي انتهت بي إلى فندق صنفته من دون ذات النجمة ، وبعد أن دفعت ما علي من استحقاق حملني المستوظف الوحيد إلى طابق مهجور وأعمل مفتاحه في باب خشبي فانبعج لنا فضاء قبري مستطيل بسرير حديدي أحدب ودولاب مهترئ، كان جسمي ملتصقة جسيماته كأنه الغار فدلفت إلى صنبور المياه لعلي أزيل شعث السفر، يا الله! الصنبور يحلب ماءً مالحاً كأنه موصول بالبحر مباشرة، يمكنك إفناء صابونة كاملة من نوع الفنيك دون أن تجود لك بفقاعة تزيل بها ملحك، نزلت إلى البقالة فاشتريت ماء معلباً ودلقته على جسدي، تكاليف المياه العذبة أغلى من فاتورة النزل – كم نحن المغفلون في نعمة من نعم الزلال! أمضيت تلك الليلة برفقة شخص جزائري زعم أن السودانيين صنو الجزائريين في صفات كثيرة، تركته يتداعى بدلوه واستسلمت لسلطان الكرى.


في الصباح الباكر دلقت دنانير مهولة من الماء على جسدي حتى تصبب جيبي وهرعت إلى السفارة النيجيرية بحثاً عن تأشيرة. قدمت لي إحدى الحسان ذات العيون البقر استمارة أعجب ما فيها أن أذكر سبباً مقنعاً لسفري إلى نيجيريا، فافترعت كذبة ذات ألواح ودسر بأن شقيقي له أكثر من عشرة سنوات في نيجيريا ولم يعقب وأنا أجد في طلبه، كانت تلك كذبة مؤثرة دفعت على إثرها خمسة عشرة ديناراً قيمة التاشيرة غير الذنوب وحصلت عليها يعلوها حصانان من فصيلة البغل. تذكرت عند خروجي ذلك الكتاب الذي قرأته ويزعم كاتبه أنك يمكن أن تجوب العالم كله دون جواز أو تأشيرة وكل حجته أن يستحيل زرع كل شبر من حدود الدولة بعسس حدود وإلا اصطف كل مواطني الدولة عند خطوطها الوهمية.


كانت أكبر تراجيديا عانيت منها هي حصولي على تاشيرة دولة النيجر إذ شدد نيافة القنصل النيجري وليس النيجيري أن السودان لا يقع وراء النيجر لذا ينبغي أن أذهب إلى نيجيريا عن طريق آخر وعندما ذكرت له أن ليبيا محظورة طيراناً، رد بأن أذهب عبر الجزائر وعندما أفحمته أن دول المغارب العربي تمنعنا حتى المرور عبر أجوائها نصحني بالرجوع إلى السودان وكانت خير نصيحة إلا أني أدرجتها في خانة التهكم ورجعت إلى الساحة الخضراء حيث الميدان الفسيح ومقهى يرتاده لفيف من الأجناس وأكثر ما شدني طاولات الشطرنج، فدلفت إلى إحداها وطلبت مشروب (مراده) وهو ليس بمراده تلك المدينة الليبية وإنما الفانتا المنعشة المعروفة عالمياً بنكهة البرتقال. بلغ بسوداني متلبيب وليبي متطلين حداً من التنافس الشطرنجي أذهب باقي يومي وهم يتصايحون مرة اضرب البيدق وتارة خذ الشاة أو الفيل على عجل.


عدت كرة أخرى في اليوم التالي إلى قنصلية النيجر، اتخذت كرسياً معجوناً على استحياء من باب إظهار الشفقة وبدأت أرقب مرتادي البعثة. يدخل فريق ن التجار الليبيين إلى القنصلية ويخرجون وهم يجأرون: "تي بالله هذا الفرخ ما يدري شي" تدحرجت إليهم أسأل ما الخطب! فقالوا إنه لا يفهم لغتهم، قلت حسناً دعوني أوضح له، وهكذا أمضيت ثلاثة أيام مترجماً بلا مقابل وفي اليوم الثالث كررت له مشكلي، وبعد أن تمنع وتلجلج وافق على منحي تاشيرة مرور لمدة خمسة عشرة يوماً فقط غير قابلة للتجديد( لس باسي) حمدت الله على ذلك الإذن المجهول وأهلك صفحتين من صفحات جوازي اليتيم بعد أن هرف مني مبلغ ستين ديناراً حتى اختلطت علي قيمة التأشيرة الحقيقية حتى يومي هذا.

آدم صيام
02-05-2009, 07:10 AM
http://www.geocities.com/niiii0iiiin/20pics17.jpg



يمكنك مشاهدة هذي الغزال الحجرية تنبعث من حواليها نوافير المياه وأنت تتابع معركة الشطرنج في ميدان الساحة الخضراء

ولا تنسى بين سوداني متلبيب وليبي متطلين!

آدم صيام
02-05-2009, 07:11 AM
(5)



في الصباح الباكر هرعت إلى مكتب الخطوط الليبية واستخلصت تذكرة انتحارية ذات اتجاه واحد ذهاب بلا تعقب، ثم ذهبت إلى المطار وللحقيقة فإن المعاملة حسب التراتبية لايشوبها إي تعطيل كما هو مألوف في مطارات الجماهيرية الأخرى التي يمكن كأجنبي مواجهة في ساعة اللامناص اقتحام من أحد الجنود الشباب ليجبرك على التأخر بحجة وفد ثوري في مهمة خاطفة حتى يفسح لعمته أو ابن خالته الحصول على مقعدك وعندما تراجع مكتب الخطوط تجد إجابة من نوع التجاهل أو وصفك بالمحظوظ أن لم تقتاد إلى المخفر بسبة مفصلة من باب التعطيل.

أقلعت الطائرة ناحية الجنوب حيث مدينة (سبها) في ميعادها بتأخير بلغ عشرين دقيقة لا أكثر إلا أن الإقلاع في حد ذاته كان ملحمة تراجيدية عمودياً لدرجة أنست الركاب نطق الشهادتين، وجم الركاب كأن على رؤوسهم الطير من هول فقدان وزن إمعائهم وأطرافهم السفلى الأخرى، وعندما استقرت الطائرة أفقياً تمكنت على وجل من التقاط صور طبغرافية للأرض التي تشبه رؤوس السكاكين والمناجل حيث الجبال البركانية التي جفت لتوها بعد اندلاقها من الشمس أو كوكب مرجلي آخر، لا سيما اتخاذها ألوان زرقاء وخضراء، ولم تبارحني آية الجدد والغرابيب القرآنية طول الرحلة التي استغرقت ساعتين بثمن سبعة عشرة دنانير لاغير.

كل هذه الرحلة ولم تبرز أي كومة رمال وإنما الجماهيرية على سعة كرشها محشوة بالسلاسل والحجارة المزركشة وأدوات النجارة، الطائرة في سباحتها كأنها تسير على الطريق الصيفي الترابي بين مدينة الجبلين والرنك أو بين سنار والسوكي بعد موسم الخريف حيث حركة اهتزاز متواصل تكاد تسقط كامل طقم الأسنان الاصطناعية للعواجيز، حتى إذا جالت الطائرة عدة جولات غير موفقة فوق مدينة سبها، انقضت كالسهم على المطار وعم الصمت داخل الطائرة لمدة خمس دقائق ثم بعد أن تيقن المسافرون أنهم التصقوا بأمهم الأرض، علا المكان بالتصفيق المحموم لدرجة اختلطت فرحة النجاة بنجاح الطيار، خرجنا من جميع الفتحات كأنه يوم الحشر لا نلوي على شئ غير النجاة بأرواحنا، يا لرعديدية الإنسان!

مدينة سبها معظم طرقها دائرية ومن هنا تختلف أضلاع الاتجاهات، لم أجد بداً من نسيان أن بوصلتي النظرية التي حملتها من السودان والتي تقول أن جريان النيل يحدد القطبين المغناطيسيين للأرض وأن شروق الشمس وغروبها يحددان الغرب الجغرافي من الشرق الجغرافي والقبلتي وأنها بوصلة ضيقة الأفق وتمتاز بالمحلية الساذجة، ومنذئذ تهت في خضم الاتجاهات حتى كتابة سطوري هذه!

ذهبت إلى حي المنشية حيث موقف السيارات الذاهبة إلى ما وراء الصحراء، وقد ألزمنا صاحب الشاحنة المرسيدس أن نعد أنفسنا بعمامة شاكلة عمامة الطوارق ونظارة تشبه نظارات كارلوس وقارورة ماء وأطعمة جافة، وقد نصحني أخي المسرحي سوزي قبلاً عند السفر أن لابد لي من التزود بعدد لا بأس به من فحول البصل الدامع حتى أمنح جسدي بعضاً من تطعيم في التسفار من إقليم لآخر،

مكثنا ثلة المسافرين أسبوعين قبل أن يدور محرك الشاحنة المتجهة إلى القطرون الحدودية ومن ثم حدود ليبيا بالنيجر، وهنا انصرمت تأشيرتي ذات الأسبوعين وستين ديناراً وثلاثة أيام ترجماناً في عمق ليبيا قبل أن أصل إلى النيجر! ومن جراء الانتظار المميت تم التعارف بين المسافرين وامتدت حبائل المعرفة، و لم يجدوا لي لقباً غير لقب (ولضم درمان) ولد أم درمان بينما مساعد الشاحنة أطلقوا عليه ول مندو ومندو مدينة حدودية صغيرة بين تشاد والكميرون، ذكر ود مندو أن بها داراً للسنما يمتلكها أحد السودانيين، قلت في نفسي لله في السودانيين شؤون في بقاع المعمورة!

ثمانون راكباً يمسحون سطح الشاحنة وكأننا وسوق بالأماعز يرتمينا، أما حواف الشاحنة مغمورة بالكامل بصفائح المياه البلاستيكية وزكائب الجوالات المكدسة، يمكنك من على البعد أن ترى كومة من الجوالات و صفائح المياه المتحركة ولكنك لا تبين أي سيارة، نهبت بنا الشاحنة مقدار ساعتين أو ثلاث لنصل إلى القطرون وذلك بفضل الله ومن ثم الطريق المعبد، أما ونحن نبرح القطرون لابد لنا من الاستعانة بخبير طرق وقد لازمنا أحد خبراء الجيولوجيا وعلوم الفلك الشفاهية من قبائل التيبو وحتى حدود النيجر، ظل الخبير طول الرحلة يحدق في النجوم إذ اتضح أن خارطته الوحيدة التي يعتمد عليها مثبتة في السماء ذات الحبك.

آدم صيام
03-05-2009, 08:21 AM
(06)

من مشارف القطرون بدأت طبوغرافية الأرض في التغير، فقد انتشرت تلال الرمل على حياء بدلاً من الجبال والجدد، كما انقطع الطريق المعبد عند القطرون، القطرون التي ورد ذكرها في كتاب الجغرافية للصف الخامس( جغرافية السودان ومصر وليبيا ) وصنوها النطرون والواحات الدخلة والخارجية، مررنا على بعض القرى ذات الأسماء العجمية من أمقيقيمي وغيرها، كما بدأ استخدام معاول (الصاجات) لنقل العربة إلى الأمام، من صاج إلى صاج ومن تنفيس الإطارات إلى نفخها مرة ثانية حسب طبيعة الأرض. أما سحنات السكان الأصليين فقد تغيرت بالكاد إلى السواد الليبي، وقد التوى لسان المسافرين الذين كانوا لا يجيدون إلا اللغة العربية بنكهة اللكنة الليبية، تغير تماماً بعد خط مية غرب إلى لغات أفريقية صرفة ونحن لم نبرح أرض ليبيا بعد، خلتها خليط من الأمازيغية ولغة التيبو والهوسا وما تيسر.

تتوقف الشاحنة لتلتقط أنفاسها ويقضي المسافرون بعضاً من حاجاتهم ، يلتقي بي بعض الصحبة وهم يحملون مذياع ترنسستر بستة أحجار ويزفون لي نبأ تولي رئيس أمريكي جديد سدة العالم، ثم يطلبون معرفة رأيي باعتبار أن السودانيين محللون جيدون للأخبار والمتابعة العالمية! وكانت حجتهم أن الراعي السوداني يعرف ما يدور في أروقة البيت الأبيض!!

حتى إذا أدركنا حدود ليبيا عند نقطة الجوازات نحى السائق الشاحنة جانباً وطلب من المسافرين النزول بأوراقهم السفرية، نزلنا في صفوف منتظمة وبعد مرورنا على الجوازات تعرفت على الضابط علي الرحومة الليبي الذي التقيته وتعرفت عليه عند زيارته لأحد أقاربه في رأس لانوف التي يبدو ستلاحقني غير ما يسير، وقد تعجب من تركي التدريس وتجوالي في الآفاق.

بعدئذن سلكت بنا الشاحنة أرضاً ثابتة تجاه الشرق وبعد عدة كيلومترات كنا على موعد مع الجوازات النيجرية، رأينا جنوداً يلبسون الأردية والمايوهات بلون الكاكي ويمتشقون أسلحتهم بينما سارية العلم ترفرف في السماء والجميع في حالة تحية للعلم صباحاً بمناسبة ذكرى استقلال النيجر من فرنسا.

نزلنا على عجل وانتظمنا في سلك تحية العلم والاستقلال، بعدها أمر سائق الشاحنة عماله بإنزال جوالات الأرز وصناديق الصلصة وعلب التونا ورصها في مخازن العساكر، تهللت أسارير الجنود بالبشر والفرحة لوصول المؤونة والرفد من ليبيا، ثم عجلوا بتخليص ما علينا من دخول ودفع المعلوم، ورغم خوفي الشديد من انقضاء تأشيرتي إلا أني لم أواجه أي عكننة تذكر.

لم يمض على مسيرتنا إلا سويعات قلائل ونحن نبرح نقطة جوازات النيجر حتى تبدى لنا بحر الصحراء الشاسع الذي لا تكدر صفاء صفرته أي لون آخر. أمضينا الحال هكذا لعدة أيام بلياليها نسير ليلاً ونهجع نهاراً تحت ظل الشاحنة، لا نرى بشراً ولا حجراً ولا حيوان ولا نبات! سلاسل الصحراء تأخذ تشكيلات مختلفة ومتقلبة، فطوراً تتبدى الرمال على هيئة فتاة عارية مستلقية على بطنها مبرزة مؤخرتها، وطوراً تتجسم الرمال سيفاً صقيلاً خارج غمده، ولأول مرة أكحل عيني بجبال شاهقة معجونة من الرمال. ههنا بقايا جراد نافق تتطاير أجسامه مثل ريشه تماماً، يبدو أنه في رحلته الأبدية من مصوع وإلى تمبكتو فقد الغطاء النباتي الذي يرفده بالطاقة فلقي حتفه، يا لغباء زعيم الجراد! كثيراً ما تودي به بوصلته المستقيمة إلى حتفه.

جاءني ذات مرة، ونحن في قيلولتنا أحد الليبيين الذين تحول بفعل الصحراء الكبرى إلى تشادي قح! طالباً حاجة له:
ولضم أم درمان أخوي كي أعطيني لي صابون؟
وعندما استخرجت له الصابون ، رد نافياً!
بدور لي صابون أسنان؟
فناولته مطلبه، بعدها أراني قطعة فحم سوداء ، وقال إن قطعة الحجر تلك هي الصيدلية الصحراوية بعينها!
فهي العلاج الشافي لسم العقارب والثعابين، بأن توضع على موضع الإصابة فتمتص السم في ثوان، ومن ثم يعاد غسلها بوضعها في الحليب فترتد نظيفة لاستعمالها كرة بعد كرة.

آدم صيام
10-05-2009, 04:21 PM
(7)


ذات يوم ونحن إذ نسير في الصحراء، لا ماء ولا شجر على رأي الشاعر الحطيئة، يشير إلينا دليلنا الصحراوي إلى بقعة في الصحراء لايميزها شيئ عن باقي الفجاج غير لونها الماحل ونعومة رمالها.
يقول دليلنا : هذه أخطر مكان في الصحراء!
كيف ذلك ونحن طول رحلتنا هذه لم نر في الصحراء حتى ظلالاً لأي شيئ من أغوال تبعث على الخوف فأين تكمن خطورتها؟
قال إنها الدوامة! ما إن تطأها كتلة ذات وزن وإلا ابتلعتها، وعندما اندهش الجميع من هذه النبوءة، أوقف سائق الشاحنة شاحنته، وتقدم الدليل يحمل إطاراً بالياً فالقاه ناحية الدوامة.
يا إلهـــــي!
بدأ الإطار التالف يغوص شيئاً فشيئاً إلى أسفل تلك الساعة الرملية حتى تلاشى كليةً ثم أعدلت تلك الدوامة من ثوبها ورجعت سيرتها الأولى.
كثير من المسافرين عبر الصحراء لا يقرؤون كتاب الصحراء جيداً فيكتنف أخبارهم الاختفاء الأبدي.

قضينا يومين والمسافرون يتحدثون عن بئر وواحة سنكحل بها أعيننا، كانت هي أمل الصحراء المرتجى والهدف المبتغى في عالم صمدي لا نصدق وجود كائنات حية خارج شاحنتنا التي تسمى سفينة الصحراء. بعد مسيرة ليلة بنهارها تبدت لنا على استحياء كتلة جبلية قميئة في الأفق، وفي نهار اليوم التالي أدركنا كنهها، جبل مهول ترقد تحته بيوت متلاصقة مبنية من رقائق ملح العطرون ومسقوفة بعرائش النخيل!
من أين أتى النخيل إلى هنا؟

آدم صيام
10-05-2009, 04:23 PM
أمام تلك البيوت تتكدس أكوام من العطرون، إذن سكان هذه القرية من عمال المناجم! وهذه الأكوام هي السوق المركزي وإن لم يرق لك فقل بورصة العطرون. تحت سفح ذاك الجبل زعموا أن كانت هناك واحة، توجد من شرق القرية بئر يطلقون عليها سانية، يبدو أنها كانت تعمل بطواحين الهواء على عهد الفرنسيين، هذه البئر تحتاج لأربعة أشخاص لنزع دلوها بواسطة أشطان وعند وصول الدلو إلى خارجها بالكاد يخرج من الماء ربع المكترى(Net Weight) .

ألقينا عصانا قريباً من البئر فهرع إلينا سكان القرية التي تقع خارج الكرة الأرضية لعزلتها، خرج قومها يتفرسون في وجوهنا وزكائب أمتعتنا التي تنوء بها الشاحنة، هناك من على البعد فتيات باسقات الطول كالعيدان يعرضن أنفسهن للمتعة، نعم حتى الصحراء لها مواخيرها تماماً كالمدن المتروبوليشن التي ترتمي في عوالم النيون، وللحقيقة لم أر لتلك الفتيات أثداء بتاتاً أما سوقهن كسيقان النعام، وهنا لأول مرة أكتشف علاقة البيئة بالسيقان، فالبيئة الجافة المتصحرة سيقان نسائها كسوق النعام ، والبيئة الرطبة مهما كانت درجة حرارتها سوق نسائها كالبلنط ( طفاية القاعة) والبيئة الجبلية تبدو سيقان نسائها محشوة بكرات التنس، لدرجة انتشار عيادات التجميل لأزالة تلك الكرات كما هو الحال منتشرة في هونج كونج.

برز إلينا في تلك القرية رجل تشير معداته على أنه صائغ ذهب يحمل ميزاناً أكل عليه الدهر وشرب، أخذ مكانه تحت ظل الشاحنة، وكلما وقع تحت بصره خاتم فضة أو نحاس طلب من صاحبه معرفة وزنه وعياره! مما أصابني بالدهشة من الفائدة التي يجنيها من تلك المهمة التي لا تدر إلا العجب.

كلما ما فعلناه في تلك المسمى واحة أخذنا قسطاً من الراحة ودلقنا قدراً من ماء البئر في جسومنا وتزودنا بالماء ووزعنا بعض الطعام لسكان تلك المعمورة ثم استأنفنا المسير.

يغلب على سكان تلك القرية ملامح التشاديين بزيهم المزركش وجسومهم النحيلة، أما لغتهم فهي أفريقية ولكنها ليست لغة الهوسا التي تنتظم دولة النيجر، مضى علينا نهار وليلة كاملة حتى أخذت صورة ذاك الجبل في التلاشي.

آدم صيام
17-05-2009, 04:07 PM
(8)

في عالم الصحراء البهيم، ما إن تأذن الشمس في جمع خيوطها تاركة على الأفق جراحاً غائرة جراء الفراق تقطرعسجداً ووحشة، يتخذ الليل شيئاً فشيئاً متكأه على قارعة الوجود ناثراً هدوءه وسكينته، حينها تبدأ الأشياء تفقد ظلالها الفارعة الطول، وينتاب الكون سكون القبور، من ثم تبدأ مسامات الرمال في التماسك الحميم ماسحة أديم الأرض بصلابة افتقدتها طوال النهار، فتعفي المسافرين عناء التوقف ليلاً ونشل المركبة من وحل الرمال.

يقبع المسافرون على صهوة أمهم السفينة يرقبون الأشياء بعيون النعاس وداعاً واحتفاء. ومن ثم يقضون فرضيهم المسائي جمعاً وقصراً وهم جالسون القرفصاء والشاحنة تمخر عباب الفضاء.
في ليل الصحراء الوحيش، يقترب سطح الشاحنة من قبة السماء أو تسجد السماء قبالة الشاحنة، وتتبدى الكواكب في سفور قريب.
ههنا قناديل من الثريا تخبو وتلمع،
وههنا عناقيد من برج الجدي متناثرة،
وذا كوكب الزهرة يطل علينا بحجم القمر،
أنجم وزينات مجرة الكبش تعتمر قبة السماء وتعد سرادقها لحفل المساء.
لم يكن ليل الصحراء ممسحة لسبورة النهار فحسب، إنما شروع متئد لسهرة مكتملة يشنف آذانها الحادون بمزاميرهم الحنجرية، وينسجها الزمان بروايات الخوارق وأقاصيص العجب.
تكل الأفواه والأخيلة، وتتمدد الأثواب والأغطية ليسلم المسافرون أرواحهم رويداً رويداً لسلطان الكرى. في الجانب الآخر ناحية غرفة القيادة، يحتسي المساعدون (أفرنتيي) مع سائق الشاحنة الشاي الأخضر ويتسلى الرفاق بقشور المغامرات ولباب الأسفار.
وفي الليل الطويل يحمد السرى.

أطل نهار جديد بثوب جديد في مكان جديد، وأرض الصحراء مفروشة على آخرها بسجاد من السندس الأخضر مطرزة حواشيه بثمار بحجم البطيخ!
إذن شرعت الصحراء بالاحتقاء بنيافتنا بهذه الأبهة
نبات في قلب الصحراء ؟
ثمار بحجم البطيخ؟

الأحلام في الصحراء يمكن جسها، ففي النهار برك الرهاب من حولنا وهذا الاخضرار لا تكذبه العين.
إنه وادي الحنظل يموت ويحيى بنسم الصباح، وللنبات صيام وسجدة كما للأنام!


المسافرون بزعمهم أن واحة تسمى (ديركو) تتوعدنا على تخوم ذاك الوادي! حيث يتسنى لنا أخذ قسط من الراحة وتشنيف مآقينا بأنفاس الحياة.
ها لاحت في الأفق القريب واحة ديركو في شكل جمهرة من نخيل قصير يلوح بأغصانه إلينا مهللاً بمقدمنا، وكيف لا تستبشر الواحة بالقادمين، فهم الحراك الذي يجدد أوصالها والغذاء الذي يرفد بالطاقة أرجاءها.

رجال من الجند يجوبون الواحة نصف عراه شاكون أسلحتهم.
ظلال النخيل القصيرة تخذت مساكن مؤقتة أغلب مستظليها نساء عاريات ينتظرن في هذه المحطة القصية ريثما يقوم الحواة بتهريبهن عبر صحراء الجزائر إلى غدامس ومنها إلى الشواطئ المالحة وصولاً لأوروبا ليبدأن حياة ما، ويغسلن من الذاكرة وعثاء السفر وشيئاً من جنابة ويحققن أحلام الرفاه العراض.

إذن الصحراء على إطلاقها معمورة بالمارة والهاربين وثلة نساء!
ونحن نشكو هول التوحد بكل تفرد، أهذا هراء؟

لم نمكث في ديركو كثيراً، فبعد أن تزودنا من تقوى الواحة ماءها شددنا الرحال نجد المسير ناحية مدينة أخرى تسمى أقديس يقال أنها ثالث مدينة في النيجر، كما شرعت ألسنتنا تتلمظ بعضاً من مفردات لغة الهوسا:
(إنا زاكا) أين ذاهب
(إنا كونا) صباح الخير
(سينجي لوكشي) وقت الشتاء.
لم نقض يوماً كاملاً في المسير حتى اعترضت مسيرنا حاملة جنود صحراوية فأوقفتنا.
ينبغي علينا التوقف لبضعة أيام حتى تتجمع قوافل المسافرين ويقوم الجنود بحمايتها من قطاع الطرق ومتمري الطوارق.
الأخبار الواردة من نفق الجبل تقول إن شاحنة متقدمة تم سحل كل من فيها من قبائل الهوسا وأما غير الهوسا تم تجريدهم من كافة أوسمة الأمتعة والنقود!
إنهم متمردون إذن! يطالبون بقسمة الثروة والسلطة مع الهوسا .
هنا بدأ المسافرون كل واحد على حده يؤنب نفسه، لماذا تقدم نفسك طعماً سخياً في مأدبة الصحراء لمجرد نزوة سفر وكومة فضول؟
إذن فلننتظرلعند المساء.

