ما بين البركل والخرطوم «نكهات» من زمن جميل
(1) أتى والدي إلى الخرطوم في خمسينيات القرن الماضي، بعد أن قادته الظروف للعمل سائقا في مصر والزقازيق تحديدا.. حتى أن رخصة السياقة الأولى التي حصل عليها كانت من الزقازيق وتم تكريمه من قبل شرطة المرور لكونه لم يرتكب مخالفة طلية 40 عاما.. فبعد أن أكمل دراسته في «الكتاب» بمدرسة مروي طلب منه ناظر المدرسة أن يخبر عائلته بأنه سوف يواصل دراسته في كلية غردون حينها بناء على طلب حكومة المستعمر الانجليزي آنذاك، فحسب روايته أنهم كانوا خمسة من أبناء المنطقة تم قبولهم بكلية غردون وأن مأمورا عسكريا سيأتي ليأخذهم إلى الخرطوم ويتم إجراءات قبولهم بكلية غردون.. كانت «حبوبتي» نفيسي بت بغداد إمرأة ذئعة الصيت في منطقة البركل.. وكان يُحسب لها ألف حساب ويهاب الكثيرون صلاتة لسانها.. أقسمت حينها أنها لن تترك ابنها ليذهب إلى الخرطوم خوفا من أن يُصبح «باطــــــلا» وحذرت جدي وأعمام أبي من أن يرضخوا للأمر.. وهكذا فوتت عليه فرصة أن يكمل تعليمه ويواصل مشوار بدأه وهو يستظهر دروسه وهو على الساقية يتابع سقي حيضان القمح والفول والبرسيم وعلى ضوء نار جريد النخل وبعض من ومضات ضوء القمر المتسرب بين مسامات غابات النخيل قال أنه حفظ جدول الضرب في ليلة واحدة وعندما سُأل لماذا: وددت ضرب جرس المدرسة، فكان له ذلك إلى أن أكمل «الكتاب» إرتباط الناس هناك بالأرض كأنه قوة غيبية.. كل شئ هناك مقدس.. النخيل، جداول الماء، حيضان القمح والبرسيم، إنهم يهيمون بهذا «التراب» حد الجنون.. كان عمي الطيب رحمه الله يحكي لي كثيرا عن هذه الأرض: يا ولدي نحن من التمُر للتمُر.. - كيف يا عمي - نهارنا كله نقرع و«نُقَفِز التمر» ونأكل ونصلي تحت التمُر دة.. حتى وكتين تمغرب نمشي نشرب عرقي التمر.. إنهم يتوارثونها أبا عن جد، ويندر أن تجد أحدا يبيع أرضه.. لذا حين أتته الفرصة ليخرج من هذا «القمقم»، حالت بينه وبين طموحه «هذه الأرض» وحب القوم لها.. فما بين النيل والبيوت المنتصبة على التلال عند بداية الصحراء «رحِم» من «الطين» «رحِم» ولود.. لا يحتاج إلا لضربات المعاول وحركة المحاريث ليثمر الحياة هنا.. تركت هذه الحادثة أثرا كبيرا في نفسه لذا قرر الرحيل شمالا إلى مصر حيث أخويه محمد وإدريس، لهما الرحمة، كانا يعملان في الهجانة.. رحيل كان بمثابة «تمرد» على سلطة «الأرض» ومحبيها.. رحيل بذر في داخله التمرد والملل وشهوة الرحيل.. الرحيل ثم الرحيل.. استقر في بادئ الأمر في منطقة عين شمس ثم قادته الظروف إلى الزقازيق ليتعلم السياقة ويعمل بها... عمل سائقا هنا وهناك.. إلى أن قادته الظروف للعمل مع الجيش الانجليزي إبان الحرب العالمية.. جاب معهم الريف المصري وأصقاع الصحراء الليبية.. تعلم لغتهم وتقاليدهم... تم أسره من طرف الألمان.. خلال ثلاثة أشهر من الأسر استطاع تعلم الألمانية.. تركوه أن يعود إلى مصر دون سبب واضح.. عاد سائقا كما كان..لكنه كان «يُغلق» قلبه على «شبا وأرضها» ما لبث أن مل الحياة هناك ورجع إلى قريته الوادعة «شبا» يعمل في نقل البضائع بين مروي ودنقلا في صحراء ممتدة تئن على حصاها «لساتك» اللواري.. ظل الحياة كما هي.. يسافر ثم يعود إلى مسقط رأسه حيث أقرانه «ود البطل» و«مكاوي» و«محمد أبو دية».. كان هؤلاء ندمائه وكاتمي أسراره.. وبحكم توتره ذاك وملله المستمر قرر الرحيل مرة أخرى.. اتجه هذه المرة شرقا إلى بورتسودان حيث شقيقه الكبير وداعة رحمه الله.. لكن داء «الحنين» هاج مرة أخرى.. لم يستمر طويلا ودلف عائدا إلى «شبا».. كانت رقعة الأرض بالكاد تكفي البيت الكبير هناك لذا كان عليه التفكير في ملاذ آخر بعد أن كون أسرة صغيرة ... وكان أن قرر الحضور إلى الخرطوم.. محطة أخرى ربما تكون أرحب من سابقاتها، أو ربما تكون معبرا لجهة أخرى يكثر فيها الرزق.. كان أبناء «شبا» يفضلون المنطقة الممتدة من الديم والسجانة حتى الرميلة والشجرة.. فكان أن راقته منطقة السجانة، فاكترى منزلا من «الجالوص» وعمل سائقا للتاكسي ثم قرر استقدام أسرته إلى الخرطوم حتى يحقق ما عجز عن تحقيقه