خيانة بالألوان (أكمل جريمة لانتقام)
[align=center]مذكّرات
الأصفر[/align] كُلُّ ما جرى معي في الحياة كان محترماً، حتّى نصيبي من النحس فقد قدَّرتني حصّتي منه على نحوٍ فارقٍ من باقي البشر. لدرجة أفرح، إذا أدخلتُ مفتاح شقّتي في القفل وفتح لي، تصوَّر!؟ يا للحظ العظيم! أسمع جارتي تتغنَّج في الشقّة الملاصقة، لا يا عصام، آه عصام لا.. الروج، الروج. تنشطر وحدتي إلى فلقتين تُشْرَعان مع انفتاح باب الشقَّة أمامي. آآخ.. ليتُه روجكم هذا كان مصبوباً، على فم بئر بحالها، يُقَبِّلها فمي، هذا الظامئ، والمشطور جَرَّاء بلاهة الوحدة بما يكفي لذلك التقبيل. أُطْرِقُ وحيداً وصامتاً بداخل شقّتي، فصوت الباب الذي ركلته برجلي قد انكتم منذ برهة. يبقى شبحي يُحَدِّق في عمق بئر النحس والعزلة تلك. لا تَقُل لي تزَوَّج، هكذا ستدفعني إلى ظلام قاع تتعفَّن قبل أن تصله. ألعنُ متمتماً ومتصبراً، أجمل الجنس يمارسه القلب. لطالما فكَّرتُ في الدخول إلى شقّتي عبر النافذة، فـ"الأبواب" دائماً تطاردني بمثل هذه الأفكار. تجعلني أفَكِّر في العثور على فتاة حَفَّارة قلوب، تستخرج مائي وناري، وتُعَدِّنُ من طينتي ولهيبي الإنسانَ. باب مطبخي مُصْفَرُّ البوهية هذا مثلاً، هو أوَّلُ ما أغراني بشارعٍ لم أكن أعرف بأنّه لا يُختتم ببيوت. أو هو من خدعني بشارعٍ يبدأ ببيوتٍ ولا ينتهي ببيوت من جنسها. شارعٌ يبدأ بلافتة تأمرك بالانعطاف يميناً، يساراً، أمامك كلينيك، حضانة أطفال، وهكذا.. لتتعب وتمشي وتكد في المشي، ثم يُقفل ذلك الشارع في نهاية الأمر بشاهدة قبر تحسب ما قطعه الإنسان من زمن فقط.. (متى وُلِدت ومتى تُوفيت). دون أدنى اعتبار للمسافة التي تُحدِّد طبيعة الحياة التي عاشها ذلك الكائن. ودون أدنى اعتبار لسرعة ذلك الكائن التي نقرأ من خلالها حيويته، تفاؤله وفرحه بذلك العيش أو سخطه وتشاؤمه منه. بينما المسافة الدنيوية تبقى جاثمة دائماً على ما معه من زمن مخصَّص لقطع طبيعة الحياة تلك، التي ربما هي وعرة أو سالكة من يعرف؟ فالقانون الكامل لهذه المسألة يقول، إنَّ (المسافة وهي الدنيا) = (السرعة وهي حيوية الكائن) مضروبة في (الزمن وهو عُمُر الكائن). بأي حال، لولا باب المطبخ ذلك لما احتجنا لكل هذا الكلام السخيف والمتقعِّر. فقد فرغتُ من طبيخي وأخذتُ عدَّةَ صحونٍ بين يديَّ، لأجد أنَّ الهواء قد أغلق باب المطبخ. ولكم كنتُ غبياً لحظتها! فبدلاً عن وضع صحوني على الأرض وفتح الباب، أخذتُ أعدُّ ما أمتلكه من أيادٍ وكأنَّني طبختهما مع تلك الوجبة. أهاا يدان فقط، ماذا بعد؟ لأتمادى في الغباء أكثر بما يجعل من الهواء شيئاً اخترعوه في ذلك اليوم، لا..لا، ليس الهواء، بل ما يوازيه هنا وهو المرأة. فبالعدِّ الذي كان سببه الهواء، تذكّرت أنَّ المرأة أيضاً لها يدان. وبإضافتهما ليديَّ سأمتلك أربع أيادٍ، لأتمَكَّن عبر هذا التعاون من فعل أشياء كثيرة في لحظة واحدة، ويا للخوارزمي الغبي الذي ولدوه خصّيصاً لفتح ذلك الباب. تخيَّل أنَّ هذه العمليَّة الحسابية المعقّدة، يقوم بها أسوأ رجل دخل المطابخ منذ تأسيس المطبخ الفارسي العظيم. لماذا؟ كي لا ينكشح هذا الطبيخ التافه الذي يساوي هنا المرأة، التي توازي الهواء. فتهجّستُ منذ حادثة باب المطبخ تلك بالبحث عن امرأة. ليتمكّن منّي في المقابل نَحْسِي ذلك حتّى يلبس كرافتّتي البيج، ويُسَرِّح شعره في مرآتي التي بعرض جدار غرفتي. ليس هذا فحسب، بل ضرب الشيبُ كل سنتمتر مربّع من مرآتي العريضة تلك ونحسي ما يزال في أناقته. إذ كان أفْتَى منّي، ومحظوظاً بحيث أفنى أنا ومرآتي ولا يفنى هو. ومنذ ذلك الحين، أصبحتُ أعبر شوارع دنيتي كلّها، بنظرة متفحِّمة، لن تعشوشب مَرَّة أخرى إلا حين يحل خريف تلك الفتاة كما كنتُ أتخيَّل. مصيخاً بسمعي إلى حد أن لا يملأه صوتٌ عدا وقع خطواتها المُقترِب كما كنتُ أتوقّع. لقد خرجتُ بتمامي، إلى الوجود بتمامه، شاهراً نداءً باتراً، وراء تلك الأنثى الضائعة. بحيث لا يغمد ذلك النداءَ النصلَ مَسْمَعٌ سوى جفير حضنها. أحياناً أقول، المشكلة في المواعيد. فأنا دائماً أتأخَّر بمسافة خطيب، أو أتعجَّل بمسافة شاكوش/ رفض. بالرغم من أنَّني أصحو يوميّاً لأقتلع مواعيدَ إلزاميّة لما فتحتُه مع ذلك الباب كعَرَض، مما هو مواعيد مقيمة وخالدة بالأصل. تبدأ هذه المواعيد المقيمة بلقاء فرشاة الأسنان لدى الخامسة صباحاً، ثم مواعيد الصلاة، فالقهوة، فزحمة القيادة من بحري إلى الخرطوم. وتنتهي بلقاء دفتر توقيع نهاية الدوام لدى الخامسة مساءً خارج بيتي. كي تبدأ ليلاً مواعيد أخرى وثانية، مواعيد فتح الأبواب تلك، و(لا.. لا يا عصام، آه يا عصام.. الروج)، بداخل شقّتي. وبقيتُ ولأعوام، دقيقاً جداً ومنضبطاً تجاه هذه المواعيد العَرَضيّة والمقيمة كلّها. مستفيداً من