آدم صيام
17-05-2009, 04:20 PM
http://img525.imageshack.us/img525/1173/timiaoasiscw7.jpg

آدم صيام
24-05-2009, 04:22 PM
(09)


هبط المسافرون من الشاحنة وقد أعياهم الخدر حاملين ما خف من أمتعتهم فافترشوا الرمال بعد أن اجتاحتهم سحب الحزن من ما تناقل إليهم من أخبار المسافرين السابقين والمصائر التي لاقوها ساعة أن هجم عليهم متمردو الطوارق من أعلى الجبل وهم محصورون أدنى الوادي فأمطروهم بوابل نيرانهم وأعملوا فيهم تقتيلاً وسلباً . لم يبدد سحائب ذاك الحزن إلا انشغال المسافرين ببعض شؤونهم، فبعضهم ذهب لقضاء حاجته والبعض الآخر شرع يطهو له طعاماً بقليل من الماء النادر أما أواني الطبخ فإن رمال الصحراء كفيلة بتطهيرها وأيما تطهير.

إذ القوم منشغلون بما لديهم يهبط علينا أفراد من شباب قبيلة البررو( أم برروا) منسلين من فجاج الصحراء كالنبت الشيطاني وهم طوال الجسوم شعورهم مسترسلة مضفورة ومرصعة بحبيبات الخرز، أما عيونهم مكحلة بالكحل تزين معاصمهم ورقابعهم حلي النساء، إذن انقلبت مفاهيم الصحراء في تمييز الرجال من النساء! ترك شباب البررو أبقارهم على مقربة منهم وعلى رؤوسها العصي الطوال أم أجسامها ملساء كما تبدو عليها القصر. وقد أشارت كتب التاريخ أن الموطن الأصلي لقبائل البررو هو جبال القوقاز في أواسط آسيا. البررو يعبدون الشيطان ويقدسون البقر ويتجولن في محيط السافنا على طول قارة أفريقيا.
عرض علينا شباب البررو بضاعتهم المتمثلة في بعض عروق الأشجار التي تسمى قنج وزعموا أن الرجل إذا تناولها ولا سيما مع الشواء فإنه يصاب بالإنعاظ لدرجة التحجر وإذا لم يمارس الجنس آكله فلا محالة لابد له من فصد عضوه عدة فصدات حتى تخرج كتل الدماء المتحجرة، عندما سمع المسافرون تلك الوصفة أصيب بعضهم بالانتصاب والبعض الآخر بدأ يقلب في عواقب تلك الوصفة. كما زعمت مجموعة أخرى من شباب البررو أنهم يقرأون الحظ ويتنبأون بالمستقبل، و أن لهم جذور أشجار سموها عروق المحبة تجلب إليك الحبيب أينما تكون بمجرد ذكره أو تخيل صورته! لم يتبق لهم إلا أن يعرضوا لنا عروق ( لاتموت إلا إذا أجلك تم)
في ذلك المكان لحق بنا مالك الشاحنة على سيارته ذات الدفع الرباعي وإطلع على الموقف الأمني الذي ينبغي التقيد به حتى يتمم الله الرحلة بسلام. في المساء بعدما اطمأن على الخطوات الاحترازية الأمنية انطلق بسيارته غير ما بعيد في الوادي فإذا بعيون زرقاء تعكس أنوار السيارة فعلم أنها غزال فعاجلها حتى دهسها فسقطت تحت إطارات السيارة فأسرع إليها وقضى على حياتها بمديته الطويلة، سال منها دم شحيح أقرب إلى السواد وذلك لاعتمادها في غذائها على جذور الشجيرات. حملوها إلى قرب الشاحنة وبدأ القوم في إعداد حفل شواء لم يسمع به ساكنو الصحراء من قبل . أحد الرجال أكد على أن عمر الغزال تجاوز التسع سنوات وكان برهانه عدد الحلقات التي تطوق قرون الغزال وعندما عددناها وجدناها كما قال، وهكذا تحتفظ الطبيعة بدقة تسجيل تواريخها حتى ولو داخل قرونها وجيناتها. انتهى القوم إلى مضاجعهم بعد حفل الشواء الذي كان عشاءً ذا صيت.

في الصباح الباكر تجمعت أرتال الشاحنات مؤلفة قافلة تتقدم من أمامها وخلفها سيارات الجيش الممشوقة المدافع ثم انطلقنا إلى الوادي المخيف وعندما مررنا على ذلك المجرى أطلق الجنود عيارات نارية خوفاً و إنذاراً حتى أدركنا موضع أحداث الشاحنة المنهوبة فوقفنا على أثار الدمار من ملابس بالية وعلامات أخرى ثم تجاوزنا الممر بسلام وعلى مرمى من البصر وادي الحنظل.
أسرعنا العدو حتى لاحت لنا مشارف مدينة أقديز فارتسمت على محيا القوم علامات الفرح والنصر وكأنما وصلنا إلى ديار أحبتنا وأهلنا الذين فارقناهم منذ زمن طويل.

كانت (1992) مدينة أقديز التي تتوسط الصحراء مبنية من أكوام القش والعشش أما دور الحكومة فمبنية باللبن، ورغم أنها المدينة الثالثة في دولة النيجر إلى أنها تفتقر لمياه الحياة صالحها وطالحها وتنعدم فيها الإنارة والطرق والسيارات.
ألح علي بعض الرفاق بمرافقتهم إلى سكن أحد شيوخ قبيلتهم في تلك البلدة وأكدوا أنه سيسر بزيارتي، فذهبت معهم واستقبلنا الشيخ بالذبائح والموائد وقضوا ليلتهم يدوكون الأخبار بلغتهم غير العربية.

فاتني في معرض سفرنا أن أذكر أنه يكاد في أي منعطف من أرض النيجر يتلقفنا موظفو الشرطة بزيهم غير الرسمي يختمون على جوازات سفرنا ختماً باللون الأحمر بعد أن ندفع لكل ختم مبلغ خمسين ريالاً فرنكياً ( فرنك سيفا) لدرجة أن جوازي شكا من كثرة التأشيرات التي بلغت في غدوي ورواحي 15 ختماً .


http://i1.trekearth.com/photos/43038/niger_bororo1.jpg
رجل من البررو Bororo

فيصل عباس
22-06-2009, 09:14 PM
وينك يا رجل
ما زلنا في العام 92 والوقت بكر


ثم انك قاربت من الشهر
عل المطر ما قفل عليكم الدرب

تعال ياخ فهذا المكان يتسع ويحتاجك اكثر
لاظهار السرد وقوته عند وقوفك الماهل في محطات عوالمك المشهديه
تعال ياخ
انشاء في الاسبوع مرة .
شغل يريح البال خااااالص يا صيام

آدم صيام
28-06-2009, 03:21 PM
وينك يا رجل
ما زلنا في العام 92 والوقت بكر


ثم انك قاربت من الشهر
عل المطر ما قفل عليكم الدرب

تعال ياخ فهذا المكان يتسع ويحتاجك اكثر
لاظهار السرد وقوته عند وقوفك الماهل في محطات عوالمك المشهديه
تعال ياخ
انشاء في الاسبوع مرة .
شغل يريح البال خااااالص يا صيام


الحبيب فيصل عباس
شكراً لمروركم الكريم والتشجيع
سوف أواصل إن شاء الله
حالة من الكسل ليس إلا، وما لامي في الحكي في رقبتو رغم أن الأحداث مستفة في كراتينها للحلقة الثلاثين

آدم صيام
04-07-2009, 04:09 PM
(10)


صحبت الرفاق في اليوم التالي في زيارة تفقدية لمعالم منطقة أقدس نجوب شوارعها ونتعرف على أسواقها ونشاط ساكنيها من قرب، فإذا بأغلب متاجرها من العشش المصنوعة من القش والخرق. في سوق الملابس تعرض البضائع في أكوام من غير تنظيم أو فلسفات التسوق الأخيرة ورغم تدبيج الملابس بعلامات الأزياء العالمية مثل أرو وديور إلا أن البلى قد أصاب أفوافها وذهب بمعظم صلاحيتها. جناح الأحذية لا يختلف كثيراً عن الملابس حيث الأحذية (تاكلمي بلغة الهوسا) مصنوعة من البلاستك والجلود البلدية. هنا حقائب وشنط ملزومة في سلسلة معدنية تشدها، تفصل بينها وبين مكتبة البلد حزمة من قصب السكر يتاجر فيها صاحبها بالفصوص، تتحلق حوله فتيات أثداؤهن في العراء يتجولن بحب التسالي والفول المدمس والأقشي والسمسمية تماماً كمنظر وصولك بالقطار محطة الحواتة أو ود الحداد في النيل الأزرق.
مكتبة المدينة مكدوسة حتى أفرغت كتبها ومجلاتها في الطريق العام، أما الكتب أغلبها مطبوع في بخت الرضا بالدويم، كتب المطالعة الأولية وحساب التلميذ والجغرافية المحلية والمدونات وحتى أدوات الكتابة من المحابر والريش، بخت الرضا بكامل حضورها في قلب صحراء النيجر بكتبها المدموغة بصورة رأس الإنسان الذي نصفه أبيض والنصف الآخر أسود!
قريب من تلك المكتبة محل موسيقى تصدح منه أغنية للفنان إبراهيم عوض دلفنا إليه فإذا بأشرطة الفنانين : عثمان حسين، عائشة الفلاتية، ثلاثي البلابل وعبدالرحمن عبد الله جنباً إلى جنب مع أشرطة ألفا بلندي – الله لك نشكي- ومريم ماكبا، إذن عدت مرة أخرى إلى أم درمان العباسية بكامل قراطيسها وموسيقاها، ما أصغر تلك القارة!

ذكر أحد الرفاق أن سودانياً كان يعمل ميكانيكي اسمه ضحية كان يقيم في مدينة أقدس إلا أنهم لم يسمعوا له حساً منذ أمد ليس بالقريب! قفز رفيق آخر قائلاً أن امرأة سودانية كذلك مازالت تعمل بغياً في ذات المدينة! بعد ارتفاع زئبق زهوي الوطني من جراء الالتقاء بأمدرمان كرة ثانية سرعان ما انخفضت تلك الحرارة بالخبر الأخير إلى أقصى درجات الخيبة، فطلبت منه أن يدلني إلى بيتها وسرنا تصارعني خليط من الخيبة والفضول وسبر أغوار الحقيقة.

انخرطنا في ممر ضيق كأنه مسقوف من شدة طول الأطيان بجانبيه ثم مررنا سراعاً على نقعة يلعب فيها صبية بعجلات السيارات ودوائر الحديد، ارتفعنا قدر نصف كيلومتر في الاتجاه إلى أعلى، ههنا في الزاوية بائع السجائر أمامه هرم من علب السجائر المستوردة ، انحدرنا جرياً محازاة لكناسة تعمرها المياه الراكدة ومخلفات البشر ورائحة الجلود المدبوغة وفطيس الدواجن، درنا نصف دورة حول طابية من اللبن العتيق، شققنا منزلاً واسعاً يسكنه لفيف من العزاب والعزابيات يبدو أنهم من الكاميرون أو الكنغو في أوان قيلولتهم، البعض يقشر جذور الدويا والبفرة والبعض يفلي شعره وفتاة متشلحة تغسل ملابس، كل هذا ولم يعترض سبيلنا أي معترض! فاخترقنا الحائط من مخرج متهدم وعبرنا إلى منزل آخر بنفس الفسيفساء وانتهينا إلى منزل بابه من الحديد البالي تعبث الريح بمصراعيه.
هذا هو!
بصوت كورالي نطق الرفاق!

آدم صيام
04-07-2009, 04:11 PM
هممت بطرق الباب إلى أن أحدهم دلف إلى الداخل فأتبعناه. من بالداخل لا يرد ولا يستجيب، جسنا فضاء المنزل المؤلف من عدة أكواخ فخرجت امرأة في الثلاثينيات من عمرها، سلمنا عليها ، تنحى رفاقي جانباً وتركوني والمرأة التي بزعمهم سودانية دعتني إلى داخل عشتها وذهبت لجلب الماء. تفرست في ملامحها إذ لا تختلف شيئاً عن السودانيات، من الحناء إلى فصدتين صغيرتين على جانبي صدغيها ولهجة بدو السودان، بيت بسيط ومنظم ، ملابسها من جنس الشفون السوداني حيث أن نساء النيجر وتشاد يكثرن من لبس المزركش متعدد الألون وفاقعها.
أين السودانية التي يزعمون؟
جاءتني المرأة تحمل كوباً من الماء ، وبعد أن شكرتها سألتها :
إنت من وين في السودان؟
نفت بهز رأسها أنها ليست من السودان وإنما من سنتر آفريك، وقد هاجر جدودها قبل زمن بعيد إلى تلك البلاد من السودان، إلا أن سكان النيجر يطلقون على كل قادم من الشرق تكروني!!!
( الشرق تكروني)!
لم أتوقف كثيراً في كلمة (تكروني) إلا أني حزمت أطراف نفسي ويممت خارجاً مشيراً لها بالوداع إشارة.
قابلني الرفاق متسائلين، قلت لهم إنها تكرونية فحسب.

في طريق عودتنا مررنا بلافتات زاهية بصورة الزرافة قال الرفاق إنها حانات على الطريقة الفرنسية، فتيات متبجحات في تنانير قصيرة وموسيقى أفريقية صنفوها الجالوة تنبعث منها، أرجعتني صورة الزرافة إلى صورة البيرة أبوجمل في السودان تختلف الجعة والرمز الطويل واحد.
في اليوم الثالث ودعني الرفاق عند محطة الحافلات وداعاً قلما أنساه من نفر جمعتني بهم الصحراء ، مصداقاً لمقولة العالم عبدالله الطيب: ومازال أخو الصحراء يتلفت بقلبه...) وقد تلفت حتى لويت ليتاً وأخدعا
ودعوني كأنما بدأت عشرتنا منذ الطفولة.
ولضم درمان مع السلامة
ولضم درمان الله يحفظك
لا يوجد في هذا الوداع دموع إنما عرى صادقة صقلتها التجربة وصدق الرجولة.
تركوني في المحطة وعيني على المدينة التالية – زيندر- ومن ثم التوجه إلى حدود نيجريا ذهاباً إلى مدينة تقبع شرقها تسمى مايدوغري حيث الجامعة التي أجد في طلبها.

تفرست في ركاب الحافلة علي اصطاد أحد الرفاق للرحلة القادمة ، لم أعثر على أي فرد يتكلم اللغة العربية ولا حتى اللغة الإنجليزية، إنما يمزجون لغة الهوسا باللغة الفرنسية كأنما الفرانكفونية من بنات أفكارهم لاغير.

رجعت أدراجي أتجول داخل ممرات ودهاليز نفسي لعلي آتي بقبس من ذكريات أعالج بها طول الرحلة القادمة، إذ طاف بي لفظ ( ولد أم درمان) الذي ساقني إلى عام 1967 حيث وصولي لأول مرة إلى أم درمان وأنا ابن ست سنوات مرافق لوالدي الضرير الذي فقد إحدى عينيه في مزرعته بقرية الكويك جنوب النيل الأبيض وهو يجتهد ليجتث شجرة في قلب المزرعة تجمعت الطيور والبغاث لحصدها قبل أن يجمعها، فإذا بعينه الثانية تلحق بها ليصبح ضريراً كاملاً.
جئت ووالدي إلى أم درمان من القضارف التي روج تجار الأساطير آنذاك أن بمدينة القضارف بئر يستشفى بها كل مريض، فتجمع حولها خلق من كل بقاع السودان والدول المجاورة: الكسيح والأعرج والأعمى المجزوم الأبرص لم يسبق ليسوع عليه السلام توافد لفيف من المرضى كهذا عليه.

آدم صيام
04-07-2009, 04:14 PM
أذكر ذات مساء بعد أن تناولنا عشاءنا المكون من الحليب والرغيف مع والدي هجعنا إلى كوخنا القريب من البئر المالح نلتمس النوم، وسرعان ما نام والدي وتركني أغالبه، فإذا بلص يدخل عشتنا ويبدأ يقلب في جنبات والدي ووالدي نائم ولكن يستجيب له، وعندما رأيت اللص صرخت منادياً على والدي
يابا الحرامي
يابا الحرامي
يابا الحرامييييييييي
ولا مجيب ، أخذ اللص على عجل كل ما حصل عليه وولى هارباً.
عندما ارتد إلي صوتي صرخت صرخة واحدة فاق والدي على إثرها ، فقلت له الحرامي أخذ كل نقودك وذهب. بحث والدي ذات اليمين وذات اليسار ولم يحصل على شيئ، بعدها أخبرني أن اللص استعمل حواءً يسمى البتوتة يذهب بالصوت ويسمر الشخص!

قبل وصولنا إلى القضارف فقد أمضيناً خريفاً كاملاً في معية الشيخ محمد الأمين في قرية الشكابة طلباً لاستشفاء من العمى! ولكن بلا جدوى غير أني جمعت منها ذكريات ثرة لطفولتي الجائحة بين أطفال الشيخ وسكان القرية. قضيناً وقتاً في صيد العصافير الصفراء ومسمياتها من ود امبلك، الشتو، قدوم صابون، طير الجنة الزرقاء والخضراء التي لم نجد ولداً قد اصطادها لخفتها ورشاقتها، كما جمعنا في الخريف الفراشات الجميلة والزنابير الزنانة التي نستخدمها كمراوح حية وذلك بثقب مؤخرتها بشوك الطلح أو ربط سوقها بخيط و(ود الموية) دودة أو حشرة شفافة الحمرة تظهر مع المطر وتختفي بعده.

رجعتني الرحلة الصحراوية إلى أم درمان التي أقمنا في حي ود نوباوي قرب مسجدها وكنت في المساء أذهب إلى مسيد مسجدها لحفظ القرآن، في النهار نجوب مع الصبية بحثاً عن القماري مدججين بنبالنا، أو نذهب إلى السوق القريب أو السوق الكبير ونحن نقود سياراتنا المصنوعة من الصفيح معبأة بأحجار البطارية التي نضيئ بها السيارات ليلاً.
ذات نهار رأينا سيارة فلوكسواجن تمر سراعاً وتدهس شخصين من جنوب السودان يرتديان أردية ولاوي ويحملان عصي مدببة الرأس فإذا بهما ينحشران داخل السيارة ويهشمان زجاجها.
وذات صباح أفقنا على أبواق سيارات النجدة وهي تحيط بالسوق القريب من ود نوباوي وألقت القبض على قصاب قام بذبح زبونته على طاولة الجزارة بعد أن استدانت منه اللحم لمدة طويلة وكل ما مرة تماطله.
بصورة شبه يومية نرى موكباً تحفه الدراجات النارية البيضاء اللون متجهة ناحية السوق الكبير صباحاً!
بينما استرسل في ذكرياتي تتوقف الحافلة فجأة ويجمع السائق وثائق سفرنا ويسلمها للشرطة، وعند سماع أسمائنا نذهب إليهم وندفع مبلغ 50 فرنكاً ونحرر وثائقنا ثم نرجع إلى مقاعدنا ونستأنف المسير، تكررت تلك العملية كثيراً إلا أن شملنا اليل برحمته وانبلج الفجر على مشارف مدينة زندر في أقصى الجنوب النيجري جهة ولاية كنو النيجيرية.

آدم صيام
05-07-2009, 06:27 AM
بينما استرسل في ذكرياتي تتوقف الحافلة فجأة ويجمع السائق وثائق سفرنا ويسلمها للشرطة، وعند سماع أسمائنا نذهب إليهم وندفع مبلغ 50 فرنكاً ونحرر وثائقنا ثم نرجع إلى مقاعدنا ونستأنف المسير، تكررت تلك العملية كثيراً إلا أن شملنا اليل برحمته وانبلج الفجر على مشارف مدينة زندر في أقصى الجنوب النيجري جهة ولاية كنو النيجيرية.




>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>> يتبع

آدم صيام
07-07-2009, 08:20 AM
http://img6.travelblog.org/Photos/59124/249837/f/2017454-Market-at-Bouppa-0.jpg


جانب من السوق

آدم صيام
07-07-2009, 08:34 AM
http://i1.trekearth.com/photos/81395/solitude-trek.jpg

جمال الرمال المحيطة بمدينة أقديس (Agadez)

آدم صيام
17-07-2009, 05:43 PM
(11)

بعد أن قطعت الحافلة بي مسافة ألف كيلومتر ونيف معبدةً من أقديز في قلب الصحراء الكبرى إلى زندر في أقصى جنوب النيجر، أشرقت الشمس في صبيحة اليوم التالي لأجد نفسي ملقياً على قارعة الطريق وسط مدينة زندر ترافقني حقيبتي التي قد تعبت من طول السف. التفت شمالاً لأرى محالاً تجارية لتجار يعتمرون القلنسوات الحمراء الطويلة فعرفت أنهم إما من ليبيا أو الجزائر، محالهم تعج ببضائع الأجهزة الإلكترونية والكهربية. من جهة الشرق يرقد طريق طويل يشق مدينة زندر إلى نصفين ينتهي في بناية من الطوب يزينها صليب، ثم ينعطف الطريق ناحية الجنوب لعله ينتهي في نيجريا التي أرومها!
من على يميني صبية جوالة يحملون عبوات للوقود يتجولون بها وسط موقف السيارات، إذ لا تبدو محطة بترول تتراءى لناظري. السيارات مرصعة بالآيات القرآنية وأيقونات ومصدات الحسد والعين.

يشير إلي أحد الذين وصل معنا إلى تلك المدينة ناحية الكنيسة، بأن هذا هو المكان الوحيد الذي يمكن أن أجد فيه شخصاً يجيد اللغة العربية! ثم يدلني إلى موقف السيارات الذاهبة إلى مدينة كنو في شمال نيجريا.

عثرت رجلي في تطوافي في السوق على سوق شراء العملة مطروحة على قارعة الطريق في شكل رزم كأنها خضار الجرجير: نايرة نيجيرية، فرنك سيفا، دولار أمريكي وفرنك فرنسي. كل الدول الناطقة بالفرنسية هنا عملتها الفرنك سيفا (الفرنك الأفريقي) ذات قيمة واحدة وثابتة حيث لا يحتاج المسافر من السنغال – مثلاً- مروراً ببوركينا فاسو( أرض الرجال النزهاء كما أسماها الرئيس توماس سنكارا) ومالي والنيجر والكمرون وحتى دولة تشاد لتغيير عملته. الفرنك الفرنسي الواحد يساوي خمسين فرنك أفريقي، كلها تصدر من بنك فرنسا المركزي في (باغيس) مدينة الفن والجمال!
ساورني الشك بادئاً بأن تكون هذه العملة مزورة وبعد مشاهدتي وتدقيقي لحركة الصرافة المتتابعة شرعت في تغيير بعض نقودي إلى عملة نيجيريا إلا أني تفاجأت بأن الدولار الأمريكي يساوي عشرين نيرة بينما كان سعرها ست نيرات أوان نسجت خيوط رحلة عملي الظلوطية إلي نيجريا. صحيح أول الوهن تقاعس!

أوصل لي أحد السائقين بطريقة ما أن المنطقة الحدودية لا تبعد كثيراً ويمكنني أن أستقل سيارته الأجرة بقيمة عشرين نيرة إلى الحدود، قبلت بالفكرة وانطلقت إلى الحدود، مررنا بشرطة حدودية لم أعرف كنههم إلا أنهم سألوا السائق:
إنا زاكا؟ أين ذاهبان؟
زاني جي قِـدا. ذاهبان إلى المنزل!
بعدها – إشارة مر هكذا- انطلقت سيارتنا إلى موقف الحدود دون أي عنت. أين وظيفة تأشيرتي ذات الحصانين!
الموقف مكدس بالشاحنات الغادية والرائحة فقط ليس من بينها سيارات نقل الركاب!
وعندما استفسرت من الشرطي النيجيري علمت أن سائقي الحافلات دخلوا في إضراب عام مفتوح إلى أن تستجيب الدولتين لطلب زيادة أسعار تذاكر المسافرين. أمضيت ساعات طوال لعلي أظفر ببعض الأمل ولكن بلا جدوى.

راجعني سائق سيارة أجرة أن طرح لي إمكانية إرجاعي إلى فندق مناسب حتى تنجلي تلك الغمة فوافقت على خيبة. رجعنا بنفس لغز الواحد وعشرين سؤال: إنا زاكا؟
زاني جي قِدا!
تبدو المدينة من هنا كأنها مزروعة بأحجار الظلط بارتفاع المنازل تماماً، مما وفر فيها مسافات بينية متناثرة وكأنها ميادين عامة. مررنا في طريقنا على ورشة نجارة عمالها منهمكون في تمليس أخشابها وعلى آذانهم أقلام الرصاص، بينما موسيقى للفنان إبراهيم عوض تنبعث من المسجل السانيو الضخم ذي الأنوار (made in Nigeria) لتعبق تلك المساحة من الشارع بالألحان السودانية.
(دولتان مشهورتان باستنساخ الثقافة الأمريكية الطازجة على طريقة أمسك لي وأقطع لك، نيجيريا لدول غرب أفريقيا وهونج كونج لدول التنين)
قال السائق: صاحب هذا المحل من السودان!
قلت: قف هنا! نزلت وسلمت عليهم، فإذا بالجميع ينفجر مرحباً بنفس لغة أمي!
أنزل صاحب المحل حقيبتي واسمه محمد علي واستضافني داخل الورشة. بعد أن قدم لي الماء كان ظنه أني قادم من مدينة كنو.

قلت أنا قادم من ليبيا، ثم شرعت في توصيل ذهن المستمعين إلى حيث أنا جالس بينهم.
رددوا حمداً لله على السلامة، وصلت تب يا رجل! يا لها من رحلة.
أعد (البناجيس) صبية المحل فطوراً مهولاً من سلطة الطماطم المعبوكة بمعجون الفول وزيت السمسم وكثير من الفلفل الأخضر وبعد أن فطرنا ورشفنا أقداح الشاي طلبوا مني أخذ قسطٍ من الراحة في غرفة الضيافة.
كنت تائهاً قبل سويعات قلائل أصارع أحاديتي وها أنا مأهولاً بأهلي وبني بلدي، لله في خلقه شؤون.