هو: التعليم ثم التعليم... لأنه ببساطة كان المنفذ الوحيد لأبناء الفقراء.. فكان أن حضرت الأسرة الصغيرة وحملت معها جميع مكوناتها الثقافية والمعيشية إلى الخرطوم، عاشوا في الخرطوم كأنهم في «شبا» راحت الأسرة تكبر وتتمدد وأتى الاعمام محمد وحسن ومجوب وإدريس وأبناء عمومتهم وخيلانهم... وأخذت السجانة تتحول إلى صورة مصغرة من «شبا» وكان قطر كريمة هو صلة الوصل بين «شبا» السجانة و«شبا» البركل ينقل الرسائل وطرود البلح والمنقة والفول والسكر والشاي والمصاريف.. فكان وصول قطر كريمة مناسبة لتجمع «السناجك» لاستقبال الأحباب والرسائل وما لذ وطاب من خيرات الأرض هناك.. حاول هؤلاء «السناجك» أن يخلقوا أجواء قراهم تلك داخل الخرطوم.. فكانت البيوت تعج بـ«السعية» من غنم و«جداد» وحمام.. حين قامت الدولة بتطوير الخطة السكنية وخططت منطقة الامتداد، حاول الجميع جاهدا في الحصول على قطعة أرض هناك.. وكان نصيب والدنا القطعة رقم 128 مربع 3 والتي كلفته 35 جنيها استدان معظمها ثم بدأ البناء بتسوير الحوش بـ«الجالوص» وحين اكتمل اليسر القليل من البناء انتقلت الأسرة إلى الامتداد وبدأت مسيرة طويلة لحياة كانت في المجمل بديعة.. وكان أن وُلدت أنا كأول الأبناء الامتداديين.. |
طارق جبريل
يا بن عمي رحم الله عمنا الجليل جبريل بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته إنه سميعٌ عليم أحكي يا طارق ،، فللسيرة الذاتية بعدين اثنين الأول هو أن يخرج طارق جبريل كلما علق بدواخله شيئاً موجباً والثاني ،،، سِيَرُ العظماء دوماً تكن ترياقاً ومصباحاً يُضيئ للآخرين دروباً أخريات أكتب يا طارق يا أخوي ودعنا نتعلم من سيرته الخيره اقتباس:
|
اقتباس:
يا حبيب كيفنك ياخي ان شاء الله طيب في عضامك ديل يا عزيزي نحاول أن نقول شيئا قبل أن نمضي |
اقتباس:
وأهو بنحاول إننا نعمل البفيد الناس هنا وهناك ربنا يديك العافية يا الحبيب وواصل أكتب عن الوالد يا أخوي أكتب وبس |
رحم الله العم والخال جبريل...
فقد كان والدا لنا جميعا ياطارق مافتئ مابينه وبين والدي رحمه الله عامرا الى أن لقي والدي ربه ان نسيت فلن أنس دوم زيارته لوالدي خلال أيامه الأخيرة في مستشفى الخرطوم (برغم ندرة زياراته لمن يرقد هناك)! كان يجلس الساعات الطوال يتحدث الى والدي حديث صداقة وأخوة قبل أن يكون حديث قريب... أسأل الله أن يصله بالدنيا بثلاث فكن أحداها ياطارق انا لله وانا اليه راجعون |
اقتباس:
وسأظل كذلك |
اقتباس:
كان جيل عجيب ونادر في كل شئ ربنا يجعلنا من الأبناء الصالحين يا رب لندعوا لهم |
(2) كانت الحياة بين الرميلة والسجانة مليئة بمرارات الفقر والضنك وصلابة الطموح.. معظم من أتوا إلى الخرطوم من تلك البقاع كانوا فلاحين بسطاء أبناء فلاحين.. تلك كانت حِرفة الجدود المتوارثة منذ القدم... لذا حين ضاقت رقعة الأرض المزروعة هناك بحكم التوارث والامتداد العائلي.. طفق الأبناء وأبناء الأبناء في الهجرة بعيدا عن بيئة كانوا منغمسين فيها بكل حيواتها.. هجرة كانت مفروضة فرضا.. وكنتيجة حتمية لذلك كان شعرهم وغناهم وكتاباتهم كلها تصب في الحنين إلى الجذور والأهل والعشيرة هناك.. فكان أن أتوا إلى المدن المستقبلة لتلك الهجرة بدون حِرَفٍ تُذكر.. فاتجه معظمهم إلى تعلم السياقة ليصبحوا «تكاسة» أو عمال في المصانع أو السكة حديد ومن أسعفته الظروف أصبح «عطشقيا»... ومع توالي الهجرات أصبحت الخرطوم عبارة مجموعات هنا وهناك بحكم القرابة ومعرفة القرى والمداشر المنتشرة على ضفتي النيل كحبات الذرة الشامي في قندول «قضم» أحدهم الكثير من حباته.. خلق الفقر روابط قوية بين «سكان الخرطوم الجدد».. فالهدف كان واحدا: الخروج من هذه الدائرة اللعينة للعوز.. «لم نأتي إلى هنا إلا هربا من جحيم الفقر» هكذا كان لسان حالهم.. لذا كان الهم الكبير للكثيرين يتمثل في شيئين لا ثالث لهما: «البيت» وتعليم الأبناء لأنه المنفذ الوحيد للخروج من دائرة الضنك تلك.. انتقلت الأسرة من بيت الإيجار في حي الرميلة، كالكثيرين في ذلك العهد، إلى الامتداد ساهمت «القرعة» في أن تختلف