خبرتي كمترجم لغة ألمانية دقيق وحريص بسفارة محترمة، فكان لا بُدَّ أن أفي بمواعيدي تلك أكثر مما يفعل الموت بمواعيده. نعم، كنتُ أوفى من الموت لمواعيدي، مع أكيد علمي بأنَّ مجرَّد الإيفاء بمواعيد غَزْل رباط الحذاء، التي تُكَلِّف عِدَّة ثوانٍ فحسب، هي في الحقيقة تنتيفٌ جِدِّي غاية الجدّيّة لغَزْل العُمُر ككل. وفي يوم ما، قائظ ولئيم الغبار، سندتُ يدي لشجرة النيم العاتية في مدخل معمل استاك، متوكئاً عليها من وهن الملاريا. بينما الحُمَّى من شدّتها تكاد أن تُبوِّلني كل المرايس التي شربتُها في العام الماضي. لقد أشفقتُ حتَّى على تلك النيمة، خوف أن تنتقل إليها حرارة بدني عبر لمسي لها، فتجعلها تتبوَّل مطر الخريف الفات. هذه البلاد المليئة بالأمراض والإهمال والاحتراب والعنصرية، ومع ذلك نحمل شَجَّة حبها على جبيننا جميعاً. ونستيقظ يومياً لنربط على ظهورنا صليبها الذي هو فوق مقدرة احتمال مليار مسيح. علامة كل مواطن منّا شَجَّة حب لهذه البلاد على الجبين، شَجَّة لا يمكن لنا أن نتفاداها حتّى لو هربنا منذ الأيام التي كان فيها العُكَّاز أخضر وبجذع شجرته الأم، ومهما نركض مبتعدين فسيدرك رؤوسنا فلقها. وبذات العُكاز الذي قطعوه بعد مئات السنين المنقضية على موت شجرته الأم، ثم شرّوه كي يجَفَّ ويتيبَّسَ لدرجة الصلابة والاصفرار، إنّا لله. غَطَّتني النيمة بصفق أصفر، إذ سَرَّحتها ريحٌ صعيديّة، ليتناثر ذلك الصفق الأصفر في كل ناحية. ولتختّصني أنا على نحو شخصي ذخَّاتٌ كثيفة منه، في تتابع أضجرني، فأخذتُ أنفضه عن شعري وثيابي بلا فائدة. خطوتُ إلى داخل المعمل بخُطى أقتلعها من بين أضراس تماسيح لثقلها وصعوبتها. ولكن فجأةً لَمَع ماءُ ذلك المستنقع الأرضي، الذي كنتُ أخوض فيه، إذ أضاءه برقٌ ضارٍ كأنَّه توقيع الله على السماء. وبمثل ما يتجاوز ورق الكتشينة في يد اللاعب بسحبة موفّقة، تجاوزتُ أنا مع فتيل البول رقم 13 في معمل استاك الطبّي بالخرطوم. عبر سَحْبَة لم أكن أدري ساعتها كم من الأنياب السامّة انتقت فيها أصابعي. لن أنسى تلك اللحظة التي اصطدمت فيها أعيننا ببعضها بعضاً، قادحةً بشرر اصطدام سيفين في مبارزة ذات مستوى رفيع لعظمة المتحاربَيْن على حَلْبَتِها. غزتني، نعم غزتني فوراً، ونَمَت عيناها الصفراوان -حينها- بداخل عينيَّ بسرعة نبات لويس متسلِّق، شَقّت جدراني وأزهرت في لمحة من تلك المواجهة المبتورة. "آآآ.. لو سمحتِ..". تلعثمتُ، كنتُ أُريد سؤالها عن اسمها، أو معرفة أي شيءٍ عنها. ولكنها عبرتني بقامتها الرمح، المسنونة لدى حوافها، وذات القناة الطويلة لقطف ما هو سامق من رؤوس الفرسان. لا أدري إن لم تكن قد سمعتني، أو ربما تجاهلتني عمداً، فالمكان والمناسبة مشرعان لأنين المرضى فقط، وليس من الصحّي إطلاق همسات أحبّة بوسط معمل استاك الموبوء أصلاً. لمحتُ فتيل عينة البول في يدها، الرقم 13، وقرَّرت تعقَّبه لدى موظَّفي المعمل بعد أن تنصرف هي، لأنَّها مريضة مثلي والظرف حرج للغاية. الفتيل الشفَّاف، ذو العنق الوسيم، والمليء بالسائل الأصفر، البول، أو بلازما عمري القادم. رأيتُ فيه حياتي المستقبلية بكل وضوح، والأكيدة دون شك. الحياة التي يمكن برهنتها عبر الميكروسكوب مثل أي كائنات مجهريّة لعينة تسبح بالداخل الآن. عوضاً عن حياتي السابقة تلك، التي كانت كأنما تجري بداخل كتاب، ليتأكَّد لديَّ في كل ثانية أنَّني عشتُها صفحةً صفحة، ومللتُها سطراً بعد سطر. ولم يعد من الممكن البقاء بداخلها مطلقاً، فكلّما تحرّك منّي عضوٌ اصطدم بأحد الغلافين. قلتُ لنفسي بجنون قفز فوق آلام مرضي ساعتها، أنا لستُ الإنسان الذي في كتاب، ولن تحدَّني الأغلفة بعد اليوم. طاردتُ أية معلومات مفيدة عن منبع ذلك السائل الأصفر، لدى موظفي استقبال المعمل كلّهم، يسألونني واحداً بعد آخر، قلتَ من؟ "آآ.. أيوة، الأخت، الأستاذة، أقصد صاحبة العينة، كانت تجلس على هذا الكرسي". - أية عينة يا أخ؟ سئمتُ الموقف كلّه، فقلتُ له بمَقَصِّ ضَجَرٍ لا لسان، "أعني يا أخي صاحبة عينة البول رقم 13 التي كانت تجلس على هذا الكرسي الأصفر، هل فهمتني الآن؟". ها قد قصصتُ التساؤلات من ناحية ذلك الموظَّف، ليطالعني هو باستغراب. فمن يقصَّني أنا من عيون هؤلاء المرضى ومرافقيهم الذين لفتتهم ربكة أجوبتي الأولى على أسئلة موظَّف الاستقبال؟ لم يعد الآن من الممكن ولا المفيد سؤاله عن أي شيء يتعلَّق بتلك الفتاة. فالرجل، وكل من كانوا في الصالة، قد أخرجوا عيون البشر الأخرى، المخبأة تحت الكياسة، والتي تُستخدم في التأكّد من كون الناس مجانين أم لا، ليفحصوني. لا فائدة الآن مع تطفل بهذا الحجم. غافلتُهم كلّهم، وتسللتُ لباطن المعمل، إذ فرضوا عليَّ مراقبة جماعية بعد ملابساتي تلك. لأعيد ذات التمتمة الخرساء على موظَّفة الفحص، وبلا فائدة. - آسفة يا أستاذ، معلومات مرضانا سريّة، لا يمكن أدّيك عنوانها ولا تلفونها. ولكن إجراء تلفون متوسِّل إلى أحد أصدقائي ممَّن كانوا يخدمون سابقاً بالمعمل حلَّ هذا الإشكال، مع اشتراط أن لا أُدخل زملاءه في مشكلة. وإن نسي ذلك الصديق أن يوصيني أنا أيضاً بالابتعاد عن المشاكل، فقد أدخلتُ نفسي في كارثة رسمية بإضافة مواعيد عَرَضيّة جديدة إلى مواعيدي المقيمة سَلفَاً. وهي مواعيد انتظار مَريَّا أمام منزلهم يومياً بعد انتهائي من دوّامي، وانتهائها هي أيضاً من دوام عمل في مكانٍ ما لا أعرفه. مرتقباً بهذا الانتظار فرصة مناسبة تُمَكّنني من التعرُّف عليها بشكل غير اقتحامي. إذ لا بُدَّ من فرق بين الطريقة التي يُلقي بها البوليسُ القبضَ على محشِّش بنقو، وكسر خصوصيته. وبين الطريقة التي يُلقي بها الرجلُ القبضَ على عروسه، وكسر خصوصيتها. مع الاعتراف بأنَّ الحالتين تكسران الخصوصية، تليقان بالبوليس، وتنتهيان بالسجن. وفي مواعيد مجاوزتي معها باعتبارها ورقة بنت شيريا مناسبة، وجدتُ نفسي ببطن مجاوزة مع السُّم رأساً برأس! رأيتُ العقارب تتساقط من جسد مَريَّا وتعدو في كلِّ ناحية، بينما جمهرة من الناس تضج وتزعق، ثم تفر. وهي تضحك، العقارب تنمنم لونها الخمري بلون مصفرّ، قاتم، وثقيل. هَلْبُ شعر عنقها وساعديها الأصفر، يشقّه هَلْبُ العقارب الأصفر وشوكاتها المُشْرَعَة بطول مناشير حيتان. بينما الأطفال الصغار يفرّون من وجهها، لتلاحقهم، وهي تضحك. تركتُ مفتاح عربتي في طبلونه، وركضتُ ناحيتها مدعياً الهلع، إذ لمحتُ ذلك الحاوي الجوَّال الذي كان يعرض ألاعيب سحره بتلك العقارب. هي لم تخف منها، بل حشرت يدها بثبات أكثر منه في كرتونة العقارب تلك وأخذت تفرغها على جسدها، من أعلى رأسها نزولاً نحو صدرها، استحمّت بها. أفشلتْ للحاوي أقيامه games، بدُش عقارب أخذتْه في شارع عام. هنا، بالضبط، بدأتُ أنا قيمي. - وااو.. مش خايفة يا مجنونة!؟ تأملتني بصبر مستبد، وأجابتني باستشراف على رؤوس أمشاطها، لتحاذي قامتي، أهلاً بعقلك الجبان. دسستُ ورقة في يدها، على الفور، ببيانات استشهادي. تنصُّ الورقة على أنّني هاربٌ من حتفي، مُذ شَمَّموا رائحتي لخناجر أشواقها، فتبعت المَقاتِلُ دربي قَصَصاً. أنا الذي.. بدونها.. أينما هَزَّ أحدٌ من مدافن الدنيا قبراً فسأسقطُ منه قتيلاً. فهي نيلي الأوَّل وقطاري الأخير. واليوم، بتجاوز أوراق كتشينتي لدى مواعيد العقارب تلك.. أدركتني خناجر الأشواق كلّها. مشتاق ليك يا مَريَّا، لامن خنجر الشوق المدقوق في القلب للعود.. عودو يخضّر. نعم، خنجر أشواقك مغروزٌ في القلب حتّى عود مقبضه، وسأتبع ذلك الشوق إلى أن يخضرَّ عودُ ذلك الخنجر. سألتني عن ورقتي الاستشهادية، التي كنتُ قد جهّزتُها قبل زمن.. عبر طقطقة أسنان فَكّيها مع بعضها بعضاً، ما يعني: أتمضغها؟ أم ماذا تفعل بها!؟ قلتُ لها، أنا أعمى. مددتُ تلفوني إليها، وطلبتُ منها أن تنقل محتوى الورقة لرسالة sms لأجل امرأة صرعتني منذ أوَّل مبارزة لعينيَّ مع عينيها الصفراوين -حينها-، ففعلتْ، وإنْ بتلاعب مستفهِم، مع ابتسامة سُخْر، تجعل من غمَّازتي خدّيها حفيرين يملأهما حامض الكبريتيك. استعجلتُها قائلاً، أرسليها. - إلى أين؟ "إلى قلبك". ضحكتْ بمرح المفاجأة، حين أمللتُ عليها رقم هاتفها. شكراً لعينة البول رقم 13، المصابة باليرقان، مُسَبِّب اصفرار العيون. ملأني إحساسٌ بأنني أُملل أوصاف قبري على معول حَفْر، بعُمق كذا، بطول وعرض كذا، وإلى آخر تشطيب اللحد. - واسمك منو يا شاب؟ "سامي". احتضنتني في شغب، وبما يُبَرعم لغابة وحشية كاملة ستنبت في المستقبل. كي تسقط من على صدرها.. إثر احتكاك ذلك الاحتضان، آخرُ العقارب المتعلِّقة بثيابها. ولتلدغني أُولى العقارب المتعلِّقة بنزوات جنونها المغامر، والعدمي. ومن لحظتها، بدأ زحفُ تلك الحشرة السامَّة في صدري، صفراااء.. عيار 21 من الغَيْرة. |
مرحب بيك و حباب عودتك و ايابك يا محسن يا خالد ،، بالله عليك المرة دي اقعد معانا شوية و بطل زوغان و جري و طيران!! على الاقل عشان خاطر الحتة دي : اقتباس:
|
محسن يا صاحب
صباح الخير يعلم الله أني لم استمتع منذ مدة بقراءة كهذي ... توهمتك في الأول ... ولكنك (ربما ) نجوت من كونك هو ... أنت تعرف سلفا أني معجب بتشبيهاتك الخارقة ... وهي سر الحكي الكامل لكن توقيع الله (البرق ) فاجأني تماما ... المشكلة انك تعلم ان الكلام الذي أود قوله ... لم يقال ولن ( هذه البلاد المليئة بالأمراض والإهمال والاحتراب والعنصرية، ومع ذلك نحمل شَجَّة حبها على جبيننا جميعاً. ونستيقظ يومياً لنربط على ظهورنا صليبها ) بس لا تغيب |
عزيزي فيصل، واحشنا غاية الوحشة، يا إنسان جميل، وأرجو أن تكون بخير، ولك المحبّات والوداد أبداً.