طلبت منهم أن يدلوني على (بيت الأدب) فرافقني أحد الصبية إلى هناك وأشار ثم رجع أدراجه.
ذهبت إلى حيث أشار، يا إلهي!
كل الحيطان مرصعة بسحالي بأشكال الديناصورات تماماً، أحجامها تصل عشرة أضعاف ما تعارفت عليه من سحالي وضببة، تمتاز ببطء الحركة وكثرة الالتفات مبقعة باللون الأحمر والأبيض ومحرشفة الظهر. يبدو أن هذه هي الحلقة المفقودة بين السحالي والحرباء إن كان هناك حلقة مفقودة.
صرفت النظر عن دخول الحمام، رغم أن دخوله والخروج منه ورطة وأيما ورطة، إلا أن الحالة التي أنا فيها لاتسمح لي بالركوس.

عندما دخلت إلى الغرفة المعدة للضيافة فإذا بحشرات النمل بمعاطف ناصعة البياض وأرجل طويلة كأرجل العناكب، وهي تتحرك بسرعة خيالية.
أي كوكب هذا الذي مازال تعمره الديناصورات والنمل الأبيض الخرافي الذي حطت فيه مركبتي في أواخر الألفية الثانية!!!






http://www.losviajeros.net/fotos/africa/niger/niger.jpg شعب البررو Bororo

آدم صيام
30-08-2009, 04:09 PM
(12)



عرفت من شباب الورشة الكثير المثير عن أخبار نيجيريا فقد أمضوا فيها فترات متراوحة وعجمتهم تجاربها القوية ، وكلهم لم يتمكنوا من مغادرتها إلا بشق الأنفس.
أمضى أحدهم في نيجيريا مدة ست سنوات وجاء بأخبار يشيب لها الولدان. حكى بينما هو يتجول في شوارع مدينة لاغوس -العاصمة القديمة- شاهد مجموعة كأنها العصابة تلقي القبض على أحد الأشاخص وهو في سيره ، ثم تكمم فاه وتحشره في جوال وتربطه وتولي هاربة به. عندما رجع إلى مسكنه قص لرفيقه في السكن ما شاهده بدهشة، فأخبره الرفيق بأن هذا المشهد كثير التكرار في المدينة وهو أن العديد من السحرة يستعينون بالجن لبلوغ المال ويطلب منهم الجن إحضار شخص بعينه ذي مواصفات كأن يكون بطول كذا ولون عينيه كذا، فيتجول السحرة في الطرقات بحثاً عن تلك المواصفات وعندما يعثرون عليها يستدرجونها إلى أماكن مظلمة وينطلقون بها إلى مختبر الجن، وهنا يوضع الشخص المسروق على هيئة قائمة في تابوت ويتم تخديره ويعكف الساحر على قراءة بعض تعاويذ الجن حتى تتجمد الضحية وتموت ثم تبدأ في مرحلة التكلم وعندها يتساقط من فيه قطع النقود وأوراقه ويستمر الحال هكذا إلى أن يفرغ المسحور آخر مليم في جوفه ويموت الموت النهائي! أصابني الخوف من تلك القصة وتمثل لي أن المسحور هو شخصي الذي لا يبدي أي مقاومة إلى أن فنى.


تداخل قادم آخر من نيجريا ووصف لنا زحمة طرقاتها بالناس والسيارات والدواب على السواء لدرجة نفذ قسم المرور هناك نظاماً يقضي بتحديد أرقام سيارات محددة لكل يوم بأن تكون السيارات حاملة الأرقام الزوجية في أيام كذا والأرقام الفردية في الأيام الأخرى، أما صحة البيئة فقد وصفها بأن شوارع المدينة تغص بالقاذورات والذباب، ثم ذكر أن داء الأيدز يسير في الطرقات وقد بلغت نسبته درجة مخيفة، ثم شرع في وصف أحد السودانيين المصابين بالداء وقد وصل مرحلة متأخرة من المرض لدرجة نــزت نزاً جروحه الصديد وفي مراحله الأخيرة تسلخ جلده ومات وحيداً أسبوعاً كاملاً لتعثر عليه السلطات و تحمله في كيس من القمامة ويتم حرقه خارج المدينة.

ذكر أبكر الفلاتي وهو من أبناء مدينة كوستي القادم من مدينة كنو النيجيرية بأنه كان يعمل في ليبيا عاملاً إلا أن عينه كانت صوب الذهاب إلى المملكة العربية السعودية، وقد خطط له بعض الصحاب خط سير يمكن أن يوصله إلى المملكة السعودية بكل يسر وهو أن يسافر إلى مدينو كنو في نيجريا ويطير جواً إلى حلمه حاجاً أو معتمراً.
سافر أبكر عبر الصحراء من ليبيا إلى النيجر بنفس خط سيري حتى وصل إلى مدينة كنو في الشمال النيجيري ونزل في نزل في قلب السوق، أمضى ليلته في نوم عميق من شدة التعب، وفي اليوم التالي وهو من على نافذة الحمام يشاهد الشارع وحركة المارة، فإذا بمحل يحمل لافتة تزينها صور طائرات السفر وخطوطها ، فرك عينيه كرة أخرى ثم غسل وجهه على عجل ونزل بملابس نومه إلى الوكالة، تحدث معهم بلغة الهوسا التي يجيدها عن السفر وشروطه فطلبوا منه مبلغ ألف دولار أمريكي وصور شخصية وجواز سفره ، وبعد أن استلمت منه الوكالة المعلوم نفحته إيصالاً مالياً بذلك على أن يعود إليهم بعد أسبوع لاستلام معاملته.
أمضى أسبوعه طائراً من الفرح بأمل السفر إلى السعودية يتجول في شوارع المدينة التي منحته الأمل والمستقبل العريض، يدخل مطاعمها ويأكل بشهية وينفح ما تبقى بقشيشاً للنادل، وإن طمع أكثر في سرعة إتمام إجراء السفر نفح السائلين الكثر بضع دراهم.
في اليوم المعلوم ذهب إلى الوكالة لاستلام معاملته ولكنه لم يعثر عليها ، أمضى أياماً يجد بحثاً عن الوكالة ونفد كل ما عنده حتى دله أحد الأشخاص على جوازه السوداني في برميل قمامة. أمضى أبكر 18 شهراً حتى أسعفه القدر ليلتقي بسائق ابن حلال ليزفه إلى مدينة زندر الحدودية ليجد نفسه تلميذاً يتعلم مبادئ النجارة مقابل طعامه ونومه. ذكر أبكر أن في مدينة كانو في مقدور الحواة والسحرة أخذ المبالغ التي في جيبك دون أن يلامسوك، مما حدا بالعامة أن تلجأ لساحر ماهر ليحصنهم، حتى يكف عنهم شرور اللصوص غير المرئيين، أما أقاصيص طاقية الخفاء منتشرة على طول دول غرب أفريقيا .


أدلى صاحب الورشة محمد علي نفسه بمعاناته في نيجيريا التي قضى فيها عامين نجاراً حتى ولى هارباً صفر اليدين إلى النيجر ليتزوج فيها ويحصل على جنسيتها ويفتح ورشة تدر عليه شهرياً مبلغ 900 دولار.

خيمت قصص نيجيريا العجيبة علي نفسي حتى انتشلنا صاحب الورشة بدعوته للجميع للسينما، وقد لاح الفرح على وجوه الشباب وذكر أحدهم أنه لم يشاهد عرضاً سينمائياً منذ شهور وهذه فرصة نادرة لابد من اغتنامها.
في الطريق إلى السينما مررنا بمركز ثقافي يتحلق حوله شباب من الجنسين علمت أنه المركز الثقافي الفرنسي. اشترينا كميات مهولة من قصب السكر والتسالي والفول المدمس من أجل سهرة السينما، ثم تفرسنا في لوحة الإعلانات لمعرفة الفلم القادم، اتضح أن كل الأفلام المعروضة أما هندية أو أفلام الآكشن من شاكلة أفلام بروسلي.
دخلنا إلى السينما في طوابير يتداعك فيها النساء بالرجال وعلى شباك التذاكر نساء يقمن عليه. داخل السينما لاتوجد حواجز للعوائل والأفراد إنما خليط من الجنسين. تعرض الشاشة أول ما تعرض قبل الفلم الرئيسي عروضاً جنسية باللغة الفرنسية ويتكرر هذا العرض البرونغرافي في فاصل الاستراحة والمشاهدون والمشاهدات في غاية الانسجام يمصون القصب ويبشرون التسالي والفول ويرمون بقشوره على جيرانهم وقد تأذيت من إحدى الجارات حتى غيرت مكان جلوسي.

الفاتح
09-09-2009, 09:02 AM
ده حكي مشوق يا ولد أبوك
واصل .. بإنتظارك

آدم صيام
14-09-2009, 07:28 AM
ده حكي مشوق يا ولد أبوك
واصل .. بإنتظارك


مراحب بشليل صاحب الكتابات الجنونية

ولنا أوبة طبعاً

آدم صيام
28-09-2009, 03:36 AM
(13)



ذات يوم في مدينة زيندر، ونحن جلوس أمام ورشة النجارة إذ شخص مار يتظاهر أن به لوث يحمل مزماراً من قرون الغزلان، يثبت على كتفه بواسطة فأس قصيرة حقيبةً جلدية تنضح جنباتها بالدهن، يعزف موسيقى غريبة رغم عدم قدرتي على تمييز فرادتها، يجاهد الرجل الغريب في عزف مزماره وبعد فترة ليست بالسهلة يظهر على مسرح الحدث كلب يوزوز ذيله يأتي مطأطئاً ناحية الساحر حتى يقعى قرب رجليه، فيعاجله بضربة مسرحية تضوع منها الرأفة والتؤده فيصرع ذلك الكلب ثم يحشره في حقيبته النازة ويختفي عن الأنظار! (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بكسر قاف القتلة.
علق صاحب الورشة بقوله: يوجد في النيجر أقليات وثنية تعتاش من أكل لحوم الكلاب .

خرجت أتمشى لوحدي من باب الفضول الذي سيطر على أغلب مجريات حياتي، فمررت بصاحب السجائر، أشتريت منه علبة سجائر روثمان إذ لا سجائر خلافه على طاولته الطبلية، جلست معه عشماً في تجسير علاقة حميمة وقد خلفت ورائي آصرة امتد عمرها شهراً كاملاً رغم أن لغة تواصلي مع السيد علي (التباكونست) معطوبة كثيراً، وقد طلب مني في آخر رؤية له وأنا أغادر صوب العاصمة نيامي أن أحضر له زوج حذاء هدية.

يممت ناحية الكنيسة الوحيدة التي أفادوني بأنها المكان الوحيد الذي يمكن أن أعثر فيه على من يتكلم اللغة العربية. و بناظري في كل صباح كالمعتاد يهرع سكان المدينة زرافات ووحدانا ناحية السوق الكبير يحملون الأواني والمواعين الفارغة أملاً بالعودة بها مليئة آخر النهار. أغلب الأطفال لا يذهبون إلى المدارس بل يقضون أواقاتهم بحثاً عن الرزق، فقد تواضع سكان تلك البقعة على أن كل فرد في الأسرة مسؤول منذ الصغر عن مصير رزقه، وفي داخل بيت الأسرة يتم إعداد الطعام للأب أولاً وعندما يفرغ يتحول الطعام للأم وهكذا من الابن الأكبر وحتى آخر العنقود ومتى ما انتهى الطعام شرع الجوعى الباقون في كسب رزقهم من عرق جبينهم. فصبي الست سنوات يجوب السوق حاملاً أكياس خضار أو أي عمل شاق ليسد به رمق حاجته، والفتاة تولي إلى منزل صديقها بحثاً عن لقمة عيش ولو كلف ذلك استطعامها ثدييها. وكثيراً ما هناك! أن تتزوج ابنة شخص كبير من رجل يخدم عتالاً مثلاً أو من غير طبقتها، ولا يجرؤ الأب على التدخل في شؤونها الخاصة نسبة للفصل الاقتصادي الذي واكب الأسرة في بكورها.

لم أر بأم عيني محراثاً واحداً للزراعة كما ولم ألحظ مصنعاً أو مشروعاً منتجاً يمكن أن يتزيى فيه العاملون بأبرولات العمل وديباجات المؤسسة في غدوهم ورواحهم طيلة مدة الثلاثة الأشهر التي جبت فيها دولة النيجر، وإنما شحيح من الرعي غير المنظم بين شعاب الوديان، أما هؤلاء الرعاة ليست لهم أدنى علاقة بالمدينة والسكن المكتظ الطرقات. فالمصنوعات مستوردة بكاملها من الكبريت وزهر الملابس وحتى الأواني (الطلس) المدموغة بصور علم نيجريا أو الزعيم بابانجيدا والنفط المهرب في باغات البلاستيك، فأدركت أن تلك البلاد لامحالة منذورة بمجاعة لا تبقي ولا تذر، وقد اجتاحتها المجاعة أخيراً حتى نفق البشر. و في رحلة عودتي من نيامي ميمماً إلى ليبيا مروراً بمنطقة تاوا علمت أن النيجر من أغنى الدول في العالم بمعدن اليورانيوم، إلا أن دولة فرنسا تتحكم فيه من الاستخراج وحتى تصديره وقد أنشأت مطاراً خاصاً بذلك في موقع حقوله مربوط مباشرة بباريس لا يمر عبر العاصمة و محمية بقوات أمنية عالية الدربة، وتلقي ببعض الفتات كعطية مزين في جيوب أفراد من الحكومة الفاسدة، ولا غرو إن علمت أن في كل وزارة نيجرية وكيل وزارة فرنسي الجنسية!

تجاه الكنيسة ممر طويل يقود إليها مع انقطاع المارة، المدخل الكبير مفتوح نصفه لدخول السائلين عن الله ، لم أعثر على جرس لأطلب الاستئذان فدلفت إلى الداخل تجللني هالة من قداسة المكان، ثم شرعت في المناداة خفيفاً ثم توالت نبراتي في العلو والصياح، فخرج من أحد المنازل الجانبية داخل الكنيسة رجل أوروبي طويل في زي قبائل الموسوية التي تقطن بوركينا فاسو التي غير الليبيون مسماها إلى (وركينا فالصو)!
تبادلنا التحايا ورحب بي داخل نزله الخاص وذهب لأمره داخل المنزل ، تفرست فإذا بالغرفة سرير عال من شاكلة أسرة المستشفيات يحتل نصف الغرفة على قائمتيه تتدلى ملابس داخلية مشرورة كيفما اتفق، على الجدران صورة أثرية للمسيح (عليه السلام) وعلى مبعدة، يقبع طقم جلوس من تحته تناثرت زجاجات سوداء فارغة.
قدم لي القس الماء فشكرته ثم جلس وشرع في الاستجواب البريئ ، فعلم أني جئت من بلاد غير البلاد التي يأتيه منها أغلب المؤمنين من غرب أفريقيا التماساً لمباركة سفر أو طلباً لمساعدة عينية.
عندما وصل به السؤال عن جنسيتي.
قلت له من السودان.
هتف كالملدوغ: يا زوول!
فأخدت لغة الحوارمنعطفاً آخر ليس من حيث الموضوع بل في اللغة كليةً لدرجة أن طلب مني كتاب عاميتنا الفصحى للدكتور عون الشريف قاسم !
علمت أنه أمضى اثنتي عشر عاماً في أفريقيا قضى منها حولين كاملين في السودان إبان حكم النميري في المعسكرات شرق السودان، وقد تعلم عربية سودانية كافية للخوض في أي غمار فكري دون تلجلج. أكد وجوده في السودان بتذكره لمشهد عند زيارته للخرطوم قادماً من شرق السودان فشاهد في بناية ستي بانك الجيش وثوار آخرين يتبادلون إطلاق النيران. أما آخر دولة له قبل وصوله إلى النيجر فقد كانت بوركينا فاسو التي أخذ منهما الكثير من العادات واللباس واللغة.
يتحدث القس هنري الهولندي أكثر من ست لغات أفريقية بطلاقة ويعرف عن المجتمعات الأفريقية ما لم تضمه الكتب في أرقى الجامعات الأفريقية. لم يقم ولو مرة بالتحدث عن الدين المسيحي أو الإشارة إليه، كما ولا يستخدم عبارات دينية مقعرة. رجل طويل في أول الأربعينات غير طقس أفريقيا سحنته فأصبح أقرب لملامح قبائل الطوارق منه إلى الأوربيين.

دخل شخصان إلى حجرة القس وطلبا منه بلغة إنجليزية أن يدعو لهما. استغرق عدة دقائق يلحف الله بالسؤال ليبارك خطواتهما وختمها مع الرجلين بأمين غير آمين الطويلة ذات الست حركات.
خرج الرجلان وبعد برهة دلف إلينا شيخ متأبط سلة مخاطة شفتيها إلا فوهتين صغيرتين تبرز من خلالهما منقارا بطتين. سلم و حرر البطتين وسلمهما إلى القس الذي بدوره جسهما ثم أطلقهما داخل ذات الغرفة ليعبثن بقداستها بنفض ريشهما وينزوين تحت الأثاث المنزلي، ثم ينفح القس الرجل ثمن بطتيه فيحمل سلته ويغادر الكنيسة.

لم يتعلم القس هنري لغة السودان فحسب بل عاش ثقافته وتقاليده، فقد تكلم عن قبائل الخاسة في الشرق وما يجدون من معاملة غير كريمة ، كما خبر مشروبات السودان الروحية وسألني إن كنت أعرف (أبوحمار)!
فقلت له لأول مرة أسمع بهذا الاسم السوداني المخترع. فقال إنه مشروب العرقي الذي يحول شاربه إلى حمار بالتمام في الصباح الثاني.
ذكر أنه أصيب في السودان بالإحباط لمرتين: مرة عندما هم بزيارة الكعبة في مكة فسافر إلى مدينة جدة ومنها إلى مكة وقبل دخولها تم التحقيق معه وكشف عليه داخل حجرة فوجد أنه غير مختون فمنعت السلطات دخوله وكان يحدوه الأمل في زيارة بيت الله.
أما الثانية، بعد أن غادر السودان لكنه ترك نصف قلبه مع الأحبة والأصدقاء فذهب إلى سفارة السودان في مصر وطلب تأشيرة دخول ولكن قوبل طلبه بالرفض لوجود تأشيرة إسرائيلية في جوازه ولم يتسن له تحقيق أمنتيه أو إحديهما.

آدم صيام
09-10-2009, 05:50 PM
ولا تنسى بين سوداني متلبيب وليبي متطلين!


كيف جات الجملة دي ماعارف!

معتصم الطاهر
10-10-2009, 12:33 AM
متابع

هذا الأدب الرفيع

الوصف الجميل و التفصيلى و الدقيق .. للناس الطبيعة ..

و الحركة

نقلتنا لعوالم .. ونوع كمن الأدب إفتقدناه ..

آدم صيام
12-10-2009, 01:17 PM
متابع

هذا الأدب الرفيع

الوصف الجميل و التفصيلى و الدقيق .. للناس الطبيعة ..

و الحركة

نقلتنا لعوالم .. ونوع كمن الأدب إفتقدناه ..


العزيز معتصم الطاهر متعك الله بالصحة وموفور السعد
والله الناس الطبيعة صدقت
شكرا لتشجيعكم والثناء

على ماجداب
12-10-2009, 06:16 PM
صيام .. تحاياى
وفى كل مكان تبدو بشكل إبداعى آخر وعميق وجميل .. وماتع
انا هنا متابع ..
دم بخير

آدم صيام
14-10-2009, 03:41 PM
صيام .. تحاياى
وفى كل مكان تبدو بشكل إبداعى آخر وعميق وجميل .. وماتع
انا هنا متابع ..
دم بخير

يا ابن مسقط رأسي
لكم الود كامله
متعك الله بالصحة والعافية

خليت بابك المتركش وين؟
يا سلام ياماجداب الشوق بحور أبيض يا أخي

على ماجداب
17-10-2009, 05:06 PM
يا ابن مسقط رأسي
لكم الود كامله
متعك الله بالصحة والعافية

خليت بابك المتركش وين؟
يا سلام ياماجداب الشوق بحور أبيض يا أخي

صيام إزيك
الباب بدلتو بى وش متركش



( ثمة تقاطعات كثيره بيننا فى سردك الشيق ..سأعود )

آدم صيام
19-03-2010, 06:31 PM
(14)

في اليوم التالي حملتني رجلاي صوب الكنيسة بلا أدنى تفكر، أذ لا وجود لي في عالم هوساتي (هوساوي) متقاطع اللغة دون أن يضخ فيك محاور تشاطره اللغة كيميا الوجود، أما أصحاب الورشة ففي نشارتهم الخشبية فاكهون. مررت على الشارع كالعادة ورأيت طفلاً أعمى قائماً على صندوق شاي يرتل القرآن عن قلب ويقف عليه رجل أربعيني يحمل مكبر صوت يفسر تلاوته بلغة الهوسا. كان ذلك على جانب الطريق المحازي لسلك شائك ينتهي إلى المسجد الكبير الذي شاده معمر القذافي. المارة في انحدارهم ناحية السوق (قدح النبي) يتزودون منهما بحكمة ثم يواصلون رحلة أرزاقهم. دراجات نارية من صنع الصين تغز الشارع غزاً أغلب راكبيها فتيات بزيهن النيجري المميز الذي يكشف أفخاذهن من تطاير أثوابهن الملفوفة المزركشة من على أوراكهن جراء هبوب الريح الذكر.

مررت بالصيدلية الوحيدة في مدينة زندر ورغم وحدانيتها لا يؤمها الناس إلا لماماً لشراء دواء أذ استعصمت تلك البلاد ذاتياً من الأدوية الحديثة باستخدام الأعشاب والرقي والتمائم والقورو (ثمار أشجار مرة المذاق درجت العادة على تقديمها في مناسبات عقد الزواج) إنما كلما يحتاجونه منها لا يتعدى الواقي الذكري الذي يوزع مجاناً وقليلاً من أقراص الصداع، حتى الواقي الذكري فإنهم زاهدون فيه وينظر الكثيرون منهم إليه بعين الترف الغربي وكأحد رياح العولمة المعيقة لوصول الذروة المنشودة! عبرت بالمكتبة الفرنسية التي ذكرتني بمكتبة الريح في أم درمان ثم انتهيت إلى الكنيسة.

ترسمت خطاي إلى الكنيسة و كان القس أيضاً في أحر من الجمر للقائي. استقبلني استقبالاً سودانياً خالصاً حتى أني نسيت الزمكان الذين تسوراني. تخدت موقعي بالقرب من مكتبته التي تغص بكتب القرآن و ترجماته بلغة الهوسا واللغات الأوربية الأخرى حتى حسبت نفسي في منزل أحد المتنطعين الذين يزينون رفوف مكتباتهم بأمهات الكتب ولا يألون جهداً حتى في نفض الأغبرة التي تعلوها.

.

آدم صيام
19-03-2010, 06:38 PM
أفادني القس بقصة ذهابهم إلى الريف حيث أمضوا ليلتهم في إحدى القرى النائية يدعون أهلها إلى نداء الرب إلى أنهم تفاجأوا أيما مفاجأة بحفاوة أولئك القوم، فعندما جن الليل بعد تناول الطعام وختام لقائهم جمعوا إناثهم وذكورهم البالغين في مكان واحد لتناول وجبة جنسية جماعية.


كما أبان أن المسيحية لم تلاق رواجاً و إقبالاً في أوساط سكان النيجر وأن عدد الذين تمسحوا لم يتجاوز 219 شخصاً علاوة على أن هذا العدد أغلبه من خارج دولة النيجر من النازحين والعابرين السبيل إلى دول أخرى وقد ذكر لي أن نسبة 98% من سكان النيجر مسلمون أما البقية إرواحيون لذا قل أن يغيروا جيناتهم الدينية إلى دين آخر.

دلفنا في الحديث إلى الأحداث السياسية في السودان والوضع المتكرر فيه، ثم سألني سؤالاً أطار صوابي من تصوري القداسة التي كنت أتنكبها في الحديث مع رجال الدين، إذ كنت في بادئ لقائي محتاراً في اللغة الدينية التي ينبغي علي اختيارها بعناية و رزن.
إذ قال لي: ما رأيك في الجنس؟
فقلت: طيب، ولا مناص منه.
ثم سألني أيهما أكثر إمتاعاً، ممارسة الجنس داخل إطار الزواج أم خارجه؟
حينها مددت رجلي الحنيفية ورفعت الكلفة.
أجبته: ليست لي تجربه بالزواج حتى أصل إلى حكم في هذا الشأن!
بعدها سمعنا حركة شخص من جهة المدخل اتضح أنها فتاة جاءت لأخذ الصلاة وعندما باركها انصرفت في أدب وخشوع ثم رجعنا إلى حيث حديثنا وخضنا في مواضيع شتى حتى أزقت ساعة رحيلي فقام بوداعي إلى الشارع وانصرف إلى كنيسه. استمر الحال هكذا لمدة شهر إلى أن جئت في آخر يوم و ودعته في طريقي إلى العاصمة نيامي التي تقع في أقصى الركن الغربي من النيجر جوار دولة مالي ومن هناك تبعد المسافة بينها وعاصمة مالي بوماكو مسافة ثلاث ساعات.

رجعت مساءً والناس هارعون إلى منازلهم وفتيات غيد يلعبن ويغنين بأغاني فسرها لي مضيفي بأنها ذات إيحاءات جنسية يدعين فيها الفحول الجريئين فقط إليهن، والجنس في تلك البلاد ليس له بواكي، فيمكنك أن تتزوج اليوم بطبق من القورو وتفسخ زواجك لتتنكب امرأة أخرى، كما لا يعرفون التزاماً بأن رغبتك في الزواج يجب أن تكون مقرونة بطبقتك الاجتماعية أو المالية، فحمال قصب بوسعه أن يتزوج ابنة وزير وصاحب حظوة تجارية يتزوج من بائعة فول مدمس، أما أصحاب الجاه والسعة فيترخصون في التعدد حتى فاضت ميامينهم، بل الأدهى من ذلك أن رجالات الدين لهم صويحباتهم الصغيرات ولا مندوحة، ومتى مادخلت الزوجة مرحلة الولادة انتقل زوجها إلى كاعب أخرى دون تحرج، لا محاكم قضائية ولا نفقة ولا غيرة نسوية. الجنس في تلك المناحي كائن منتصب مستقل عن الأديان والمواثيق الاجتماعية.

