سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   حمى الرواية (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=23055)

مبر محمود 15-01-2012 10:55 AM

حمى الرواية
 
حــمى الرواية
(مقاربة أولى للمشهد الروائي السوداني )
د.هاشم ميرغني


فجأة انتابت حمى الرواية الجميع : الشعراء الذين لم يكتبوا حرفا في النثر ،العشاق الذين انتظروا على أرصفة الصبر قرونا وهم يضبطون ساعات معاصمهم ، البحارة الأشداء الذين لم يروا سوى صورتهم في المياه ، موظفي الخدمة المدنية الذين أفنوا زهرة شبابهم ولم يتبق في أيديهم سوى حبر الحنين ، المهاجرين الممروضين بنوستالجيا العظام ، المطاليق ، طلاب الثانويات المداهمين برعب الحب الأول ……
لا بصيص رغبة في المبالغة، ولكن هذا هو الحال: الأصدقاء جميعا يكتبون الرواية .
أيضا لا وصاية على قلم أحد في خدشه الأعمى لبراءة البياض ، ولكن أي كتابة لا تضيف جديدا ، لاتنزاح عن السائد وما تمت كتابته آلاف المرات لا تلبث أن تؤول إلى هناك: قبو النسيان .
قبل عقود طويلة، قبل أكثر من سبعين عاما، في 22 أكتوبر 1934 كتب معاوية محمد نور ذلك الحاضر الغائب (1909ـ1941 ) مقاله العلامة " أصدقائي الشعراء هذا لا يجدي " ، وفيه تحدث عن الشعراء/الشعراء الذين يعود كل منهم من رحلته الشعرية " وحقيبة وعيه ملأى بالأحاسيس المختلفة ،ملأى بالثعابين التي تبرق كاللولؤ ، وبالسلام الذي تعقبه أشد فترات الحرب تمزيقا للأجسام والأرواح ،وبالذهول الذي يسمو إلى طبقات السماء ، وبالسحر الذي يرى " القمر في أمسية حب أشبه ببالون يلعب به الأطفال" ، ثم كانت مطالبته الحازمة للشاعر :" نطلب منه إذا لم يكن لديه ما يؤلم ويحير ، ويسعد ويشقي ،أن يريحنا ففي الحياة من التفاهات اليومية ما يجعلها عسيرة الاحتمال فليس بنا ثمة حاجة أن نقرأها في عالم الحبر والورق" .
ويبدو أننا بعد هذه العقود الطويلة مضطرون أن نذكر كتاب الرواية في السودان بهذه الأسطر المضيئة لمعاوية محمد نور ، فمنذ بداية التسعينيات انهمر سيل من الروايات السودانية عبر دور النشر التي انفتح بابها واسعا دون أي معايير نقدية.
لقد انجلت إشكالية النشر التي كانت قائمة حتى سنوات قليلة مضت عن إشكالية أخطر : عدم امتلاك دور النشر الحالية ـ التي قذفت في وجوهنا المتعبة بعشرات الكتب في غفلة من الزمن ـ لأهلية النشر ، أعني عدم امتلاكها لهيئات تحرير رصينة تجيز النصوص، وافتقارها لأي استراتيجية نشر واضحة المعالم ، أو لأي حساسية أدبية للنصوص المنشورة ، بل لأي مراجعة لهذه النصوص المنشورة ولو في جانب أخطائها اللغوية الساذجة المريعة ، فإذا أضفنا إلى ذلك خضوع بعض دور النشر لأيديولوجية الهلام الإنقاذي السلطوي التي تسعى إلى تمريرها عبر كل المنافذ وفتح باب النشر للمحاسيب، والمؤلفة قلوبهم، فيمكن أن نرى بوضوح ساطع صورة مشهد النشر السوداني ، و الدأب الذي يمكن أن يمارسه الجهل النشط في تمرير نصوص ضعيفة وترويجها ، بل ورفعها لصدارة المشهد ... وهكذا فإذا كنا نقول إن الأدب السوداني يتكون مما لم يتم نشره بعد ، فيمكن القول الآن ـ حتى بعد اتساع مجال النشر _ إنه لازال يتكون مما لم يتم نشره بعد ، لأن ما نشرـ في غالبه ـ لايرتقي عاليا للقناديل التي لاتشبه سوى بصمة دمنا ...