ياخي علي بالحلال في الخاطر الواحد يتَّفن هنا إلى أن يستبين طرف القيامة، إلا ياخي أيامي مربوكة وأدودر فيها دودير القمري. يضحك نهارك. شكراً لك ياخي على هذه الحفاوة التي أتمنى أن أطولها وكن بألف خير عزيزي أسامة، وييين يا! يا رجل أهو إنت حي ولساك وسيم وتقرأ كأجمل ما تكون القراءة. متوحشك بزاف يا صديقي العزيز، الحاصل شنو لا خبر ولا أتر! ياخي أمرق بالسلام وخليك حنين وفي بالك انسراحات أبوظبي، كيف صديقتك ورفيقتك في درب الحياة؟ بلغّها تحياتي ولتكن بخير. التشبيه سمح أفتكر، كل ما زادت غربتنا يا صديقي تزيد غرابة الصور، وكلما استوحش خيالنا تستوحش الأُخيولات. كيف الكتابة معاك؟ بلّغها تحياتي وأبهجنا معك بما تخط |
محسن خالد...
إزيك يا أخي.. يا حاوي الكتابة.. كعادتك تخلق من التفاصيل الصغيرة معزوفة لحنية تخلي الزول يقرأ "وينقر اصابعو لما يرتاح للفكرة" . لا زلت يا شقي تبحث عنها ؟؟؟ تابعت بحثك المخلوط بهذيان الحمي ووصفك "الملعون" للبشر والمواقف : اقتباس:
عليك الشوق ولعناته ما تغيب كتير يا أخي .... |
اقتباس:
حقا...أنا سعيدة كم هائل من الروعة...أجزل الله ثوابك..على ما بثته حروفك فينا من سمو فكري مصحوب بالنشوة. هل من مزيد؟ |
يا خالد يا صديقي، كيفك وأحاويلك؟
مشتاقين ياخي، الكارثة بقيتوني البطل ساكت في صمّة خشمي، القصة دي لا قدام كعبة خلاس، خارجوني منها بدري بدري. يضحك نهارك. علي بالحلال كان بخاتري ما بغيب، الأيام دي لأني مريض حبتين عشان كدا قلت أستغل الوقعة وأشخبط على الحيطان. كن بخير يا صديقي elle،.. مشكورة يا عزيزتي، وأحببتُ منك هذه الدفعة المقوية. شكراً لوجودك في هذا الكتاب، والمزيد إن تسهّلت يبقى قدام. كوني بألف خير |
سلامات يا محسن يا خالد
التقينا بصاحبك/نا ناظم .. في الخرطوم - ذات جبنة ومزاج مواتي -..وطلعنا منّو ب(إحداثيات الإنسان ) ..لا ينقصها شئ سوي عدم (توقيعك) ..كما تنص الرسائل .. حتي متي نتحرفن لنلتقي بكتاباتك ؟؟ حقّ لنا أن نفتقدك ..نحن رفاق الجامعة الذين ما شبعوا منك في تلك الأزمنة حين كنت متاحاً ..وقريباً .. لا تعليق لديّ علي هذا النّص الذي ما اكتمل كما تقول ..وأنا أكاد أكتب لك متطاولا (قرّط علي كدة ) لجمال ما أقرأ .. راجي عودتك بباقي الحكاية أو بدونها ..فأنت رجل تفرحنا حقّا .. ______ حذيفة /17 |
ألف لا بأس عليك ، آمل أن تكون قد تكون غادرت الفتيل نمره طلطاشر، للإطمئنان على صحتك أولاً ، وللإطمئنان على صحة كتابتك ولعشمي في أن تتلون بقية فتائل كتابتك حتى تتضح معالم هذه الخيانة..
وخزني غنج جارتك ، كما وخزتني مريًا ، بل وخزتني كتابتك التي لسبب لا أدريه تجعلني منتشياً. كن بخير وأرسم كما تشتهي أحرفك |
يا محسن كيفك ياخ...