رجال ذاهبون لصلاة الجمعة يتعرون في حائط المسجد جماعة وافراداً ولا نادي العراة في باريس وهم يستجمرون ولا غضاضة، وكلما أتذكر مشهدهم تستحضرني مقولة جارتنا العجوز الجبينة التي رسمت لنا صورة للرجال الفحول في زمانهم بأن الرجل إذا جلس إلى الخلاء لحسبت سخلاً تحته.
وأخر عراة يسبحون في نهر النيجر في نيامي ويقضون جل وقتهم عراة على الشاطئ حتى تجف جلودهم فيداهمون الماء كرة أخرى حتى تفزع الأسماك، وفتيات متوركات بقربهم يمارسن أعمالهن من غسيل وتنظيف حبوب على الشاطئ ولا عزاء للدمى والحرافيش.
حزب نصرة (النصر) بقيادة الرئيس حسين كونشي الذي اتخذ له ساحراً اسمه مامدو (محمد) الدجال ينزل أنصاره إلى الشوارع في دعاية انتخابية قوامها فتيات ناهدات اثداءهن تتطاير تطايراً في الهواء وعلى صدورهن صورة الرئيس.
فريق كرة قدم نسائي تتطاحن فتياته مخاشنة للفوز بلقب لا أدري كنهه.

خالد الصائغ
19-03-2010, 08:54 PM
دي حروف دفيقا طاعم و حكي دسمو كامل

شكرا آدم علي المتعة الدافقة


لك الود كله

آدم صيام
20-03-2010, 05:31 PM
دي حروف دفيقا طاعم و حكي دسمو كامل

شكرا آدم علي المتعة الدافقة


لك الود كله



الكريم ود الصائغ
تحياتي واحتراماتي
سعدت بمرورك
وشكراً لشعورك
دم طيباً

آدم صيام
20-03-2010, 05:34 PM
دعاية انتخابية قوامها فتيات ناهدات اثداءهن تتطاير تطايراً في الهواء وعلى صدورهن صورة الرئيس.


الصحيح: أثداؤهن

آدم صيام
30-04-2010, 08:06 PM
(15)


بعد أن أمضيت شهري في مدينة زندر انتظاراً لانفضاض إضراب أصحاب السيارات المتجهة إلى نيجريا، اقتنعت تماماً بتغيير اتجاه رحلتي كليةً من ناحية نيجيريا في الجنوب إلى العاصمة نيامي في الغرب وذلك بسبب اعتراض فكرة مضيفي التي مفادها أن بالإمكان العمل في حقل التعليم في النيجر والحصول على أضعاف ما أحلم به في نيجريا لا سيما بعد السقوط المروع لعملتها النايرة كما أن الهواجس والعوامل النفسية التي زودني بها القادمون من هناك جعلت نفسي زاهدة في مواصلة الرحلة. وأكثر ما أغراني في المكث هو رؤية المعلمين المنتدبين المصريين يعيشون في تلك الأصقاع عيشة الملوك تسندهم بعثة ضخمة وقنوات مصرية تخاطب تلك النواحي باللغة الفرنسية والعربية في محاولة مصرية جادة لتوليف وشائج أفريقية. - فقد تقمصت شخصية معلم مصري حيناً ومن يعش في غير جلباب نفسه خسئ-

تشير الإفادة، أن توجد معاهد لغات أجنبية بالبلاد تمنح موظفيها رواتب مغرية، كما أن أمين التعليم في محافظة زندر على علاقة طيبة بمضيفي، تربطهما علاقة المصاهرة غير المرئية، و هي أن أمين التعليم متزوج من امرأة بزعمهما سودانية إلا أن المرأة السودانية في عظمها ولحمها مولودة في مدينة جدة السعودية ولم تر أرض السودان في حياتها ولا تحمل وثيقة سودانية وكلما في المآصرة إن وُجدت، تكمن في أن آباءها عبروا حجاً السودان إلى البقاع المقدسة أو أن الجميع تكارنة . صحيح أن الرجل عند الحاجة ابن عم المرأة! وصحيح كأنما أمحص جذراً سودانياً خارج أرومة القارة والإنسانية.

تخيرنا صباحاً رباحاً وذهبنا إليه في مكتبه الواقع وسط المدينة. مباني الوزارة مشادة بالطوب الأحمر ومطلية بلون البيج، تسوّرها أشجار من النيم ترسم ظلالاً لفيئ كثير الثقوب قليل الظلال، هذا المشهد يستحضرني بيت للمتنبئ في وصف شعب بوان
وألقى الشرق (الشمس) منها في ثيابي
دنانيراً تفر من البنان
أيادي أشجار الجهنمية تنثر أوراسها الحمر على جداول مرسّمة بمثلثات الطوب المركوزة على الأرض من بقايا نفايات ما بعد البناء و التشييد، ثمة درّاجة ماركة رالي أكل عليها الدهر وشرب ألقت عصاها عند البوابة بعد وعثاء و خبب ومشروع خميلة في قلب مباني التعليم نقصته المياه والعزيمة لم تكتمل لوحته بعد، أرجعني لمدرستي الإبتدائة في قرية دار السلام ريفي الجزيرة أبا - مديرية النيل الأبيض (سابقاً) تأسست عام 1956. لا ينقص تلك اللوحة الزندرية إلا عم الضو الفراش ممسكاً بخرطوم المياه ليسقي زهور ساحة الطابور.

دخلنا إلى مكتبه وسلمنا عليه ثم اتخذنا مجلسنا على الكراسي الخيزران، وما إن انتهينا من لغز التعارف حتى فحص شهاداتي; طلب مني تصويرها ولا بد أن تكون صورالشهادات صادرة من قسم الشرطة إذ هو المكان الوحيد في المدينة الذي يحق له تصوير المستندات. خطفت رجلي سراعاً إلى قسم الشرطة ، دفعت الرسوم المقررة ورجعت إلى أمانة التعليم، وعندما طلب مني شهادة الجنسية، أخرجت له جوازي.
حينها علم أن الجواز غير نيجري، أشار أن لابد من استخراج جنسية نيجرية إلا أن معرفة اللغة شرط أساسي فيها!
عاجلنا بالخروج من هذه الورطة بمقترح آخر، فذكر أن له صديقاً بناحية العاصمة نيامي يُعرف بدكتور بالو أو جالو له معهد لغات ويحتاج لمدرسين أجانب.
قلت خيراً إن شاء الله، فوعدني بالاتصال به وإفادتي في بحر أسبوع.
عاودته بعد الأسبوع فأعلمني بأن الدكتور استلم أوراقي وتم اعتمادي وبشرني بالوظيفة الجديدة والراتب المغري.
ثم عاودته بعد أسبوع فأرجأني بانتظار تدبير التذكرة.
حامت خيالاتي بين التأقلم والمواطنة أياماً لدرجة أن حلمت بأني تزوجت من تلك البلاد و أردت زيارة موطني مصحوباً بعائلتي.
وعندما نفد صبري طلبت منه فقط إعلامه بمقدمي في التاريخ المحدد ثم حزمت أمتعتي ميمماً صوب العاصمة.

آدم صيام
30-04-2010, 08:16 PM
كان ذلك الصباح المفارق مدينة زيندر كأنه فراق وامق، عمال الورشة عن بكرة أبيهم في وداعي ، نساء الحي وصغاره في اشرئباب لمعرفة المفارق. بعد أن طمأنت تاجر السجائر بعدم نسيان وصيته المتمثلة في زوج الـ(تاكِلمي) وبمخيالي كل ما من رأى الموكب المودع نفحنا ابتسامة وداع.

زودني مضيفي بعنوان مطعم في قلب العاصمة باسم (مطعم الخرطوم) لصاحبه محمد علي السوداني المطابق لاسمه ، فما أن أصل إلى هناك وإلا تتبدد حيرتي. لو زعم شخص مجرد زعم أنه أينما ذهب في بلاد النيجر وجد سودانياً من ابناء جلدته لوصفوه بالخرف ، وها أنذا أينما تنداح خطاي أعثر على سوداني!
ثم استقللت الحافلة المتجهة إلى نيامي العاصمة لتسلك طريقاً بطول ألف كيلومتر معبداً.

تحركت بنا حافلة سعة الأربعة وعشرين راكباً في طقس مغتبن بين هبوب رياح الشتاء المغادر ودرجات حرارة الصيف المقبل . وبعد ان اتخذت متكئ قبالة النافذة أتصيد مناظر تلك البقاع إذ تمر بي تربة طينية حمراء تمتاز بعض الشئ بكثافة أشجارها مقارنة بحوض أقديس الخالي الوفاض. جهاز تسجيل الحافلة يبعث غناءً رزيناً تصاحبه آلة موسيقية أقرب إلى الربابة إن لم تكن هي هي.
تمر المشاهد أمامي اقتراباً وتباعد، لافتة متواضعة تشير إلى طريق العاصمة نيامي باللغة الفرنسية ، كومة أكواخ مبلطة بالطين الأحمر تجلس على جذوع أشجار ضخمة ولها أبواب شبه دائرية تقبع خلف قرية خمنتها (سويبات) مخازن غلال من خلال تنبع فكرتها العملية في جعل مياه الأمطار تمر من تحتها دون تأثيرها على الغلال. ها هنا زرافة تجد المسير بحثاً عن ما يخفيها وراء الآكام من أزيز السيارات حيث لا يخفيها إلا الظلام كما تطابق مع مقولة الراحل جون قرنق في نصح السيد الصادق المهدي في مسربه خارج الوطن فيما معناه: (أن الفيل لاتخفيه أشجار الغابة)
بعد مسير ساعات لا أذكر عددها توقفت بنا الحافلة عند قرية تظللها أشجار تشبه السيال تكتنفها بحيرة لعلها نهر انصرم في موسم الجفاف. رجال عواجيز وصبية يجذون جذور نبات الديس من البركة ربما لاستخدامها في فتل حبال. لم نعثر في مطعم تلك المحطة على طعام يذكر غير أسماك محمرة وفصوص من قصب السكر، فحصلت على بعض منها وتابعنا المسير.

شاهدت على مخرج المحطة رجلاً عجوزاً يجلس أمام كوخه يستطعم بعضاً من فيتامينات الشمس ويفتل حباله بظهر عار وسروال حسبته من ذوات التكة وأمامه حزمة من الديس تمر بقربه امرأة فرنسية ولكنها تتمنطق بلباس نساء النيجر تخاطبه:
حاجي! إنا كونا، لا هي لو إنا سنجي
فيرد: إنا كونا لا هي لو تماد الله، بركة، سنجي لو كشي
وباستمطاق كلمات مثل حاجي، وتماد الله وبركة ووقتي (لوكشي) يتضح مدى تأثير اللغة العربية في لغة الهوسا وهذا ما ذهب إليه علماء اللغات بأن لغة الهوسة هي مهوسة (من الهوس) عن العربية، ولا غرو إذا كانت حتى ألفاظ العقود الهوساوية عربية صرفة وهذا ما يتوعدني عند سماعي لغة الملايو (بهاسا ملايو) في أرخبيل الملايو جنوب شرق آسيا حيث أنها كذلك متحت من اللغة العربية حتى فاض معينها، إلا أن أسباب أخرى تقبع وراء تحويل تلك اللغات لاستخدامها الحرف اللاتيني مؤخراً.

آدم صيام
03-06-2010, 04:18 AM
(16)


نهبت بنا الحافلة مشواراً مقدراً حتى أصاب الخدر غالبية الركاب ، فاستسلموا مهدهدين للنوم الجالس حتى رفع النهار رايته الحمراء استسلاماً لمساء ذي شفق غاضب وحمرة غامقة، وقد فاتت على كاميرتي صور عديدة كنت أمني نفسي بطبعها على ذاكرتي الحديدية التي لم تصدأ.
فإذا بي أصحو على مدخل مدينة التقطت اسمها المتردد على أفواه الركاب طالما تردد على شفاه المسافرين بزهو وموسيقى عجب. لمحتها مكتوبة على لوحة فارعة تزاحمها لوحات إرشادية ودعايات أفلام أخرى باسم بيرني انكوني، فأصابني شئ من أمل بأني على أعتاب مدينة موشحة بأضواء النيون و يشار إليها بالبنان.
شقت الحافلة طريقها وسط الزحمة ثم توقفت داخل المحطة العامة وسط المدينة حيث جمع غفير من الناس يركب بعضهم بعضاً في مشاهدة فلم على نصف شاشة لسنما متجولة في صحن السوق المفتوح. أسراب من الجراد تظهر وتختفي ونساء في الريف الفرنسي يجمعن العنب وخلق الله مسمرة أنظارهم ناحية تلك الشاشة المربعة لا يرغبون عنها فكاكاً. يبدو أن حراك تلك المدينة مرده توفر عدد مهول من المنظمات الأجنبية فيها.

انحدرت داخل السوق كأني أبحث عن بائعة شاي أعرفها أو بائع متجول يحمل على كتفه بضاعته ويردد (متلاقة مشت، متلاقة مشت) موس حلاقة مشط ، موس حلاقة مشط . ليس السوق بغريب عني أبداً فقد مررت على هذا السوق نفسه مراراً وتكراراً في أيام الموالد النبوية في ساحة سوق كوستي ليلاً وتناولت فيه الشاي والزلابيا (جنى الرغيف) وأنواع مختلفة من حلويات المولد. كما أن محال السوق المخلقة من ألواح الزنك المتحلل حوافها الملتصقة بالأرض من جراء البول الجماعي، صورة هي هي. برج منصوب للإرسال في قلب المدينة ومطاعم شعبية مفتوحة يضوع شواؤها في كل مكان، تماماً كمطاعم الفول والكمونية والكبدة بالطوة التي تناثرت داخل مدينة كوستي على شواطي المصارف المتجهة إلى النيل الأبيض. لذا لا غرابة أن أجد نفسي في مدينة آلفها منذ أن كان عمري تسع سنوات حيث أرسلتني الأسرة إلى مدينة كوستي عبر البنطون لأشتري لها بعض حاجياتها وأنا في جلباب مخطط على شاكلة جلابيب الصعايدة انسرب من جموع الركاب في البنطون مهرولاً ناحية (ملجة) كوستي حيث أهرامات البطيخ والشمام والقرع وقطعان الخراف وبصات ود دكونة وتندلتي و(لواري) شاحنات الصعيد المتروسة بالقنا وكرات الدليب والسعف، فيعترضني في الطريق المدبب على النهر قبل أن أصلها ثلاثة رجال جالسون يُقسم أحدهم عليّ بمشاهدة هذا الرزق الذي ساقه الله إليّ، وذلك فقط بتثبيت عود وسط حلقة شريط ملفوف بطريقة خادعة ومن ثم أكسب جنيهاً كاملاً. عندما تمنّعت بين تصديق الكبار وناقوس الحذر، طعن الشيخ العود بنفسه وسحب الرجل الآخر الشريط وصاحوا كسبان يا ولدي، كسبان يا ولدي!

قال له: اعط ولدي ده جنيه ، فانتزع منه جنيهاً أخضراً واستسمحني أن يلعب به نيابة عني، وبعد برهة أعلن أني كسبت جنيهين تمامين، فوليت هارباً ناحية السوق وتركتهم يتصايحون، أن أرجع يا ولدي حظك قبض!
إنه الملوص، إلا أن عقلي كان مركوزاً في قطع السمك المقلي والشمام النافذ الرائحة فلم أعقب. لربما كان اندياحي في سوق برني انكوني لذات الرائحة ونفس العبق.

آدم صيام
03-06-2010, 04:22 AM
أخذ المسافرون قسطاً من الراحة والطعام ثم انحشروا في حافلتهم صوب العاصمة. كان الخروج ملتوياً وصعيباً من المدينة . أرتال السيارات المكدسة في السوق وحوافه، طبليات النهار التي تم ركنها حيثما اتفق،
بائعو الليل ومواعينهم ودور الخيالة المتجولة، كلها غصت بها ساحة المدينة وأخرت خروجنا المقدس.
لم تمض إلا لحظات حيث استسلمت في نوم عميق صحوت على إثر رفرفات أرتال الحمام في فجر متنفس على موقف سيارات مدينة نيامي العاصمة، فلزم المسافرون مقاعدهم حتي ينجلي الصبح وما الإصباح بأمثل.

عندما أطلت علينا شمس اليوم الجديد على حياء، تلمست أغراضي وطفقت أبحث عن صنبور ماء أغسل منه وعثاء سفري واستاك، وريثما فرغت من ذلك مرت زرافات الفتيات اللاتي يحملن على رؤوسهن الفطائر والزلابيا، فتناولت قدري وحملت حقيبتي صوب العنوان الذي حفظته عن ظهر قلب.
شاهدت جموع الناس تستوقف سيارات ليست بالتاكسي ولكنها تقوم مقامها ويحدد الركاب وجهتها إما إلى السوق الكبير أو ناحية الأحياء. فالتقطت طلب بعضهم بنطق (قراند مارشي) السوق الكبير وانحشرت في سيارة الأجرة معهم. لم تبرح السيارة حرم ذلك المكان حتى لمحت على صندوق خشبي كبير مكتوب عليه بالطباشير في أسفل قاعه عبارة (مطعم الخرطوم) فصحت: أن قف!
دفعت ريالين سيفا وذهبت ناحية المسمى مطعم.
لم أبلغ بابه حتى خرج رجل من المطعم بجلباب سوداني وعمامة بيضاء سلمت عليه وسألته: سوداني؟
فرد، بلا تشادي! ولكن السودانيين بالداخل.

دخلت عليهم فرأيت أحدهم ضافراً رأسه واسمه عمر راستا من كردفان وأما الثاني فمنهمك في إعداد وجبات الفطور فاسمه كيلي من الزاندي . رحبا بي غاية الترحاب وأجلساني على ككر وسط الكشك ثم بعد أن فرغ الطعام المكون من مرق ومسلوق جذور البفرة، دعياني بكل كرم ، إلا أني لا أعرف سبيلي إلى تلك البفرة والحساء، فانتظرت ريثما يشرعان وسلكت طريقتهم كأبدع ما يكون. رشفنا أقداح الشاي وشرعا في لغز الواحد والعشرين سؤال.

وجبة البفرة يتناولها الإنسان مرة واحدة لمدة يوم كامل وكلما أغدق عليها ماءً انتفخت بطنه حد التخمة.
بدأت لهم من السلام عليكم وحتى دكتي التي اعتليها أمامهما. ثم ذكرت سبب مجيئ إلى هنا طلباً لمعهد الدكتور جالو. قفز أحدهم وهو من أبناء أم درمان، حضر متأخراً وقال لي: إن دكتور جالو هو أستاذهم في جامعة نيامي وهو معروف بالبلطجة والتسويف كما أنه متهم باختلاس أموال الجامعة وتهرب عن استرجاعها مما شرد الطلاب من الداخليات وهو أحد ضحاياه. فصب عليّ الخبر مزيجاً من القنوط وسوء المآل . إلا أنه تبرع بتبليغي إلى منزله، فشكرت له صنيعه.
أخبروني فيما أخبروني، بأن هذا المطعم لصاحبه محمد علي الدنقلاوي وهو من دنقلا العجوز، عادة ما يحضر متأخراً إلى المطعم .

آدم صيام
03-06-2010, 04:27 AM
انتهزت الفرصة وطلبت من محدثي الذهاب إلى منزل الدكتور جالو.
شققنا عدة طرق مختصرة بين الأطيان والقطاطي المفصولة بأسوار متواضعة حتى وصلنا إلى بيته. بعد أن طرق الباب حضر إلينا بنفسه واضعاً على رأسه غترة السعوديين المخططة باللون الأحمر وأدخلنا إلى ناحية مكتبه الكائن داخل المنزل الطيني.
بعد المجاملة والترحيب ، سألته هل تلقّى بريداً يحمل شهاداتي للوظيفة المقدمة من الأستاذ إبراهيم أمين التعليم في زندر وقد تأخر ردكم بسبب التذاكر؟
فأجاب بأنه ليست له أدنى معرفة بذلك ولا يعرف شخص بهذا الاسم في تلك الزندر.
فسألته عن معهد اللغات الذي يديره.
فقال: إنه فكرة تحت الإنشاء ولم تتوفر بعد السيولة الكافية للشروع فيه. حينها أدركت أني ضحية لحسن ظن فاسد لا غير.
الدكتور جالو خريج جامعة سعودية ويجيد اللغة العربية بطلاقة مشبوبة بلهجة السعودية.
رجعنا أدراجنا حيث مطعم الخرطوم أجرجر أذيال الخيبة ونقطة اللاعودة. متفرساً في هكذا عقلية تنسج من العدم أحلاماً ولا في الخيال من أجل ماذا ولماذا!

علمت من الإخوة أن الطلاب السودانيين حضروا من نيجريا بعد أن ضاقت بهم السبل ولم يجدوا مخرجاً غير الالتحاق بجامعة نيامي التي فُتحت فيها كلية لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية على نفقة دول الخليج.
ثم ذكروا لي معاناتهم في الحصول على لقمة عيش ولولا هذا المطعم لنفق الجميع. لم يجدوا مفردة وإلا وصفوها لي بأن هذه البلاد هي الحفرة الحقيقية التي ما إن يقع فيها الفرد لا خروج له البتة. فأصابوني بإحباط لم يبارحني حتى خرجت من حدودها. كما ذكروا لي أن عدد السودانيين هنا لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وأن أحدهم يعمل في المنظمة الكويتية بأسرته ناحية حي الموظفين.

عندما أدركنا وقت العصر وصلت سيارة ماركة أوبل رمادية عليها رجل أحمر طويل يضع طربوش ليبي أحمر كذلك على رأسه، نزل منها واستقبله الجميع بلقب (هاجي) الحاج، فأدركت أنه صاحب المطعم. سلّم على الجميع وقدمني السيد كيلي له فاستقبلني استقبالاًَ كريماً وهلل بمقدمي. لم تمض برهة من الوقت حتى دعاني إلى سيارته وذهبت معه إلى منزله، المنزل الوحيد الذي وقعت عليه عيناي مبني من طوب البلك الأسمنتي في تلك البلاد وتحرسه شاحنتان من خشية الفقر من شاكلة عابرات القارات.

سلّمت على أسرته المكونة من زوجه الطوارقية وعدة فتيات وقد قص لهم رحلتي ومبغى وصولي إلى هنا. ثم قدمت لنا زوجته طبقاً من الفواكه الإستوائية أراه لأول مرة، إنه فاكهة تتشبه أثداء النساء المتهدلة داخلها لب برتقالي يضم حبيبات سوداء في تراص يشبه لولب الجينات. إنها الباباي التي سمعت بها على أنها الفافاي و تأتي مع الشاحنات القادمة من جنوب السودان.

طلب مني أن أصحبه في نزهة تعريفية حول المدينة. مررنا بشارع ترصعه عواميد الإنارة بسفلته تبلغ كيلومترين لا غير. أخبرني محدثي بأن هذا هو أرقى شارع في المدينة. مررنا على مبنى فخيم قال إن هذا كان في السابق مصرفاً تم إنشاؤه على نفقة الصندوق الكويتي السعودي إلا أن الموظفين فيه نهبوا أمواله في غضون ستة أشهر وتم إغلاقه ليفترشه الشحاذون والمعاقون والعمي والمجذومون.
هذا هو السكن الشعبي الذي شادته جهات خيرية سعودية ولكن استأثر به الوزراء وعلية القوم. تفرجنا في سوق الخضار ذي الفواكه العجيبة والثمار التي أغلبها جذور نباتات. علمت من محدثي أن تلك الخضروات أغلبها مستورد من بوركينا فاسو.

حضر محمد علي في أوائل السبعينيات قادماً من ليبيا سائقاً لشاحنة فاستقر به المقام هنا، ومن يومها لم يرجع إلى ليبيا ولا إلى السودان. يحمله شوق قاتل حيال دنقلا العجوز وكل ما هو سوداني . حصل على جنسية تلك البلاد وتزوج من طوارقها ويعمل بالتجارة عبر دول تبدأ من النيجر وتنتهي في شرق أفريقيا، إذ تجمع تلك الدول اتفاقية تجارية ويربطها خط طيران أفريقي ولهم حرية التنقل والاتجار.

نصحني محمد علي إن كان لي مبلغاً يسيراً يمكنني أن أشتري سيارة أجرة يعود عليّ ثمنها في خلال سنة واحدة . فبإمكانه اختيار سائق أمين يعمل فيها بنظام الإيراد اليومي . فأعلمته أني جئت بحثاً عن هذا المال ولم أبلغه. حينها نصحني بالرجوع إلى ليبيا سراعاً فذلك خير لي ألف مرة من الموت البطيئ هنا.

آدم صيام
08-03-2011, 02:58 PM
السلام على روح سودانيات المغفور له -بإذن الله-
خالـــــــــــــــــد الحــــــــــــــــــاج
سأعود قريباً لبقية السرد بعد فقدك إن شاء الله

طارق الحسن محمد
08-03-2011, 03:08 PM
السلام على روح سودانيات المغفور له -بإذن الله-
خالـــــــــــــــــد الحــــــــــــــــــاج
سأعود قريباً لبقية السرد بعد فقدك إن شاء الله
عد يا اخى
فلك وصف ساحر والله

آدم صيام
13-03-2011, 06:43 AM
عزيزي طارق الحسن محمد
تجدني شاكراً ومقدراً لكم هذ التشجيع
لقد ركنت بعض الشئ عن المواصلة بعد مداخلتي أعلاه إلا أن تحفيزكم
حرك همتي
لكم الشكر والعرفان أخي

آدم صيام
13-03-2011, 06:52 AM
-17-



في تلك المدينة - نيامي- نصحني البعض من الإخوة بأن أيمم شطر باماكو عاصمة مالي التي لا تبعد أكثر من سويعات غرباً، إذ يمكنني أن ألقي بعصا ترحالي في إحدى السفارات الأجنبية أو المنظمات الإنسانية هناك. إلا أن خيط الأمل الذي رصدت في مزودي لم ينظر منه شيئ ذو طِول ليحمل ما تبقى من عزيمتي، علاوة على أن التمادي في رحلة المسير غرباً في مجاهل أفريقيا لربما انتهت بي إلى بلاد الشناقيط حيث تغرب الشمس دون حساب خط الرجعة. فقد قدرت أن الرحالة ابن بطوطة أوفر حظاً في رحلة مسيره حتى بلغ مشرق الشمس وعودته بعد سنين إلى بلاده سالماً رغم فارق الزمان وتباين الأحوال.