بيوت أعمامي من مربع إلى آخر داخل الامتداد لذا وجدنا أنفسنا وقد تفرقت عوائلنا بين المربعات.. كان هذا إيذانا بالخروج من قوقعة العائلة الممتدة إلى محاولة خلق علائق جديدة في محيط جديد كليا... وساهم هذا الانتقال بشكل كبير في انصهار اعراق مختلفة من الشمال والشرق والغرب والجنوب في بوتقة الامتداد «ذلك الحي المتفرد».. هذا الرحيل خلق لنا مجتمعا جديدا وحميميا.. فهذا عم عبد الله على يميننا من دنقلا وذاك عم محمد صالح من نوري على يسارنا.. ثم عم هجو من سقادي وعم الخواض من شندي وعم قوقرة من واو وعم خميس من نيالا... بدأت ملامح مجتمع جديد تتكون في الامتداد وذابت مناطق الانتماء داخل مجتمع جديد متساكن من فقراء القرى المختلفة للسودان... اضطر أخواني الكبار لمواصلة تعليمهم في السجانة بحكم تواجد المدارس هناك وكانت في ذلك معاناة كبيرة بحكم طول المسافة التي يقطعونها راجلين «كداري» لكن لم يكن هناك مفر، فوالدي عليه رحمة الله كان صارما جدا في هذه النقطة: الما عايز يقرأ يكلمني أخته تحت لساتك القندران وأضرضر فوقه الرملة.. |
(3) من غرائب الصدف أن لوالدي رحمه الله عند وفاته في العشرين من مارس الماضي ستة من أحفاده يواصلون دراساتهم العليا في أربعة قارات من أقصى الغرب «أمريكا» إلى أقصى الشرق «اليابان».. هاجس التعليم هذا أملته ظروفه الشخصية وحرمانه من مواصلة التعليم بواسطة والدته وكان هذا الهاجس هو القاسم المشترك لجميع الأسر التي ساقتها الظروف إلى حي الامتداد.. كما قلت كان السواد الأعظم منهم من طبقة العمال المهاجرة من أقاليم السودان المختلفة.. حتى أن إعلان النتائج المدرسية حينها كان حدثا فريدا.. كان هناك في كل مربع «نيمة» ظليلة ينتظر فيها الآباء والأمهات قدوم الأبناء يوم النتائج.. حيث تجدهم يتسامرون ويضحكون على «بنابرهم» حتى يأتي الأبناء فكان حصول أحدنا على المراكز الأولى في الفصل مدعاة للفخر بين الأسر والأقران حتى «الجكس» حينها كانت هذه وسيلة قوية للفت انتباهه.. إذ لم تكن الوسامة أو المال حينها سببا في لفت الانتباه بحكم «غباشة» الجميع وخلفياتهم القروية فحين تحصل على «أول الفصل» في ذاك الزمان كنت تقضي إجازتك كلها مختالا بين جميلات الحي ويصبح التودد إليك أمر دونه النجوم أما حين تنتقل من المتوسط «الإعدادي» إلى الثانوي فذلك كان انجازا كبيرا حتى أنه كانت تذاع نتائج الناجحين في الراديو عبر أثير إذاعة أم درمان.. فكالعادة يتحلق الجميع في مجموعات داخل الحي حول الراديو ذلك اليوم لسماع النتائج.. ما أن يُذكر اسم أحدهم أو إحداهن حتى تزغرد الأمهات وبحكم طفولتنا حينها كانت هذه مناسبة وفرصة للاستمتاع بعصير الفراولة والكركديه وحلاوة «ريرة» إذ يظل منزل تلك الأسرة مفتوحا طيلة الاسبوع للتهاني والتبريكات بنجاح الأبناء وغالبا ما يكون المحتفى به في مرمى نظرات حسان الحلة، هذا دون نفحات «الشِلن والريال والطرادة» التي «تُغمَت» لك في يدك من الخالات والأعمام وكبار القوم في الحلة.. سمح لنا هذا التآلف الجديد مع أسر من مختلف بقاع هذا السودان الجميل أن نتعرف على تقاليد وعادات وحتى فواكه مختلفة عن «شبا والبركل» فكان يأتي عم عيسى بكميات كبيرة من «أم قضيم» و«القنقليز» و«العرديب» من منطقة بارا في كردفان في حين كنا نحن نأتي بالبلح والمنقة كان عم هجو يحضر معه كميات كبيرة من الجوافة من منطقة «سقادي» بالمحمية وكان يأتي البطيخ من الشوك والجزيرة والسمسم من القضارف.. وكانت الأسر تتقاسم هذه الخيرات القادمة من منطقة الجذور بفرح وحب كبيرين.. هذا الانصهار أملته ظروف الهجرة.. لكنه كان عاملا فعالا في خلق سودان جديد سودان يسع الجميع وتتساوى فيه الفرص.. أتاح لنا هذا التداخل بنقل موروثاتنا الثقافية وتعريفها.. كان هذا التماذج يتم دون تدخلات «رسمية».. حتى التسميات حينها من شاكلة «أولا الشوايقة» و«عيال البقارة» لم تكن تتم بنعرة عنصرية.. لو تُرك المجتمع لتفاعلاته الطبيعية لما وصلنا لهذا الدرك من النعرات.. كانت غاية متعتي أن تكون هناك مناسبة سعيدة في منزل عمنا «كُبر» فكنت أجد متعة غير متناهية في إيقاع المردوم ورقصات «البقارة» و«حمحمات» حلوقهم.. كان ذلك في نظري حدثا فريدا يعِمُ الحلة ويجلب لنا كما هائلا من الجمال الكردفاني، إذ غالبا ما تستمر ليالي الفرح تلك لثلاثة أيام دون انقطاع، وهنا فقط بدت تتكشف لي أغنيات كردفان: جنني..جنني فقيري اعزم لي اكتبولي حجاب من الخربنا خراب ما أن يبدأ هذا الإيقاع إلا وتموج «الفسحة» برقصات المردوم والزغاريد.. هذا لعمري عالم جديد ومختلف كليا... فإيقاع المردوم هنا له نكهة وعمق جمالي مختلف جدا عن إيقاع الدليب الذي تشبعت به.. |