لماذا استباحة الرواية إذن ؟
لماذا الرواية تحديدا؟
لسهولتها الخادعة ؟ لأنها ترضي نزعتنا العميقة للمشافهة والتي تتسع لها الرواية باندياحها اللامحدود وتوهم افتقارها للتكثيف والاختزال ؟
للأثر الطاغي الذي مارسته في وعينا ولا وعينا شهرة الطيب صالح العريضة ؟
أم لأسباب دلالية : اتساعها لخيبة الأمل التي تغلفنا جميعا ، رسائل الحب التي لم تنشر، وارتباكات الحب التي صادرها الواقع ؟ .
ما المغري في الرواية إلى هذا الحد ؟
فرارا من القصة القصيرة التي تفضح كاتبها فورا فهي إما جيدة أو رديئة ؟سهولة تمريرها في ظل الهرجلة الثقافية التي تغلفنا منذ سنوات ؟ اتساعها لتهويمات الشعر المجانية ووهم السيولة والاندياح (العاطفي) وهي سمات أضحت شبه ملازمة للكتابة ؟ ندرة الإرث الروائي السوداني مما يغري بالتجريب في أرض شبه خالية ؟ سهولة دس السيرة الذاتية في ثنايا السرد بحيث يصعب الفصل بين الواقعي والتخييلي ؟.
لماذا استباحة الرواية تحديدا؟
لضعف الضمير النقدي غير القادر على ترصد الأخطاء والتشوهات؟ بسبب باب النشر الذي انفتح واسعا بلامعايير نقدية ؟بسبب الهلام الإعلامي القادر على رفع نصوص ضعيفة لذرى عالية لم يحلم بها أصحابها ، والسكوت عن نصوص مغايرة لم يستطع أن يدرجها في منظومته التقليدية ، أم هكذا ببساطة : لأن البعض أعجبه أن يكون كاتبا روائيا في هذا الوطن المحزون ؟.
هذه هي صورة المشهد :روايات تنشر ، وحوارات لا تنتهي مع أصحابها ، وأعمدة صحفية لا يجف حبرها ، ومقالات (نقدية! ) هنا، وهناك ، ثم ما يلبث الأمر أن يتكشف عن فقاعات تأخذ مجراها نحو مصب العابر الذي لا يثبت في ذاكرة أحد حتى صاحبه .
وفي غبار هذا المشهد يضيع الحديث الحصيف الدقيق عن إشكاليات الرواية السودانية . تلك الإشكالات التي يمكن أن نجملها فيمايلي مستضيئين في بعض ذلك ببعض الإشارات المكثفة التي وردت في تقريري لجنة التحكيم لجائزة رفيعة للرواية هي (جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي) اللذين نشرا بصحيفة الأضواء في اكتوبر من العام الماضي2004 وقبل الماضي2003 مضيفين إليها العديد من الإشكاليات عبر متابعة متأنية وصبورة للمشهد الروائي :
• افتقار العديد من الروايات إلى نعمة التكثيف والاقتصاد اللغوي ، والإغراق في التفصيل والترهل السردي القادم عبر تراث ضخم من المشافهة لم نحسن استثماره في الكتابة ( مجمل أعمال أبكر آدم إسماعيل : الضفة الأخرى ، المدن المستحيلة ) .
• تأثر بعض الأعمال برواسب التيار الرومانسي الغارب بكل ميراثه الروائي في تضخيم ذات الراوي وتزييف العالم عبر تل من التنهدات ( قطرات قاسية لغادة ).