وقفت قبالة نهر النيجر لالتقاط آخر المشاهد قبل مغادرتي بلاد التكارين والزبرما و الطوارق والبررو. لاحظت أن نهر النيجر الذي أخذ من النيل الأبيض صفاءه و من النيل الأزرق سرعة جريانه وضيق صدره يوشح صفحته تماماً كالنيل الأبيض بنباتات الماعونة ذات الأوراق المفرغة وترصع ضفتي منكبيه أنواط من نباتات البردي والبوص، علاوة على المراكب المصنوعة من جذوع الأشجار والتي تسمى في بعض نواح السودان (سريتق) تجوب مياهه غادية ورائحة محملة بالأعشاب وشباك صيد السمك. على مرمى ناظري جسر حديدي يربط شقي المدينة كشأن أغلب العواصم التي تتخذ من ضفاف الأنهار مسرحاً لمربطها. من على يساري يقع حي الموظفين الذي تم تشييده بهبات خارجية وبدلاً من أن يعتمره المحتاجون استأثر به علية القوم والموظفون في الدولة، هذا المجمع السكني يشبه في طرازه أشلاق الشرطة ذات الأبواب الزرقاء وتصاميم المساكن المنسوخة. على شمال المدينة تقع غابة من أشجار النيم حديثة الغرس تخذها الجمهور ضروة لقضاء حاجاتهم. فههنا رجال ونساء يفرغون حمولة أمعائهم وهناك من الشباب والشيوخ من يتعاطون الحشيش ويرسمون سحب الدخان داخل الغابة أما أكوام الزبالة فترسم معالم تضاريسها.

شاهدت فيما شاهدت على طول شوارع العاصمة أن المارة وهم راجلون أو من على دراجاتهم أو سياراتهم يدلفون إلى الشرطة المنتشرة في الشوارع ويقدمون لهم ما تيسر مما يسد الرمق ولو للحظات، فقد نما إلى علمي أن البلاد لم تصرف معاشاتها مدة ستة أشهر فتكفل العامة بالمحافظة على استمرارية مظهر الشرطة والحفاظ على الأمن عن طريق النفير.

رجعت أدراجي وفي تلك الليلة الأخيرة ما أن عجمت كنانة أفكاري لم أنتزع منها إلا سهماً واحداً هو خيار الرجوع إلى ليبيا، كل الآمال العراض في رحلة هروبي من جحيم ليبيا انتهت محصلتها في العودة إليها بكل تلهف. مسكين ابن آدم في نسج آماله، يبدأ فجر حلمه بصيد ثمين بأن لا يقنع بما دون الزراف صيداً وينتهي به عند منتصف النهار بالاقتناع بصيد جرذ صغير كاف للجم طموحه بينما كل الصيد في فترة القيلولة ينتهي به المقام إلى جحوره إن لم يكن إلى جوف الفراء!

في الصباح الباكر لم يكن بمعيتي متاع ذو قيمة لحزمه فقد تبرع الأخ محمد علي بمساعدتي في العثور على سائق من رفاقه لتوصيلي إلى مدينة أقديس إلا أن ما تبقى في خزانتي النقدية حسبته كافياً حتى بلوغي مقصدي. شيعني الأخ محمد علي ابن دنقلا العجوز و السيد كيلي وعمر راستا و عبدالكريم ابن أم درمان إلى محطة الحافلات مودعين، يمكنني بكل زهو أن أقول أن مدينة ميامي بكاملها خرجت في وداعي بل أكثر من ذلك أن السودان كابر عن كابر خرج في وداعي وهل العالم هو غير ما ندركه ننتمي إليه ونحسه! ولم أجد ما أتركه لهم من ذكرى خلفي غير بعض أشرطة الأغاني السودانية التي أعطيتها إلى محمد علي وقد سُر بها أيما سرور. بعد أن ودعوني حصلت بالكاد على مقعد في آخر الحافلة وسط نساء بأحجام لا تتناسب و ظروف السفر الطويل فحشرنني بينهن لدرجة أنني لم أكن بحاجة للاعتماد على مقبض داخل الحافلة لأثبت به نفسي، ثم بدأت رحلة الحافلة وبدأ الجميع في قشر التسالي والفول المدمس وقصب السكر و القورو ، لقد جرت معركة فرم وتقشير داخل الحافلة لو تفرست ملامح المسافرين لحسبتهم عمالاً في مطاحن الغلال من شدة الغبرة و مخلفات التبن.

من هنا يبدأ الضلع المكمل لمثلث الطرق الرئيسة التي تربط تلك البلاد حيث تمر إحداثياتها من نقطة أقديس شمالاً مروراً بمدينة زندر جنوب شرق و نيامي في الجنوب الغربي ثم يكتمل في أقديس أخيراً. الطريق ضيق إلا أنه معبد كما وأن السيارات العابرة قليلة أو تكاد تكون معدومة. ما زلنا نرى بقايا أعشاب الخريف المتيبسة وقليل من صوى الطريق وعلاماته حتى مررنا على شرطة الطريق فدفعنا لهم المعلوم واتجهنا صوب شرطة أخرى وفي كل مرة يتمنون لنا رحلة سعيدة حتى حل المساء ودخلنا في أنوار متقطعة جهة مدينة لم نرها تسمى تاوا (Tahoua) وقد علمنا أن هنا يوجد المثلث اليوارنيومي والنيجر مشهورة بمعدن اليورانيوم إلا أن شعبه وحكومته لم يسمعوا به إلا في الأخبار العالمية.




http://www.lonelyplanet.com/maps/africa/niger/map_of_niger.jpg

آدم صيام
13-03-2011, 06:57 AM
من مدينة تاوا لابد للسيارات من الانتظار حتى تكتمل القافلة و من ثم تسير بمعية الجيش إذ أن المتمردين الطوارق لهم حقوقهم أيضاً التي حددوا معالمها الجغرافية، وقد قضينا ليلتنا في معية الشرطة التي جمعت هويات الركاب وطلبت من كل راكب أن يدخل بنفسه إلى وكرهم لتسلم هويته بعد دفع المعلوم ولكن ذاك معلوم بثمن باهظ هذه المرة حتى أني أردت الاحتجاج إلا أن أحد الركاب لكزني بأن هذا لا طائل من ورائه.

قبل بزوغ الشمس في اليوم التالي حزم الجميع ما لديهم تتقدمنا قافلة الجيش وانطلقنا صوب مدينة أقديس التي وصلناها في المساء بينما كان الطريق خالياً من أي معلم حياة.
لم تعوذني الحيلة عند وصولنا إلى أقديس فقد يممت شطر المنزل الذي استقبلني ورفاق ليبيا قبل شهرين. طرقت الرتاج الخشبي فاستقبلتني زوجته ريثما يصل من الخارج بعلها. بعد العشاء سألني عن وجهتي فقلت له ليبيا. وعدني بأنه سيستوصى بي خيراً عند الفجر لأن سائق السيارة المتجهة إلى ليبيا أخ له. في الصباح أخذ مني آخر ما تبقى من ما عندي ثمناً للتدكرة وذهب إلى موقف السيارة.

ثم رجع الشيخ علي وأخذني إلي موقف الشاحنات المتجهة إلى ليبيا، هناك سلم لصاحب الشاحنة جوازي فحصه فسجله في قائمة المسافرين على أن يسلمه لي في الحدود الليبية . وقبل أن أصعد إلى الشاحنة سمعته يخبر صاحب الشاحنة أن على هذا السوداني مبلغ مائة دولار قيمة التذكرة عليه أن يدفعها و إلا لا جواز له في ليبيا! فدهشت لهذا القول وأعلمته أن قد سلمت الشيخ علي مبلغ التذكرة في هذا الصباح إلا أن صاحب الشاحنة صعد إلى سيارتة اللانكروزر وانطلق ومعه امرأة صوب الصحراء متقدماً الشاحنة. عندما حاولت إفهام الشيخ علي بأن هذا المبلغ الذي سلمته له هو آخر ما أملك ولا أعرف أحداً في ليبيا يمكنه إقراضي هذا المبلغ، فهددني بأنه إذا تماديت في هذه اللجاجة سوف يأمر هذا الشرطي الذي أمامنا ويدفع له مبلغ 20 ريالاً سيفا فقط فيرميني في السجن الدهر كله! تدخل الركاب و أمنوا على قوله و أعلموني بأن هذا الشيخ هو الآمر والناه هنا فلا داعي لخلق المشاكل وتأخيرهم من السفر.
لا أدري بعدها كيف وجدت نفسي في سطح الشاحنة المتجهة إلى ليبيا وليس معي شرو نقير بل بدون زوادة سفر ولا ماء شرب و الأدهى بدون جواز سفر في رحلة قوامها خمسة عشرة يوماً بلياليها!
من هنا شرعت الأقدار بصورة رسمية في نسج عبوديتي الحقيقية.

آدم صيام
23-03-2011, 03:28 PM
- 18-


بعد ساعات من امتطاء بحر الرمال في اتجاهنا إلى ليبيا بدأت تطفو إلى خلدي قناعات فيما قام به الشيخ علي من تصرفات تجاهي. لا أنكر أنه قد استقبلني ورهطي في مقدمنا من ليبيا و أكرم وفادتنا دون مقابل ثم ها هو يستضيفني ليلة كاملة بعشائها، لذا قدرت تصرفه لكونه واقع في دائرة تسديد فاتورة النزل والمطعم لا غير. لا سيما أن هذه الصحراء اللئيمة تطبع ساكنها بقيم الشظف و الأثرة والفاقة والقسوة، و من عثر فيها على وسيلة تسهم في بقائه منحها الأولوية في تراتبية القيم الفاضلة فقد طبق الشيخ علي صفة كرم الصحراء وصفة الحفاظ على البقاء. ومن هنا شرعت بتصنيف تصرفات البشر في مثل هذه الأحوال حسب البيئة التي يعيشون فيها، فمن عاش في بلاد مدرارة الخير كثيرة الماء أظهر قيم الكرم المتريث والتمهل في طلب الأشياء وتساهل كثيراً في الاستحواذ، ومن عاش في بيئة ماحلة لابد له من إيجاد وسائل للاحتيال عليها من أجل بقائه، إذ أن النفس أولى من الصاحب.

كما أني كشأن أي مسافر لا بد لي من دفع كل مستحقات رحلتي من فواتير نزل إلى المطعم ولربما حتى بقشيش الدليل الإرشادي للأماكن. فإن استغلال إمكانيات الآخرين بشكل أخوي يقع في دائرة غير المشروع أخلاقياً. عندما أقمت حواراً داخلياً مع نفسي بررت فعلة ذاك الشيخ وانصرفت إلى المشاكل التي تواجهني في حينها الآن.

لاحظت في رحلة إيابي هذه، أن شاحنة المرسيدس التي تقلنا تحمل أقل من عشرين راكباً، أما باقي الشاحنة الخلفي مملوء بكراتين مغلقة علمت في الحدود الليبية على أنها خمور مستوردة، كما أن بمعيتنا عدد لا بأس به من الخراف المصدرة إلى ليبيا.
لقد رافقتنا القافلة العسكرية حتى تجاوزنا وادي الموت الذي تُعقد فيه ألوية الكمائن وخطط الهجوم المباغت، ثم رجعت القافلة العسكرية إلى أدراجها. بعدها دخلنا في سديم الصحراء الواسع وقبل دخولنا لا بد من الإعداد لخوض غمار الرمال، فتوقفت الشاحنة لتحرير بعض الهواء المحبوس في إطاراتها. نزل السائق ونادى على المساعد وطلب منه إجراء اللازم، إلا أن المساعد النيجري الذي حسبته في البدء راكباً مثلنا -فقد استأجره مالك الشاحنة عاملاً عسيفاً لخدمة منزله في مدينة سبها- وعامله فيما بعد معاملة العبد، إذ ظل مالك الشاحنة يناديه طيلة أيام الرحلة بالعبد الكسول بالرغم من أن المساعد يبدو أنه لا يفهم لغة القوم ولم يتعامل مع السفر الطويل أو الآلات المتحركةً، فظل سلة لاستقبال شتائم السائف والمالك على السواء. يجدر بالذكر أن في رحلة حياة وموت كهذه لا يمكن للفرد المضطر الاعتماد على أي مسافر آخر، لأن ظروف هذه الرحلة القاسية الطويلة المملة قوامها التقصد في كل الممتلكات من أجل اجتيازها بسلام.
نزلت على عجل دون تفكير من على الشاحنة و سألت السائق عن المطلوب، فأعلمني بتثبيت عداد الهواء في كل إطار وانقاص الهواء إلى قدر معلوم من كل إطار من إطارات الشاحنة الثمانية الخلفية، ففعلت ذلك بكل نجاح كخبير محترف لخدمات البنشر، ثم جمعت المعدات و أودعتها صندوق الشاحنة القابع في ظهر غرفة القيادة (التندة) واتخذت مكاني هناك كمساعد ذي خبرة! أستكشف القادم من الطريق وأقوم بإرشاد الركاب وتوجيههم لدرجة أنهم أطلقوا علي صفة (افرنتي) ومراقبة حمولة الشاحنة من السقوط.

قطعنا ساعات في المسير ثم توقفنا مرة أخرى لأن الطريق تحول إلى صخور وحجارة فلا بد من زيادة كمية الهواء داخل الإطارات حتى لا تثقبها مسامير الأرض الحجرية. مد لي السائق خرطوم الهواء المتصل بمضخة الهواء (الكمبرسون) الملحقة بالسيارة فثبته في كل إطار و أضفت قدراًَ معلوماً من أرطال الهواء لكل إطار. بعد إكمال المهمة طلب مني السائق أن أجلس بقربه في غرقة القيادة وهكذا تم ترقيتي إلى الرجل الثاني في سفينة الصحراء هذه . أمضينا ساعات في المسير ثم انتظرنا مالك الشاحنة على الطريق وقد أخبره السائق بأن المساعد النيجري لا يرجى منه مساعدة و أن هذا السوداني هو الذي يقوم بالمساعدة ، فأشاح مالك الشاحنة عن هذا الخبر وطلب إعداد الطعام.

أشعل السائق وابور الغاز ووضع اللحم والبصل و الصلصة في الطنجرة ثم أضاف ماءً مهولاً حتى إذا بلغت درجة الغليان أهال عليها كيسين من المكرونة وقدراً من البهار ثم وزعها في صحون ولها بخار يضوع و أرسل لمالك الشحنة و المرأة في سيارتهما نصيبهما. بعد أن تناولنا وجبتنا الدسمة أمر السائق المساعد بتنظيف الأواني ووضعها في صندوق الزوادة ، ثم ختمناها بشاي كشري ونفحني السائق لفائف من السجائر ثم استأنفنا المسير كرةً ثانية حتى منتصف الليل فتوقفنا و أقمنا سرادق المبيت و أمضينا ليلتنا هناك.

واصلنا في الصباح الباكر المسير لأن الصحراء أكثر تماسكاً و أسهل لسير الشاحنة حتى إذا انتصف النهار وتفككت مسامات الرمال وغاصت الشاحنة في عمق الرمال أنزلنا الصاج و حثثنا الركاب بالنزول لتخفيف الشاحنة وطلب مساعدتهم الجماعية فانتشلنا الشاحنة وانتبزنا موقعاً عالياً أمضينا فيه قيلولتنا ، فأعد الركاب طعامهم وأخذنا قدراً من الراحة ، حتى إذا تعبت الشمس من تقرفصها في كبد السماء وسلمت نفسها إلى الأفق الغربي شرعنا السرى واستطبنا المسير.

استمر الحال هكذا نهجع في القائلة ونسير في أول النهار وليله حتى بلغنا الحدود النيجرية فقدم السائف لهم أوراقنا وصندوقين من كل نوع من حمولتنا ثم انتهينا إلى جمارك ليبيا فطلب السائق من الركاب النزول والانتظام في صف ، بينما دلف مالك الشاحنة إلى مكتب الجمارك . بعد أن تم التصديق بالدخول على جوازات الركاب أما شخصي فلا يحتاج إلى تأشيرة دخول إلى ليبيا لأني في عداد العرب وليبيا بلاد كل العرب! دخلنا إلى استراحة الجمارك وأمر مالك الشاحنة بإنزال صناديق مهولة من الخمور للجمارك كما أمر بذبح سمين. في هذه الأثناء قابلت ثانية الضابط الرحومة الذي أعرف أقاربه الذين يزورهم من فينة لأخرى في مدينة راس لانوف، سالني عن أحوالي ورحلتي ونصحني بالرجوع إلى مدرستي القديمة بعد هذه الرحلة الخاسرة، كل هذا ومالك الشاحنة يتعمد أن يسمع ما يدور بيننا ويتظاهر بالتجاهل. طلب مني الرحومة المشاركة في إعداد العشاء بعد أن وصف السودانيين بأنهم خبراء في الطبخ ولا سيما في إعداد ما يعرف بالقدحة من الثوم المحمر بالزيت التي تعطي الطعام نكهة مقدرة .
بعد أن تناولنا عشاءنا واحتسى مالك الشاحنة ورفقاؤه من المشروبات الكحولية ، أثنى علي الرحومة مرة أخرى لجهودي في إخراج هذه الوجبة الدسمة ، قفز مالك الشاحنة من على كاسه وناداني:
أين السوداني؟
قفلت: لبيك.
قال: خذ هذا جوازك فإنك رفيق سفر ممتاز ولا أريد منك مبلغ المائة دولار !
لم أصدق أن تؤول الأحوال حول معضلة جوازي بهذه السرعة من الانهيار، صحيح أن الله يعجب من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل، فأخذت جوازي وشكرت له صنيعه. تحركت الشاحنة صوب واحة القطرون ومدينتها، وكل ما دار بخلدي في هذه المسافة المتبقية هي الخوف من انقشاع حالة السكر لدى مالك الشاحنة والمطالبة بإرجاع جوازي كرة أخرى! لذا عندما حطت سفينتنا في جمارك القطرون، هبطت من الشاحنة سريعاً وودعت سائقها وانسربت داخل القطرون رغم أنها لا تعدو أن تكون أكثر من قرية قديمة ولا أعرف فيها دليلاً.

طارق الحسن محمد
26-03-2011, 10:15 PM
تحية ادم
وشكرا للعودة والمواصلة
اكتب اخى
والله انى لك من القارئون
مودتى

آدم صيام
02-04-2011, 06:54 PM
اقتباس:
تحية ادم
وشكرا للعودة والمواصلة
اكتب اخى
والله انى لك من القارئون
مودتى تحية ادموشكرا للعودة والمواصلة
اكتب اخى
والله انى لك من القارئون
مودتى
____________________________________






العزيز/ طارق الحسن
مشكور على تشجيعك الكريم و إلا ما كان واصلت في الحكي
أها بعد محطة ليبيا و مالطا أنتقل إلى أقصى آسيا وما زلت فيها


أهديك:
http://www.youtube.com/watch?v=czOdxxurl38&feature=player_embedded

ابوعلي
07-04-2011, 04:54 PM
ادم صيام
لك الود
اكتب ...
هذا ما نحتاجه
ان تكتب وتبدع في الوصف هذا ما ينقصنا
اكتب واسعدنا

آدم صيام
12-04-2011, 05:16 AM
اقتباس:


ادم صيام
لك الود
اكتب ...
هذا ما نحتاجه
ان تكتب وتبدع في الوصف هذا ما ينقصنا
اكتب واسعدنا

__________________
ربي ارحم خالد الحاج





شكراً الحبيب/ أبوعلي

لمروركم و الثناء

إن شاء الله عزيزي
دم بخير

طارق صديق كانديك
13-04-2011, 05:44 AM
العزيز آدم صيام

صباح الترحال

بعصاه التي تأبى إلا أن تجرعنا من عسفها والحنين .. !!

قرأتك واستعبرت حينا من الروِي المنتظم بالألم ..

أكتب ياأخي فقد تركتنا هناك معك في القطرون .. !!

رد الله غربة السودانيين أجمعين .. غربة في النفس والجسد .. !!

احترامي ومودتي

شوقي بدري
15-04-2011, 01:51 PM
العزيز آدم صيام ( ولضم درمان ) .. ياخى جننتنا ، اكون طالع او عاوز اعمل حاجه افتح موضوعك ده . اكرو تانى من اولو لى آخرو ، لا امرق ولا اقضى القرض . يومين تانى حأكون حفظتو . ياخى دى كتابه رائعه تخلى الزول يبقر .
لك التحيه
شوقى ....

آدم صيام
16-04-2011, 01:41 PM
اقتباس:

العزيز آدم صيام

صباح الترحال

بعصاه التي تأبى إلا أن تجرعنا من عسفها والحنين .. !!

قرأتك واستعبرت حينا من الروِي المنتظم بالألم ..

أكتب ياأخي فقدتركتنا هناك معك في القطرون .. !!

رد الله غربة السودانيين أجمعين .. غربةفي النفس والجسد .. !!

احترامي ومودتي







العزيز/ طارق كانديك
شكري العميق لمروركم من هنا

القطرون بداية رحلة أخرى أخي
الله يديني الوقت فقط
(الروي المنتظم بالألم) يا لجمال التعبير
أحدهم قال : اللؤلؤة هيكل بناه الألم حول حبة رمل!

آدم صيام
16-04-2011, 01:46 PM
اقتباس:

العزيز آدم صيام ( ولضم درمان ) .. ياخى جننتنا ، اكون طالع او عاوزاعمل حاجه افتح موضوعك ده . اكرو تانى من اولو لى آخرو ، لا امرق ولا اقضى القرض . يومين تانى حأكون حفظتو . ياخى دى كتابه رائعه تخلى الزول يبقر .
لكالتحيه
شوقى






العم العزيز/ شوقي بدري

شكرا لكلماتك المحفزة
يسرني مروركم من هنا و أنتم سياد شهامة و للحكي جندو

بقرأ من شوقياتك وبعيد انتاجو بصورة أخرى عمو



-------------------------------------

بصورتكم دي بتعلقوا لي في رقبتي التزام بالكتابة وعدم التوقف المتكرر ولو برفقتي ( أطفال)!

وهاد ابراهيم محمد
18-04-2011, 03:31 PM
بصورتكم دي بتعلقوا لي في رقبتي التزام بالكتابة وعدم التوقف المتكرر ولو برفقتي ( أطفال)!

فليكن يا سيدي... فليكن..!

آدم صيام
22-04-2011, 05:30 PM
اقتباس:
فليكن يا سيدي... فليكن..!




شكراً سيدتي وهاد لمرورك الكريم من هنا

أوعدك أن أضيف الرقم (19) قريبا لا سيما أن هذه الأيام عطلة الإيستا

تقبلي تحياتي من هونج كونج البعيدة إلى الخرطوم الجنبكم

آدم صيام
24-04-2011, 11:10 AM
- 19-



انسربت داخل بلدة القطرون خائفاً أترقب لا ألوي على شئ غير الابتعاد عن الشاحنة حتى لاتقع عينا مالكها على جوازي المحرر تواً. سرت في شارع رملي ضيق ملتو حتى وصلت إلى فضاء أشبه بالسوق بعد انقضاء سامره ، اقتربت من شخص عرفته بحدسي أنه سوداني ، سلمت عليه و سألته ما إذا كان يعرف نزلاً للسودانين في هذه البلدة، فحملني إلى أحد منازلهم وسط مساكن شعبية لمسيرة دقائق لا أكثر. كان باب المنزل ذو المدخل الواسع مفتوحاً على مصراعيه ، ههنا جماعة تستأنس فيما بينها وهناك جماعة تقوم بإعداد الطعام، بعد أن سلمت عليهم استرجأوني السلام عرفاً على مقولة الطعام قبل السلام. فور انتهاء العشاء علمت أنهم وفدوا من شتى بقاع السودان بحثاً عن رزق، فمنهم من يعمل ميكانيكياً ومنهم سمكري سيارات وآخر فني تكييف وتبريد و آخر بناء ونقاش ومنهم فني تصوير.