طارق جبريل يا صديقي
شكراً لهذا الحكي البديع ياخ ،، والله إنت ذاتك بديع وذاكرتك بديعة ياخ هُنـــــــــــا ،،، اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
وهُنـــــــــــا ،،، يا الله يا الله يااااااااا الله ،،، مالك وقد هيجت حنين إلي كردفان وليالي النقارة والمردوم القمرية ،،، كنا والقمر 14 نعشق أن نجتمع في فناء القرية وأصوات النقاقير تنادينا فنتداعي مهافتين إليها ونأتها من كل فجٍ عميق شكراً طارق علي هذه السياحة البديعة شكراً ليك أخوي |
ناصر يا يوسف
ازيك ياخي وكيفنك (4) هكذا وجدت أسرنا ملامح حي جديد بدأ يأخذ شكله رويدا رويدا.. وكان هذا الخليط نقطة البداية للتعرف على بقي الأقاليم عن قرب.. فما أن تبدأ العطلة المدرسية إلا وتجد الجميع يجهز نفسه للسفر إلى الجذور حيث الحبوبات والجدود وبقية العائلة الممتدة هناك.. كان «الإجازة» سببا قويا لـ«تفريغ» الحي من ساكنيه... وكانت في نفس الآن فرصة للتعرف على مناطق أخرى كان العِلمُ بها سماعيا فقط.. فقد اتاحت لنا هذه الجيرة السعيدة أن نسافر رفقة هؤلاء الطيبون.. أذكر جيدا قبل دخولي المدرسة أن غاية طموحنا تلك الأيام أن نجد أمهاتنا يعددن «الزوادة» وهذا كان المؤشر الأقوى على أن السفر إلى «شبا» قد دنا وأصبح مؤكدا.. كنا نقضي سحابة يومنا في اللعب ما بين «سكج بكج» و«كمبلت» و«حرينة» وبعد المغرب «ألبت يا لبوت».. وحين ينال منا التعب نتجمع عن ركن أحد البيوت (كنا نفضل حينها ركن بيت عمنا هجو لموقعه الاستراتيجي للنميمة)، وتتخلل تلك «اللمة» الكثير من الحكايات عن مناطق الجزور.. عرفنا جبل مرة وأشجاره وثمارها، وطوفنا بسنار وأمطارها الغزيرة والخزان وأسماكه وحتى دكان «أبو نضارات»، وشربنا من توتيل وعلمنا الكثير عن سواقيها وحتى «قرودها».. كانت تدهشني حكاوي أقراني عن الأبيض وبارا والنهود وكردفان، أحببت رمالها وتبلديها و«شتيلة الخريف خدرة شايلالا نوارة».. وتمتلكني الحسرة إلى يوم الناس هذا في أنني لم أزر تلك البقاع الجميلة رغم توفر الفرصة أيام الدراسة المختلفة.. كانت الحكاوى تخرج بسلاسة وبصدق كبيرين.. وبالمقابل كان الانصات وتركيز الحواس على تخيل المحكي بانتباه قل نظيره.. والغريب في الأمر أن مواعيد السفر كانت متقاربة جدا بحيث يمكنك خلال أسبوع واحد تجد أمهات الامتداد قد غادرن في معية أطفالهن وتركن الآباء.. وفي كثير من الأحيان كنا نتجه إلى محطة الخرطوم للسكة حديد في نفس اليوم فغالبا ما كنا نسافر رفقة أسرة عمنا هجو «المحمية وسقادي» وعمنا الخواض «شندي» وعمنا المجذوب «الدامر» وعمنا محمد الحسن «عطبرة» في نفس القطار المتجه إلى «كريمة».. وغالبا ما كنا نسبق إخواننا المتجهون غربا الى الابيض وبارا والفاشر ونيالا.. أما حكاوي السفر وقطر كريمة.. فذاك عالم لوحده.. |
اقتباس:
قطار كريمة الزمان كان كل أسبوعين داك ؟؟ خااااااابرو خابرو بالحيل واصل الحكي يا طارق ولا تقيف مِتِل وقفة قطار كريمي الكانت ليه شنَّة ورَنَّة داك |
اقتباس:
شكلنا حا نشتغل ون تو في البوست دة:D:D:D:D:D |