• تأتي العديد من الأعمال اجترارا لقراءات أكثر من كونها نتاجا لذات مبدعة وحساسة ، أي أن هذه الأعمال نتاج تأثر ظاهري غير متجذر بأعمال هبت علينا رياحها من هناك ، وتكفلت رغبة التقليد عبر لغة ـ لم تخل من نعمة الركاكة ـ بتسويد براءة البياض ، ترى هل يمكن توصيف حالهم هكذا : لقد قبضوا قبضة من أثر قراءاتهم المرتبكة في الرواية العالمية فأخرجوا للناس " عجلا جسدا له خوار " .. إذا استعرنا توصيفا للبروفسير عبدالله الطيب في سياق حديثه عن أخذ الشريف الرضي من أبي الطيب المتنبئ (انظر التماسة عزاء : 188 )
• الضعف الواضح في تمثل تقنيات السرد الروائي ، وعدم تشرب منجزاته التطبيقية والنظرية على الصعيدين المحلي والعالمي ، على المستوى النظري فيبدو وكأن الروائي يسبح بعيدا عن الإرث النقدي الضخم الذي شاده نقاد أمثال : تودوروف وكريستيفا ولوكاتش ولوسيان غولدمان وسعيد يقطين وصبري حافظ وعبد الملك مرتاض ورجاء نعمة ويمنى العيد وسيزا قاسم وعبد المحسن بدر،وعبدالله إبراهيم ومحمد عزام والسريحي ....إلخ إلخ ، ولذا تبدو الروايات السودانية وكأنها تبدأ من درجة الصفر محرومة من ثمار هذا الحقل السردي بكل عطاياه البهيجة .
• تهافت الدلالة الكلية لبعض الأعمال وغياب الرؤيا الكاملة التي يمكن أن تمنح العمل عالمه الكامل الموازي لعالم الواقع في غناه واتساعه .
• ضعف المغامرة التجريبية التي تنحو صوب التجريبي ، والمغاير ، والمختلف ، والاكتفاء بالنسج على نول الجاهز والمتداول .
• ضعف القدرة على استبطان الواقع ، وتعقيداته ، وكشف جبل الجليد العائم تحته ، واقتناص الجوهري ، والسرمدي ، والباطني ، والمستتر الثاوي عميقا هناك كلؤلؤة ، والاكتفاء بمضامين الواقع القريبة والمتداولة ، بمجاز عابر : لقد نقلوا لنا حجارة المنجم ، وترابه ، ونحاسه بدلا من النزول عميقا إلى هناك : عروق الذهب .
• إشكالية اللغة التي لا يعي أصحابها أن اللغة الفقيرة تنتج نصا فقيرا بالضرورة ، وأن اللغة المتعثرة بوحل أخطائها اللغوية والنحوية والإملائية تنتج نصا متعثرا بالضرورة ، إذ لا تنفصل اللغة عن الدلالة التي تحملها في قلبها .
لقد نفض اللغويون والنقاد والأدباء أيديهم من تقرير حقيقة ارتباط اللغة بالدلالة ، و برهن دي سوسير عبر بحث لغوي شاق أنه لا يمكن فصل الكلمة عن الدلالة إلا إذا استطعنا أن نفصل صفحتي الورقة عن بعضهما ، وأقر بول فاليري أن الأدب لا يمكن أن يكون إلا توسيعا لبعض خصائص اللغة واستعمالا لها ، وكتب جورج أورويل في روايته "1984 " أنه بقدر ما يقل رصيد الإنسان من مفردات اللغة يزداد عجزه عن التفكير ، أو عن التعبير عن الفكرة في ذهنه" .
ويقول د. محمد عبد المطلب في كتابه القيم " البلاغة والأسلوبية " إن كل تغير في تركيب الجملة إنما يرجع إلى المعنى ومتطلباته ، وأدنى تغيير في التركيب النحوي للجملة يؤدي إلى معان ثانية تتأتي من صيغة التركيب وطبيعته ، فموضوع النحو ليس قاصرا على دائرة الخطأ والصواب بل يمتد إلى دائرة النسق والتركيب ، وقد وجد عبد القاهر الجرجاني الإمكانات النحوية قائمة في تركيب الجملة وبنيتها الداخلية فقاده ذلك إلى فكرة قوية الصلة بالإمكانات النحوية وهي فكرة النظم ، ويخلص عبد المطلب إلى أن تركيب الصيغ والعبارات شديد الالتحام بعملية الإبداع فلو نظرنا للغرض أو المعنى دون النظر إلى العلاقات النحوية من حيث فعاليتها فإننا نبتعد عن الإدراك الحقيقي لعملية الإبداع ..…… فالنحو ليس عنصرا هامشيا أو جانبيا ركنيا في العملية الإبداعية بل هو لحمة هذه العملية وسداها في الشعر والنثر ، والنحو بإمكاناته الواسعة هو الذي يقدم للمبدع احتمالات الأوضاع الكلامية التي ترتبط بعضها ببعض في وحدة من المعاني والأفكار التي تتمثل في الذهن .
