سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   الســــــرد والحكــايـــــة (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=14)
-   -   أسطورة الفتى المرسل (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=14839)

Mema 29-05-2010 01:24 PM

أسطورة الفتى المرسل
 
بدأ ذلك في زمن سحيق عندما كان الليل سلطان المكان ,, فما أن يقبل حتى يفرض قانون الصمت ويلف به
القرية المستكينة بين أحضان النهر العظيم ,,,والذي كان يحيطها بأذرعه العملاقة من جهاتها الأربعة
كما يحيط بالمعصم السوار .. كل شيء كان يسير بهدوء في منظومة متكررة رتيبة حيث تتشابه كل الأيام
وتتطابق اغلب التفاصيل .. ويندر حدوث أمر يشذ عن ذالك الإيقاع المتتابع منذ عهود بعيده
إلى أن تم إعلان العصيان على حكم الليل ..عندما تجرأ أحدهم على اخترق حاجز السكون بصرخة
طويلة مدوية صادرة من الأعماق ,,في وقت ما في الثلث الأخير منه و يبدوا انه قد واظب مؤخرا على
ذالك الفعل في كل ليلة..

Mema 29-05-2010 01:27 PM

كان ذلك هو (حكيم) .. ابن الحاجة (مريم) ولم يكن عمره قد تجاوز السادسة عشر وقتها ..

تهرع الحاجة مريم بعد أن تقفز من فراشها مذعورة ,,تسرع لتتفقد ابنها فتجده ككل مرة
يجلس وسط فراشه مبللا بالعرق ..شاخص النظرات .. تتوقف وتتفحصه من بعيد للحظة
ثم تزفر وتحل نظرة عطف مكان القلق المطل من مقلتيها ,,تتقدم وتمسح على رأسه
تقول في حنان؛
_لا تخف يا بني .. مجرد كابوس
يبتلع ريقه بصعوبة ,, تسعفه ببعض الماء يجرعه ويأخذ نفسا عميقا .. محاولا جمع شتات نفسه المبعثرة
تسأله بشيء من الحزن:
_هل راودك ذات الحلم؟
يومئ إيجابا دون أن يقول شيئا تزفر مرة أخرى وتمد يدها تحت وسادته
تخرج لفافات ورق صغيرة وصرة قماش مخاطه الأطراف ومصحف صغير
تقول :
_كل شيء هنا .. الرقية والحجاب وحتى كتاب الله...
هل توضأت بالمياه الذي جئتك بها من الشيخ عابدين قبل ان تنام؟
يومئ مرة أخرى ..
يقول وبصره يسبح عبر آفاق لا حدود لها :
_ ليست مجرد كوابيس ....أعتقد أنها رسالة ...
_رسالة؟
_نعم ..
يصمت مفكرا للحظة ثم تتبدل لهجته... تصبح أكثر حزما ويقول مؤكدا:
_نعم .. يا أمي .. إنها رسالة من السماء .. الوقت ينفذ والموعد يقترب
لذا قررت المضي غدا لتلبية النداء
تذعر لقوله .. فقد كانت تظنه يفقد صوابه
والآن هي شبه متأكدة
تقول
_لا عليك .. نم الآن ولتكن مشيئة الله في الغد

Mema 29-05-2010 01:31 PM

تشرق شمس يوم جديد .. وبعد أن تفرغ من تعبدها في محرابها تتوجه الحاجة مريم للموقد و تُمضي
بضعة دقائق في صنع بعض من (الزلابية) الطازجة تحملها لابنها في صينية معدنية
مع كوب من الشاي الاحمر وبعض السكر لا تلبث أن تسقط من يدها فتتناثر محتوياتها
ويتحطم الكوب على الأرضية الترابية للحجرة عندما يجفلها غياب الابن في تلك الساعة الباكرة من الصباح..!!

