حُمَىَ الجُنَيهِ. إنتصف شهر إكتوبر تماماً، ويعني هذا ضمن ما يعني من رمز، أنّ المزارعين كادوا أن يفرغوا من حصاد السمسم وأنّ العيش إستوي تماماً، جَفّتْ أقصابه وقناديله واستدعي حاصديه، وأكدت دعاية من أن البنك أستورد عدداً كبيراً جداً من الحاصدات الآلية المتقدمة الصنع لكي تقوم بحصاد العيش والسمسم، والحاصدة التي تحصد مئة فدان في اليوم لاتحتاج لغير ثلاثة من العاملين الفنيين القادمين مع الألآت من المدينة وعاملاً واحداً غير ماهر، يقوم بالعتالة، وحضرت آلات حصد السمسم في وقت ينتظره الجنقو طويلاً وهو الشهر الأخير من موسم الحصاد، حيث يرتفع سعر العمل إلي أعلي مستوياته، هاهم الجنقو الآن فرادي وجماعات يتفرسون في الألات الشيطانية وهي تقوم بالعمل نيابة عنهم، وترميهم في جُبْ العطالة دون رحمة، وتضحك عليهم بصوت معدني حامض ممقوت تهتز له الأرض، كان يمتلكها موظفو البنك أيضاً، هذه الآلات قللت سعر العمالة للربع تقريباً، ولكي تطلق طلقة الرحمة علي الجنقو الذين يحبطون الآن بصورة فردية، نُوقشت في ندوة غاب عنها المغني العجوز في منزل أداليا دانيال، موضوع المبيد الكيماوي الذي لايترك قَشة أو نبتةً طُفَيّلية واحدة أن تنمو، وينوي البنك إستيراد هذا الشيء في الموسم الزراعي القادم، بل سياتون بماكنة تقوم بإستئصال الأشجار الكبيرة و الصغيرة على السواء فيما لا يزيد عن ربع الساعة، بدلاً من عملية ( أم بحتي) اليدوية ؛ التي تأخذ فيها الشجرة الصغيرة ما يُقارب اليوم بكامله، ويظل منها باقي على الأرض. ماكنات و آليات لم يسمع بها الجنقو مطلقاً،ولم يحلموا بها، يسمعون بها الآن كما الأحجيات، وقد رأوا آلة حصد السمسم العملاقة،ذات الأذرع المرعبة التي حينما تمشي على الأرض تتلوى مثل ثعبان جريح، و يُسمع صرير سُيورها و خِوار عادمها على بعد مئات الأمتار. وكان الجنقوا يتجمعون بصورة عفوية من التايات القريبة و الكنابي و الحلال المجاورة ليتفرسون على هذا المخلوق الذي يبتلع السمسم إبتلاعاً و يخرجه في لحظات معبأ في جوالات الخيش، و يرمي بأقصابه دائخة علي الأرض السوداء الجافة. قد رأوا حاصدات عَيش الذرة من قبل، ولكنها لم تنجح كثيراً في هذه الأنحاء، نسبة للخيران الكثيرة و الغابات وتكلفة صيانتها العالية، ولكنهم يقولون أنّ هذا المخلوق صنعه الصينيون خصيصاً ليواكب طبيعة الأرض في الشرق، ندرة الوقود و غلاء العمالة اليدوية. وكلما سَمع الجنقوا بميزات هذه الحاصدات الجديدة، كلما أُحْبِطُوا، وقد عَلّقَ أحدهم ؛ قائلاً: الناس ديل ما لقوا آلة تَحَمِّل النُسوان كمان؛ عشان نَشُوف لينا شَغَلة تانية في الدنيا دي ؟! لقد كان أثر هذه الآلات والدعاية المصاحبة لها؛ عميقاً علي كل نواحي الحياة ليس في الحِلةِ وحَدُها، ولكن في الجِيرة والحَفيرة، خُور مَغاريف، الفَشقة،الهَشابة، زَهانة، هَمْدَائِييتْ، جَبل عسير، في الحُمَرة نفسها، في تِسِنَي وضواحي مدينة القضارف، علي تخوم سَمْسَمْ، الجَنّة بَره، اللّية،حجر العسل، الحُوري، أم سَقطة، العرديبات، المقرن،المفازة، الحَواتة، دُوكة، وريفها إلي أعالي نهر الدندر ومشروع غنم، عرديبة كُرسي، عرديبة تجاني،... أُصِيبَ الجنقو بخدر في الروح بارد و مُرْ،الحِلةُ تمثل مركزاً لهم دون منازع، لذا كانت الفجيعة هنا أكبر والتغير واضحاً مثال لذلك العطب الذي أصاب بيت الأم، قلَّ زواره من الجنقو وصغار المزارعين وشردت داعراته وعاملاته وكثير منهن هاجرن للمدن المجاورة وخاصة مدينة خشم القربة، كسلا، القضارف و الخرطوم أيضاً، ليعملن في الطريق القومي بائعات للقهوة، الشاي،الشيشة والأطعمة لسائقي الشاحنات السفرية، أذا سَمِعَ أحدٌ صُراخ الصمت الصادر من قطاطيها الكثيرة التي كانت تحتفي بالناس؛ لَقُصَّ. حدث هذا في أقل من شهر واحدٍ، ولكن في شهرٍ تقوم عليه شهورُ السنة الأثنا عشر كلها وفيه تكتمل زينة الجنقوجوراي وربما إستطاع أن يَضع أمَنيِّة كبيرةً من المال عند صديقاته من صانعات الخمور البلدية أو أديَّ، اللائي يمثلن بنوكاً شعبية صغيرة أمنية رحيمة: طيبة،وغير ربوية. في ذات الشهر تحتفظ وتختزن النساء بحاجاتهن من العيش الذي يشترينه من صغار