(5) ليلة السفر غالبا ما تكون ليلة مزدحمة بالكثير من التفاصيل.. ما بين «عواسة الزوادة» وتجهيز فطور القطر وتستيف الشنط وطرود الأحباب والأهل وحفظ الأمانات وتحديد لمن يجب تسليمها.. اذ غالبا ما يرسل أبناء «شبا» مصاريف ذويهم وهداياهم عبر المسافرين إلى هناك في «الإجازات» المدرسية، خصوصا الذين لا تسعفهم ظروفهم للسفر الذي له متطلبات مالية قد ترهق ميزانيتهم المتواضعة أصلا.. فجهود الأسرة تتوزع ذلك اليوم بين «عواسة القراصة المتمرة» و«سلق البيض» و«رمي الطعمية» وربط الطرود وكتابة أسماء مستحقيها هناك.. وغالبا ما تكون «المكوة» شغالة من «صباح الرحمن» وتكاد لا تتوقف.. فمنظرها وهي «تغوص» بين «الجلاليب» كسفينة أُذن لها بالخروج من الميناء.. ويتم تزويدها بـ«الجمُر» مرات ومرات.. وفي ظل هذه الحركة الدؤوبة داخل البيت غالبا ما تكون الزيارات ذلك اليوم لتسليم «أمانات» أو «طرورد».. وكالعادة «سلمي عليهم كثير السلام».. تظل والدتي رحمها الله ذلك اليوم دون نوم يذكر.. تحصي ما لديها من أمانات وتحفظ كل الطرود وتأمر إخوتي بكتابة الأسماء عليها خوفا من اختلاطها.. ما أن يأذن الفجر حتى تيقظنا لكي نستعد للذهاب لمحطة السكة حديد، التي غالبا ما يكون إخوتنا الكبار وأبناء عمومتنا قد سبقونا إليها ليلا ليستطيعوا حجز أماكن لنا في «درجة ثالثة» التي ستتحول إلى «درجة أولى» و«نوم» بعد تخرج أشقاؤنا الكبار من الجامعات ودخولهم السلك الوظيفي.. فمجانية التعليم أتاحت للكثيرين طلوع سلالم الرقي الاجتماعي.. غالبا ونحن نستعد للخروج من المنزل ما «يقرصني» والدي عليه رحمة الله من أذني ويقول لي وهو يبتسم: سلم علي حبوبتك نفيسي شديد وقولها جبرين قالك تعفي مني وبعدها غالبا ما يرفع صوته آمرا: يلا يا جماعة ولا خلوه السفر دة.. وهو يعلم أن ذلك من رابع المستحيلات خصوصا وأنه قام بإيصال «العفش» إلى إخوتي الكبار في المحطة عبر التاكسي الذي يعمل عليه ثم دلف راجعا ليأخذنا قبل أن تزدحم المحطة بالمسافرين والمودعين والباعة المتجولين.. ما أن نصل المحطة حتى نجد أبناء عمومتي قد وصولوا لتوهم ومعهم «طرودهم» و«زوادتهم» أيضاء ومن ثم يتم ترتيب «العفش» وحفظ أماكننا ثم يأمروننا بالدخول إلى عربة القطار... كان يستوهويني شباك القطار كثيرا.. من خلاله تستطيع أن ترى مجرى الأحداث من حولك عبر منظر بانورامي مميز... وكنت أجد متعة كبيرة في ذلك.. فمنظر المحطة وهي «تفور» بالناس.. مسافرين ومودعين وحتى متسكعين كان حدثا كبيرا في حياتنا ذلك الزمان.. وكان منظر ناظر المحطة وهو بتلك «البرنيطة» يدعو للاحترام والاعجاب.. كل هؤلاء القوم كانوا تحت أمرته.. وغالبا ما يتحركون بين مكتبه والمكاتب المختلف لحل المشاكل العالقة حتى يتحرك القطار في موعده.. وغالبا ما كانت تضاف عربات أخرى للقطار بعد اكتشاف أن عدد المسافرين يفوق طاقة القطار الحالية.. كان رصيف المحطة يضج ببائعي الجرائد والبسكويت واللبان.. وكانت مجلات «سمر» و«صباح الخير» وجريدتي «الصحافة» و«الأيام» الأكثر مبيعا وطلبا من المسافرين.. وما أن يأمر ناظر المحطة بتحرك القطار حتى يتحول المودعين إلى شبابيك القطار وتسمع همسا هنا وضحكات هناك ودموعا هناك وآهات هنا.. والكل يملي وصاياه الأخيرة إلى ذويهم، وفي كثير من الأحيان تكون وصايا مسموعة للجميع وما أن تسمع صافرة القطار الجهورة تلك حتى يصطف المودعين على الرصيف مودعين بحركة «بندولية» من «طواقيهم» و«عممهم».. وبعضهم يضع يديه على وسطه ويظل يتابع فقط بعينيه والبعض الآخر يرسل وصاياه بإشارات إلى ذويه داخل القطار... وما أن تبدأ عجلات القطار في الحركة حتى تفقد المحطة هيبتها وضجيجها ذاك.. وبالمقابل تبدأ حياة أخرى داخل القطار.. |
اقتباس:
المشاهدات 122 والمتداخل وااااحد أظن أنَّ الأولي تهمك وتهمني كثيراً يا صاحب إذن لا تعير عدم تداخل الآخرين أدني إهتمام اقتباس:
يا سلام ياخ يا طارق ،،، حقيقي المشهد ده إطلاقاً ما بارح خيالي لحظة ،،، لحظة ما قبل تحرك القطار ولحظة تحركه من محطة ما ،،، حاسيس غريبة بديعة وجميلة وفيها إلفة متناهية يا طارق ،،، اقتباس:
وطبعاً في مقولة ياخي والله السودان ده ضييق بشكل !! وكل السودانيين أهل بعض ،، والمسألة دوماً بتبدأ في ( شيل كراعك دي من رجلي ،،،، وليه دي كراع وحقتك رِجِل ) :p :p ياخي دي حياة تانية خالص ياخ بتذكر في مرة من مرات الأسفار العديدة بالقطار زمان ،،، كنت متحرك من الخرطوم لبورتسودان ،،، وحصل التعارف بين إتنين ( شاب وجيه وشابة حسناء) والتعارف حصل طبعاً بعد شكلة جااااااااامدة ،،، الكلام ده كان في الدرجة التالتة ،،، الشكلة خلتنا نقرب لمكانهم ( شمارات ساكت بس) يا شبابا باركوها عليكم الله ،،، القطر ده بشيلنا كلنا ياخ ،،، باركوها باركوها باركوها البت سكتت ،،، الشاب حَمَّر عيونو زييييييييين وكتم غيظو ،،، ونحن في شندي ،،، شوف عيني الشاب الوجيه جاب للبت القيافة وفايته الناس مسافة ساندوتشات الطعمية بي سلطة الأسود بتاعة شندي الرهيبة ديك يا طارق ( ياخي والله من ما جبت سيرتها هسي دي جُعتَ ياخ ) :p وهاك يا لَهِط للساندوتشات وهاك يا قرقرة ،،، و نحن ،،، الإندهاشة طالتنا والشمار كتلنا وما واصلنا لبورتسودان طبعاً ،،، أنا وصديقي عصام ( ما كُنَا ناس هاملين ساكِت ياخ وما ورانا شئ ) :p والدنيا كانت سمحة ياخ ،، ونزلنا مع الشاب الوجيه عطبرة (حي الحصايا) وبقينا ليه أولاد عم وطلبنا ليه يد البت القيافة من أهلها ،،، بعد شهرين ونُص كنا في عطبرة مرة تانية لحضور زواجهم ،،، ياخي أكتب يا طارق أكتب عن ذاك الزمن الجميل أكتب ياخ |
اقتباس:
تعرف قصة زواجات القطارات دي لو باريتها يمين بالله ابقى ليكم روائي عديل كدة:D:D:D يا حبيب سلطة اسود شنو يمين مرات جك موية من ازيار شندي ديك قاعدة تجيب المأذون:D:D ما عارف ليه الزمن السمح بفوت وما بجي زيوه؟؟؟ |
اقتباس:
ههههههههههه حقيقي الدنيا كانت جميلة وبسيطة جداً ياخ |
اقتباس:
|
(6) داخل قطار كريمة هناك حياة أخرى... عوالم أخرى تتبدى لك وأنت تحاول التآلف مع المكان والناس من حولك.. كانت لحظات عبور القطار لكوبري بحري واحدة من تلك اللحظات التي يتمناها الفرد منا.. كنا ونحن أطفالا، وما أن يدخل القطار إلى كوبري بحرى، حتى تجدنا نتقافز إلى الشبابيك.. كان السؤال الذي يُلح علينا: كيف لهذا القطار أن يسير على حديد في الماء؟؟ كانت الأسئلة تتناسل من رؤوس تمور بالأساطير.. وكانت الإجابات حينها غير كافية لعلامات استفهام كثيرة ومرهقة للأهل.. على أية حال نحن نستمتع الآن بصرير عجلات هذا القطار وحكاياته ونمني النفس بلقاء الأهل والأحبة هناك في البركل.. ما أن يغادر القطار محطة بحري في طريقه إلى محطة الكدرو وإلا ويبدأ الجميع في إخراج «الزوادة».. وبعد أن كانت العربة مليئة بالشجار والتنابز هنا وهناك بسبب الأماكن.. في لحظات معدودة يتحول الخلاف إلى حميمية.. فما أن تُفتح «الزوادات» إلا وتسمع: أتفضلي... أتفضل... مد ايدك... يضريك إن ما جيتي فطرتي معانا... ياخي قولي بسم الله ومدي يدك... يا زول حرم تدخل يدك.. يأكل القوم بتآخي فريد وغريب... ثم تُخرج «الترامس» وتبدأ كؤوس الشاي في التدفق من هنا وهناك.. ثم يبدأ القوم في التعارف: - ولادي من «شبا» في البركل من ساقية القرونة وأنا من البركل تحت من الدياب.. - نحن من حزيمة من ولاد ود بلي - سبحان الله ود بلي أليل البركل يبقالك شنو - أبان أعمامنا لزم - نحن من الكنيشاب في «شبا» - ما شاء الله،، أها وكنيشاب نوري عندكم بيهم علاقة - كيف ياخي العمدة ود كنيش ود عم جدي لزم - سبحان الله - أنا جعلية من سقادي في المحمية بالغرب - نان قاعدين تقطعوا كيفن - بالبنطون يا حبيبة قساي - انتو ماشين للاجازي - إيي الولاد جنهم يمشوا عند حبوباتم - والله نحن ماشلنا لي عرس في مقاشي - أيي شايفي نص العربيي باقيلي أهل - أيي كلنا ماشين لي عرس ود أختي - الله يعدل الخطوة الأكيد أن وجود مجموعة في طريقها لحفل زفاف يُعطي العربة نوعا من الألق.. وتكون العربة قبلة للكثيرين.. إما للاستمتاع بالأغاني أو لسرقة النظر للحسان اللاتي يكثرن في عربات العرس.. وما أن يغادر القطار محطة الجيلي حتى تبدأ الحياة في القطار تأخذ طعما آخر... |
عالم حناكيش gapgap
قال شنو قال مجلة سمر ودرجة اولى ونوم يمين بالله آ ود جبرين أنا كتا آب أنوم لمدة اسبوع وقت كتا أكون مسافر بس عشان كت اتخيل نفسي كدي قاعد في المقاعد المتقابلة ديك ويحشولن عيشة* بى طحنيي ويقولولي هاك آكل فيها وأكون جمب الشباك اتفرج في مساخة الرباطاب .... لزمن طويل ... انا ما شفت العيش (الرغيف) ...الا في القطر looool |