,,
على الطريق الرئيسية الكبيرة ,, تلتقي بمجموعة من المزارعين المحملين بأدواتهم البدائية والمتجهين
إلى الحقول ,,,تلقي عليهم تحية الصباح بسرعة وتسألهم عن ابنها ..
يقول احدهم ربما كان الأكبر حجما في المجموعة:
_سمعته يصرخ ليلة الأمس .. يبدو أن الشيطان لا يزال متمكن منه ..
تقول منزعجة
_انها مجرد كوابيس .. هل رأيته اليوم؟
ينزل حمله على الأرض ويشير إلى ضفة النهر الشرقية قائلا :
_انه هناك .. ويعلم الله أن شيطانه قد تمكن منه تماما

النور يوسف محمد 29-05-2010 01:46 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
ميما ..
اسعد الله أوقاتك ..
تأثرنى هذه الأجواء التى تحيطين بها عوالم البوح ..
تأخذين القارئ الى وسط الأحداث بلهف وهدوء ..
.
..
...
أحس بأنى أقرأ لك نمطاً جديداً فى الكتابة :)

تقدمى فإنا موعودون بإبداع ورؤى

ناصر يوسف 29-05-2010 02:04 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Mema (المشاركة 234317)

_انه هناك .. ويعلم الله أن شيطانه قد تمكن منه تماما

[align=right]وما زلتُ أنا أقبعُ بين ضفتي النهر أبحثُ عنه هناك

بيد أنني أري والدته الحنون تهيمُ في الفلواتِ عساها أن تلحقُ بهِ هناك بين شطئان النيل

ميما

في إنتظار التتِمات بكل شغَف
[/align]

Mema 29-05-2010 07:34 PM

العزيز النور محمد يوسف

أعترف بأنني لا أجيد التقولب
وأسكب أفكاري كالنهر الذي يجري
حيث يستطيع وكلي أمل أن يصب
حيث أتمنى وأن تصل الفكرة الى
من يقرأني مقرنة بالأحساس المرافق
وبعض من الجمال

وقد أجد قالبي يوما ما
فألتزم بحدوده .. ربما



حقيقه لا أعرف كيف اصف بهجتي
بقراءتك العزيزة وبحضورك
وملاحظاتك القيمة .. ولكم احتاج
لصقل ما أكتب ولا يتم ذلك
الا بمساعدتكم التي انشد دوما
وبتوجيهاتكم التي تهمني كثيرا

شكرا كثيفا
وكل الود والتقدير

Mema 29-05-2010 07:41 PM

العزيز ناصر يوسف

ما أبهي المساحات التي تكسى
بخضرة حضورك الندية
فسلام عليك اينما كنت
واينما حللت


يعز علي أنتظاركم
لكني اخشى ان ادليت بكل مالدي
أن يصعب تتبع الكلمات لكثرتها
وقراءة الشاشة امر صعب ومتعب
او أن يصيبكم الملل

ارجو ان تتقبل عذري
وان تبقى دائما بالجوار
وما اسعدني بوجودك دوما

مودتي وتقديري

Mema 29-05-2010 07:55 PM

تتجه بخطى سريعة إلى الضفة لتجد ابنها جاثيا على ركبتيه بين الحشائش اللينة والطمي
يحمل ماعونا يغرف به من ماء النهر ثم يقذف بمحتويات الماعون بعيدا ليعيد الماء إلى النهر مجددا
تقول مندهشة..
_ماذا تفعل ؟
لا يجيب
يتملكها القلق ,, تعيد سؤلها و تحاول اخذ الماعون
يجذبه في عنف ويقول في عصبية
_عودي إلى البيت يا أمي
يشرع القلق في أكل خلايا احتمالها تقول
_ليس إذا لم تعد معي
يكف عن ما يفعله ويستقيم واقفا ثم ينظر إلى عينيها مباشرة ويقول
_ستغرق القرية إن توقفت عن عملي هذا لحظة واحده..
يدور رأسها وقد تحققت مخاوفها وتهمس
_لا حول ولا قوة إلا بالله .. أي كلام هذا .. أرجوك توقف
وهيا معي الى البيت
_سيفيض النهر كما لم يفعل قط
وان لم أمنعة سيموت الناس أجمعين .. ستغرق القرية بمن فيها
هذا واجبي .. ولن أتوانى عن أداءه فحياتكم الآن بين يدي
غص قلبها بالألم .. ولم تجد بدا من العودة وحدها
في انتظار ان يتبعها