المزارعين رخيصاً، وأيضاً قد يحتفظن بجوال من السِمْسِمْ، قد يستفدن من فرق السعر لاحقاً عندما تُفْتَحُ زريبة المحاصيل لأستقبال الموسم الجديد، أو عندما تدخل شركة السمسم كمشتري، أو تحدث كارثة ترفع سعر السمسم، ولكن هذه الأيام تمضي سريعاً، يحصد البعض المال سهلاً كثيراً، ويقف الجنقو وصغار المزارعين والنساء يتفرجون وقد هرب الكثيرون وعلي رأسهم الفكي علي الزغراد، ومدير البنك بعد أن حاول إغتياله رجال مجهولون، وسافر عددٌ كثير من الجنقو إلي أقاليم أخري علي مشارف الحواتة وضواحي القضارف مؤكدين للجنقو هنالك أنّ البنكَ: قادمٌ إليهم قادمٌ إليهم. ومن الأحسن أن يبحثوا عن سُبل للعيش أخري.. وأنّ الدعاية ماهي إلا الحقيقة عينها. إمتلأت الحلة بالعسكر: بوليس وجيش، إحتياطي مركزي ودفاع شعبي، شرطة شعبية، أمن عام، أمن إيجابي، أمن إقتصادي. وظهرت حملات تجنيد مذعورة للشباب والشابات أيضاً وحتي العجزة أدخلوا الدفاع الشعبي وبدا واضحاً للجميع أنّ هنالك علة ما.. ماهي.. ولكنهم يفهمون مَنْ مِنْ ورائها.. علي الأقل يستطيعون ترشيحه بكل سهولة: هو المال. كانت الحِلة تحضر لحظةَ ميلادٍ جديدٍ قاسي، ميلاد يقتل ويحيي،هي نفسها لحظة إكتشاف الذهب في الأرض الجديدة والماس في بريتوريا والكيب تاون والقطن في السودان.. إنها لحظة إكتشاف المال السهل، نوع من الحمي غريب، حمى المال. الصافية تحمل علي ظهرها القوقو مشدوداً عصاه من حطب العندراب، يتبعها خمسة من الجنقو الذين دائماً ما يشكلون معهاً فريقاً واحداً، نزلوا عندنا في التاية، في الصباح عملوا معنا في الحصاد وسكب القصب في آنٍ واحد، كانوا سُعداء وهم ينشدون أغاني الحصاد الجميلة التي كادت أن تيبس علي أفواههم. مُنذ أسابيع كثيرة توقفوا عن العمل نتيجة لمنافسة الآلات الرخيصة السريعة والأكثر دقة، كانوا يعملون بشهية كبيرة ومتعة لاتحدها حدود، ثم جاء إلينا فريقٌ آخر بقيادة تور مُراح مرسال وفي رفقته ثلاثة من الجنقو، ثم إنضم إلينا فريق وورل أجانق ثم محمد العوض ود النوايمة ثم.. ثم.. ثم ... كانما دُعي الجنقو عن طريق الإذاعة التي يسمعونها جميعاً طوال الوقت، وملأت الأغنيات سماء المكان الصافية الزرقاء وأقمنا أجمل الليالي هُنا، لأن قطعة الأرض التي اشتريتها بقصد الزراعة وعملت في نظافتها مع الشايقي ومختار علي لا تتعدي العشرة فداناً، ففي خمسة أيام فقط تم حصادها وقطع قصبها وجمعه في كوم واحد كبير وزربه بالشوك حتي لاتصيبه الحيوانات أو تعبث به القرود، وافق مُختار علي أن نترك للشايقي نصيبه لأنه غير موجود الآن وأن نقسم الباقي مع الجنقو بالتساوي، وهو مارفضه الجنقو تماماً ولكنهم وافقوا علي أن تخصص خمس جوالات عيش من الفيتريتة للمريسة، وأن تُسلم لبيت الأم، نقلنا العَيش بلوري الخط إلى الحِلة، وكان أول عيش يتم جَلبهُ وشاء القدر كذلك أن يكون آخر عيش في هذا الموسم الحافل يصل الحِلة. بعيداً عن رأيي أنا الخاص عما حدث هل هو خير أم شر، أريد أنْ أؤكد علي شئ أساسي، أنني كنت بعيداً عن مجريات الأحداث، أولاً إنشغالي بحصاد الأرض التي زرعتها مع الشايقي ومختار علي من جانب، وإنشغالي باخبار ألم قِشي. في الحقيقة أخذ هذا الشئ الأخير الجزء الأكبر من وقتي وتفكيري، وما كُنت أعرف تفاصيل الجنقو المسلحين ولا من أنضم أليهم من رعاة حانقون منذ أن زارني الشايقي قبل شهرٍ مضي، ورد لي المبلغ الذي أخذه مني في حادث بص همدائييت، أقصد أنني ما كنت متفرغاً بصورة أو بأخري لِمَا يُشْبِهْ الندوات الكثيرة التي أقامها الجنقو في التايات و الكنابي المجاورة، وربما حتي تلك التي عُقدت مؤخراً في الحِلة، وكان لبعد ود أمونة عني، و إنشغالة بالبنكيين و إنشغالي بالمفازات، أثر في إفتقادي لما يملأ فراغاتي المعلوماتية و ينبه غفلتي، ولكنني لا إستطيع أن أسامح نفسي بأن أفاجأ مثلي مثل الهوام والبهائم بالحدث العظيم. فيما يشبه الندوة الفجائية أو في الحقيقية الندوات التي تفوق المائة، الطارئة الأنعقدت في شوارع الحلة، وفي بيوتها فجأة، كالنبت الشيطاني في لحظة واحدة: عن النار. حسناً دعنا نلتقط بعض الأوصاف التي يطلقها الناس، يصفونها لأنفسهم، لأنه