الزيك ده آ ود جبرين ما ظنيتو كانو بيخلوه يسطّح وللا يقعد في السلم وللا يخلي القطر يتحرك وبعدين يجي جاري يتعلق في السلم ... دي كلها متع ... فاتتكم يا حناكيش درجة أولى والنوم :D:D |
اقتباس:
الله يقلعك فقعتني بالضحك |
اقتباس:
اصلي ما خليتلي شي |
(7) تختلف الحركة بعربات القطار باختلاف الرُكاب ونوع الرحلة (إجازة/فرح/موت).. وعلى إختلاف تلك الأمزجة يسير القطار إلى محطته النهائية «كريمة».. تتكرر هذه المشاهد كل عام وتختلف فقط أمزجة العربات... حين يكرمك الله وتكون رحلتك برفقة إحدى «السيرات»... تكون تلك لحظة من لحظات كرم الزمان النادرة.. الناس هنا منفرجي الأسارير ومتأهبون للفرح بشكل لا يُصدق.. كأنما يخافون أن تغادرهم اللحظة إلى غير رجعة.. ينسون همومهم ودوامة مشاكلهم الحياتية وينغمسون في السرور.. ما أن تشبع البطون وتتزود الرؤوس بكؤوس الشاي حتى وتحين لحظات الطرب.. تبدأ النساء بأغاني السيرة وتزغرد الأخريات و«يبشر» الرجال ويصفقون.. - يا عديلة يا بيضاء يا ملايكة سيري معاه - الليل العديل والزين الليل العديله يارسول الله - أبشروا... أبشروا - يا اخوانا دقولنا الدليب... كنت أجد متعة كبيرة في متابعة هذه «البهجة».. ولكي أكون وقادرا على متابعة هذا الجمال بشكل جيد أُنزل أحد الطرود من «رُفوف» العفش لأضعه مكان جلوسي ثم أقفز إلى الأعلى و«أتحكر» هناك لأغنم بمشاهدة الفرح.. وما أن «ترن» نغمة من الطنبور حتى وتموج العربة بالجمال.. يفرغون وسطها للرقيص ويملؤون الممرات بين «الكنبات».. شتيلة قريرا الفجر نبحن بوابيرا ... يالرايقة حليل تغريد عصافيرا بلاها أصبحنا في حيرة يازهرتنا النضيرة حرام نقلك من الجيرة ... يالرايقة حينها فقط تقوم إحدى الحسان وتُنزل ثوبها إلى حدود الرقبة حيث يمكن لشعرها و«مسايرها» أن تتمايل مع حركة جسمها خلال «الترترة».. وتبدأ من أول العربة حتى تصل إلى المؤخرة ثم تعود مرة أخرى.. حركة جسدها تتناغم بشكل جميل مع نغمات الطنبور.. يصفق الرجال ويرددون مع «الطنباري»: دهب زادوه تجميرا لفة خاتم ضميرا شبيهة البدر المنيرة ليك تاجوج ماها سيرة ... يالرايقة ثم يدخل البعض منهم إلى الوسط مُلحين في طلب «الشبال».. وما أن «تلفحهم» خصلات «المُشاط» و«المساير».. حتى «يىُبشرون» ويصفقون ثم يعودون إلى أماكنهم ويواصلون ترديد الأغاني: نزلت عقلات الضفيرة تداعب رمان صديرا نظرتك قاسي تفسيرا فيها انذارات خطيرة ... يالرايقة ثم تزداد وتيرة الفرح حين تدخل حسناء أخرى إلى وسط «الدارة» وتبدأ المرأتان تتبادلان «الترترة» في تناغم محبب وجميل.. كأنهما أوزتان في بحيرة شعرتا بوقت «التفريخ» وراحتا تناغيان بعضهما.. إنه الفرح على أية حال.. الإنسان يظل مسكونا بالألم وما أن يجد فرصة للانعتاق.. يكمل كل طاقته في لحظة قد لا تعود... والهواجس غالبا ما تقودك إلى أن هذا الجمال لن يعود لذا حين تراقب القوم من على البعد تجد هذه الأحاسيس في ملامح وجوههم.. تستمر لحظات الجنون تلك إلى أن تفرغ البطون أو تتعب الأجساد.. ثم تتحول العربة من جديد إلى مطعم حيث يقتات الناس.. ويطلع بعض الرجال إلى سطوح العربات ليأخذوا قسطا من الراحة ويتمددون بجلابيبهم على أسطع العربات كـ«بالات» القطن في شاحنة متجهة إلى الميناء.. بعضهم يُدخن.. وبعضهم يضع «البشاكير» على وجوههم علهم يغفون.. والقطار يصارع الصحراء في مسيرته نحو الشمال.. تارة يقترب من النيل وتارة أخرى يتباعدان كأنهما مُهرين أحسا بأوان الركض فطفقا يتسابقان.. ينحنيا يمينا أو شمالا.. لكنهما يجريان على كل حال.. وفي المنحدرات يصبحا كثعبانين يتلويا مسرعان نحو جرذ.. ... |
واصل يا الحبيب ،،،
متابعين بمتعة متناهية الزوول ،،، بركه الجيت هنا ياخ |