Mema 29-05-2010 07:58 PM

لكن ذلك لم يحدث ...ورغم محاولاتها اليائسة لإقناعه
بقي في موضعه أيام طويلة يباشر عمله الغريب بجد واجتهاد
لا يتوقف الا لحيظات ليأكل فيها شيئا يسيرا مما واظبت
أمه على إتيانه به من زاد ..
كانت تجلس إلى جواره باكية تارة و داعية متمتمة بالتعاويذ والآيات الكريمة تارة أخرى
عسى ان يتخلص من ما الم به ...
انتشر خبر جنونه الأكيد بين الأهالي .. فكانوا يأتون لمواساتها بين الحين والآخر
في مكانها على الضفة .. وبقى الحال كذالك حتى حدث أمر خطير قلب موازينهم وتحول حكيم ود مريم
بين ليلة وضحاها في نظر الناس جميعا من معتوه مصاب بالمس الشيطاني الخبيث الى ملاك حارس
أو نبي مرسل ..!!

النور يوسف محمد 29-05-2010 08:44 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Mema (المشاركة 234494)
العزيز النور محمد يوسف

أعترف بأنني لا أجيد التقولب
وأسكب أفكاري كالنهر الذي يجري
حيث يستطيع وكلي أمل أن يصب
حيث أتمنى وأن تصل الفكرة الى
من يقرأني مقرنة بالأحساس المرافق
وبعض من الجمال

وقد أجد قالبي يوما ما
فألتزم بحدوده .. ربما



حقيقه لا أعرف كيف اصف بهجتي
بقراءتك العزيزة وبحضورك
وملاحظاتك القيمة .. ولكم احتاج
لصقل ما أكتب ولا يتم ذلك
الا بمساعدتكم التي انشد دوما
وبتوجيهاتكم التي تهمني كثيرا

شكرا كثيفا
وكل الود والتقدير



بسم الله الرحمن الرحيم
ميما ..
اسعد الله أوقاتك بكل خير ..

من المقتفين أثرك دوماً
وصدقاً فلحروفك وقع ولكلماتك خطى ..
وآسف لوعدٍ قطعته ولم أوفيه .. فحراك الحياة يلهينا عما نحب ونهوى ..

لا أجد أبلغ من وصفك لأسلوب الكتابة لديك من هذا الوصف الذى إنتقيتيه ..
فهى تماماً كالنهر ..
وللنهر فى جريانه أحوال ومشاهد ..
وربما تدفق وتمرد على شطآنه ..
اراك اليوم وأنت ترسمين لمجرى النهر خارطة أنيقة التضاريس
ولوحة ترى من على بعد سحيق
لذا تقدمى فساكون بالجوار ........... حتما
ً

خالد الصائغ 30-05-2010 08:31 AM

الرائعة Mema

ما زلت أتتبع وقع خطوات حرفك المعبر

أجزم أنه قد رسخ قدميه في مدن الإبداع


أطيب المني

Mema 30-05-2010 04:22 PM

العزيز النور محمد يوسف

يعلم الله أنني لا أزال قيد انتظار
قراءاتك .. وسأبقى كذلك دوما
ولا زلت امني النفس برؤية
تجمع شتات لغتي وتشذب ما
نشز منها وشذ
واعلم انني سأحظى بها يوما ما

وبرغم ذلك .. فمتابعتك وقراءتك
في حد ذاتها انجاز تفخر به
الحروف وتحتفي به الكلمات

فالشكر اليك جزيلا جميلا كما تستحقه
وكما ارجوه

مودتي وتقديري دوما

Mema 30-05-2010 04:25 PM

العزيز خالد الصائغ

ما أسعدني بأشراقتك البهية
على نثر الحروف
فبنورك يكتمل اخضرارها
ربيعا انيقا
ويكتمل احتفاءها مهرجان
فرح وعيد انتصار


لك ودي وتقديري
وشكري الجزيل

Mema 30-05-2010 04:30 PM

حدث ذلك عندما اتفقوا على ان يحملوه مرغما الى البيت ليقيدوه الى فراشه ثم يأتون بالشيخ عابدين فيقوم باخراج
ما تلبسه من ارواح شريرة عله يعود الى رشده وعقدوا العزم على أن يفعلوا رفقا بحال والدته المسنة...
لم يكن انتزاعه من مكانه صعبا رغم مقاومته المستميتة فقد كان هش البنية غض العود وقد أرهقه الوقوف لأيام وليال طوال
بلا نوم او راحة فحملوه دون جهد يذكر وبين صرخات اعتراضه وتوسلاته توجهوا به الى منزله مشيعين بعدد كبير من سكان القرية..
لكن ما ان ولوا مبتعدين حتى لاحظوا أمرا مستنكرا غريبا ..