ياخي حصتك من النحس دي حيرتني ذاتو .. لا هي نقصت عشان أقول صاحبي ده خلاص (دربو مرق) لا وصلت الحد البخليك تنسى الفكرة من أساسها قال الغريب يا محسن: آخر كل طريق ... طريق والذي حياني بقرب النهر .. لم يكن ذاك الغريق كان قلبي وكان سيعبر النهر فأعرته بعض الشهيق لكنه ... غرق طبعاً! عارف ونستك الطاعمة دي ذكرتني مغربيات تافهة جداً .. كتمة وكهربا قاطعة وملاريا وصلت حداً من الإلفة أن صارت تسلفك حمى تكفيك دهراًولا تقتلك أبداً.. تذكرني بك وانت في تمام عافيتك تكتب ذي التقول ولدوك في محبرة وتقرا ذي التكنك ممتحن بكرة .. النص ده أنا شفتو ما قريتو .. ذي زمان يعني .. بحضر النصوص حرف حرف وبحفظها قبالك واقراها لأي زول بدءاً من فايز الزعيم وانتهاءاً بـ (عبدو بحث) ود جيرانا الذي كان يؤمن ايماناً لا ريب فيه بأنك من أفضل شعراء الحلمنتيش في العالم. ولسه ما كمل الكلام .. ما بينا لا طلع النهار تحياتي يا محسن وكن دوماً بألف عافية |
يا حذيفة لا تدري مدى سعادتي بك
أرجو إنك تكون لسع بتركض بين قَطَري كتابة، وستسافر فيها ومعها حتماً ستسافر، ياخي مشتاقين، ويا حليلها أيام. بقيت دكتور ليك فِقْرة!؟ وعملت وليدات! وألا لسع مَسْخَة الشعر مِمَسِّخة عليك القِبَل الأربعة، وأوتاد خيمة الاستقرار السطاشر. تعال ياخي خلينا نتونّس شليل، مشكور يا فنّان ولك الوداد والتحيّات شكلنا يا أخوي كبرنا، بقينا نمرض بلا سبب، والحياة ذاتها مشاترة. أخوك بخير، دوماً بخير. وجُزيت وكُفيت على السؤال والمحبّة. مشكور علي ترك أثرك في باحة الكتابة |
كفارة يامحسن لصاحبك الذى أصابته العدوى القاتلة, شكرآ لك ان أشركتنا فى قراءة هذا العمل, كتابة تتور النفس شكرآ لهذا الفضاء إذ جعل مخاطبتنا لك ممكنة, رؤيتك هنا بحق تسعد |
كاظم الزعيم، لا حولالا، بلد ناس خالد الحاج دي تاريها فيها جنس دوابي، يضحك نهارك يقلّع ليك أسامة معاوية، تقول يا بلالي لول لولي أنا بعد شوية يجيك حذيفة النعمان، تقول.. البشيل فوق الدَّبَر ما بميل. تاااح يجيك كاظم الزعيم، ياخي جن يجننك، ميّت إنت وألا حي؟ موسى أوَّل أمس يسأل من تلفوناتك والعناوين، قلت ليه الولد دا بقى عاق، ولقيت شاب فنّان اسمه "مُبر" قرأ عليه كتاباتك لي، وأضاف عليها نصاً لا أعرفه، تتخيل كمية من الحنان اتدفقت وتلفوناتك تقول ناجرها من رأسك. لا تودي ولا تجيب. ياخي شَرَقتَ نهاري. تذكرتَ فائز، أخي الصغير، وأخواتي الصغيرات كلهن، والقلب مسك الشارع والكرعين فطَّن ليه السكة. ضحكتني بعبده بحث، يا سلالام، وين الزول دا ياخي هسع، ما أطرفها أيام. كان مُصر إنو يسمي كتابتي حلمنتيش، لوووول شايف؟ أهو داك حذيفة فوق، تعالوا خلونا نتونّس. متقريف لونسة من الزمن القديم |
الجيلي، يا صديقي في الغار
أمَّا مشتاقين، ولكم تسعدني رؤيتك يا عزيزي. شكراً لهذا الفضاء لأنَّه أكرمني ككاتب بأن أسمع آراءكم وتصويباتكم مباشرة، التفاعل الحي دا يخيّل لي ضرورة ويساهم في إنضاج الأفكار أكثر، وتزيئتها بأجمل الألوان، والتصاريف. لك التقدير الذي تعرف، والحب وكن دوماً بخير يا صديقي |
سلامات يامحسن
راجع الخاص ..وبدل تحندكنا بالونسات .. تم لينا علبة الألوان دي الله يرضي عليك .. داير تتهرّب شكلك ..;) _____ ألف تحية وشوق |
اقتباس:
انت عارفه زي ود الموية و كدا :D:D |
اقتباس:
سلامات يافيصل ياها عوايدو من زمااااااان .. خلّو يجي ينكر ..:) زولك شاقّي لو درب تُرُك في القرية المجاورة .. ومورّط للطّيش ..:D:D غايتو ترانا نحرس ونرجي .. |
الانسان المجرى يسكننا فى كل تفاصيلنا..
|
............
|
محسن
طيبان وفيصل, صباحكم بنفسج ياصحاب.. وجود محسن بيننا وفكرة الإنسان المجرى فى حوجة لإحتفاء دائم, أمسكو فى محسن دا قوى .. |
اقتباس:
وبدت لي حروف موظفي معمل ستاك هكذا لأول وهلة وإن كانوا قد إختلط عليهم بول البقر فتشاكلت وتشابهت عليهم القوارير وجاء علي دفة وريقتي أن كتبوا عليها: حامل في الشهر الثاني وأنا الذي ما زلت أقبع في ترهاتي خلف باب مطبخي اللعين وأنا أسمعها : لا يا هناي .. ده شنو ده ؟؟ بتبااااالغ لكن ... عاوز تعمل شنو ؟؟؟ إنت ما عندك أخوات ؟؟ محسن خالد يا زول يا مجنووووووووووووووون شكراً ليك وبث |
الأعزاء تحياتي أها يا فيصل وحذيفة، كان بقيتوا اللتنين قَبَّاضين أكتر من المعايش أقبضوني، يضحك نهاركم شكراً الجيلي على الأغنية ناصر يوسف، هسع المجنون منو؟ عجبني توجيهك للقصة في ذات الدرب، بلغة ثانية، حميمة ومأخوذة عن أفواه أصحابها مباشرة. أمتعتني وأضحكتني كن بألف خير |
اقتباس:
keep it up thank u :D |
بسملة
ألف شكر لك على التحية والدفع ومرحبا a lot of thanx |
محسن
ما زلت أيها القلم الشقة فى سخريتك القديمة ألم ترعوى وانت تورينا سماحة الدنيا و سوءة شوفنا رغم تمام الرؤية .. و برضك بخيل .. نتحينك كثيرا .. |
الأخ محسـن ..
أمتعتني تعبيراتك التي تكاد تختلج ..أفرد إعجابي بهذا النص الأدبي الرفيع .. أشكرك حتى الآن ... :cool: |
خيانة بالألوان
[flash=http://www.youtube.com/v/SxX6pYrvGy4&hl=it&fs=1]WIDTH=400 HEIGHT=350[/flash] |
صباحاتك بنفسج يامحسن, فى كل مرة أطالع نصك هذا تتنازعنى اشياء عدة, هذه هى الكتابة الباعثة على التفكير, "كبسولات هواجس" .. معك هنا ننتظر أن تكمل.. __________________________________________ * قمت بازالة الأغنية لأنها تسبب ازعاج عند فتح البوست |
معتصم الطاهر يا عزيزي
أمَّا مشتاقين، ولك أجمل المودات والحب سأرعوي يا صديقي قريباً، ولا بُد، خليك متابع، الخُطَى اقتربت كثيراً من حتفها. وحَتَّك في الهداهد الغايبة ونتصنّتك في نترة دعاش متوحشك بزاف يا عزيزي هاشم طه، مشكور يا عزيزي، ومن لاحدي هنا أحاول أفتِّش لي درب شكرانية جديدة معاك كن بألف خير ويا مرحبا مشكور يا الجيلي على إنك هنا وكن بخير يا صديقي في الغار |
الحبيب محسن خالد
في زول قاليك في زول كايس ليك من زمان ؟ دا ما أنا ياخ !!! علي النعمة أنا مكسر فيك كسير مبالغ فيهو .. لمن شكيت في روحي أنا يا ربي عاجبني كلام الزول الإسمو محسن دا ولا الزول ذاتو طالما دخلت في مجادلات محمومة مع كل من يبدي رأياً مخالفاً لكون ما كتبت لا يثري الأدب الإنساني قاطبة .. بل وكنت أغالط قبل أن أقرأ ما كتبت فأجيء لاحقاً لأجد نفسي ما غالطت كويس فأعيد الكرة وأنا أكثر يقيناً بأن الموت حق. فغايتو -زي قال ود اللمين حينما سئل عن آلة الأورغن- دي آلة عجيبة .. الله يديها العافية. فالله يديك العافية محل ما قبّلت. بالله بتجيب الكلام دا من وين؟ |
مجدد التحايا و السلام ..