خليك معانا يا حبيب (8) القطار كان على الدوام مصدرا للمتضادات.. فاللقاء والفراق يلتقيان عند عجلاته.. حتى «اللهو» هنا له مناخات خصبة وآفاق رحبة.. ما بين «السيرة» وجلب الماء من «الأزيار» في آخر العربة وحركة الناس في المحطات وتبضعهم.. تُنسج الكثير من علاقات الغرام.. وكثيرة هي خيوط الغرام التي حولت إلى رباط أبدي.. يتنقل الظامئون للعشق و«اللذة» بين العربات بحثا عن الإرتواء.. يتفرسون الوجوه، ثم يحددون الهدف.. وطول المسافة واستغراق الرحلة ليومين أو أكثر تساعد كثيرا في إرتواء هذا الظمأ.. هناك من يسعى لعلاقات دائما بحثا عن جمال الروح.. وهناك من يحاول قتل الوقت ببعض المجون حين تنزلق أشعة الشمس عن كتف السماء وتتوارى ويعلن الظلام عن وجوده.. نظرات النهار تتحول إلى آهات ومناغاة ولوعة في ليل القطار.. كل ذلك يحمله القطار طي عرباته... كما الكون تماما حرب هنا وسلام هناك... ضنك هنا وبذخ هناك.. والقصص تتوالي وتتشابه باختلاف رقعة الأرض.. لكن الاحساس نفسه يتقاسمه الجميع... سطوة الاحساس يمكن أن تقودك إلى جهنم الظمأ.. ويمكنها أن تفتح لك طاقة للمحبة.. الذين ينشدون الحب والغرام يجدون في توقف القطار فرصة لسرقة كلمات الهيام و«وعود» العشق الأبدي.. محطة مثل عطبرة تعد مرتعا جميلا لهذه الفئة.. حيث «ترتاح» عجلات القطار ويمني الحالمون أنفسهم بـ«ونسة» على الرصيف.. فما أن تظهر «جرادل» الاسمنت عبر خطوط النقل بين ضفتي نهر النيل، كحبات مسبحة تتهاوى من السماء، إلا وتنفرج الأسارير.. لا يهم إن كانت «باسطة» المحطة بـ«السمنة وكدة» أو كانت «مواسير» الرصيف، التي توجه «فمها» إلى السماء، تحمل ماء نقيا.. لكن المدة الزمنية ستطول حتى «تغيير الراس» للقطار وهذا يجعل الأهل يسمحون لفتياتهم بالنزول والتسكع في المحطة فيما هم يحرسون «العفش».. هنا فقط يمكن أن تنسج وعود الحب ويأخذ البعض نصيبه من «الكلام الدقاق».. إذا سنحت لك الفرصة لتعتلي سطح القطار حينها.. سترى «أكوام العشق» تتناثر عبر رصيف المحطة كنعاج في نهار مشمس في مزرعة اسكتلندية.. ويستمر تدفق هذا «الكلام الدقاق» في جميع المحطات الكبيرة (بربر/أبو حمد/الكاب... إلخ).. يأكلون عجوة «أبو حمد» كأنها «تورتة زفاف» ويتذوقون شاي «الكاب» كأكسير للعشق والهيام.. أما الذين ينسجون شباك اللذة فيتخذون من الليل ستارا، فغالبية عربات القطار غير مزودة بالإنارة.. يؤمنون بـ«لحظية» الحياة، لذا يستخدمون جل ذكائهم في البحث عن هذه «المتعة» فبعد أن تكون «غمزات» النهار قد تسربت إلى «الضحايا» ينتظر الجميع دخول القطار في «إغماءة» الظلام.. حينها فقط يتسللون إلى المراحيض التي احتل جزء منها «الطرود»، أو بين الأزيار، أو تحت «الكنبات» في غفلة من «النيام».. هناك فقط يسرقون «المتعة» و«لذة» القبل «المكتومة» خوفا من افتضاح أمرهم.. وإن أسعفتهم الظروف «ينتشون» وترتجف أجسادهم حتى تطلق «سوائل» إرتعاشها.. «نشوة» و«كلام دقاق» و«باسطة بالسمنة وكدة» وصرير عجلات قطار كريمة يستمر في رحلته المعتادة إلى «كريمة».. |
اقتباس:
اقتباس:
اقتباس:
هههههههه قلت لي المسألة بتبأ بغمزات وتنتهي بسوائل ؟؟!!! ياخي ماااااااااا بالسمنة وكده ياخ هههههههههههههه الله يجازيك يا الممسوخ :p :p :p |
اقتباس:
|
[media]http://www.sudanyat.org/upload/uploads/naslalala.mp3[/media]
الاغنية دي في القطر موت احمر:D:D:D:D |
جنس سهر هو
اتقول ممتحن فوق دربك الملولو دا تبدأ بالسيرة السمحة وتقعد تتكلوج في القطر يكلوج عفاريتك يا اخي أرجع أعد أو نط من القطر دا يا اخي نطت عليك كديسة عمشاء:D |
متعة كبيرة يا ود بت بغداد متعة كبيرة والله
خليتنا نشعر أننا بين المتزاحمين للشبال" حين نبحت بوابيرا" غايتو من بعد "الغمزة" ولا تحت عصرت علينا أو عليهم ماعارف:) تحياتي |
اقتباس:
مرة أخرى أجد نفسي بين يدي هذا الجمال لأقول أننا في زيارتنا المحفورة في خواطرنا الى القرير منذ بضعة أشهر ، وقف بنا العمدة عكود ونحن بين المياه عابرين، وقف بنا لنقف على "البوابير" التي نبحت ذات هيام عجيب ، فحدثنا عن هذه الأغنية كانت دقائق معدودة غير أني لا زلت أتامل في هذه البوابير " النابحة" التي ألهمت الشاعر الرقيق حسن الدابي فكتب أغنية في منتهى الجمال . شكرا للزمان الذي أهدانا تلك الفرصة الباقية في النفس والخاطر. تحياتي |
| الساعة الآن 03:16 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.