فقد كانوا يمشون بخطواتهم السريعة الواسعة لكن دون ان يبتعدوا حقا عن الضفة !!
ولما نظروا امامهم كانت مساكنهم قريبة تفصلهم عنها امتار قليلة
هي المساكن ذاتها التي كانوا يعرفون انها تبعد عن الضفة بضعة اميال !!
وبينما هم في دهشتهم وحيرتهم صاح فيهم
_النهر يفيض .. سيغرق الأرض بمن فيها دعوني لأنقذكم من موتكم المحتم
كان الخوف قد تمكن من قلوبهم فانزلوه سريعا وناولوه ماعونه فأسرع يغترف من الماء
ويلقي به بعيدا في بطن النهر ...ولدهشتهم تراجعت الضفة شيئا فشيئا أمام ماعونه السحري
كاشفة عن المساحات الكبيرة التي كساها الماء في الدقائق المعدودة الماضية..
حتى استقرت في مكانها المعهود بعد ساعات من العمل الجاد
وهكذا امن الجميع به وبرسالته ... وعزوا الامر لزيارة والدته بيت الله عندما كان ينموا في احشاءها
قال الحاج عابدين
_هذه بذرة صالحة سقيت بماء مقدس وتنفست هواء طاهر
لابد ان تنتج رجل صالح او نبي كريم

Mema 30-05-2010 04:34 PM

ومن يومها اصبح الفتى حكيم موضع تقدير واحترام واهتمام الجميع فالكل ينشد راحته و يأتيه بما يشتهي من طعام ..
وهو لا يزال قائما في موقعة على الضفة ويتناوبون على السهر بقربه لمؤانسه وحدته وحمايته من وحوش الليل المحتملة ..
بل وتجاوز الامر ذلك الى ان البعض كانوا يطلبون منه أن ينفث في أوانيهم المملوءة بالماء من حيث موضع قديمة ويستخدمون
ذلك لرقية والعلاج ....
وعاشت والدته حياة الأمراء بعد أن تكفل بها كل الأهالي ,, وبنوا لها بيت كبير بجوار النهر لتكون قريبة من ابنها
أثثوه بأجمل الأثاث وأفخره ولم يكن يخلو من زائر ولا من طعام وشراب .. الكل كان يأتيها بالهدايا المختلفه
الكل يسأل عن حالها ويتفقدها في كل لحظة


بقي الحال على ذلك المنوال بضعة سنوات ,, وصلت فيها أسطورة حكيم الفتى المرسل الى أقصى أصقاع الأرض
وكبرت في القرية حتى أصبح اسمه ينقش على ولأبواب والنوافذ وحلي النساء لجلب الحظ وطلب البركة
والحماية من العين والحسد ..وأقام له الأهالي سقف جميل من القصب وزينوه بالحرير والخرز ولأزهار
وأصبح موقعه مزار لا يخلو من الزوار والهدايا من داخل وخارج القرية
وكانوا يحتفلون بعيد الرسالة في تاريخ اليوم الذي جاء فيه الى الضفة من كل عام
ينظمون مسيرة يزفونها بالأغنيات والطبول ويشارك فيها اغلب الأهالي حيث تبدأ من موقع منزله القديم
وحتى موقعه على الضفة .. وعندما يبلغونه تقام طقوس الاحتفال التتويجية فيلبسونه عقود الخرز
وسبح (البلح) و(الالوب )ويربطون معصمية بخيوط الصوف الملون المجدول
ثم يبدلون وعائه باخر يصنعونه من أجود المواد بعناية ويزينوه بالنقوش والالوان ..
أما عن حكيم .. فقد نذر نفسة لمهمتة المقدسة وراح يعمل عليها ليل نهار بلا كلل ولا ملل
تجرد من متاع الدنيا ..فلا زوجة ولا مال ولا ولد ..
وعندما وافت والدته الحاجة مريم المنية .. اقيمت لها جنازة تاريخية ...وحداد طويل ..
لكنه لم يغادر مكانه قط بكاها على الضفة وتكفل الاهالي باحضار جثمانها له ليودعها
ودفنت في اعلى قمة في القرية تحت نخلة عجوز .. واصبح قبرها معلما من معالم القرية
ومزارا للمتبركين