فلماذا يبدو الخطاب الروائي في السودان _ إذا استثنينا نماذجه المضيئة ـ لماذ يبدو وكأن الكاتب لا يمتلك غير تلك اللغة الفقيرة الشائعة في الاتصال اليومي، والمستهلكة على نطاق عريض عبر الصحافة ، والإذاعة ، ووسائط الإعلام المختلفة ، وما الذي يقذف به بعيدا عن كثافة اللغة وغناها الذي يمكن أن يحتضن العالم ؟ ولماذا تبدو اللغة عبر خطابنا الروائي السوداني وكأنها تعاني تعسرا حادا في ولادتها ؟ .
تدليلا على هذه الحالة المتمثلة في في عدم إدراك بعض كاتبي الرواية في السودان لـ" اللغة " التي هي ألف باء الكتابة ، وصلصال خلقها ، أهدي مثالين للتدليل على الضمير اللغوي والفني اليقظ الذي يتعامل به غيرنا مع الكتابة ، ودليلا ثالثا على الجهل اللغوي الفظ الكفيل بالإطاحة بكل البناء الروائي .
الدليل الأول سوف نقتطفه من غارثيا ماركيز .
في ختام روايته " الجنرال في متاهته " كتب ماركيز ما أسماه بكلمة شكر ، التي قدم فيها ما يمكن أن أسميه درسا ماكرا للروائيين المتعجلين الذين يسلقون الروايات سلقا ، فلكي يكتب ماركيز رواية ـ نكرر رواية _ "الجنرال في متاهته" في سيرة الجنرال سيمون ديبوليفار، ورحلته الأخيرة في نهر مجدلينا استعان بحشد من العلماء والأصدقاء .. لايكاد يحصرهم عد ..فمثلا: قام الجغرافي غلادستون أوليفار والفلكي خورخي بيريث دوفال من أكاديمية العلوم الكوبية بتقصي الليالي التي كان فيها القمر بدرا خلال السنوات الثلاثين الأولي من القرن قبل الماضي ، ليستعين ماركيز بكل ذلك في جملة أو جملتين تردان عرضا في الرواية ، أما أنطونيو بوليفار غويانيس فقد راجع الأصول معه في تصيد مليمتري للتأويلات المناقضة للواقع ، والتكرارات ، والأخطاء المطبعية ، وفي التحري الشرس للغة والإملاء حتى استنفاذ سبع صياغات للرواية .
الدليل الثاني نجده عند كاتب روائي مثابر مثابر هو علي الرفاعي الذي يكتب بمثل هذا الضمير اللغوي والفني اليقظ ، فقد انتهي من روايته " قبيلة من وراء خط الأفق " في 16/12/1986 ، واستمر في تنقيحها حتى فراغه من كتابتها بنفسه على الكمبيوتر 22/11/2003، ثم استمر في ضبطها بعلامات الإعراب حتى 14/3/2004.. أي أنه انتظر حوالي ثماني سنوات تقريبا ـ من التدقيق اليقظ ـ ليذهب بكتابه إلى المطبعة (انظر في ذلك ص: 184من الرواية ) .
هل من الضروري أن نستمر في سرد مثل هذه الأمثلة ؟ هل من الضروري مثلا أن نقول أن فوكنر قد كتب روايته " الصخب والعنف "خمس مرات ، أو نذكر بمقولة الروائي ترومان كابوت الذي كتب عن نفسه مرة أنه" من الممكن أن يسيطر على الكتاب ذوي الأسلوب المتميز أحساس سيء حول وضع الفاصلة ، أو أهمية الفاصلة المنقوطة .. إن الأفكار المتصلة من هذا النوع .. والوقت الذي أبدده في سبيلها يؤرقني فوق ما أحتمل " .
هل من الضروري أن نقلب العملة على وجها الآخر ، لنشهد مثالا صارخا على (كلفتة) الكتابة ،وفقرها ، وتعثرها اللغوي والنحوي ، فنقول أنه في صفحات قلائل من رواية ـ سأتناولها عشوائيا دون ترتيب مسبق من الرف ـ ، ولتكن مثلا "تخوم الرماد " لمنصور الصويم " نستطيع أن نرصد منذ صفحاتها الأولى هذه الأخطاء الساذجة القادمة من دفتر تلميذ في الثالث الابتدائي :
• " ضمور يوشي يالتلاشي " ص 5 ،و الصواب " ضمور يشي بالتلاشي " . • فاجاءهم ذات صباح ص 2 والصواب فاجأهم ذات صباح .