ليس هنالك شخص ينتظر أن يسمع شيئا من آخر، وصفا أو تفسيراً: جهنم.... جهنم....... عديل. قالت امرأة عجوز، تحاول جهدها أن تسمعني: - دي شئ ما حدث إلا لقوم سمود. قالت الأم مريم كودي للأطفال المرعوبين الذين هربوا إلى الكنيسة، يصلون: الرب يَسُوع يكون في عونهم. ورسموا خلفها شارة الثالوث المقدس، دعوا لأصحاب المشاريع بالعوض الجزيل آمين. حدث ذلك عند الساعة الواحدة منتصف اللّيل، حينها استيقظ الناس علي اثر ضوءٍ قوي يصدر من حريق هائل في عمق المشاريع، وكان اللهبُ الجبارُ يمد ألسنته للسماء الصافية الزرقاء، كتنين أسطوري يحاول أن يصيب الأنجم بلسانه الناري، ثم بدأت عدة حرائق هنا وهناك، ثُمّ أشتعلت الأرض كُلها ناراً، قُل ألسنة تنانين مجنونة تلعب لعباً، كان عُرساً من الجحيم لا يمكن وصفه، وتبع ذلك مُوسيقي تصويرية بائسة من صراخ الأطفال الذين صحوا مذعورين وولولة النساء وهترشة السُكاري. ثم علا عزيف الطلق الناري من أعماق غابةِ زهانة، وتحركت كتيبة من الأحتياطي المركزي والشرطة تتخبط دون هدي حول الحِلةِ حيث لا يمكن الخروج لمكان آخر، النار هناك دائماً، الحِلةُ هي المكان الوحيد الآمن، كانوا يصنعون تشكيلات عسكرية عبثية لا معنى لها في الغالب، ومع شرروق الشمس؛ فَضّتْ النارُ إحتفالها،كانت الأرض سوداء كحناء علي جسد عروس هائلة، دافئة و أسطورية في حجم آلاف الأفدنة، تَهِبُ جَسدَها قُرباناً للريح. |
متابعين يا بركه
محيراني كلتومه كتالة الرجال غير مقسوم ليها الفرح فهم الأسرة التقليدي والاستقرار غير متاح بالفهم المتعارف عليه مجتمع قائم على الجماعه دون أن يأخذ في الاعتبار لتكويناتها الاجتماعية المتعارف عليها حوش الأم والتايات هي الأطر الاجتماعية التي تلقفت من ضاقت عليهم رحاب العيش الكريم لا بد من بروز فعل جماعي مقاوم نهب مسلح.. سعي نحو الحل الفردي والمشروع الأنوي الذاتي لن يحقق تحولا مأمول استغرب تحولات الراوي الأخيره فهو يبدو كمن لا يدري بما سيفعله الجنقو بمدير البنك مثلا لكن في ذات الوقت يقبل العمل الاستخباري ويتولى جمع المعلومات الصداقه وحدها لا تكفي مبررا للتضامن مع من يرى أنهم قد وقع عليهم الظلم والمسغبه التحولات المدنية قهرت الجنقو تسربلت بأردية شتى لكنها في النهاية محاولة لتكديس الثروة دون إغفال لصفات القيادة الكاريزميه لن أتعاطف مع بروز قائد منظر يقطع الطريق على قرار المقاومه والتحول الجماعي تحتاج المرأة في هذه الروايه لقراءه متأنية ونقاش أعمق نعود إليه بعد انتهاء فصولها تكدست الأحداث واختلف "الريتم" أفتقدنا بعض الشيئ مسحة السحر واللغة الشاعره التي سبتنا .. ربما لطبيعة التحولات التي طرأت على الأحداث وخروج ساحة الحدث من الذاتي للعام لا زلنا منتظرين |
خاتمُ سُليمان، شَهرُ فبراير و شَجَرةَُ الموتْ
خاتمُ سُليمان، شَهرُ فبراير و شَجَرةَُ الموتْ.
بالتأكيد ما كان لرجل عاقل مثلي أن يبقى بالحِلةِ دقيقة أخرى واحدة، فبينما ينعسُ الناسُ الساهرون مع مهرجان النار في الليلة السابقةْ الذي أتي علي كل مزارع الذرة، هربنا أنا و صديقي مختاروالصافية، وعشرات الجنقو الآخرون إلى الحُمرة بأثيوبيا، كنا قافلة صغيرة مرعوبة و خائفة، عبرنا النهر سباحة، حيثُ أنّ الجميع يجيد السباحة،هرولنا على أرض صَخرية قاسية، ولكنها كانت رحيمة و طيبة، حيث أنها تنكمش في عطف تحت أرجلنا لتقرب لنا المسافة إلى الحدود الأثيوبية، التي هي مقصدنا الأساسي، الخط الأول للأمان، كان كثير من الجنقوا يحملون هواتفاً نقالة، و قد إتصلوا بأسرهم و عرفوا أنّ الجيش يتعقبنا ولكن على أرجلهم، حيث أنّ آلاتهم القتالية و عرباتهم لا يمكنها أن تعبر النهر، و قالوا لنا هنالك إحتمال أن يستعينوا بطائرات عسكرية مقاتلة من القضارف أو كسلا، كان علينا أن نجري جرياً فعلياً نحو الحدود الأثيوبية، وليس هرولة، وفعلنا، وفي اللحظة التي دخلنا فيها خُور الحُمرة، سمعنا ضجيج الطائرة الهلكوبتر خلفنا، علي الرغم من أننا كنا نظن أن الطائرة لا يمكنها أن تطلق علينا قنابلها ونحن في الآراضي الأثيوبية، إلا أن نصيحة بعض قِدامي المحاربين من الجنقو هي التي أنقذتنا،حيث طلبوا من الجميع