Mema 31-05-2010 01:55 PM

مر الزمن وتلاحقت السنين .. وتبدلت ملامح القرية الصغيرة لتصبح مدينة كبيره
واختفت من على وجهها خضرة المزارع المترامية الأطراف وحلت مكانها الألوان
المختلفة البراقة للمباني الفاخرة شركات و مصانع و مدارس ومشافي و بيوت
حديثة وشوارع مروضة وعربات فاخرة ..
وانحسرت المباني المتهالكة الطينية في بقعة محدودة على احد جانبي المدينة
الكبرى والتي كان يقطنها الفقراء

لم يكن لمرور الزمن تأثيرا يذكر على الفتى الحكيم .. فبرغم مرور كل تلك السنوات بقى
على حالة الذي جاء به قبل خمس مائة عام او يزيد من بيته الى الضفة ..!!

وكان الناس قد اتفقوا في مرحلة ما على توكيل امره الى لجنة خاصة مكونة من بعض من تم انتخابهم
من قبل الاهالي لاستقبال مساهمات السكان وتجنيد العاملين لخدمته وراحته
بداية كانت الفكره موفقة لانه ومع ازدهار التجارة والصناعة..وظهور الفوارق الاجتماعية
بشكل صادم تبعا لذلك ...انصرف الناس الى امور الدنيا وجمع الرزق وتحسين المعيشة و تسارعت
وتيره الحياة على نحو حاد وازدادت صعوبة وتعقيدا ..

Mema 31-05-2010 01:57 PM

وشيء فشيء.. راحت اسطورة الفتى حكيم ورسالته المقدسة تخفت وتبهت
ولم تعد تتناقلها الاجيال بذات الشغف واصبح منظره على الضفة أمر مألوف كمنظر الشمس والقمر والنهر ذاته
ولم يعد يثير الدهشة ولا الاهتمام فقد بدا وكأنه شيء مسلم به ككل تفاصيل الحياة التي تمضي دون ان نهتم لها
او نفكر في حقيقتها واسبابها ومدى اهميتها

وشيء فشيء .. تبدلت أحوال الجهة المسؤولة عنه وتبدل المفوضين فيها الى أشخاص لا يقدرون اهمية ما يفعله
على الضفاف .. وتلاشى الدعم المقدم من الناس وحل مكانه مخصصات من خزينة المدينة راحت تتضاءل
كل يوم حتى اصبحت مجرد اسم لا يسمن ولا يغني من جوع ووجد الفتى المرسل نفسه بعيدا منعزلا عن الناس و العمران
يقضي ايام طوال بلا زاد او انيس .. يعصف به البرد والجوع والمرض وليس هناك من يهتم لامره او يقضي حوائجه ..
اهترء ماعونه وامتلاء بالثقوب ولم يجد من يبدله له او يعينه على ترميمة واصلاحه ,,,
والأسوأ من ذلك انه ومع ذلك التقدم الملحوظ تم ردم الضفاف لتوسيع رقعة العمران اميالا كثيره,, فازداد كلي محيطها عظما
فتضاعف عليه العمل ... وتضاعف جوعه ورهقة وبؤسه تبعا

وبهذا اصبح منسوب المياة يعلو يوما بعد يوم ..حتى غمر الشوارع و المباني القريبة من النهر ...
فاستجاب الاثرياء لتلك الظاهرة بأن امنو منازلهم بصرف الكثير من الاموال في بناء الاسوار الشاهقة وردم الماء وحفر القنوات
بينما وقف الفقراء عاجزين امام الطوفان المقبل ,,,, فتناقلت وسائل الاعلام اخبار حزينة متفرقة عن حالات غرق لطفل
كان يلعب في منطقة قرب النهر ..او شيخ كان في طريقه الىمسكنه بعد الفجر .. او نسوه كن يتنزهن على الضفاف
وكذالك تتباعت انباء الخسائر الفادحة الذي تكبدها اصحاب المنازل و المصانع القريبة للضفة بسبب الماء..الفائض ..