بلدة القطرون تقع في عمق الصحراء الليبية من جهتها الجنوبية وهي آخر خط لمعالم التمدن في تلك البقاع إذ ينتهي عندها الطريق المسفلت والشوارع المنارة وخدمات البريد والترحيل المنظم. كانت القطرون فيما مضى واحة ذات شأن وصيت قبل أن تتطور وسائل الترحال وتغور مياهها التي تركت آثارها في أعجاز النخيل وبعض المنخفضات الرطبة.
دار الحديث فيما تبقى من ذلك الليل في معرفة وصولي إليهم تلك البقعة شبه المعزولة وعندما عرف الميكانيكي أني قد عملت مدرساً طرح عليَ فكرة مقابلة أمين التعليم بالورشة الذي سيأتيه غداً لتسلم سيارته اللاندكروزر فقبلت الفكرة - أغلب سيارات تلك المنطقة من ذات الدفع الرباعي لطبيعة الرمال من ناحية ولقدرتها على تذليل التجارة بين الحدود مع كل من دولة تشاد والنيجر.
ذهبت معه إلى ورشته المكدسة بماكينات السيارات بينما أرضية الورشة مغسولة بالجازولين وبقع شحوم السيارات. هناك ينتصب بلانكو ممسكاً بمكاينة سيارة وسلاسل جنازيره متدلية كيفما اتفق، هنا بالقرب من حائط الورشة حفرة مرصوفة بخطين متوازيين من الأسمنت لفحص وتغيير زيوت السيارات، بالقرب من باب الورشة مظلة للبنشر وتبديل إطارات السيارات بينما الأطر التالفة اتخذت شكلاً حلزونياً في شاكلة أسطوانة سوداء مفرغة. تجولت فحصاً في مكونات الورشة الصامتة حتى حضور أمين التعليم، رجل في مقتبل الشباب بينما المتعارف عليه في السودان أن أمين التعليم على الأقل في العقد الخمسيني من عمره متحاً للخبرة. بعد أن فحص سيارته واستلمها عرفني به الميكانيكي وعرض عليه فكرة استيعابي في التدريس لديهم، فوافق وطلب مني الحضور إلى المدرسة في الصباح مصحوباً بشهاداتي لإجراء التعيين واستلام وظيفتي. هكذا وجدت نفسي في اليوم التالي مدرساً بست وعشرين حصة ورفقة مدرسينِ سودانيين وتسعة مصريين و واحد صومالي اسمه أبتي.
سكنت في الأيام الأولى في منزل أصحاب الحرف العامر، ثم منحتني المدرسة نزلاً على تلة تقع غرب المدرسة ذات فضاء واسع وسور طويل، فجاورت هناك المتعهد في مقصف المدرسة الأسطى بسيوني المصري. كان بسيوني رجلاً في غاية التهذيب ونعم الجار. فقد لاحظني في كل صباح أن أول ما أتناوله هو فنجان من القهوة (المدنلكة) ولا أتناول أي شئ معه من الإفطار! فعاب علي ذلك، إلا أني لا أقوى على تناول طعام في الصباح الباكر، فقدم لي وصفة سحرية مازلت أسير على نهجها حتى اليوم وهي أن أعد في الصباح قطعة خبز محشوة بما تيسر من إدام وكوباً كبيراً من الشاي الخفيف قليل السكر فأقضم لقمة و أتبعها برشفة من الشاي وبعد الفراغ بمكنتي أن أتناول قهوة أو شاياً لزوم الكيف. فعلمت أن هناك فرقاً بين الشاي المشروب للكيف و الآخر المشروب لبلع الطعام.

آدم صيام
24-04-2011, 11:17 AM
تخذت في تلك النواح من فتى التكييف رفيقاً أتعلم منه عزف العود، فقد كان بارعاً في عزف العود وآلات موسيقية آخرى، إلا أن الظروف المفاجئة التي اجتاحته في القطرون عجلت بمغادرته إلى مدينة بنغازي قبل أن أعب منه حتى أبجديات كتابة النوتة الموسيقية.

التقيت في القطرون بالأستاذ/ عبدالله خالد البشرى، الرجل الفكه من أبناء الجزيرة أبا ، كان رجلاً ذا نكتة حاضرة كلما يلتقيني لا يبدأني بالسلام بل بآخر نكتة بلغت مسامعه. فقد ضاقت به القطرون حتى يمم صوب أنجمينا وقد خصني برفقته بدعوة من قنصل تشاد للذهاب لمساعدته في تقعيد التراث الشادي ولم ترق لي الفكرة. تعرفت عبر الأستاذ/ عبدالله على مدير الشرطة في القطرون وهو من قبيلة التيبو وقد أتاح لي الفرصة للتجوال معه في نواح القطرون وفيافيها وكل ذلك على سيارة النجدة ذات اللونين الأسود و الأبيض ومن على سقفها منبه المرور الأزرق والأحمر الأنوار. كان كثيراً ما ينتظرني خارج سور المدرسة لينقلني إلى منزله العامر بأمهات الكتب وقد طلب مني تلخيص بعض منها . ذات مرة طلب مني مرافقته إلى مزرعته شرق القطرون للتعرف على عجائب الإبل وصغارها. في الطريق المؤدية إلى المزرعة دارت بيننا قصص متنوعة عن عجائب الحيوانات، فقد ذكر لي أن حليب النوق يمتاز بمواصفات قل أن توجد في أي حليب آخر، كما أن الإبل تنشئ علاقات مع أصحابها من البشر تختلف كلية عن علاقات الحيوانات الأخرى بالإنسان. ذكرت له فيما ذكرت أن مملكة العناكب لها أسرار عجيبة في غاية الغرابة ، إذ ما أن يطأ ذكر العنكبوت أنثاه لا بد له من الهرب نجاة بنفسه ولسان حاله انج سعد فقد هلك سعيد، و إلا التهمته العنيكبة كما تلتهم طعامها! فرد علي محدثي بأن هذه الحالة توجد لها ما يماثلها عند البشر! كان ذات يوم متحرياً في شرطة مدينة سبها في قضية زوجة هندية قتلت زوجها الطبيب، وبعد سلسلة عديدة من التحريات التي قادها، عثر على اللغز الذي أدى إلى وفاة الطبيب . كان الطبيب يدون بصورة منتظمة حالة زوجته الغريبة لمدة تربو عن العشر سنوات، وهي بأنها أثناء الدورة الشهرية التي تنتابها تجتاحها ثورة عارمة لممارسة الجنس، ونسبة للمخاطر الصحية في ذلك فقد عمد زوجها في الليل إلى إغلاق غرفته عليه حتى تمر أيام الحيض ، إلا أنه أغفل في المرة الأخيرة إغلاق الباب وراءه فهجمت عليه زوجته ومع حمى الرغبة والممانعة انتهت المعمعة بأخذ حياته تحت مدية مستسلفة من المطبخ فأنهت سلسلة مدونته، ذكر العامة (أن الدقسة فيها اللحسة) وقد كان. إلا أن الأغرب من ذلك هو حكم المحكمة الليبية عليها بالإعدام.

بلدة القطرون لمن لا يعرفها تقطنها قبائل القطارنة الأصليين كما وتسكنها قبيلة التيبو . كانت أغلب الحوادث في القطرون بفعل شباب التيبو البدوية عندما يتبادلون الطعن بالسكاكين التي بحوذة كل شاب منهم فيبقرون بطون بعضهم لأتفه أسباب الشجار. في ذات مرة حمل بعض من شبابهم مكيفاُ مسروقاً من أحد المنازل وعندما ضيقت الشرطة عليهم الخناق تركوه أمام ورشة فني التكييف صاحبي، فما كانت من الشرطة إلا أن حملت الفني إلى قسم الشرطة وأوسعوه ضرباً بالفلقة، والفلقة وسيلة تعذيب إيطالية الاختراع مارسها المستعمر الإيطالي ضد الليبيين سابقا،ً يعلق فيها الشخص من رجليه إلى السقف ويوسع ضرباً حتى يفقد وعيه و ذكورته ، فقد أشرف مدير الشرطة بنفسه على تعذيب صاحبي حتى غادر القطرون من غير رجعة. ومن يومها قطعت علاقتي بمدير الشرطة و ما يمت للسلطة بصلة إذ أنه أصبح من ضمن قائمة اللا أمان لهم.

أمضيت عدة شهور في القطرون لم تبلغ السنة ثم غادرتها إلى مدينة تسمى مُرزُق إلى الشمال قليلاً، وقد عرفت أنها كانت مركزاً كبيراًً لتجارة العبيد فيما مضى. التقيت هناك بمدرسين سودانيين نصحوني بالذهاب إلى منطقة كانت تسمى وادي الموت وتم تغيير اسمها إلى وادي الحياة لتوفر العمل فيها بعقود مغتربين. فسافرت إلى قرية الأبيض وتم تعييني وثلاثة مدرسين آخرين بعد صلاة أحد أيام الجمعة. حيث أمضينا حولين ونيف كجزء من نسيج سكانها الطوارق، فقد كانوا في غاية الكرم مع الغرباء، لم يحدث أن قمنا بشراء مستلزمات الطعام من الخضروات والفواكه التي يزرعونها. فقد تقف سيارة محملة بالخضار على باب المدرسين ويشرع الطلاب في إفارغ حمولتها في منزلنا وما أن نستفسر و إلا رد علينا الأولاد بأن هذه أوامر والدهم ولا نقاش. فقد تحرش الزملاء الليبيون ذات يوم بي حتى كادوا أن يزوجوني الضابطة الليبية التي تعمل معنا في المدرسة. لم نبرح تلك المنطقة إلا بعد أن تم الاستغناء بصورة جماعية من المدرسين السودانيين والأطباء وأساتذة الجامعات وذلك بعد حادثة محاولة اغتيال العقيد القذافي في شرق البلاد وكان التفسير لهذه النكبة جاهزاً، بأن جيش السودانيين الذين يعملون في الجماهيرية ما هم إلا طابور خامس لحكومة السودان وعرابها الترابي لزلزلة النظام الليبي! فتم ترحيلنا في غضون شهر واحد بلا حقوق ما بعد الخدمة وتم تغطية الوظائف الشاغرة بمصريين في كل الميادين .
ذهبت إلى طرابلس العاصمة فتلقفني تجار السفر الذين زينوا للكثيرين فكرة جنة الله في الأرض التي تسمى سلطنة بروناي ناحية أرخبيل الملايو، وذكروا أنها من أغني بقاع العالم و أن الموظف فيها يتقاضى ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار شهرياً غير بدل السكن وبدل السيارة لعدم وجود مواصلات عامة بها.

آدم صيام
21-08-2011, 12:34 PM
(20)



مغادرة طرابلس الغرب


يرجع تاريخ هذه المدينة على الأرجح إلى العصور الفينيقية والرومانية حيث بناها الفينيقيون ضمن ما شادوا من مدن على ضفاف البحر الأبيض المتوسط وجزره وأسموها أويات بلدة الإله ملقارت. أهم ما يميز طرابلس هو وجود الطابية الحجرية ذات الفتحات الجانبية التي تزينها مدافع الحديد الصلب التي علاها الصدأ والفنارات المطفأة التي كانت في الأزل تهدي السفن التائهة والقراصنة على السواء. وإذا ما سلّمت مقود نفسك لقدميك لتنداح كيفما اتفق في المدينة القديمة لوجدت نفسك تسير في أزقة ضيقة رطبة تشبه الأنفاق المعروشة حينًا و المتروكة حيناً لشمس الظهيرة لتلقي بدنانيرها الذهبية عليها. أما إذا أمعنت في التجوال فستسير بلا شك على أنقاض مدن متراكمة بعضها فوق بعض وكأنما عدة مدن في المكان الواحد شيدت كل واحدة منها على أنقاض سابقتها. كل ذلك ويحييك بكل فخار قوس النصر التاريخي في المدينة القديمة وتشخص إليك بكل وقار ما تبقى من أسوارها وآثار بناياتها التالدة إمعاناً في حضور حقب الأزمنة الغابرة في تلافيف الزمن الحاضر.

سكانها سكان البحر الأبيض المتوسط المختلفة ألوانهم، فبمكنتك مشاهدة وجوه حمراء من الغال ووجوه بيضاء من النورمان ووجوه سمراء صحراوية ويندر أن تجد ما يمت لأصلها الأفريقي بذي صلة. إن أجمل ما في مدينة طرابلس عاصمة ليبيا هو مناخها المعتدل نوعاً ما والأشجار المتوسطية التي تحف بضواحيها وتتحاشي أواسطها.

بالقرب من الساحة الخضراء الرئة اليتيمة في قلب المدينة التي تطل على السماء المفتوحة تتناثر بعض المقاهي ويتجول كثير من السماسرة ولا سيما سماسرة السفر. السفر إلى أوروبا عبر المراكب المحفوفة بالمخاطر إلى جزيرة مالطا والسفر إلى سلطنة بروناي التي ذكر أحد سمسارة السفر أن بروناي هي جنة الله في أرخبيل الملايو، سلطانها من أغنى سلاطين المعمورة وسكانها بضع ألوف لدرجة انعدام المواصلات العامة فيها، وفي حاجة ماسة لمدرسي الثانويات وخاصة من البلدان العربية، فقد نما إلى مسامع الكثير أن الراتب الشهري للمعلم هناك قد بلغ ثلاثة ألف وخمسائة دولار بروناي خلافاً لبدل السكن وبدل السيارة. أكد على هذا القول وشدد عليه شخص ماليزي بزعمه مندوب لسفارة ماليزيا في ليبيا و بطرفه نفر غير قليل من ممثلي وكالات السفر الأسطورية التي تغز المكان جيئة وذهاب.

ما كان لنفر سوداني مثلي مغلوب على أمره تم الاستغناء عنه دون مستحقاته قبل أن يحصل على شطر من حليب ليبيا وشطيرتها، ووطنه محروس بالقوائم السوداء منعاً للسفر لمن يسوى ومن لا يستحق وخميس من المواطنين مغضوب عليه تم تشريده ببند العطالة القسرية اسمه الصالح العام أن لا يسيل لعابه لفكرة السفر، وفوق هذا و ذاك فإن السفر البعيد والترحال أصبح متلازمة لا تفارقني ولمّا تمض بعد على رحلتي في قلب أفريقيا بعيد فترة. فقد بات من الصعب للمرء أن يقاوم مغريات تجار السفر الذين يزينون ما يقولونه بتأكيدهم على إعداد تذاكر السفر والتأشيرة في غضون ساعات وقبل استلام قيمتها.

أمضيت ليلتي تلك مع بعض الطلاب السودانيين في جامعة طرابلس، الجامعة التي تظللها أشجار الزيتون المثمر ويتحكم فيها طلاب اللجان الثورية نتادرس أمر السفر حتى استقرت نفسي إليه، ثم حزمت أمتعتي ويممت شطر الميناء بعد أن استلمت تذكرة باخرة - ذهاب وعودة - من ميناء طرابلس إلى مالطا وذلك نسبة لسريان قرار حظر الطيران فوق سماء ليبيا وتذكرة طيران أخرى على الخطوط المالطية - ذهاب وأوبة مدتها سنة ولا ترد- عندما تسلم ناصيتك لتجار السفر فإنما تسلم خياراتك المتاحة فسيملون عليك شروطهم من غير رحمة ولا عزاء للبؤساء والمغلوبين على أمرهم. سجلت على دفتري أهم المحطات التي سأمر بها وأهم العناوين والشوارع التي ستحط بها مركبتي.

في صباح يوم صحو تم حشرنا الواحد تلو الآخر في باخرة ضخمة كأنما معلقة بأشطان في السماء وتم إلغاء إقامتي بختم الخروج النهائي وكذا تم استلام جوازي ومنحني القائمون على أمر الباخرة مفتاحاً مرصعاً برقم يشير إلى غرفتي التي سوف أقضي فيها ليلتي لأغدو على مشارف جزيرة مالطا ولربما لأقمت الأذان فيها دونما فائدة.
من حسن حظي أن تحاشاني دوار البحر واستفراغاته المفاجئة فأمضيت ليلتي بمعية أحد مواطني في غرفة واحدة قضى ليلته في سب الحكومة والإسلام اثنتيهما. في اليوم التالي لاح من على البعد مرتفع كأنه تلة أو رابية عليها آثار عمران دارس وهي تستحم بأشعة الشمس الصباحية وتتنسم عبق البحر الرطيب، كان ذلك منظر جزيرة مالطا لكونها من على البعد لا تبدو غير قلعة قديمة باهتة اللون تكسو قدميها جوارباً من الطحالب وتتوسد البحر في استرخاء طويل. علت صافرة ثم لحقت أخرى واتجهت الباخرة إلى الميناء بينما الركاب مشغولون بحزم أمتعتهم إيذاناً بمغادرتها.

آدم صيام
21-08-2011, 12:38 PM
انتظم الركاب في طوابير للحصول على تأشيرة الدخول إلى مالطا، إلا ما لم انتبه له هل كانت جوازاتهم معهم أم استلموها عند الخروج؟ عندما وصلت إلى ضابط الجوازات لم يسلمني جوازي بل أشار إلي أن أنتحي جانباً! مكثت واقفاً حتى نزل من على السفينة آخر مسافر، فكان المحتجزون عبارة عن نفر من السودانيين وشخص عراقي وآخر سوري تم شحننا في سيارة دورية الشرطة ذات الشبك الداكنة الزرقة ليتم إفراغنا داخل صالة المغادرة بمعية امتعتنا. هنا كثرت التكهنات عن سبب تصرف الشرطة المالطية بهذه الصورة غير اللائقة معنا ، فمنا من أرجع ذلك التصرف إلى أن دولنا مدرجة في قائمة الإرهاب وفسر آخر الأمر بأن قد سبقتنا في رحلة بحرية مماثلة ثلة من السودانيين بأسرهم وطلبوا اللجوء في مالطا فاحتاطت السلطات لعدم تكرار مثل هذا العمل. مكث أربعتنا السودانيون في المطار قرابة العشرة ساعات داخل صالة المغادرة ونحن نجتر الملل ونتدثر بالضيق بينما اجتهدت أن أحصل على مبالغي المالية التي أودعتها في أحد البنوك المالطية دون طائل. غادرت بنا طائرة الخطوط المالطية في اتجاه الشرق وكان نصف ممر إقلاع الطائرة في اليابسة ونصفه الآخر في فضاء البحر وقد شاهدت فيما شاهدت من رحلتي الفضائية من ضمن المناظر الليلية المشعة على الأرض أنوار مدينة القاهرة وبهرة الأنوار المندلقة من الظهران في شرق السعودية ثم حططنا في مطار دبي.

لم يكن الترانسيت في دبي أسعد حالاً من مالطا فقد تم سجننا في مطارها لمدة أربع وعشرين ساعة التقينا خلالها في صالة المطار بوفد رسمي زائر من السودان في مهمة مؤتمر في بعض الأصقاع، و تم نصحنا بأن لا نعود بتاتاً إلى السودان فقد أصابه الخراب واستوطنه الدمار. في تكملة مسيرة رحلتنا أقلعت بنا طائرة الخطوط الإماراتية الأيرباص ليلاً ولما نمض كثير وقت حتى أطلت علينا شمس الصباح، هكذا تقلع من الأرض ليلاً لتجد الشمس في السماء وتهم بالصلاة فتجد القبلة قد تحولت مائة وثمانين درجة إلى الغرب! كان أغلب الركاب الذين من شبه قارة الهند وما جاورها يتصارعون مع أمتعتهم داخل كابينة المسافرين ويتصايحون مع أطفالهم الكثر محدثين جلبة قل أن يحتسبها المرء أن تحدث بالقرب من قبة السماء، فقد تعود الإنسان على رؤية السماء ليلاً صافية يجللها الوقار ويحفها السكون.


هبط طائرنا الميمون في مطار دكا عاصمة بنغلاديش، المطار الذي تغمره المياه وتسبح فيه الطائرات والجاموس في بركة واحدة. وبعد أن نزل ركاب وصعد آخرون توجهت بنا الطائرة في اتجاه القطب الجنوبي لنعبر فوق جبال مغناطيسية قرابة النصف ساعة والطائرة كأنها تغلي في مرجل حتى حطت بنا الطائرة في عاصمة ماليزيا كولالمبور وما أدراك ما كوالالمبور.

عكــود
21-08-2011, 08:56 PM
العزيز آدم صيام،

صياماً مقبولاً إن شاء الله.

رغم إنقطاعك عن المواصلة لفترات، لكنّي لم انقطع عن تجرّع متعة القراءة لك؛
وبعض تجرّعي إجترار.

لك كل التقدير و متّعك الله بالجمال.

آدم صيام
23-08-2011, 05:58 AM
الحبيب الكريم/ عكـــــــــود
تحية رمضانية خاصة
اسأل الله أن يتقبل صيامنا جميعاً ويحقق الأماني

بمشيئته تعالى (تعويضاً لما انقطع، سأنكرب في هذا الشهرلإضافة العديد من المقالات)
تجدني ممتناً لظنكم الطيب بي

اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ خَالِصَاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ

طارق صديق كانديك
25-08-2011, 01:27 AM
الحبيب الكريم/ عكـــــــــود
تحية رمضانية خاصة
اسأل الله أن يتقبل صيامنا جميعاً ويحقق الأماني

بمشيئته تعالى (تعويضاً لما انقطع، سأنكرب في هذا الشهرلإضافة العديد من المقالات)
تجدني ممتناً لظنكم الطيب بي

اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ خَالِصَاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ

العزيز ادم صيام

مساء الخير

طولت الغيابات ياخي عساك غانم ..

اشتقنا حرفك يعلم الله

كن بخير

لك المودة

آدم صيام
27-08-2011, 05:47 PM
الحبيب/ طارق صديق كانديك
تحية طيبة

عساكم أن تكونوا بخير وصحة
طولت والله دونما سبب معلوم
عسي أن أواصل ما انقطع

رمضان كريم وتقبل الله صيامكم والدعاء

آدم صيام
27-08-2011, 06:11 PM
(21)


هبطنا في مطا ر ماليزيا القديم ثم تتبعنا ممراً طويلاً يشبه البيوت الزجاجية بحثاً عن ثقب جوازات أملاً في التحلل من وعثاء السفر، إلا أننا عثرنا على كافتيريا براح فمكثنا فيها وقتاً لتناول بعض الأطعمة الساخنة والمشروبات، بعدها استأنفنا المسير وكأنما نريد دخول المدينة مشياً على الأقدام، فقد اتضح أننا تجاوزنا بوابات الخروج مراراً دونما ندري، وأخيراً عثرنا عليها في الطابق الأسفل.

بلغ في لحظة وقوفنا أمام منافذ الجوازات عددُ السودانيين القادمين من شتى بقاع الأرض إلى ماليزيا أكثر من أربعة عشرة سودانياً، منهم من انطلق من كييف في أكرانيا وأخر أقلعوا من ليبيا بنفس خط سيرنا مع فارق الإقلاع والترانسيت وجاء غيرهم من دول شتى، فكان ذلك مدعاة ً لإدارة هجرة ماليزيا أن تشكك في وصول كل هذا الجيش السوداني العرمرم إلى ماليزيا في آنٍ واحد، لا سيما أن خبرتهم اليومية توفر لهم رصيداً يفيد بأن السودان ليس له كبير حظ في السياحة أو في الملايو البعيدة إلا من خلال نشيد (باندونغ الفتية وفتى اسمه ناصر).

صاح أحد رجال الشرطة بقوله هؤلاء جاءوا للعمل في ماليزيا! مخاطباً مديره.
رجال الشرطة في ماليزيا يتزيون بزي رجال شرطة نيويورك الأزرق ومدججون بمعدات متنوعة و حديثة كما أن جسومهم بأحجام (الصحابة!) وحتى علم بلادهم لو لم تحقق فيه ملياً لحسبته علم الولايات المتحدة الأمريكية. خرج بعض الرفاق من دورات المياه يعلو وجوههم امتعاض بأن أحد رجال الشرطة تحرش بهم جنسياً بل قدم رقم هاتفه لمقابلته في وسط المدينة. لم نك نعلم آنذاك ونحن القادمون من مجاهيل أفريقيا أن أجناس العالم البشرية في العديد من بلدان جنوب شرق آسيا قد أضيف لها جنس ثالث سموه القيز أو الليدبويز. هذه الظاهرة ملفتة بصورة لا لبس فيها مقارنة بمطارات الدول الأخرى، الملاحظ عندما استقررنا في ماليزيا طالعت خبراً عبر وسائط الإعلام المحلية مفاده أن مجموعة من الليدبويز الماليزية أدت مناسك الحج في الأماكن المقدسة في الحجاز.

وصلنا إلى قسم الجوازات وبعد أن تم التحقق من صحة التأشيرة و تذكرة العودة وسريانها والمبالغ المالية برفقة كل مسافر، لم تشفع كل هذه الامتيازات فاستدعت الشرطة مناديب وكلات السفر إلى داخل الصالة لإعادة الحجز لمدة شهر واحد بعد أن كانت التأشيرة الممنوحة لمدة شهرين قابلة للتجديد. مسافر واحد رفضت إدارة الجوازات دخوله بحجة أن جوازه مكشوط مع العلم أن الكشط في جوازات السودانيين تقوم به السلطات الرسمية دونما تردد.

آدم صيام
27-08-2011, 06:30 PM
أمضينا يومين في المطار نصارع من أجل الدخول إلى ماليزيا وكأنما بخروجنا إلى فضاء مدينتها سنكنس دنانيرها المسماة (رنجت)من شوارعها و أزقتها لنرجع في ليلتنا تلك.
انطلق بنا سائق تاكسي إلى قلب المدينة مقدماً لنا العروض المتعددة من خيار النزول في فنادق رخيصة وبخدمات جنسية رخيصة وفنادق متوسطة الأسعار و أخرى غالية، فطلبنا منه فندقاً نظيفاً ورخيصاً في وسط المدينة نسبة لأن مهة شاقة تنتظرنا في الصباح التالي. لقد انتابتنا حالة من الحذر تولدت من المعاناة التي واجهناها في المطار و مفارقات شرطة المطار وعروض سائق التاكسي فقد آثرنا أن نمضي ليلتنا في غرفة واحدة دون أن نغير ملابس سفرنا، بل كل واحد توسد حقيبته ودخل في نوم عميق حتى أيقظتنا شمس كاوية على جباهنا في أول صباح لنا في كوالالمبور التي تشرق فيها الشمس أول ما تشرق بدرجة حرارة تبلغ 35 مئوية.


هبطنا مسرعين إلى الشارع وفي مدرج نزولنا المتسخ عفصنا على أكوام من علب وزجاجات البيرة الفارغات وقذفنا بقاذورات و مخلفات اعترضت سبيلنا ثم أوقفنا تاكسي وانطلقنا نحو سفارة بروناي الواقعة في جلان تون رزاق – شارع تون رزاق – هناك تأكد لنا صحة ما جئنا من أجله فقمنا بملء استمارات التقديم و أرفقنا معها صور الشهادت والخبرة. ثم أفادونا بأن لاداعي لمتابعة البعثة لمعرفة النتيجة فستصل النتيجة إلى العنوان البريدي لكل واحد منا، وعندما لم يكن لنا عنوان بريدي غير النُزُل الذي أمضينا ليلتنا فيه والذي اتضح لنا أنه من أشد المواقع قذارة و إجراماً في قلب المدينة امتنعت البعثة عن قبول ذلك العنوان حتى عثرنا عبر الهاتف على عنوان من إحدى الجامعات فتم قبوله.