الإحتماء بالأشجار و الكهوف التي تكثر بالخور، و فعلنا، كانت الطائرة تحلق على رؤسنا، بل كانت على هامات الأشجار ويخلق هواؤها عاصفة غبارية كثيفة تمنعنا الرؤية و تشتت أفكارنا،بل أن عاصفتها كانت ترمي كثيرا من الرجال الجوعى صرعى، كانت ترعبنا و تحاصرنا حصاراً جيداً، و تأكدنا إنها تريد أن تحتفظ بنا في الخور لحين أن يصلنا الجنود، وكلما تركتنا للحظات تمضي فيها ربما للمناورة، كنا نعيد ترتيب أنفسنا، وقد نبهنا مرة قدامى الجنود بأن نهرب نحو عُمق الحدود في ذات الخور ولكن متفرقين، وعندما عادت الطائرة مرة أخري، لم تجدنا هنالك، ولكنها لم تتوغل معنا في داخل الحدود الأثيوبية، فتركتنا وعادت. قابلنا الأثيوبيون بعد نصف ساعة على مشارف الحُمرة، عسكر و فريق طبي، موظفون أمميون و منظمة الهجرة الدولية، مسؤلون و شعبيون، قاموا بالتحقيق معنا والتأكد من أننا لم نحمل أية أسلحة غير بعض الفؤس و الأسلحة البيضاء الشخصية، و فُحِصْنا طبياً و قمنا نحن بطلب حق اللجوء السياسي، وهو المُصطلح الذي لم يَسمع به كثير من الجنقو من قبل، تمّ حَصُرنا، وقام المسؤلون بتحديد موقع لأقامتنا و أُعطينا أرقاماً بدلاً من أسمائنا، قَدّمَتْ لنا منظمة وطنية مجهولة بعض الطعام و الماء، بتنا ليلتنا تلك في خيم صغيرة، ثم أخذت الأمم المتحدة في صنع مباني أكثر راحة ملحقة بمراحيض وحمامات و عيادة صغيرة، كُنا مرهقين و جائعين و تعابى و متسخين، ومفلسين، أنا بالذات لا إمتلك ولا قرشا واحداً، كل أملي كان في العيش الذي حصدته، وقد تركته في بيت أدي، وبقية الجنقوا أيضاً، حيث أنهم لم يعملوا في هذا الموسم عملاً حصلوا منه على مال، لولا الطعام و الشراب و السكن الذي يقدمه لنا المُحِسنُونْ الأمميون: لمُتْنَا. ثمّ إنضمت إلينا أُسَرٌ أخرى وجنقوا وفدوا من همدائييت و القرقف و زهانة. بعد ثلاثة أشهربالتام، أي في بداية شهر يناير أرسلتْ ليّ ألم قِشي ما يُفيد أنها قد تنجب طفلاً في الإسبوع القادم، وعليّ أن أحضر السماية في همدائيت إذا كنت أضمن سلامتي. كنت في الخيمة وحدي،عندما جاءني مَنْْ عرفته فيما بعد بإسحق المَسلاتي، وغالباً ما أكون وحدي في الآونة الأخيرة، فصديقي مُختار علي بعد إسبوع واحدٍ فقط قضاه معنا في المعسكر ضَجِراً، أبدى ليّ رغبةً في الخروج من المُعسكر، و أنه لا يطيقه، و يود أن يذهب إلي فريق قرش؛ لديه أصحاب هنالك. و طلب مني أن أصطحبه، وقال لي إنه يمكننا العمل في الحصاد مع المزارعين الأحباش كعمال يومية، أي كجنقو، وهو أيضا يعرف الطريق إلى مواقع العمل تلك، ولكن البقاء في المُعسكر مثل الشحاذين تحت رحمة الخواجات، هذا لا يروق له ولا يقبله. وحينما رفضت فكرته، وحاولت أن أثنيه عن الذهاب؛ إلى أن نتبين مُجريات الأمور ونتفهم الواقع، هربَ ألى فريق قرش مع الصافية و جنقوجورايان آخران. وقال لي الجنقوجوراي الغريب، الذي عَرّفَ نفسه بسرعة، إن ألم قِشي بصحة طيبة وسعيدة جداً، في بيت والد زوجها وأنهم يحبونها جداً، ويحبون أطفالها. بقدر سعادتي بأنها ستنجب قريباً طفلاً يخصني، كان حزني كبيراً وإحباطي أعظم، بمعرفة أنها سعيدة، وأنّ أسرة زوجها تحبها.. أليس يعني ذلك أنّ فرصة اطلاقها لي أصبحت هزيلة؟ بل تكاد أن تكون معدومة؟ قال لي الجنقوجوراي عندما قرأ في وجهي الحزن: - في فريق قرش، نُسوان كُتار.. جميلات وحلوات زي السُكر وصغار.. أمشي شوف ليك واحده اتزوجها.. بلالاويات وفلاتيات وظبرناويات بازاوايات وجعليات ودينكا وتكرونيات، وطبعاً الحبشيات دي بلدهم.. البلد كُلها نساوين دي أجمل من دي.. ودي تقول لدي شُنو. قلت له بصوت يخرج من بطني مباشرة.. - ما زي ألم قِشي.. قال بتحد. - في أجمل منها كتير.. قلت محاولاً أن أجعله يفهم. - ما مسألة جمال. قال بسرعه - مسألة شُنو.. في نُسوان في الدُنيا عِرْفَنْ الموضوع دَا أكتر من نُسوان غيرهن ؟ قلت له محاولاً أن أجعله يفهم -المسألة ما مسألة موضوع.. قال ساخراً -يعني حُبْ ؟.. مافي مرة تانية تحبها؟.. معليش عايز أفهم.. قلت له محاولاً أن أجعله يفهم. - في.. في كتير.. ولكن.. قال لي محاصراً مقاطعاً، بطريقة غريبة، مدهشة وغير مفهومة -آها.. شُنُو الفي ألم قِشي ومافي مرا تانية غيرها. قلت له محاولاً أن أجعله يفهم. - ما عارف.. حقيقة ما عارف. قال لي بيقين راسخ وأعصاب باردة.. - أنا عارف. قلت له بسرعة -قول لي ليه.. أنا ما عارف.. قال لي وهو ينظر للبعيد وكأنه يتحدث مع الفراغ الشاسع حولنا. -ألم قشي دِي جِنية.. امرأة من الجن.. قلت مستعجباً و مستغرباً ومندهشاً - جنيه ؟ قال وهو يضع يده على كتفي في حركة غريبة. - نعم.. جنية راسو عديل جات من البحر دا.. البلد كُلها جنون ساكنين مع الناس وما في زول عارفهم.. كان طويلاً، أسمر، له بشرة لا معة، ووجها حليقاً نظيفاً - وإنت كيف عرفتها ؟ قال بنفس قصير وهو يبتلع ريقاً جافاً. عرفتها.- ولأنني لم أر هذا الجنقوجوراي من قبل، أتاني إحساس غريب، إنه فرد من الجِن، وجدتني أنظر إلى هيئته، رجليه وأصابعه، متحرياً العلامات التي يُقال إنها تفرق ما بين الجن والبشر، وهي الأقدام.. الجن دائماً ما تكون أقدامهم أقدام حَمير والقِلة كِلاب، للرجل قدما بشر، وهيئة إنسان سَوي ولا غَرابة فيه إطلاقاً، غير أنه نظيف بعض الشيء و فصيح وله ثقة متزايدة عن نفسه. قال لي: - أول شَخصٍ عَرِفَ ألم قشي في البلد دِي كُلها: أنا اسحق المسلاتي القِدامك دا. وجاتني في تايه الجلابي عثمان الريح في الهَشابة جنب الكبري وقالت لي إنها شردت من سجن الحٌمرا.. وقعدت معاي اسبوع كامل.. وكنت حأصدقها، لوما شُفت بعيني دي خِتِمْ الجان في ضهرها في آخر الضهر وجنب الصُلب، في شكل ختم النبي سُليمان ورسمه لي في الأرض. شفت الختم دا ولا ما شفته ؟ قلت له باستسلام: في شي، لكن هو ختم ولا وشم ولا شامة خِلقة والله ما فكرت فيهُ ولكنه قريب من الشئ الرستمهُ إنت على الأرض. كان في الواقع هو نفس الشكل الذي رسمه الجنقوجوراي، وكان واضحاً، بل بارزاً بيناً لا يُخْفَى.ولكني كنت أضع مساحة لنفسي من أجل المراوغة. أضاف: يا أخوي.. دا خِتم الجن.. واليوم السألتها منه، اختفت تاني ما شُفتها.. إلا في الحِلة معاك، وتاني قابلتها في همدائييت الأيام الفاتت دي وقالت لي: أسترني يا إسحق.. أسترني.. ولكنك زول أخوي وحبيت أوريك.. قلت له: ومن وين عرفت إنتَ خِتم الجِنْ ؟ قال لي: أنا عُمري كُله قضيتهُ في البَحر هنا، بين هشابة، الجيرة، الحفيرة، همدائييت، الحمرة، زهانة، حتي خشم القربة و المنطقة دي فيها أكبر مملكة جن في العالم. ختم كلامه..... قائلاً، فيم يشبه نظرية أو قولا منزلاً: إن الشخص الذي ضاجع امرأة من الجن لا يذوق طعماً لأية امرأة أخري. وأكد لي بصورة قاطعة أنه مُنْذ أن عاشر ألم قشي قبل خمسة عشر عاماً، إلي الآن لم يلمس أية امرأة كانت.. وسألني بصورة مباغتة: هل حدث لك أن نمت مع امرأة بعدها؟ وقبل أن أجيبه، أضاف بصورة درامية، في الحقيقة أقرب للكومديا السوداء. - أنا مُشْ حأخليها... حترجع لي.. حترجع لي... وأنا... ما حأموت قبل اليوم داك أبدا.ً قلت له ساخراً: يعني إنت في الصف معاي ؟! قال بجدية، مما جعلني أشك في عقله، ولم أقل له كلمة أخرى، بل تمنيت لو ذهب الآن، وغرب عن وجهي للأبد، ما كنت أرغب في أن أراه مرة أخرى. مُش أنا وإنت فقط.. يفوتوا الألف.... ألف ألف من الرجال... في الدنيا كلها منتظرين. - تمنيت لو كنت في حلم، ولكن للاسف كنت أعايش واقعاً فعلياً... يمكن لمسه، سماعه، رؤيته، والتحدث إليه. بقي معي إلي مابعد مُنتصف اليوم، يتحدث عن ممالك الجان وأوطانهم وأسمائهم وحلاوة نسائهم، وأنهم يتواجدون في كل مكان في كل أشكال الأشياء، ويمكن أن تكون نصف الأشجار التي حولنا الآن من الجان، ويمكنهم التحور في شكل حشرات، طيور، حيوانات أوبشر، وفيهم المسلم والمسيحي واليهودي والكافر، وفيهم الذكي والبليد، المستقيم والشقي وووووو. ذهب مخلفاً ورائه غابةً من الأسئلة و الأحزان. عندما خرج، جاءني جنقوجوراي شاب إسمه أبو النجا، وهو من خشم القربة، بادرني قائلا:ً - الزول دا كلمك عن الشياطين... مُشْ كِدا... قلت له مستغرباً - كيف عرفت !! قال لي : الزول دا مُصَاحِبْ جِنيّة... والناس كلها عارفاه... ساكن جنب البحر في الحفيرة... مُشْ قاليك إسمو إسحق المسلاتي؟ قلت بدون إحساس بما أقول - أيوا.. قال لي وهو ينظر إلي أم عيني مندهشاً أنت مالك.. خايف ولا شنو.. قال ليك شُنو الزول دا أصلو؟! الزول أكتر زُول بيكضب في البلد دي، أوعك تكون صدقتُهُ؟ قال ليك شُنُو؟؟ قلت محاولاً أن أكون طبيعياً... لاشئ... لاشئ.- في الصباح الباكر نُويتُ أن أذهب إلى همدائييت مهما كلفني ذلك، فهي لا تبعد كثيراً عن الحُمرة، مسافة عشر دقائق بالمواصلات المحلية، و ما يُقارب نِصف الساعة بالأقدام. ولكن المشكلة الكبرى هي كيف يمكنني التسلل من المعسكر و العودة إليه مرة أخرى دون أن يعرف ذلك ضباط الرعاية الأجتماعية، و أنا الآن شيخ المعسكر و زعيمه و الناطق بإسم اللاجئين، وغيابي ساعة واحدة سيبدو ظاهراً للجميع.و المشكلة الأكبر هي المخاطرة بحياتي إذا تم القبض علي في همدائيت، سوف يتم إعدامي في ثوان، تماما كما إعدم عشرات الجنقو حيث تأتينا أخبارهم يومياً. كانت المعارك بين الجنقو و الحكومة مازالت مُستَعِرة، و الناس يتحدثون عن إنضمام شباب اللحويين والحُمران إلي مُسَلحي الجنقو، قدروا عددهم بالمئات وأنهم الآن يتدربون علي السلاح في تخوم تسني بأرتريا، ولكي يبدو الموضوع في غاية الخطورة أضيفت إسرائيل إلي الحكاية ويُقسم بعض الناس على أنه رأوا الصهاينة رأي العين وهم يقومون بالتدريب، بينما نفي البعض الآخر أنّ اللحويين أو غيرهم من الإعراب، قد أنضم لجيش الجنقو، لست منشغلاً بالحروب، كنت منشغلاً بخزعبلات رجل إسمه إسحق المسلاتي، جملة عجيبة قد تفوه بها أبت أن تغادر وعي ومنامي... قال لي إنت واقع في سِحْر جِنية.- ليّ رغبة عالية الآن في أن أرى طفلي ولو للحظات قلائل،حتي مسألة ألم قشي لم تعد مُلحة كما كانت قبل أن إلتقي بهذا المُسلاتي المَخَبول،أنا لا أريد أن آخذ منها الطفل على الأقل الآن، إلي أن يكبر قليلاً و يتم فطامه، ولكني أريد أن أراه لا أكثر. صارحتُ أحد ضُباط الرعاية الأجتماعية بموضوع طِفلي، فحذرني، وحكى لي حقيقة ما يدور الآن في المنطقة الحدودية ما بين قبائل العرب و الجنقو من جهة و الحكومة من الجانب الآخر، و أنني إذا نجوت من طرف قد لا أنجو من الآخر. و اقترح عليّ أنه من الأفضل أن تحضر لي ألم قشي الطفل لكي أراه في الحُمرة في منطقة الجمارك أي عند البار، وهي النقطة المتاخمة للنِهر الذي يفصل ما بين الدولتين، وهذه البُقعة لا تبعد عن المنزل الذي تقيم فيه ألم قشي مع بناتها و أبيهم غير عشر دقائق مشياً بالأرجل، وقال لي أيضاً إنّ ذلك سيكون آمناً و برعاية الجمعية الدُولية للصليب الأحمر، و إنه سَوف يبلغهم عندما يحين الوقت، وهم الذين يقومون بإحضار ألم قشي و طفلها إلى هنالك، بالتالي لا داعي للمخاطرة بحياتي، ما عليّ إلا أن أصبر و أحكّم عقلي، فقبلتُ بما إقترحهُ. صبرت إلى أن جاءني ضابط الرعاية ذات صباح وطلب مني أن أكون مستعداً لأنني في الغد سَوف أرى أبني الذي أكمل شهره الأول، وهو بصحة جيدة، ويمكنني رؤية أمُه أيضاً، كانوا يعلمون أنّ ألم قشي قد إنفصلت عني بإرادتها، و يعرف تسفاي الحكاية كُلها، لقد قَصّهَا له كل الذين هربوا معي من الحِلة، كلٍ بطريقته و أسلوبه الخاص. كنتُ وحيداً، كعادتي في تِلك الأيام، أحس بحزن عميقٍ، بل بضياع، وربما أصبحت سريع الغضب لحد ما، وقد تشاجرتُ مع امرأة من الجنقوسرقت تُمباكاً من أحدهم، جاؤا بها إليّ للفصل في الأمر، وكانت لئيمة وغاضبة وحمّلتني كل ما حلّ بها من تشرد وضياع، كل ما قالته يُغْضِبُ، ولكني لست من ذلك النوع سريع الغضب، كما أنّ موقعي كشيخ للمعسكر يتطلب مني الحكمة و الروية، وليس الغضب و التسرع، أتت فجأة الصافية، حدثتني أن مختار علي أصبح مريضاً جداً، و أنّ صحته تتدهور يومياً، و قالت إنه ذهب إلي شَجَرةِ الموت بكامل إختياره، وقدرما حاولت هي و أصحابه، و حتي الشايقي نفسه الذي يأتي أحياناً إلى فريق قرش، لم يستطيعوا إقناعه بالعدول عن رأيه، وقد تركته الآن هنالك وجاءت إلىّ هنا مستعينة بي لأنقاذه، ولقد حَمّلها وصيةً لي وهي:أن أعود مباشرة إلي القضارف حيث أسرتي، وألا أبقى ثانية واحدة هنا في الشرق، لأن مصيري سيصبح كمصيره و مصير كل الجنقو شجرة الموت، وهو لا يرجو لي هذا المصير التعيس. ولكن عندما أصبحنا وحدنا قالت لي، إنّ صديقي هو القائد الفعلي لجيش الجنقوا و العرب،وهو الذي بعثها إليّ، و أنه يطلب مني أن آتي و أقابله في فريق قرش، لأمر ضروري، و أوضحت ليّ هذا الأمر الضروري كما فِي ظنّها، أن إنضم إليهم، قلت لها قولي له: أنا مواطن مدني، وسأظل كذلك، تخيفني البُندقية ويرعبني إسم الحرب ولا يمكنني قتل الإنسان. و أرسل لي معها بعض المال و الطعام المُعلّب و الملابس،استلمت منها كل شيء لأنني كنت في حاجة بالغة للمال، علي الرغم من أن تسفاي ضابط الرعاية الإجتماعية، قد فاجأني بهدية ومعها بعض المال من أجل طفلي وزوجتي ألم قشي، لأنه كان يعلم أنني أعدم القرش الواحد. و سأكون محرجا أمام طفلي و أنا أراه لأول مرة، و أتركه دون أن أقدّم إليه شيئاً، كان يعرف أن ذلك شيءٌ محزنٌ. استيقظت مبكراً، غسلت نفسي جيداً، لبست الملابس الجديدة التي أرسلها ليّ صديقي، و أخذت المال و الطعام المُعلب وهدية تسفاي آملاً أن أقدمهم لأم طفلي، و مضينا في لأندروفر ون تن نحو الحدود السودانية. وبينما أنا في الطريق كانت تطوف برأسي أفكار شتى، لم أكن أفكر في ألم قشي وولدي وحدهما، وهو ما ينبغي علي أن أفعل، و ما يَظُنُ الأمميون أنهُ يَجِبْ، ولكني كنت أفكر في أمور شتى، و أناس شتى، وعلى رأسهم ود أمونة، أين هو ماذا يفعل الآن،وقد عرفت من بعض الجنقو الذين إنضموا أخيراً لمعسكر اللاجئيين بالحُمرة، أن العازة أُطْلِقَتْ من السجن، عندما عرف ود أمونة السبيل إلى مَسئول كبير في الخرطوم، قدمّ له ود أمونة خدمةً خاصة جداً. الفكي علي، أبرهيت، أديّ، بوشي الجميلة، عالم لا أول له ولا آخر، إلى أن توقفت العربة اللاندروفر عند البار الذي يقع على شاطيء نهر سيتيت، النهر الذي تقع ضفته الغربية في السودان و الشرقية في أثيوبيا، كنت أعرف هذا البار، وقد قدمت إليه مرات كثيرة، ولي فيه ذكريات حلوة و مرة، حيتني البارستات، قد تعرفن علي، حيتني القنيش صاحبة البار، لقد سَكرنا معاً، وتشاجرنا، ثم سبحنا معاً علي النهر ونحن سُكارى وعراة تماماً كما ولدتنا أمهاتنا، كانت ابتسامتها التي حيتني بها تحكي كل ذلك. وكنت أبحث عن إبني و ألم قِشي في كل من ألتقيه، إلي أن قادني تسفاي و موظف اللّجنة الدولية للصليب الأحمر إلى غرفة خلفية صغيرة، وجدتها مليئةً تماماً بألم قِشي و طفلي الذي سميته مباشرة محمد وهو إسم أبي. كانت ألم قشي كأجمل ما تكون، و كأرق ما تكون و كأحلى و أشهى و أنضر و أروع ما تكون المرأة، يفوح منها عَبقُ عِطِر جَسْتِسْ الذي كنا نفضله دائماً،وكانت تكحل مقلتيها النجلاوين بدقة تعرف بها، طَلبتُ منها طلباً لا أرجو له إجابة ايجابية، ولكن لمجرد أن أشعرها بأنني ما أزال أحبها، لأنني حقيقة أحبها حباً لم يُنقصه صدها ذرة، طلبت منها أن تأتي لتعيش معي في المُعَسكربالحُمرة، نربي طفلنا معاً إلى أن نجد لنا مخرجاً. قالت لي بالتجرنة و هي تبتسم، وتعبث برأس الطفل، في خجلٍ: أنِىْ نَقَمؤ مَفِي. إلى الآن لا أصدق ما سَمعتُ،أبداً لم أكن أتوقع أنها جاءت لتبقى معي،كم هو مُدْهش عالم النساء، كم هو لذيذ،سوف لا أستطيع أن أعبر عن إحساسي بتلك اللحظة إلا بعد عشرين عاماً، حينما كتبت قصة حياتي و ألم قشي، أبناؤنا الثلاثة و أنا بالمهجر في ولاية فلوردا. ونحن نعود علي عربة اللاندرفر، كنتُ أحملُ طِفلي الجميل محمد،وتجلس ألم قشي قربي، تنظر إلي بين الفينة و الأخرى، كنت أسعد رجل في العالم، بينما أنا أتفحص طفلي و أبحث في ملامِحِهِ عن تفاصيل أسرتنا، إذا بي أشاهد في ظهره، شَامةًً صغيرةً زرقاءَ، تَبُدو في ضَوءِ الصَبَاحِ السَاطعِ، كَرَسمٍ خَطّهُ ليّ فِي الأرضِ ذَلك المُسْلاتِي المُريبْ يمثل: خَاتَم سُليمانْ. ديسمبر2004 أكتوبر 2008 عبد العزيز بركة ساكن |
انشمطت و انقمطت
|
يا هو ده شغل الجن ذاتو
جايين بي مهله بعد ما نقرأ القراية التانية مكتمله |
قريبا سوف نعود للحكايات
وشكرا لمتابعاتكم ونفتح باب النقاش |
العزيز بركة ساكن