• الرجال اليقظين نيام ص 4 والصواب الرجال اليقظون نيام .
• تركنا العربة ورائنا ص 6 والصواب تركنا العربة وراءنا
• شربت أطنان من المريسة والبغو 8 والصواب شربت أطنانا
• لأشتري له صنفا خاص من الشطة ص 11 والصواب صنفا خاصا .
• هؤلاء الرجال جميعهم خائفين ص 14 والصواب جميعهم خائفون .
• وهكذا ...
والإشكالية التي يواجها النقد الحديث مع مثل هذه الأخطاء في النص السابق أنه يتعامل مع النص باعتباره بنية لغوية مكتملة ، ومن ثم فإن أي إشارة لغوية واردة في النص يتم تناولها بجدية متناهية ، أي أن أي إشارة لغوية واردة في النص يجب أن تحتضن حمولتها المعرفية والانفعالية ، وأدنى تغيير في هذه الإشارات (صرفيا أو نحويا أو نسقيا) يوهم الناقد بتغيير طبيعة الدلالات التي تحملها، وما يمكن أن تقدمه في سياق الرؤيا الكلية للنص .. ولكن الناقد ما يلبث أن يكتشف أن هذه التغييرات النحوية ـ سنسميها الأخطاء الآن ـ هي تغييرات خاوية من الدلالة .
بداهة فإن مثل هذه الأخطاء الساذجة لاعلاقة لها بما اصطلح على تسميته بتفجير اللغة عن طريق علاقات التضاد والتناقض والتجاور والانحراف الأسلوبي واللغوي ، وخلخلة سكونها ، وانزياحها عن مستوياتها الصارمة ، لسبب بديهي فتفجير اللغة له علاقة وثيقة بالدلالات الجديدة التي يمكن أن يخلقها هذا الانزياح ، أي أن كل انزياح لغوي يتضمن بالضرورة توسيعا لأفق الرؤيا التي يمكن أن تحتجزها اللغة، فما الدلالات التي يمكن أن تكشف عنها مثل هذه الأخطاء على مستوى النص عند الصويم أو بركة أو أبكر آدم إسماعيل أومحمد هرون أو بثينة خضر ؟ .. ولماذ يستحيل تقريبا أن نجد مثل هذه الأخطاء في نصوص كتاب أمثال : أدونيس ، أو محمد بنيس ، أو الخراط ، أو الغيطاني ، أو سليم بركات ، أو الحسن البكري ، أو محفوظ ، ولماذا نفتقدها حتى في أكثر الكتابات العربية ـ وغير العربيةـ شطحا لغويا حيث مغامرات اللغة ، وجيشانها العضوي المضطرم لايكاد يقف عند حد؟.
هل يمكن توصيف إشكالات ذوات كاتبي الرواية السودانية على هذا النحو إذن : إنها مشكلة ذوات ساذجة ، بسيطة ، تحاول مجابهة هذا العالم الغني ، الموار ، الملتبس ، الغامض ، وهي غير مسلحة سوى بالقليل من الوعي ، الأقل من عتاد اللغة والحدس ، والكثير من عمى البصيرة ، ثم فيض من العاطفة المجانية التي لن تقوى قط على اقتناص شراسة العالم وكثافته ، دعك من اختراقه، وتغيير نواته.
الخطاب النقدي الروائي في السودان إذا استثنينا بعض نماذجه الناصعة لعب دورا متواطئا مع الرواية في بعض الأحيان عن طريق علاقات المجايلة ، أو الرفقة السيكولوجية أو الأيديولوجية ، أوغيرها ، وبمثل ما خدم هؤلاء النقاد هذه النصوص الضعيفة فإن هذه النصوص قد خدمتهم بتعزيز حضورهم في الساحة، بحيث يكاد يستحيل وقوفهم دون الاستناد لعكازة هذه النصوص .