في بحر هذه السنة من الانتظار، جربت عدة أعمال حتى أحافظ على بقائي ريثما تنجلي الوظيفة الخلابة، كانت تكاليف الحياة غالية وقد ساوى الدولار الأمريكي آنذاك 2,5 رنجت.أول مشكلة جابهتني هي رائحة الطعام الماليزي الغريبة، ما أن تدخل رائحته المشكلة خليط من الأطعمة البحرية والفواكه الملاوية والفلفل الحار والسكر المطبوخ بزيت النخيل إلى أنفي حتى أصاب بالغثيان وانتفاخ البطن فلجأت دهراً إلى الأكل من مطاعم الماكدونلاز وكي اف سي حتى فرغ جيبي من الرنجت الماليزي الذي يتبخر سراعاً بتبخر مائة دوار أمريكي في مدة يومين علاوةً على تكاليف الخروج شهرياً إلى الحدود لتجديد التاشيرة والعودة.


ماليزيا تقع في أقصى الجنوب الشرقي من قارة آسيا وتبعد ثلاث درجات فقط عن التنور الذي تغلي فيه الشمس عند خط الاستواء، تجاورها كل من مملكة تايلاند في الشمال وأندونيسيا وسنغافورة في الجنوب ومن الشرق بحر الصين والفلبين وسلطنة بروناي دار السلام. سكانها معظمهم من شعب الملاوي المنتشر في كل من أندونيسيا وسنغافورة وماليزيا وجنوب تايلاند كما وبعض من سكانها وبنسب متفاوتة انحدر مهاجراً من الصين وتاميل الهند وقليل من شعوب شبه الهند الصينية.يزعم الكثيرون أن ماليزيا حازت على تقدمها الملحوظ بسبب الانسجام والتناغم الذي تتمتع به بين شعوبها وهذا القول مع صحته إلا أنه غير دقيق، إذ أن المواطن الماليزي (بنبوترا) هو على قمة الهرم السكاني، كما وقد تم سحل الصينيين في عام 1969 حتى سالت شوارع جلان شوكت دماء وذلك فور فوز كتلة الصينيين في الانتخابات، أما التاميل فهم في آخر التسلسل الاجتماعي . أذكر أن كنتُ متجولاً في جزيرة بينانغ التي تقع في شمال ماليزيا لحق بي مواطن ماليزي من أصل التاميل وسألني ما إذا كنت أمريكياً وطلب مني نقل شكوى التاميل إلى الإعلام الأمريكي بأنهم يعانون من الاضطهاد، وها أنا أبر ببعض من طلبه بعد تأخر.


تتمتع ماليزيا بطبيعة استوائية ساحرة وشواطئ لازوردية خلابة من جهة المحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي وتغطيها عن آخرها الخضرة وتغدق عليها السماء مطراً مدراراً تبلغ مدته الستة شهور.


الماليزيون من أكثر الشعوب الإسلامية تمسكاً بأركان الإسلام فما أن يبلغ الفرد منهم سن الثلاثين و إلا قد قام بفريضة الحج، فللحج برنامج في ميزانية الأسرة منذ نعومة أظفار صغارها عبر صندوق يسمى صندوق الحج ثم يمر عبر تخصيص الدولة لدورات تدريية في الحج وحتى الانتهاء والعودة من أداء الفريضة. أما بخصوص الصلاة فإن مساجدها على امتداد ولاياتها التسع تقسم مناصفة بين الذكور والإناث، علاوة على أن الحكومة أنشأت أمانة إسلامية (جبتان إسلام)تتضمن قسماً لمصارف الزكاة تمنح لكل من يستحقها من الأصناف الثمانية نصيبه ولو من أقصى بقاع الأرض.


أذكر ذات يوم بعد ما انصرمت أيام تأشيرتي نصحني بعض الإخوة بالذهاب إلى الحدود لاستصدار تأشيرة جديدة مؤكدين لي أن قد انتهت جميع فرصي في الحصول على تمديد من قسم الجوازات بعد مدة الشهرين وثلاثة أسابيع، فما كان إلا ركبت رأسي وارتديت جلباباً سودانياً خالصاً بعمامة وملفحة ومركوب أبيض وتوجهت إلى إدارة الهجرة، وما أن دخلت وتوجهت إلى الصفوف الطويلة حتى وقع بناظري ضابطة جوازات لا تخطئ العين ملاحتها، طلبت مني مقابلتها في شباك غير مزحوم، وعندما سألتني بماذا تساعدني، قلت أريد تمديد تاشيرتي لانتظاري موعد في سفارة بروناي، فمنحتني شهراً دون أن ألحف في برهنة أمري بعد أن علمت من أي البلاد أتيت. في طريقي إلى النزل جلست في الحافلة بالقرب من شيخ وقور بادرني كذلك من أين أتيت، وعندما أجبته، أظهر إعجابه بزي الوطني ونعتني بأني من أبناء الصحابة. لما تنته عجائب ملبسي حتى قابلني ذات يوم شخص اسمه عيسى أمريكي الجنسية وظل يتعقبني منادياً حتى أوقفني وسألني عن بلادي؟ وعندما علم موطني طلب مني أن أدله على هذا النوع من الملابس لرغبته في زي أفريقي خالص، ثم أعطاني عنوانه وتلفونه للاتصال به، وقد علمت أنه حضر إلى ماليزيا بغرض التجارية وأسلم وتزوج منها.

آدم صيام
06-10-2011, 06:30 AM
(22)


حاولتُ تدريجياً التأقلمَ مع الطعام الماليزي واكتفيتُ في البدء بتناول شاي الصباح (تي تاري) ذي الرغوة المنشور في الهواء مصحوباً بقطع الزلابية الطويلة وأمّا في الغداء فاكتفيتُ بوجبة الـ(ناسي قورينق) لرخصها ولمكوناتها المعلومة من الأرز والبيض وقطع الدجاج. اتخذت من إحدي المواطنات ذات الجذور الباكستانية التي تدير مطعماً شعبياً مع زوجها زبونةً لي. كان ذلك المطعم منتدىً مصغراً يجمع لفيفاً من الغرباء الذين انتهى بهم الطريقُ إلى مَيعةٍ ذي ماء والباحثين عن مجد لا تُرى بوراقه.

وللاحتيال على وسيلة للبقاء نصحني بعض الرفاق بالتقديم لرسالة الماجستير في إحدى الجامعات الماليزية للحصول على إقامة طالب حتى أخفّف من نزيف السفر الشهري خارج ماليزيا بحثاً عن تأشيرة وقد فعل ذلك الكثيرون من طالبي الإقامة لينتهي بهم المطاف من طالبي إقامة طلابية إلى حاملي لقب الشهادات العلمية الرفيعة. قدمت لنيل الماجستير وقلبي معلق بين محاصرة شرطة الجوازات الماليزية (المارينز) و أمل الاستراحة من وعث السفر الشهري، فتم منحي مقدماً غرفة وكوبون طعام في جامعة ملايا وقد قابل ذلك شهر صيام فانتاباني ضرساي المحشوان من لدن صديقي طبيب الأسنان المصري في ليبيا بما لا يُحمد. وعندما ذهبت لخلع أحدهما لامني طبيب الأسنان الماليزي حد التقريع على التناقض في حمل اسم صيام ولا أطيق الصيام، وعندما أعربت له بأن حالتي داخلة في أهل الأعذار لم تعجبه إجابتي فأفحمني بـ -وأن تصوموا خير لكم- أمضيت شهراً حتى تم رفض قَبولي بها فتعلقت بقشة أخرى وهي أن لاحت على الأفق فرصةٌ للتدريس في ولاية كلنتان في الساحل الشمال الشرقي فتأبطتُ أوراقي ويممَّتُ ناحيتها.

أذكر فيما أذكر أن مررنا على قلب عاصمتها وعندما هممنا بقطع الطريق حاصرتنا السيارات والدراجات النارية والمارة عند أحد دوار السيارات فكادت أن تتوقف الحركة لاندهاش الناس من رؤية أشخاص سود طِوال في قلب مدينتهم ، حتى أن أحد مرافقي امتعض وتمعَّر وجهه من بحلقة الناس فينا فأردت أن أخفف عنه بقولي إن الحق معهم إذ لربما لأول مرة يرون بشراً بهذي المواصفات المغايرة لِما ائتلفته عيونهم، فانتهرني حتى شعرتُ بأني أنا من أوعز لهؤلاء الناس بمشروعية البحلقة فينا. سارت عيون الناس مشايعة لنا حتى أدخلتنا إلى إدارة التعليم هناك فوجدنا مجموعة من المدرسين الأردنيين يتمتعون بما لم يتمتع به العلماء إلا أن حظنا الدقيقي على وصف شاعرنا إدريس جماع لم يوفر لنا فرصة بينهم فرجعنا أدراجنا بأخفاف حنين نلوك:

إنّ حظــــــــي كدقيقٍ
فوق شـــــــوكٍ نثروه
ثم قالوا لحفـــــــــــاةٍ
يوم ريحٍ أجمعــــوه؟
صَعِبَ الأمرُ عليهـم
ثمّ قالوا اتركـــــوه؟
إنّ منْ أشقاه ربـُّـــه
كيف أنتم تسعــدوه!

آدم صيام
06-10-2011, 06:37 AM
ظلت الآمال تصرع إحداها الأخرى حتى برق لنا آخر وهو أن كوريا الجنوبية قد فُتَّحت أبوابها وقالت هيت لك ولا يحتاج المسافر إليها غير مبلغ ألف دولار صحبة راكب وتذكرة ذهاب وعودة، وقد ذلَّل الله لنا ضابط شرطة مُحال إلى المعاش المُكنّى بالصالح العام تبرّع بالقيام بكامل النفقات على أن تُردَّ له أمواله بعد الاستقرار والعمل في مصانع الكوريين. شرعنا في تهيئة أنفسنا للرحيل وقمنا بتخيُّر ملابس السفر الأنيقة والساعات المطلية بماء الذهب وربطات العنق الحرير، فقد بلغنا أن الكوريين والكثير من دول جنوب شرق آسيا لا تمنح دخولها لحامل تأشيرتها بالطرق الرسمية فحسب بل من خلال الملبس والمظهر إذ لم يبلغهم قول شاعرنا (الناس في العروض لاتقسها بثيبانها). سافر الفوج الأول من جماعتنا وتكلَّل وصولهم بالنجاح حتى أنهم أبرقونا بالوصول الميمون، وما أن أعددت حقيبتي لساعة الرحيل صوب سيئول حتى حطَّ أحد المعلمين السودانيين في نزلنا يبحث عن مُعلِّم في ولاية نقري سِنبلانغ التي تبعد تسعين كيلاً عن العاصمة على باب السرعة، فانتشلني انتشال الغريق في لجة آماله العراض وبين ليلة وصباحها أضحيتُ من ضمن طاقم التدريس في مدرسة ناحية باتُو كِيكِر جمعوا فيها المرحلة المتوسطة والثانوية وداخلية للبنين والبنات بطاقة تشغّل جامعة مهولة مقارنةً بعالمنا النكيبة. للمدرسة موقف مخصص لسيارات الطلاب والدراجات كما وتوجد لافتات مخصصة لسيارات الإدارة والوكيل الأول وحتى الثالث والمعلمين بأسمائهم الوظيفية. إلا أن حديقة المدرسة النباتية تعتبر عالمٌ آخر إذ تتمتع بمساحة خمسة أفدنة ويزيد، تعزف فيها جوقة موسيقة بصحبة الضفادع العملاقة و السلاحف والتماسيح وثعابين الكوبرا وأما غابات البامبو السامقة والأشجار المدارية الضخمة تقوم بمهمة تظليلها فتحجب عنها الشمس وتأذن للنسيم على غرار وصف حمدونة الأندلسية لوادٍ في الفاندلس حين قالت:

وقانا لفحةَ الرمضاءِ وادٍ
سقاه مُنعّمُ الغيثِ العميمِ
نزلنا دوحَه فحنا علينا
حنوَّ المرضعاتِ على الفطيمِ
وأرشَفنا على ظمإٍ زُلالاً
ألذَّ من المدامةِ للنديمِ
يصدُّ الشمسَ أنّا واجهتنا
فيحجُبها ويأذنُ للنسيمِ
تروعُ حصاهُ حاليةً العذارى
فتلمِسُ جانبَ العقدِ النظيمِ

تضم الحديقة النباتية فيما تضم أكبر الفراشات على البسيطة و أضخم الزهور الطبيعية على سطح الأرض كما أُعدت فيها متكآت أسمنتية متناثرة تتخللها مجسمات لعش الغراب والطاولات المتخذة تجاويف كتل الخشب وخطوطها ومعامل نباتية وحيوانية وجيلوجية. لتلك المدرسة الريفية ريع من المساحات و المكاتب غير المستخدمة تقوم بتأجيرها و تحصل منها على ميزانية مقدرة، لمّا تمض على وظيفتي الجديدة ستة أشهر حتى حلت الأزمة الاقتصادية عام 1997 التي اجتاحت دول نمور آسيا المتنامية فقررت الحكومة الماليزية وقف تعيين الأجانب تخفيفاً لوقع الصدمة الاقتصادية فتحولتُ من تلك المدرسة العامرة إلى عامل في المطار الجديد بوظيفة حداد مسلح مخالفاً لقوانين العمل الماليزي بالعمل بتأشيرة سائح اعتمر خوذة صفراء وبرجلي بوت مهول أما جيوب وفتحات أبرولي الكاكي معلقة فيه أسلاك وزرديات وكماشات بأشكال مختلفة ومتر قياس لزوم الإستيل فكسر Steel Fixer.

آدم صيام
06-10-2011, 06:41 AM
كان رئيسنا المقاول يدعى مُورقيا، تاميلي الأصول ضخم الجثة حالك السواد ذي لمعة، شعر رأسه أبيض كنتف القطن مشعر يلبس فنلة بيضاء ورداء أبيض بصورة مستديمة يعلق في صدره نياشين لا يمكن أن تجدها إلا عند المحاربين القدامى، وبقوله منحها له سلطان سلنقور لبطولاته الوطنية وبلائه غير النظير. كان مرحاً على الدوام ويستخدم أسلوباً مسرحياً في إنجاز عمله لكونه من الأعمال الشاقة فتعلمتُ منه تلك الصَّنعة في غضون أسبوعين وعندما تحدى مجموعتنا العمالية التي تتألف من سودانيين وغانيين بأن سيمنحنا مقطوعية عمل لصنع خمس هياكل من السيخ ومتى ما انتهينا رجعنا إلى منازلنا مبكراً بدلاً من الوقوف تحت صهد الشمس من الثامنة صباحاً وحتى السادسة مساء فقبلت التحدي على مضض وفي اليوم التالي ما أن بلغت الساعة منتصف النهار حتى سلمته مجموعتي الصناديق الخمس التي تستخدم لكابلات ليصب فيها الأسمنت تحت الأرض .

عندما انتهى عمل المقاول مورقيا عرفاناً منه أسلمنا إلى مهندس هندي آخر إلا أنه على النقيض تماماًَ فقد كان على الدوام يبتزنا بأنه يجب الخضوع لشروطه ولا ننسى بأننا نعمل مخالفين لقوانين البلد، كما أنه تماطل في دفع أجورنا التي يجب أن تُدفع لنا كل أسبوعيين بأن مَنَّى الجميع بزيادة الأجور إذا ما أكملنا أربعة أسابيع لنستلم أجورنا كاملة. إلا أني شككت في كل أقواله فطلبت منه دفع أجورنا لنستمر، فجمع بقية العمال وطلب منهم عدم السماع لي، وعندما أعيى حيلة وضعهم بين خيارين الوقوف معي أم الاستمرار في العمل معه على مقولة جورج دبليو بوش: (معنا أو ضدنا) فاختاروا الاستمرار على أملٍ مشكوك في أن يجمعوا مستحقاتهم آخر الشهر كاملةً. أمّا شخصي الضعيف فقد تم إيقافي وحاول المماطلة في تسديد مستحقاتي فلم أجد له بُداً غير تهديده بنقل قضيتي إلى السفارة السودانية بينما أعلم في خلدي جيداً أنْ لو علمت سفارتي لأمرت بترحيلي على أهبة السرعة بدل انصافي فخاف الرجل وأمر لي بحقوقي وغادرت إلى العاصمة وظلت تتردّدُ في أسماع عماله وصفه لي برجل السفارة THE EMBASSY GUY.

تمكن ذلك المقاول من تخدير العمال أسبوعاً إثر أسبوع حتى أكملوا شهرين ثم اختفى نهائياً دون صرف مليمٍ واحدٍ لهم، فتألمت لمعاناتهم وسكنهم في تلك الغابة الاستوائية التي من كثافتها والتفافها يمتلئ سكن العمال الواقع في وسطها بالحشرات عن آخره كل يوم، وعند أوبتنا من العمل المنهك بدلاً من طهي طعامنا نبذل وقتاً مقدراً في إزالة تلك الحشرات ذات الرائحة النفاذة ولا ندري كيف دخلت إلى الغرف رغم انسداد نوافذها بالزجاج المحكم، فضلاً عن معاناة مطاردة شرطة الجوازات لنا في الأحراش، وفي مرة بينما كنا نقود سيارة الشركة التي تعلّم فيها أغلب العمال القيادة إذ نسمع صافرة إنذار من خلفنا و أنوار النجدة تتناوشنا فقفزنا قفز القرود من على ذلك اللوري وهو سائر واختفينا في أحراش لم نتمكن من الخروج منها بعد انصراف الشرطة إلا بشق الأنفس.

آدم صيام
12-10-2011, 08:32 AM
سكانها معظمهم من شعب الملاوي المنتشر في كل من أندونيسيا وسنغافورة وماليزيا وجنوب تايلاند

الصحيح: الملايــــــو





اعتذار عن هذا الخطأ

آدم صيام
13-10-2011, 04:18 PM
http://www.youtube.com/embed/whsDBGf1q6g


تــــراث ماليـــزي

لاحظ للغة المنطوقة والمكتوبة

آدم صيام
13-10-2011, 04:31 PM
http://www.youtube.com/embed/CnCDwtv-bdg




خاتف جنسين(ليدي بويز، شي ميل،قيز) من ماليزيا

آدم صيام
20-10-2011, 09:49 AM
(23)



رجعتُ إلى زبوني الباكستانيين أتناول من عندهم وجبة الناسي قورينغ حتى آب زملائي العمال من أحراش المطار بخفي حنين. إن لتلك البلاد ناموساً لا يصيب بالملاريا و إنما بمرض عضال يسمى الحمى اليابانية أو الدنقي فإن مُصابه ما لم يبلغ الطبيب في غضون ثلاثة أيام فلا محالة مفقود، لقد كان مرض الدنقي المرعب أشد من الطاعون فقد تندر به الإخوة لدرجة أن أحد الزملاء تجرأ على هذا المرض بقوله إنه بصدد تأليف رواية باسم (الحب زمن الدنقي Love in the time of Dengue) على غرار الحب زمن الكوليرا وقد توفي بعض العمال بينهم عمال مصريين كانوا يعملون في شركة مصرية في المطار التي انتقلتُ إليها كذلك لفترة عاملاً وكل مهمتنا تنحصر في سحب كابلات مهولة عبر الأنفاق لتوصيل الكهرباء والمعلومات. كانت بجوارنا شركة يابانية تعمل في المطار وكلّما لمحنا اليابانيون ونحن نسحب تلك السلاسل بـصيحات هيلا هوبا هيلا يتعجبون منّا ويتساءلون هل هذه هي نفس الطريقة التي تمت بها بناء الأهرامات!

أغلب العاملين في ذلك المطار بدون عقود عمل لذا تبددت أموالهم في التاشيرة الشهرية بسبب الخروج والعودة كما أن طبيعة العمل الشاق تجعل صاحبها ينفق الكثير من أمواله طلباً لقتل التعب في العطلات بينما شخص واحد أطلق عليه العاملون لقب (رنجت) ظل يكدس الرنجت تلو الرنجت ولم يبرح ذلك النفق إلا عندما هم بمغادرة ماليزيا نهائياً فجمع أموالاً مقدرة إلا أن طيبته أوقعته في كلاب بشرية لم يتركوه إلا بعد أن هرفوا كل ما عنده من نقود، هكذا يجمعها النمل ويطأها الفيل.

تعرفت في مطعم الباكستانية على سعيد المغربي وكانت تجمعني به أكواد مشتركة متحناها من على هامش فترة أمضيناها سويةً في ليبيا فكنَّا نتسامر باللهجة الليبية من الحين إلى الآخر. ذات يوم قَدِم إلينا شخص يده مكسورة ومتصلبة بعد أن أزال عنها جبص المستشفى فظلت متيبسة بلا حراك و أصبحت عاهة مستديمة إلا أن سعيداً طلب منه إحضار كيلو لحم بقري ساخن كل يوم ونصف دستة من البيض وتكفل بإرجاع يده المتيبسة إلى سيرتها الأولى، لم نصدق سعيداً بما قال، إلا أن ذلك الشخص المحتار اتّبع تعليماته بحذافيرها فكان يحضر شريحة اللحم ويفقع فيها البيض ثم تربط حول مكان إصابته لمدة حتى سلكت كما كانت. اشتكي لنا شخص آخر من قرحة المعدة التي لازمته دهراً فما كان من أحد الجالسين إلاّ أن نصحه بأكل فاكهة الباباي لمدة فتعافى ورجع يتناول حتى الفلفل الحار دونما أثر للقرحة اللعينة.

آدم صيام
20-10-2011, 09:53 AM
تعرفت على أحد المسلطين يدعى المواطن م.زين والذي كان يعمل مشرفاً على العمال في الشركة المصرية ثم دارت به عجلة الزمان المفقر دورتها وقد سبق أن عمل شرطياً في الأمن على عهد جعفر النميري، فبعد أن فقد مركزه العمالي أطال لحيته ثم خضبها ونتف شاربه وارتدى جلباباً أخضراً وانضم إلى جماعة دينية ماليزية محظورة حتى وصل إلى سلم خازن أسرارها، وفي ذات يوم اتصل بالشرطة وسلمها ملفات تلك الجماعة مقابل ألفين من الرنجت فأصبحت سيرة تلك الخلية ذكراً منسياًً بعد أن باعهم بثمن بخس ورنجتات معلومات. كان المواطن م .زين لا يألو جهداً في تقديم الدروس المجانية للمتجاوزين شروط الإقامة لتفادي الوقوع في كمين شرطة الجوازات المبثوثة في كل زاوية من شوارع العاصمة وأزقتها فقد كلل خبراته على مدى خمس سنوات بنجاحه المنقطع النظير في الإفلات من براثن الشرطة ولم يقع في حبائلها ولو مرة واحدة وهو يتجول في العاصمة دون إقامة بل ودون جواز، فقد هداني إلى الذهاب إلى جزيرة بيننانغ في أقصى الشمال الماليزي جوار لنكاوي السياحية كلما عصفت شرطة الجوازات بالعاصمة وذلك في موسمين معلومين لكل مخالف إقامة هما منتصف العام وآخره، إلا أن ماليزيا بلاد ذات رحمة فبعد القبض على مخالفي الإقامة يتم إيداعهم في سجن كبير من السجون التي بناها البرتغاليون ثم تمر مناسبة يطلق فيها سلطان الولاية المخالفين فيقذف بهم من على الحدود التايلندية كما والعكس تقوم تايلاند بقذف المخالفين من على حدود ماليزيا وهذه بتلك. في ذات مرة وأنا في طريقي من المطار الجديد قاصداً كوالالمبور أوقفتُ سيارة خضراء وطلبت من سائقها توصيلي إن كان في طريقه إلى المدينة فقلني وبعد أن تبادلنا لغز التعارف في مسيرنا طلب مني انتظاره للحظات داخل السيارة حتى يقوم بواجب التحية لبعض جماعته، ثم ناداني وطلب مني التعرف بهم. كانت أفراد جماعته التي تتجمع في زاوية غامضة يلبسون لباساً أخضراً ويخضبون لحاهم بالحناء و بعد أن تعرفت عليهم طمأنوني بأن أكمل بعض الأدعية والأذكار معهم ثم ننطلق إلى العاصمة، فقد أثنوا عليَّ كما عرضوا عليّ الزواج وكانت فلسفتهم تقوم على الزواج مثنى وثلاث كما أنهم يكفّرون رئيس الدولة مهاتير محمد إلاّ أني تعللت لهم بأني لم أكمل دراستي وسألحق بهم حال توفر سعة من الوقت. علمت من بعض الأشخاص في العاصمة بأن هذه الجماعة تنتمي إلى حزب اسمه (باث) البعث يتيمنون بالأخضر في ملبسهم وفي مركوبهم ويتزوجون حتى المرباع ويكفرون الحكومة وأنهم محظورون بأمر السلطات هناك. فقد خرج عليهم رئيس البلاد مهاتير محمد يوماً في التلفاز ووصفهم بالمستوردين للدين وأن إسلام ماليزيا ذا المذهب الشافعي الوحيد المعمول به في البلاد أفضل من إسلام العرب قاطبة وأكثر تقدميةً.

أعجب ما في تلك البلاد أن لهم برنامج يُبثُّ بصورة راتبة في القناة الثانية- تيفي دوا- يسمى هيرتدش HERITAGE يقدم التراث الماليزي ويزعم مقدم البرنامج فيه و أظن أن اسمه لقمان بأن الخط الجاوي ويعني الخط العربي بأنواعه السبعة من: رقعة، نسخ، ثلث، جلي، جلي ديواني، كوفي وتعليق هو تراث ماليزي خالص. كما أن ماليزيا هي البلاد الوحيدة التي فيها أعلى سارية علم في العالم وأعلى معبد هندوسي في قمة الجبل في العالم و أن سلالمه لم يرصف مثلها في الكرة الأرضية فضلاً عن أكبر زهرة نباتية في العالم و أكبر حشرة فراشة في الكون موطنها ماليزيا و أكبر برجين توأمين في العالم.