حأرسل ليك تلغرافات انطباعية وأتمنى أسمع وجهة نظرك * طرحت في إحدى مداخلاتي رؤيةحول المرأة في هذه الرواية بدت لي كائناً خرافياً مسئولاً فعلياً عن استمرارية الحياة كيان فاعل يعمل على تأمين المعيشة لهذا المجتمع بغض النظر عن الآلية (بيع الخمر أو الجسد أو أم حفتي) المرأة محور هذه الرواية * محاولة خلق كيان اجتماعي تتعايش فيه الأديان السماوية بوئام والنماذج التي طرحتها لرجل الدين المسلم والأسرة المسيحية المتدينة وأسرة الفلاشا هذه الكيانات الاجتماعية التي احتمت بمظلة الجنقو دون أن يتعكر صفو تعايشها الرواية لامست أطراف العلاقات بين هذه التكوينات دون أن تسبر غورها لم تتعرض للصراعات المحدثة التي برزت للوجود مؤخراً * تقنية السرد متميزة جداً وجاذبة اللغة شعرية كثيفة * الجنس كثيف الحضور كسلعة وعاطفة كتنظير أو تأويلات للجسد البشري حتى تسليع الجنس في هذه الرواية أتسم بقدر من السمو والشاعرية * توظيف الأسطورة تم دون ابتسار أو فرض قهري (الحلوف / المرأة السبر/ أنسنة الجن..إلخ) خدمت البناء الدرامي بحرفية * الثورة/الانتفاضة/الرغبة في التغيير على بساطة الأدوات الفكرية التي امتلكها الجنقو إلا أن الثورة الخرائية كانت احتجاجاً مبتكراً على الأوضاع لكن الراوي سعى لتمكين العدو الاجتماعي مهما تصاعدت وتيرة الاحتجاج وفضل الحل الذاتي المتمثل في النهب المسلح للأبرياء حتى الوسيلة التي طرحت لمخرج من مأزق التنظير كانت مبادرة/ منة ذاتية من الصديق ولم أجد مبرراً منطقياً يسوق الراوي نحو تقديم الخدمات الاستخباراتية ولم تقدم الرواية ما يفيد ثمرة هذا الجهد كان من الممكن أن تنمو شخصيات القادة الذين أفرزتهم معركة البنك (الصافية ومن آزرها) الثورة على الظلم لا تتطلب منهج أيديولوجي بقدر ما تتطلب ظرف اجتماعي ناضج وإن كان النتيجة الأفضل التي يمكن الحصول عليها من مناخ الرواية معالجة مؤقتة للظروف لأنه لا يوجد مجال للقطيعة التاريخية/الثورة * بدأ لي رضى وقناعة شخوص الرواية بحالهم نفس القيم والعلاقات الاجتماعية التي شكلت مدخل الرواية كانت سائدة وقت إغلاق الستار * تجربة معسكر اللاجئين ثرة ويمكن أن تفرز تداخلات اجتماعية كثيفة تثري الرواية * لي عودة بعد إجازة العيد إن شاء الله أرجو أن أسمع منك ومن المهتمين حتى نثري الحوار وده نداء للخال خالد عشان يتداخل معانا. |
أسامة يا حبيب أشكرك للدعوة العمرانة عشم..
يا أخي لما أخونا بركة يسرد أنا عادة أكتفي بالمتابعة وملء روحي دهشة.. أخوك عنده "محاولات" في القصة القصيرة .. شارك مرة في الحوار العزيز يركة ساكن عندما شاهدت اسمه كمتداخل في القصة وجدتني أرتجف وأنا أقرأ تعليقه "المشجع" لي و "المجامل" ... أها يا أسامة أنا بتخصص فيك إنت وناس عادل عسوم وكيشو و-إنت ماشي لي تحت- ناس بركة ديل شعرا ما عندنا ليه رقبة ... رغم أن متابعتي لحواراتك هنا يا أسامة كشفت لي عن أن لديك قدرات "ثرة" في النقد الأدبي والأهم من كده متابعتك الجيدة المليانة "محبة" رغم رفض أخونا بركة ليها.. وبالمناسبة دي يا بركة المحبة مالها يا أخي؟ من أقوال الطيب صالح التي أذكرها جيدا قوله : (أجود النقد ما كان عن محبة ). يديكم العافية ... |
يابركة سلام
الزولة الفي السجن عازة شخصية مختلفة ولها خصوصيتها مشت وين الزولة دي كانت بقعة ضوء في ظلام السجن مختلفة عن بقية السجينات لم تظهر لي ابدابعد ذلك كانك اردت ان تقول لنا ان شخوص الرواية غير مكتوب لهم الافلات من مصيرهم المحتوم فهم يسيرون بحتمية غريبة نحو مصائرهم ويدورن في فلك واحد لم ينج منهم احد حتي الشخصية التي توقعت ان تختار لها افلاتا من الدائرة اختفت في ظروف غامضة وتلاشي معها حلمها بان يتعلم ود امونة ويبقي دكتور |
قصة رائعة جدا
|
الخال الرائع
شكرا للاستجابة راجيين عبد العزيز فتح باب النقاش وزاغ بالشباك عندنا إجازة عيد من بكره أسبوع بالله أرجع وما تطول الغيبة |
سلام يابركة وعيدك سعيد..
تابعت الرواية وهى تكتب لأول مرة.. يابركة إنتا عندك ذاكرة مغنطيسية |
[color=#6600FF]سؤال على طاولة النقاش:
- كل الأحداث دارت فى بئية محايدة ...لماذا لم تتصارع الهويات . رغم أن المنطقة حدودية..??[/colo r] |
ما حبيت الروعة دي تلبد في الصفحة التالتة
مستنينك يا بركه |
شرحو يا خائن :D:D شرحو :D:D
|
| الساعة الآن 09:18 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.