|
[align=center]يا حولاااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
ياخ انت مبالغة ياخ بجيك راجعة ريثما أستعيد توازني كن بخير [/align] |
اقتباس:
السيد محسن خالد ليك مليون تحية وسلامات وانت بتشبع جوانا لهفة قراية كلام لا بتسمع ولا بتقال .... |
محسن خالد ...
يا عازف اللحن المسجىّّّّّّّّّّّ لاتنم أنزف الم !! (عابرون في حياتنا ... مقيمون في اسفل الروح ..) محبتي وعميق التواصل ... نعناعة جامعة الجزيرة |
[align=center]الأحمر[/align]
في نهار إبَرَي طاعن، سماؤه أسطوانية تلتفُ على الأفق البعيد، والمنازل، وكل شيء، تلتفُ في احتضان معدني مميت. كنتُ ساعتها مُشَوَّشاً، أبكي، بدموعٍ أعمق من محجريْ عينيَّ ولها تيار نيل. أيقنتُ أنَّ مَريَّا تخونني، وتلك الوشاية التي بلغتني، بالأصل، ودون معونة أحد، كانت تنحر صدري. القلبُ حينها إبَرَي طاعن، والشوارع كذلك، نهار النحل عليك أيتها الحبيبة. انتظرتُ قريباً من شارع البوستة، دون طائل. تركتُ المكان وأدرتُ محرك عربتي، ولم أجد عزماً ولا تركيزاً للقيادة. بلغتُ النهر وقريباً منه أوقفتُ العربة هناك، ولم يكن بوسع الأخبار في الراديو شغلي، ولا أي شيء آخر. أأذهب إلى حيث تدلُّني تلك الوشاية أم أنتظر هنا؟ أم أُلقي بنفسي في هذا النهر وأستريح إلى الأبد! أخذتُ أُراقب مجموعة من الصبية أخذوا يتقاطرون، وقلبي يضرب بلا توقُّف. غَرَزَ الصبية خنجراً في الأرض، وربطوا فيه بخيط رفيعٍ كتكوتَ دجاج حي، بحيث تبقى شفرة الخنجر مشرعة في الفضاء، تلمع. استغربتُ في البداية مما يفعلون، ولكنّي عندما مددتُ بصري إلى السماء الأسطوانية، وجدتُها تمتليء بأسراب "مندوف"، وهي تحلّق من بعيد، تلك النسور السريعة والضارية. إنَّه فخٌ إذاً.. هؤلاء الصبية الملاعين يريدون اصطياد ذلك الطائرَ، الصيَّادَ الماهرَ والفذ، وأسرع أنواع الجوارح الطائرة على الإطلاق. ابتعد الصبية قليلاً بعد أن زرعوا مكيدتهم وغدرهم، وأخذوا يراقبون ذلك الشَرَك من جوار أوساخ مرمية بقرب الشاطئ. لا أدري لماذا استكانت روحي فجأة، وكأنَّ أولئك الصبية قد أرسلهم قدرٌ ما، لشغلي بمشاركتهم انتظارٍ آخر، ذي دلالات لم أشعر بكنهها في لحظتها. كانت تلك النسور تقترب ثم تبتعد، تلمح الكتكوت وهو يتحرك في تلك الدائرة المحدودة، بمسافة الخيط التي لا تتجاوز عدة سنتمترات، ولكنها تبتعد مرة أخرى. تقيس مسافة الانقضاض من قرب، تدرسها بعيونها الزجاجيّة الجامدة والمميتة، ثم تبتعد. وفي برهة مُباغتة، انطلق مندوفٌ أربد، في شكل قوس باتجاه كُبري أم درمان البعيد، البعيد، التف حتى تملَّك جناحاه من السماء، من الغمام، من غرور السموِّ كلّه، وعاد منقلباً باتجاهنا في خط مستقيم. صوصأ الكتكوت، همهم الصبية، وانطلق منّي أنا نهيتٌ كالجارح، ومثل قصيفة مدفع انطلق ناحية الكتكوت، فاختبأ ذلك الطائر المسالم في ظل الخنجر، بينما تشظَّى ذلك الطائر المقاتل، على أشعّة الشفرة المُشرعة، مثلما تفعل قذيفة البارود حينما تصطدم بالأرض تماماً. لقد شطره الخنجر بدءاً إلى قسمين، أمَّا قانون القصور الذاتي، فلكي يفكّكه عن تلك الشفرة التي انشبكت في وتينه، فقد قسّمه إلى كيمان حمراء.. حمراء، من لحم جاثم وهامد، وريش أحمر.. أحمر، ما يزال يتطاير بعد. تنهدنا جميعاً، الصبية والكتكوت وأنا، من تلك القسوة الدامية، وذلك الموت الباسل، وفَرِحَ شيءٌ لاهـٍ لا ندري كنهه بأعماقنا. هنا، بالضبط، استيقظتْ غَيْرتي، وتنامت في نفسي أهوال تلك الوشاية. انطلقتُ عدواً ناحية عربتي، وقصدتُ حيث دلّني الواشي. في الطريق، رفعتُ تلفوني وقلتُ محاولاً لجم تلك التبدُّلات كلّها في نبرتي، وينك يا مريّا ست البنات؟ حبيبتي النمرة. - سامي!؟ تسألني بصوت مضطرب. "أيوة سامي، يعني منو..! عندِك حبيب غيري وألا الحكاية شنو؟". تمالكت نفسها، أو ركبها جنونها المغامر، والشجاع في عدميّة لم أرَ مثلها في حياتي. - ما تكون واثق كدا طوالي، أنا زولة حُرَّة، وممكن يوم أبدَّلك بكبابي بلمين. "بدّليني بالبعجبك يا ستي، إن شاء الله سفنجات، بس إيَّاك والتبديل بالرجال". - كدي سيبنا من بياختك دي، مالك؟ "ولا حاجة، لازم يكون عندي عذر يعني عشان أتكلم مع زوجتي! إنت المالك؟ سامع صوت كرعين، كأنك ماشية في الشارع، علي وين إن شاء الله؟ مش مفروض تكوني في المكتب!". - أيوة، بس زميلتنا عيانة، أنا هسّع في أمدرمان. "والماشي معاك دا منو؟". - دي واحدة بتشتغل في شركة جنبنا، بعدين شنو حكاية التحقيق دي؟ "يمكن غيرة، ضمانات حب وكدا". - لو صحيح هو حب، فما عنده ضمانات غير الحب. والغيرة أم أسئلة وتحقيق دي ضمانات سيطرة يا شاب. أصطنع تضاحكاً ما، وتصطنع هي تلاطفاً ما، تنتهي المكالمة. وأشفق عليها في قلبي، يا للكائن وهو يسير في الغفلة! ولكم سرتُ أنا في مذلّة الغفلة قبلها، ولا أدري منذ متى! لكم كنتُ مسكيناً وتافهاً، الآن أكره كل لحظة عشتُها في حياتي. أتخيّل نفسي وأنا أتناول مع زملائي الإفطار بأقرب مطعم للسفارة الألمانية، أهرّج مع الناس، وأضحك بصوتٍ عالٍ، بفرح طفولي، بضجّة، بينما زوجتي، في تلك اللحظة عينها، تتراكض مع غريب ينتزع منها القبلات بزقاق جانبي كمراهقة. أكره زملائي بالسفارة، أصحاب المطعم، من هرّجتُ معهم، الضحك بصوتٍ عالٍ، الفرح الطفولي، ضجّتي السالفة، كل شيء. لا، بل في الحقيقة أنا أكره نفسي وحدها، وعيشها السابق في الغفلة، وتلك هي المفارقة التي تُحيل العمر كلّه إلى إحساس بالابتذال والكُره. شعرتُ بكل ذكرى لي ماضية، تضربني على وجهي، كرهتُ سيلَ الكون هذا منذ أن انحدر عن قمم جنونه. لم يكونا قد انتهيا بعد إلى حيث وكر لقاءاتهما، أي إلى المقهى الذي يتغديان فيه ويتسامران، كما بلغتني الوشاية، ولسوء حظي لمحتهما من عربتي قبل أن يبلغا الموقع، كنتُ أُريدُ قليلاً من الشك في الحقيقة المحضة، كي لا تذبحني. كأن أجدهما في المقهى بالفعل وأقول إنهما يتاسمران فحسب، إنهما أصدقاء، الناس يصنعون الشائعات. لمحتهما فعلاً، وشعرت بأنَّ الرؤية هي الرؤية، وسيبقى ما رأيتُه يضربني على وجهي ما دمتُ حيَّاً. نهار النحل عليك أيتها الخيانة. لم أستطع التَّنَهُّد ولا التنفُّس، ولم تطاوعني نفسي في النظر إليهما، النظر إلى المخلوق وهو يسير في الغفلة. بلوزتها المُشَرَّبة بالتركواز الخفيف والمنمنة بفراشات صغيرة، رأيتُها تطير كلّها وتملأ الجو. نعم سأُحَدِّق، ملء أعماقي وصدري، إذ لا حياة تنتظرني بعد اليوم. وسأحُتُّ خَدَّيَّ من احمرار صفع ما أرى، وأتركهما مبلولين، رافضاً تجفيفهما بنشرهما تحت الشمس، فهي أوَّلُ من عَلَّمني أنَّ لكل "إبصارٍ" فواتير ألم. ولكن هي مَريّا..ـريّا آآآ.. نااا أهيييي مَريّااااا.. تتوقّف العربة دون إرادتي، وأشعر بنفسي ألف مندوف يهبطون من سماء مجيدة ويتشظون على رؤوس طوابي أمدرمان كلّها، بينما الدراويش رماحهم مشرعة في السماء، وقنوات الرماح من تحت الطوابي مثل خراطيش يتكوّن منها النيل، بكامل جبروته وفي امتداده البعيد والأزلي.. اليوم لا يكفيني موت مهما أموت، اليوم لا تكفيني جرائم مهما أقتل. اندحرتْ روحي، وجبُنت مرة ثانية، ليتني ما بَصُرتُ بمريا وعشيقها، حين كانا متخاصريْن، نعم متخاصرين بأحد الشوارع الجانبية، في وضح النهار، وبأتمّ حميمية وجرأة. بينما جسدها الملغوم، الذي خبرتُ كمائنه فيما مضى، كان يتفجَّر لدى كل منعطف من جسد ذلك الرجل الغريب. الذي يُخاصرها لدرجة أنني رأيتُ علاَّقة المفاتيح التي يربطها في حزام بنطلونه، كأنها معلّقة ببنطلون مريا وتتدلى من منطقة حوضها، المائلة عليه بغنج يدفع الفخذين لأعلى، كي تحتك بمنطقة حوضه هو. أيُّ سيولٍ مسمومة جرت بين الحيضان يا ترى؟ وما الذي عرفه ذلك الكـلـب عن زوجتي، عن أعماقها، تكوينها، عن ذلك الجنون الحزين الذي يتخذ في عينيها لوناً لا أعرف كيف أصفه حين يتشرَّب بخلفية عينيها الزيتيتين. مريا التي كنتُ أظنها مشارق المستقبل كلّه لا الغد وحده، ها هي تغدو أمام عينيَّ غروباً لكل شيء. هذه اللحظة ابنة اللحظات التي يشعر فيها (الرجل) بأنَّه لا شيء، أقول الرجل وأركل مفردة "الإنسان" كي لا يشتمل حديثي على المرأة. فأنا كرجل، ومن واقع هذه الحادثة، أدركتُ أنَّ الشخص الوحيد الذي بوسعه أن يخونني هو المرأة وحدها ولا غيرها. الحياة دون خَوَنَة هلكت منذ دهورٍ بعيدة. الخيانة في عالم الجيش والانقلابات نُسخت بكونها التصرُّف، وفي عالم المدنيين والأحزاب نُسخت بكونها السياسة، وفي عالم التجار بكونها الشطارة، وفي عالم الفقهاء بكونها الولاء والبراء. أنا اليوم الرجل الذي لا يساوي شيئاً، مهما كانت قيمته ووضعه في الماضي. وبأفضل الفروض أشعر بأنَّني أُريد أن أصبح قاتلاً للجميع، أياً يكونوا. لقد امتلأتُ بأحاسيس لا تُوصف، وليس بوسع اللوح المحفوظ ذاته أن يسع تدوينها إن رغبتُ في