Mema 31-05-2010 08:59 PM


غضب الناس وثاروا وأشاروا بأصابع الاتهام للفتى حكيم وبعد ان كان قديسهم المرسل وملاكهم الحارس أصبح
مجرما ومدانا في عيون الجميع.. وراح الناس يتبادلون القصص المسيئة له .. وينسبون كل الأحداث المأساوية
إليه .. حتى أصبح كنذير شؤم ورمز للموت والخراب ....فكرهه الصغير قبل الكبير .. ازداد حزنه وانكساره
وتحطم ما تبقى من ماعونه فراح يغترف الماء بكفيه ..مكافحا بيأس هجوم الموج على المدينة الكبيرة ..
وتزايد عدد الضحايا وارتفعت نسب الخسائر ...وتزايد غضب الناس وحنقهم عليه حتى الاطفال كانوا يشتمونه كلما
مروا به ويلقون عليه الثمار الفاسدة والحجارة وينعتونه بأقبح الاوصاف ..
لكنه لم يكن ليتوقف لحظة عن معركته الازلية ليبعد النهر العنيد عنهم ويمنعه عن حصد المزيد من الارواح


و جاء اليوم الذي خارت فيه قواه ,,ونضب فيه احتماله
ووصل صبره الى نهايته ...فتوقف عن العمل ..ولأول مرة منذ مئات السنين..!!

ولم تمض بضع ساعات حتى أحتشد الناس امام الضفة مجبرين فقد ابتلع الماء اجزاء
كبيره من المدينة . فغرقت طرق ومدارس وتهدمت المنازل وكان معظم الدمار من نصيب
حي الفقراء
كانوا غاضبين .. ثائرين .. محملين بالعصي والاسلحة البيضاء ..وتقدموا اليه وكلهم تصميم
على أن يقتلوه وقبل أن يبلغوه شق صفوفهم رهط من العسكر يتوسطهم مجموعة من المسؤولين
قال أحدهم
_جئنا لنطلب منك أن تعود الى عملك بالحسنى
والا سنخضعك الى محكمة المدينة .. وحتما ستدان فيها
بقتل الأبرياء وتشريد الضعفاء وسيكون مصيرك السجن والهوان ..!!

بدى الحزن يخيم على وجه الفتى حكيم تجاعيد كئيبة وتبدلت ملامحه وكأنما كبر عشرات
السنين دفعة واحده ...وفاضت عيناه بالدموع ..وبدأ جسدة يرتعش ويتصبب منه العرق ليختلط بماء
النهر فيزداد غضبه وفيضانه
_ايها الفتى الحكيم .. أنت مطالب بالعودة فورا الى
عملك .. والا ..
يزداد ارتعاش جسده .. تنمو قشور داكنة قاسية على جلده..
_ايها الفتى الحكيم .. باسم محكمة العدل الكبرى في المدينة
أنت متهم بالتقصير والقتل والتخريب
تتمدد ذراعاه وتستطيل اصابعه وتتلاصق وهو لا يزال في ما يشبه الغيبوبه
,,يتزايد الماء ارتفاعا ,, فيزداد غضب الناس وخوفهم يتدافعون ليبلغوه .. فيحول بينه وبينهم جدار مائي هائل
ينبعث من بين الامواج الثائرة يقف شامخا لبضع لحظات ,, ينهار بعدها عليهم فيغرقهم اجميعين
ويحملهم الى قلب مارد الماء الذي يواصل التهام الارض بمن فيها حتى اختفت معالم المدينة تماما
وتحولت خريطة النهر في تلك المنطقة الى مجرد اتساع هائل في مجراه بعد ان كان تفرع محيط بجزيرة كبيره
ومن يومها تبدل ماء النهر العذب ليصبح ملح اجاج . ..وخلا من كل اشكال الحياة الا من سمكة فضية ضخمة
يزعم البعض انهم رأوها في عدة مناسبات .تققز عاليا من النهر وتحديدا في منطقة الاتساع ...!!


(تمت)

محمد عبد الرحمن 01-06-2010 03:43 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Mema (المشاركة 235483)

غضب الناس وثاروا


اقتباس:

أنت متهم بالتقصير والقتل والتخريب
تتمدد ذراعاه وتستطيل اصابعه وتتلاصق وهو لا يزال في ما يشبه الغيبوبه


اقتباس:

ومن يومها تبدل ماء النهر العذب ليصبح ملح اجاج . ..وخلا من كل اشكال الحياة الا من سمكة فضية ضخمة

فتاك الرائع أنصفه النهر
فيما كان هو يكبله ويلزمه مجراه المحتوم

ذاكرة الإنسان دوما أفدح فقراً من ذاكرة الماء

فعندما إنسرب من ذاكرة المدينة الجمعية الفتى المرسل

داهمهم الماء.


ميما مدهشة أنتِ.

ناصر يوسف 01-06-2010 10:51 AM

[align=right]يا الله يا الله يا الله

وهل ظلت تلكم السمكة الفضية طافيةً فوق سطح النهر ؟؟ أم تحت الماء ؟؟

فإن كانت تطفو فوق سطح الماء لكان لذلك دلالاتٌ مُعينة .. وإن كانت غاطسة في جوف الماء لكان لذلك دلالاتٌ أخري

وما بين السمكةِ وهذا الملاك الطاهر (حكيم) علاقة إستمرار الحياة وسرِهَا

ميما

هذه القصةُ وقد أخذتني عميقاً جداً وقد عانيتُ ما عانيتُ من التوغلِ فيها لسبر أغوار مسكوتِ نَصِهَا وما زلتُ أواصل القراءة مراتٍ ومراتٍ أُخر

ومن بعد أن تأذني لي ــ وأظنك قد فعلتِ ذلك ــ فإني قد قمتُ بنسخها ووضعتُها علي قائمة الويرد عندي حتي أستطيعُ قرائتها في أي زمان آخر عساني أصلُ لمسكوت النص عميقاً جداً في يومٍ ما

شكراً لكي أختي العزيزة
[/align]

Mema 05-06-2010 11:43 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد عبد الرحمن (المشاركة 235520)
فتاك الرائع أنصفه النهر
فيما كان هو يكبله ويلزمه مجراه المحتوم

ذاكرة الإنسان دوما أفدح فقراً من ذاكرة الماء

فعندما إنسرب من ذاكرة المدينة الجمعية الفتى المرسل

داهمهم الماء.


ميما مدهشة أنتِ.

العزيز محمد عبد الرحمن

وللفتى المرسل ضروب وتصاريف
ولذاكرة المدينة ثقوب
تتسرب منها النقاط المضيئة
وتترسب فيها المعتمة
فتصبح خاوية الا
من الحقد والغضب
يحركها الجحود
ويغذيها النكران


اسعدتني قراءتك العميقة
وحضورك الجميل

فلك الشكر الجزيل

Dr. Mohammed Hassan 05-06-2010 11:53 AM

يعلم هذا القلم جيدا ما احمله له
دمتي ضياءا وابداعا

Mema 05-06-2010 12:02 PM

العزيز ناصر يوسف

حزينة أنا .. لا على الحكيم .. ولا على ضميره
ولا على رسالته
فقد خولته مصاحبة النهر لمرافقته والسباحه فيه

حزينة على نسل اهل القرية الطيبة
كيف عرت رياح الزمن ذكرياتهم
ومبادئهم
كيف انستهم وقست قلوبهم
فكانت نهايتهم المحتومة


اقتباس:

ومن بعد أن تأذني لي ــ وأظنك قد فعلتِ ذلك ــ فإني قد قمتُ بنسخها ووضعتُها علي قائمة الويرد عندي حتي أستطيعُ قرائتها في أي زمان آخر عساني أصلُ لمسكوت النص عميقاً جداً في يومٍ ما
هو شرف كبير وشهادة فخر
ولك الشكر جزيلا بحجم امتناني وتقديري واحترامي


مودتي

Mema 07-06-2010 07:17 PM



هي كلمات منسوجة
لاجل الشرفاء
الذين يبذلون العطاء
ولا يطمعون بشيء
الا القليل من الوفاء


العزيز الدكتور محمد حسن

أعتز بحضورك
ومتابعتك لحرفي المتواضع
في كل الاماكن
والازمنة

لك الشكر جميلا
حاطلالتك العزيزة

مودتي


الساعة الآن 11:57 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.