آدم صيام
20-10-2011, 09:58 AM
وللتاريخ واللغة فإن لغة الملايو الماليزية تحتوي على الكثير من المفردات العربية التي تصل إلى نسبة تقارب 20% من مجمل لغتها كما أن الحرف العربي كان هو الذي تكتب به لغتها حتى عهد قريب بل بالتجوال في عاصمتها تقف بعض اللافتات المخطوطة بالحرف العربي شاهدةً على ذلك. فمثلاً كلمات مثل: جدول، وقت،أمة إسلام و"حاضرين وحاضرات" و"سلامات ظاهر وباطن و تحية أبَّا كبر ( كيف أخبارك) مازالت تسير على شفة ولسان بين الناس. نفس توارد اللغة العربية قد أوردتُ له ذكراً في لغة النيجر ونيجيريا الهوسا كما أن الكثير من كلمات جزيرة مالطة التي تقع في قلب البحر الأبيض عربية مثل كلمة (طويسة الدنيا) ويعنون بها كأس العالم.

الراغب في تعلّم لغة الملايو لا يجد كثير عناء فقليل منها عربي وبعض إنجليزي والبقية ملاوية ذات جذور سنسكريتية كما أن صيغة جمع المفرد عندهم تقوم على تكرار الكلمة نفسها فمثلاً كلمة أُوران تعني شخص وفي جمعها تصبح أُوران أُوران وتعني أشخاص ويظهر ذلك جلياً في النصوص المتحركة على التلفاز، فسطر مكتوب بالإنجليزية يقابله سطر ونيف في لغة الملايو ويساويه أقل من سطر في اللغة العربية.

لبلاد الملايو فواكه ذات عجب وغرابة فلقب ملك الفاكهة يطلق على الدوريان وهو فاكهة ضخمة بحجم البطيخ إلاّ أن قشرها مدبب كأسنان كجّامة الكِلاب ولا يمكن الوصول إلى لبها العاجي اللون الذي أشبه بالزبدة إلا بمنشار كما ولها رائحة نفاذة يكثر استخدامها من قبل طالبي الباه وتدخل كمقبلات لفتح الشهية وفي كثير من أنواع الطبخ غير كونها فاكهة تؤكل طازجة، ولفاكهةٍ حمراء ذات شعر تسمى الرومبتان صيت وسمعة والجوافة تسمى بفاكهة الحجر و أحجامها بأحجام المنقة (قلب الثور) وتؤكل وهي قاسية لا تلين البتة بالملح والفلفل الحار، أما مملكة الموز فلها أنواع وأنواع منها ما يتم شويه كالذرة وأخرى تقلى بالزيت وتبثر فيه حبيبات الزعتر وأخرى تؤكل فاكهة طازجة كما أن أوراق المواز لها استخدامات عديدة فقد تستخدم بكل أناقة كأوراق لف لطهي الطعام وأواني للأكل بمعية عودين من البامبو Chopstick، لم تقتصر غرابة الفواكهة هناك عند هذا بل توجد فاكهة النجم و أخرى تدعى المنقستين التي تشبه لوز القطن قبل تفتحه كما وتوجد فاكهة اللامياي أما فاكهة الجاك فروت فهي منمنمة القشرة وتصل زنة الواحدة منها مئة رطل لا أدري كيف تتحمل أشجارها كل هذه القرب المائية الخضراء، ولها غرف صفراء بداخلها لبابات بحجم ثمار الليمون تغلف نواتها التي تشبه نواة الدوم. أما الكركدي Hibiscus فقد بلغ بهم الاعتماد عليه ليتم استخدامه في العديد من الأغراض أقلها تخليل بتلاته الحمراء لتؤكل و أعلاها استخدامه في الصناعات مثل أحمر الشفاه والأصباغ الأخرى، و لأشجار البامبو السامقة شأن وشأن يستخدم في المنحوتات و أواني وأثاث وسلالم وجذوره تؤكل وطلعه يطبخ وما لم يدر بخلد بشر. الكثير من هذه النعم غير مألوفةٍ لزائر الملايو فضلاً عن التمرهندي العملاق وجوز الهند والنبق الذي يغالب التفاح في حجمه ورسمه وثمار زيت النخيل الحمراء والتوابل الحادقة.

آدم صيام
21-10-2011, 04:15 PM
<object style="height: 390px; width: 640px"><param name="movie" value="http://www.youtube.com/v/7ZNMz8w9c1Q?version=3&feature=player_detailpage"><param name="allowFullScreen" value="true"><param name="allowScriptAccess" value="always"><embed src="http://www.youtube.com/v/7ZNMz8w9c1Q?version=3&feature=player_detailpage" type="application/x-shockwave-flash" allowfullscreen="true" allowScriptAccess="always" width="640" height="360"></object>




الدوريان ملك الفواكه، بذائقة طعم الجنة وبرائحة فحيح النار!

آدم صيام
21-10-2011, 04:30 PM
http://www.thanavaro.com/jackfruit_cut_lg.jpg



فاكهة الكاكايا أو جاكفروت Jackfruit التي قد يصل وزنها لوزن عجل !

آدم صيام
10-03-2012, 09:40 AM
(24)



إنه وُلد في بيئة يتصارع فيها الجيران فيما بينهم لتناوب ذائقة (الملح و الملاح) الإدام عبر الحيشان في أريحية إيثار لم يشهد العالم نموذجها، ويفنون أنفسهم من أجل حماية الغريب حتى يغادر ما جاورهم من ديار كي لا تلتاث سمعة بلد بكامله بمسبة الإساءة للغريب لكونه الوحيد المنفرد الضعيف مفارق أهله وترابه وإن كان حاله غير ذلك في بلاده. العشاق لا يعقدون مواعيد غرامية مع فتيات الحي فذلك تابو في عرف المجتمع ولا يتزوجون منهن إلا لماماً اعتباراً لحرمة رحمية ناسجة وصوناً لوشيجة حميمية راكزة. بينما قد جلسوا في صباهم القرفصاء تحت ضوء القمر بعد منهكة (شدت)، (شد و اركب)، (الرمة وحراسها) واستراحة (كديس شن نطاك) ليتهكمون على بعضهم البعض ويفرغون السموم التي رضعوها من جداتهم الخرافيات بهؤلاء: رقيق وقسم السيد وعجب الدور وجبر الدار وعوض دكام وأولاء سعد وسعيد و أهل الدار وفج النيل وبحر العوم ونور الشام وخاتي اللوم، ثم لا يلبثون أن يتمازجوا ويتماهوا فيما بينهم وتختلط دماؤهم حتى النخاع لتخطئ معايير علم الجينات في تصفيفهم.



شخص ولم يزل يخلط بصورة غير قابلة للدحض بيسر بين الحق البسيط والباطل المعقد والصدق والكذب والأسطورة و المعجزة والعلم والخرافة والصوفية والإسلام والمسيحية والكجور بل ولا يميز بين الغلالة الفاصلة بين الموت الحقيقي والحياة الحقيقية فيعمد لأسلوب المجاوزة والعجنة المتماهية بين الشئ ونقيضه والمماهاة والتداخل وكلما هو قاسم مشترك حتى لا يصيبه الرهق و يطاله اللوم ولا يؤول تقديره في حكمة البقاء على الأرض صفراً. هذا الشخص الطاش ينتعل صندلاً بنياً ويربط حزام ماركة (lacoast) ويرتدي قميصاً نيلياً مخططاً أو مربعات وقد يكون بمعيته قلم وورقة إلا أنه قلما يستعملهما في تدوين مايريد وإن دوّن فسرعان ما يحرقها أو يتلفها أو أضاعها بين ملابسه المحالة للغسيل في تناقض بائن وقواعد التتريخ وتدوين المعرفة القائم على الرصد ثم التجميع والتحليل وقراءة النتيجة، فقد استبدل الماورائي بالتجربة و التتبع والتقصي كما قال أحد علما الفلك الأمريكيين في سبر تعجبه من أن ثلثي الأفلاك السماوية ذات أسماء عربية إسلامية إلا أنهم بعد قرنين فقط قد استبدلوا التجربة بالوحي (revelation replaces investigation) هكذا رغم توفر أدوات السبر التي معاولهما الورقة والقلم أصبحت تصرفاته لا تخضع لإجراءات المنطق ونسقه فيفقد أصلها ويحتفظ بطيفها كلفافة لتدخين سرده الروائي بعد أن نفض أعقاب رمادها على عتبات النسيان وردهات الغفلة.


بتلك المواصفات المذكورة أعلاه أو بعضها، كان هناك شخصي ينتحب حد النخب ويخضل ذقنه فقميصه فسرواله الكوردرايت الأزرق بالدمع السخين في بيئة درجة حرارتها بموازاة خط الاستواء ورطوبة تفوق الوصف بينما ميدان مرديكا الماليزي الواقع في قلب العاصمة يضوع طرباً ويندغم فيه الشباب الماليزي بالفتيات والفتيان الصينيين والتاميليين والباكستانيين في بوتقة منصهرة بانورامية صمدية ملونة زاهية ويتمايل الجميع فيها فرحاً وغبطة باليوم الوطني الماليزي.


واقف كالصنم في ميدان (مرديكا) إذ تجتاحني فكرة أن بمقدور طالب الدراسة الصابر أن يتعلم أي مادة دراسية ولو زعم بأنه يكرهها، ولم يتوقف ذهني لبرهة لربط هذه الفكرة بذلك الميدان، ودليلي على هذا التداعي أن تجربتي الخاصة مع مادة التاريخ التي بزعمي أمقتها قد ولت دون رجعة بل و أصبحت مادة التاريخ هي محور تفكيري وكتاباتي -على قلتها- وهكذا ركبت في سرج السياق التاريخي (الحتمية التايخية) مع العالم كارل ماركس في سرج واحد على دراجة هوائية ماركة رالي من البنطون وحتى ملجة سوق الخضار، ولا أنسى ما حييت أن أستاذ مادة التاريخ في مرحلتي الثانوية كان من أشد أعدائي ولا سيما عندما يكرر عبارته المعهودة ( وحين ذلك جاطت) فور كل انهيار منظومة سياسية تاريخية. أما تجربتي الثانية فتبدت في كرهي لمادة الرياضيات وبقدر ما حاولت أن أجد رابطاً لرموزها مثل: جا وظتا وجتا المثلثات في واقعي المعبوك بالربيت والدليب والحميض وصمغ الطلح والطعمية ومديدة الحلباء و نبات الرجلة (البقلة الحمقاء) المطبوخ بالعدس بل وحتى بحساب التلميذ والربح والخسارة وصراع المقاييس والمعايير الفرنسية الياردة والرطل مع منافستها الإنجليزية المتر وكيلواته، بل وفي السمكة الأنبوب المسماه محلياً لدينا بالتامبيرا وعش الغراب الذي نخجل من ذكر رسمه واسمه فلا ننطقه لدرجة أن آل إلى العدم في مجمل حياتنا مع تأكيد وجوده الفاعل في جذوع الأشجار وفي فطر الخريف وغذاء في أغلب بقاع العالم لا تشوبه نكهة خجل، ونبات الزعيلانة النبات الذي ما أن لامسته أضمر ظاهر أوراقه وأظهر باطنها و(الطرور) صنو الفلين القادم عوماً من جنوب الوادي، حتى عثرت على كتاب (الممتاز في الرياضيات) وبدأت في حفظ القوانيين الرياضية من أولها كحفظ المعلقات على شاطئ النيل الأبيض لينفلق لي سحر الرياضيات كلها بمحصلة مفادها أن بمقدور أي طالب ممتحن للشهادة أن يحصل على نسبة 91% فيها بعد ترك التسعة بالمئة لعامل زمن الامتحان الضيق فقط. ومن هنا، أقترح أن يكون امتحان مادة الرياضيات والفيزياء وما شاكلهما في الشهادة السودانية لمدة خمس ساعات حتى لا يعيق الزمن وحده تحصيل الطلاب وتركيزهم، فإن ساعة الزمن بيد الله يقلبها كيفما يشاء بدليل أن حالة ضيق نفسي بسيط قد تنتاب شخص تكلف صرم الحياة بكاملها، وهذا ما يدل على أن معيار الزمن ليس بيد الإنسان ولكن لا يتوجب عليه ترك قاربه هدراً. أما تجربة خالي أحمد فقد كانت أيضاً محصلة إصرار قوي وذلك عندما كان يتهكم مدرس اللغة الإنجليزية عليه في كل مرة يدخل الفصل بأن يزجره بسؤال يشيب الولدان وعندما يعجز خالي أحمد عن الإجابة تنهمر سيول التقليل والشتائم عليه حتى غادر حصة ذلك الأستاذ نهائياً وهو في السنة الأخيرة لامتحان الشهادة السودانية. وعندما ظهرت النتيجة كانت مفادها أن الطالب أحمد محمد أحمد سليمان الجالس للامتحان من مدرسة السوكي الثانوية أن حصل على نسبة 80% في اللغة الإنجليزية إلا أنه رسب في جميع المواد فتحول من طالب راسب في كل المواد عدا اللغة الإنجليزية إلى مترجم في شركة تعمل في مصنع كنانة في بدايات إنشائه.
لربما تتهاوى المقولات المفرغة المكررة في إقامة الحواجز بين المواد الدراسية التطبيقية الإمبيريكية وضرتها المسماه بالنظرية (علمي يقابله أدبي كشة). إن علم الاجتماع المحسوب على أنه علم نظري اتضح أنه يحتاج إلى تجارب و معامل أكثر من علم المساحة. وعلم النفس كادت أن تتجاوز تجاربه ومعامله وعياداته الطب البشري كما أن الأدب خلط بين علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والأنثربلوجيا وعلم اللغة وغيرها ليثمر خلاصات ممتعة في سبر النفس البشرية المتقلبة ، أما علم اللغة فله معامله التطبيقية وأجهزته السمعية والبصرية التي فاقت طب الأسنان والأذن والحنجرة. لم يبلغ شكسبير مقامه السامي لالتصاقه بالعصر الفكتوري فحسب بل لسبره أكناه النفس البشرية السايكولوجية والسيسيولوجية المظلمة في مجمل أعماله الأدبية. نجيب محفوظ الكاتب الذائع الصيت وماركيز النوبليان الجائزة قد أسهبا في علم النفس واللاهوت والقدرية والحكمية حتى فاضت رواياتهما، أما جبران خليل جبران الفيلسوف الشاعر ونزار قباني فقد حطما أغلال ثالوث التابو المتمثل في الإله والجنس والحاكم المطلق ولم يخرجا بعد عن حظيرة الإيمان. سقت كل هذه الشتائت لأدلل على أن الإنسان بل والأمة بمقدورهما وحدهما الجلوس في آخر سلم البشرية أو الصعود إلى ذروتها، فقد كانت ماليزيا على تنوع إثنياتها واختلاف لغاتها قد تمكنت عبر حكمة الإصرار على الصعود وهذه الحكمة لا تتأتى بالعلوم التطبيقية البحتة وحدها، وإنما لا بد أن تسبقها الحكمة التي تجعل من إثنيات وأقوام وألوان وأديان وثقافات مختلفة تتفق على الحد الذي يوفر لهم بلوغ مصاف الدول المتقدمة بحقيق دون اختلاق تنازع.


أسوق كل هذه الفنتازيا للتدليل على أن الحواجز المعرفية بين ما هو نظري وتطبيقي قد انهارت قبل انهيار سور برلين و أن ماليزيا –مثالاً- لم تتوقف في التصنيف العلمي المخل ثم تتوسد التاريخ. دارس البيئة النظري إن لم يتسلح بكيميا ِأول وثاني أكسيد الكربون وثالثه- ولا أجرؤ أن أضيف رابعه- و النانو وديناميكية المجتمع وحقوق الجيران في الاتفاق على كب القمامة وصون البيئة والتفريق بين أنواع القمامة فيما يجب تدويره وما يجب إعادة استعماله وما يجب تحويله ولكل منهم معالجته، فقد يفاجأ بنكسة بيئية قد تتسبب في ثقب قبة السماء إن لم يتم انهيارها على الفيران البشرية قاطني كوكب الأرض قاطبة ناهيك عن السودان الضيق، وهذا إن لم ترجع بالمجتمعات إلى العصور المظلمة والكهنوت والمباخر والحجبات وعصر شم العود للإنجاب. كما أن خبير العولمة (القلوبلايزيشن) يلزمه قبل أن يتفوه بكلمة (بغم) أن يستصحب جيداً بمعيته علم الاقتصاد والسياسة والتاريخ والأنثربولوجيا وعلم النفس وعلم المواصلات وعلم الاجتماع والمعمار والقانون والكيميا والفيزيا والأحياء من علم البحار وإلى علم الحشرات لحفظ نوعيتها والجغرافيا وعلم المناخ المتمثل في حركة الرياح ومواسمها وأماكن الضغط المنخفض ونقيضه ودرجة حرارة الشمس وكواكبها وكذا الشعر والنقد الأدبي لرسم صورة قريبة للمواطن البيئي الفاعل والجفرافيا البشرية لفهم الكثافة السكانية وعلم الحفريات لرصد تاريخ التحولات البيئية وأعراض وأمراض انتكاس البيئة من سرطان الصدريات إلى التيفويد والكيمياء والأحياء وعالم البحار والمحيطات والإشعاع حتى لا يقع في شر جهله اللاعولمي الذي يمكن أن يحجره في خانة المتنطع البغيض والجهلول المتبلد. كانت تلك كوة في رحلتي وما زالت بين تقابة الفكي (الفقيه) في قرية المروة (أم حجيرات) ريفي الجبلين، ريفي ربك، ريفي كوستي ريفي الدويم، ريفي الإقليم الأوسط وريفي الخرطوم العاصمة المثلثة لوطن قبل انشطاره الأميبي إلى نصفين.

لذا أجزم أن ساحة مرديكا الماليزية التي زرفتُ فيها خيبة وطن اسمه السودان أقيمت بالعلوم وتاريخ الشعوب مجتمعة دون اختزال لبعضها أو لواحدة من حضارتها ساعة الجد بل وأنثربلوجيتها المنسوجة من قومية الملايو والسيخ والتاميل والصين والشعوب الآسيوية على جدران العمارات - أي والله – معروض الحدث شريطاً سينمائياً على شاشة البنايات المحيطة بساحة مرديكا حيث لا شاشة تسعه ، أفلا أبكي إخوة وأخوات الوطن لمثل هذا الإنجاز ووطني تفر شوارعه، مساجده ، كنائسه ويفر (...) منه مذعوراً ويفر الأنبياء على حد وصف نزار قباني؟

عكــود
12-03-2012, 06:14 AM
العزيز آدم،
ليك السلام مطبوق . .

هذه والله كتابة ماهلة؛ منسابة بكل رشاقة على جدول حكي صافٍ وذات لغة بُهار.

واقف كالصنم في ميدان (مرديكا) إذ تجتاحني فكرة أن بمقدور طالب الدراسة الصابر أن يتعلم أي مادة دراسية ولو زعم بأنه يكرهها، ولم يتوقف ذهني لبرهة لربط هذه الفكرة بذلك الميدان، ودليلي على هذا التداعي أن تجربتي الخاصة مع مادة التاريخ التي بزعمي أمقتها قد ولت دون رجعة بل و أصبحت مادة التاريخ هي محور تفكيري وكتاباتي -على قلتها- وهكذا ركبت في سرج السياق التاريخي (الحتمية التايخية) مع العالم كارل ماركس في سرج واحد على دراجة هوائية ماركة رالي من البنطون وحتى ملجة سوق الخضار، ولا أنسى ما حييت أن أستاذ مادة التاريخ في مرحلتي الثانوية كان من أشد أعدائي ولا سيما عندما يكرر عبارته المعهودة ( وحين ذلك جاطت) فور كل انهيار منظومة سياسية تاريخية. أما تجربتي الثانية فتبدت في كرهي لمادة الرياضيات وبقدر ما حاولت أن أجد رابطاً لرموزها مثل: جا وظتا وجتا المثلثات في واقعي المعبوك بالربيت والدليب والحميض وصمغ الطلح والطعمية ومديدة الحلباء و نبات الرجلة (البقلة الحمقاء) المطبوخ بالعدس بل وحتى بحساب التلميذ والربح والخسارة وصراع المقاييس والمعايير الفرنسية الياردة والرطل مع منافستها الإنجليزية المتر وكيلواته، بل وفي السمكة الأنبوب المسماه محلياً لدينا بالتامبيرا وعش الغراب الذي نخجل من ذكر رسمه واسمه فلا ننطقه لدرجة أن آل إلى العدم في مجمل حياتنا مع تأكيد وجوده الفاعل في جذوع الأشجار وفي فطر الخريف وغذاء في أغلب بقاع العالم لا تشوبه نكهة خجل، ونبات الزعيلانة النبات الذي ما أن لامسته أضمر ظاهر أوراقه وأظهر باطنها و(الطرور) صنو الفلين القادم عوماً من جنوب الوادي، حتى عثرت على كتاب (الممتاز في الرياضيات) وبدأت في حفظ القوانيين الرياضية من أولها كحفظ المعلقات على شاطئ النيل الأبيض لينفلق لي سحر الرياضيات كلها بمحصلة مفادها أن بمقدور أي طالب ممتحن للشهادة أن يحصل على نسبة 91% فيها بعد ترك التسعة بالمئة لعامل زمن الامتحان الضيق فقط. ومن هنا، أقترح أن يكون امتحان مادة الرياضيات والفيزياء وما شاكلهما في الشهادة السودانية لمدة خمس ساعات حتى لا يعيق الزمن وحده تحصيل الطلاب وتركيزهم، فإن ساعة الزمن بيد الله يقلبها كيفما يشاء بدليل أن حالة ضيق نفسي بسيط قد تنتاب شخص تكلف صرم الحياة بكاملها، وهذا ما يدل على أن معيار الزمن ليس بيد الإنسان ولكن لا يتوجب عليه ترك قاربه هدراً. أما تجربة خالي أحمد فقد كانت أيضاً محصلة إصرار قوي وذلك عندما كان يتهكم مدرس اللغة الإنجليزية عليه في كل مرة يدخل الفصل بأن يزجره بسؤال يشيب الولدان وعندما يعجز خالي أحمد عن الإجابة تنهمر سيول التقليل والشتائم عليه حتى غادر حصة ذلك الأستاذ نهائياً وهو في السنة الأخيرة لامتحان الشهادة السودانية. وعندما ظهرت النتيجة كانت مفادها أن الطالب أحمد محمد أحمد سليمان الجالس للامتحان من مدرسة السوكي الثانوية أن حصل على نسبة 80% في اللغة الإنجليزية إلا أنه رسب في جميع المواد فتحول من طالب راسب في كل المواد عدا اللغة الإنجليزية إلى مترجم في شركة تعمل في مصنع كنانة في بدايات إنشائه.

شكراً لإمتاعنا واعلم أنّ هناك من ينتظر حرفك.

خال فاطنة
12-03-2012, 08:41 PM
واعلم أنّ هناك من ينتظر حرفك.

و أنا واحد منهم يا عكود....ادم زاملني في منتدى النيل الأبيض..زول كتاب و عميق و ذكي، و مازلت أتذكر مقاله (السودان و جبلة الأسطورة) واحد من أجمل المواضيع التي قرأتها في الأسافير...
تحاتي يا آدم

آدم صيام
04-05-2012, 05:27 PM
العزيز آدم،
ليك السلام مطبوق . .
هذه والله كتابة ماهلة؛ منسابة بكل رشاقة على جدول حكي صافٍ وذات لغة بُهار.
شكراً لإمتاعنا واعلم أنّ هناك من ينتظر حرفك.
__________________
لن يمل الحزن من عينيك أبداً..
فتعلّم..كيف بالدمع تغنّي للجمال
-عبد الله جعفر-





الحبيب/ عكــــــــــــــــود
السلام والمحبة عليكم أبد الآبدين أخي
لا يسعني إلا أن أقول متعكم الله بوافر الصحة كل الأوقات

آدم صيام
04-05-2012, 05:28 PM
و أنا واحد منهم يا عكود....ادم زاملني في منتدى النيل الأبيض..زول كتاب و عميق و ذكي، و مازلت أتذكر مقاله (السودان و جبلة الأسطورة) واحد من أجمل المواضيع التي قرأتها في الأسافير...
تحاتي يا آدم





حياك الله وبياك ابن أرومتي/خال فاطنة
السهو والانصراف بخلي لينا فرقة
تقبلا تأخري أحبة التراب والمقة المحضة

عادل عسوم
04-05-2012, 06:15 PM
آدم صيام
(الحطّاب ان اكتملت أدواته من فأس وحبل وحقوِ ماء...ينأى الشتاء عن مدفأة الدار)
هذا مثلٌ لدى سكان الاسكا
أما أنت ياعزيزنا...
فتحتقب (ريشة وضمير وكمان)!
ما أجمل القراءة لك يارفيق الحرف البهي...
مودتي

آدم صيام
09-01-2013, 05:18 PM
اقتباس:

آدم صيام
(الحطّاب ان اكتملت أدواته من فأس وحبل وحقوِ ماء...ينأى الشتاء عن مدفأة الدار)
هذا مثلٌ لدى سكان الاسكا
أما أنت ياعزيزنا...
فتحتقب (ريشة وضمير وكمان)!
ما أجمل القراءة لك يارفيق الحرف البهي...
مودتي





الشقيق/ عادل عسوم
تحية خالصة
شقيق الفكرة أقرب من شقيق الدي إن اي (وكل سوداني/ة شقيق تلك وتي).

لم أحصل حتى حينه على ما يمكن أن أرفد به الفكرة فاعتذرني!!!!!
تحياتي لسودانيات التي احتفظت بنفس المرحوم خالد الحاج
إنما الوعد سأواصل .