رصدها. أمَّا الأمر الحاسم هنا، فهو تجربة هذه الأحاسيس، وما أسخف القضاة ومحاميي الاتهام والدفاع حينما نراهم يقررون مصائر المُحِبِّين الذين تحولوا إلى قَتَلَة عبر أسئلة سمجة لا داعي لها ولا لتفخيم أصواتهم حين إلقائها كأنهم مُعَلِّقون رياضيون في راديو أو تلفاز. لا تجدُ منهم واحداً يُريد أن يستمع للآخر، بل كلهم يطرحون أسئلة ويخترعون لها أجوبة في ذات الوقت. والموضوع برمته لا علاقة له بما جرى في الحقيقة الإنسانية ولا الوجودية ولا التاريخية، ولا بذلك المسكين المحبوس أمامهم في قفص ينتظر مصيره مثل أي ديك ينتظر شُواته. نعم لا علاقة لهم بالحادثة بتاتاً، وإنما هي هيصة تنافس تتعلّق بما يجب أن تكون عليه أعراف وتقاليد مهنة الشرطي، القاضي، وكيل النيابة، المحامي، وإلى آخره مِمَّن يسترزقون في الحياة من خلال مصائب الناس، ما شخّصه الشاعرُ، أبو العتاهية: "يعيش حيٌّ بتراث مَيْتِ.. يعمر بيتٌ بخرابِ بيتِ". هم لم يعرفوا هذه الأحاسيس التي تنتزع قدمي الإنسان من مشوار يومه العادي، لتضعهما في مشوار مصيره الاستثنائي، الفاجع، والمباغت، حدَّ أن تقول، بفارق دقائق فقط، قبل رؤيتي لهذا التخاصر، كنتُ إنساناً، فما أنا الآن يا تُرى!؟ دقائق فحسب، كنت أمر بأعراف وتقاليد مهنتي الطبيعية، المترجم، وهاأنذا قد تحوَّلت لكائن أنا لم أعرفه من قبل، وأنكره مثلكم، وأمقته أكثر منكم لأنني من تضرر منه وليس أنتم، بينما هم سيتعاملون مع الوضع وكأنه مصوَّرٌ في فيلم أو مسرحية. صحيح، فما أجمل أن تقشِّر التسالي والمَدمَّس، في بيتك وأمامك التلفزيون، بينما أنت تدين وتلعن هذا القاتل اللعين، ولكن الأشياء تختلف حينما تزور الناس في عظامهم لا في شبكيتهم، وحين تدهمهم في باحة بيوتهم التي ما هي بشاشة تلفازهم. لو حكى لي أحدُ الناس، في السابق، قصة خيانة زوجة أو حبيبة، مستخدماً جملتي الذكورية التي تقوم ضد قوانين الجندر هذه.. (هذه اللحظة ابنة اللحظات التي يشعر فيها "الرجل" بأنَّه لا شيء). وكأنما المرأة المُخانَة لا تشعر بالخيانة سِيُّ الرجل. لغضبت منه، ولوجدتُ من النفاق ما يكفي لكي أحاضره عن المرأة، والمساواة، ولكن في الحقيقة الأمور تختلف بدرجة كبيرة. فثقافة الجمع بين أربع نساء، الإسلاميّة، ربما تركتْ في قلب المرأة إقراراً خاضعاً بحق الرجل في الخيانة، بل وشرعية ذلك كمكافأة له، وفكرة أن الرجل بوسعه أن يتزوج أربع نساء، بشكل شرعي كما يزعمون، يبدو أنها قد تركت في الرجل استعداداً للخيانة أكثر من المرأة. أمَّا حقيقة أنَّنا المحاربون كرجال، وأنَّ الطارق في الليل نخرج له نحن لا هن، وإن كان ضيفاً أو محارباً، فكل ذلك لا يعني أننا يجب أن لا نُخان، وإنما على هذا الخائن توقع تحولنا إلى قتلة، غصباً عنا، إذا ما اختاننا أحدٌ، فنحن محاربون كما عودتنا ثقافتنا. بأي حال، أنا كرجل، ومن واقع تلك اللحظة الناسفة، تأهلت لدور قاتل، للأسف، ولم أتأهل لدور فيلسوف. لم أنسَ إيماني السابق بقضايا الفمينيزم واللفتيزم والجندر، ولكن لم يعد بوسعي السيطرة على نفسي، خصوصاً أنَّ مَريَّا لم تعرض عليَّ تركي من أجل ذلك الضب الذي تخاصره. كنتُ سأموت بأي حال نتيجة فقدها، ولكن أن أفقدها وأنا أحبها وهي لم تخدعني ولم تخنِّي، لا يساوي ولا يشابه تجوالها بين فراشي وفراش رجل غريب. كيف لمائي أن...؟ لا.. الفمينزم واللفتيزم والجندر، بواقع لحظتي هذه، أقول بكامل عُتوَّة رجولتي، منذ اليوم فصاعداً يساوي عندي الشكشيزم. ولكن مهلاً، من سأقتلُ أوَّلاً؟ هو؟ أم هي؟ |
نعمات حبابك وإزيك
مداخلتك دي جديدة، وألا تابعة للومي القديم؟ وانقطاعي عن هذه الساحة، وعن الأحباب بجاي، نرجو الصفح. لووول يا عزيزة، أيام النش لا بتتودَّر ولا بتتحضَّر، بقت لينا في العزّاها الله من الذكريات. أرجو إنك تكوني بخير |
محسن المحسن احسن الله ايامك ولياليك يازول يافووووق مستني شنو ؟؟ مرساتك حتلت جوه الروح أهبط جوانا و بل الشوق ماخليت فينا صبر ..متوهطين الدايمة وراجينك اقول قولي هذا واستغفر الله لي ............... |
اقتباس:
نحن !! نحن من سنقتل ان لم تكمل علبة الوانك ...فينا ! محسن سعيدة بوجودى اثناء رجوعك تانى ماتغيب لو سمحته ؟ سمح ؟ |
اقتباس:
|
صباح الخيرات ياصديقنا المجرى,
مرحبآ بعودتك يامحسن , واتوحشناك بالزاف |
| الساعة الآن 07:18 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.