و في ندوة عن إشكالات الرواية عقدت بمركز عبد الكريم ميرغني أواخر العام الماضي 2004 حذر الشاعر محجوب كبلو ، حذر الناقد السوداني من لعب دور الناقد الوطني الذي يقتصر دوره على تشجيع "الإنتاج الوطني " دون أن ينتبه لمزلق تشجيع أعمال ضعيفة، ورفعها ، وترويجها تحت تأثير هذا الدافع الوطني الذي لاعلاقة له بصرامة ونزاهة النقد ودوره التنويري والتحليلي والتقويمي.
ذلك الدافع "الوطني" الذي لايصمد طويلا أمام هشاشة النصوص ، فغالبا ما يكتشف القارئ الحصيف أن تلك الروايات التي أريق حولها حبر كثير لا تستطيع أن تصمد أمام أي ذائقة مدربة ، أو أمام أي حساسية جديدة ، ولاتقوى على إغوائنا للدخول لعالمها.وسرعان ما يكتشف بألم أن بعض هذه الأعمال يصعب وضعها باطمئنان في رفوف أي مكتبة عربية أو عالمية .
وقد أشار الناقد مصطفى الصاوي في سياق ورقته القيمة التي قدمها عن النقد الروائي في السودان في المؤتمر الثاني للرواية السودانية بمركز عبدالكريم ميرغني في أكتوبر 2004 إلى الإشكالات العديدة التي يعاني منها هذا النقد مثل : غياب الجهد الجماعي ، وضعف الصوت المنهجي ، وسيادة النقد الصحفي السريع ، وغياب المجلة النقدية المتخصصة على غرار مجلة مثل " فصول " في مصر، وقصور هذا النقد عن متابعة المشهد الروائي ، وغياب الحوار النقدي الخلاق في مناخ صحي ديمقراطي يسمح بازدهار شجر الأسئلة .
وما لم يشر إليه الصاوي ، هو ما يمكن أن أسميه بظاهرتي الكسل النقدي ،والتكريس النقدي فقد أدى الكسل النقدي في تناول الأعمال المميزة إلى ترديد أسماء بعينها حتى حافة الملل ، خذ مثلا روائيا مثل الطيب صالح الذي لايكاد يختلف أحد حول قامته السامقة في المشهد الروائي .. ماالذي حدث؟
لقد تم ترديد اسمه حتى الابتذال ، وصار مادة ثابتة للملاحق الثقافية ، وللمحررين الكسالى، وتم تكريس اسمه حتى الهوس بالصورة التي كادت تختزل كتابة أمة بأسرها في فرد ، وتم غض الطرف عن الإنجازات السردية الهامة لروائيين آخرين (إبراهيم بشير ، يوسف العطا ، محمد الحسن البكري أحمد حمد الملك ، علي الرفاعي، إبراهيم سلوم ، عبد الفتاح عبد السلام ، أمير تاج السر، حامد بدوي ، إلخ إلخ ) ، وتم اغلاق باب الاجتهاد الروائي ، وعمد (بضم العين وتشديد الميم المكسورة ) الطيب صالح سقفا للرواية السودانية لايمكن اختراقه إلى الأبد .
وتفاقمت ظاهرة الافتتان بالطيب صالح بصورة تنذر بالخطر ، فإذا كان البعض يتحدث عن ظاهرة مثل الـ EGYPTO MANIA أي ظاهرة الهوس بالمصريات القديمة ، فيمكن لنا أن نتحدث في الصحافة السودانية عن ظاهرة الـ TAYEB MANIA أي ظاهرة الهوس بالطيب صالح ، ذلك الهوس الذي يمكن أن يحجب نصوصه عن النقد النزيه والخلاق و الحوار الخصب حول رؤاه الغنية ، كما يحجب نصوص غيره عن مثل هذا النقد ، تصور مثلا لو أن النقد المصري اكتفى بالتسبيح بإنجازات نجيب محفوظ ليلا ونهارا ، هل كان لمصر أن تنجب كل ذلك الرتل من الروائيين : فتحي غانم ، جمال الغيطاني ، إدوار الخراط، إبراهيم أصلان ، صنع الله إبراهيم ، محمد البساطي خيري شلبي ، يوسف القعيد ، لطيفة الزيات ، سلوى بكر ، مجيد طوبيا ، سليمان فياض ، بهاء طاهر ...إلى آخر هذا العقد الذهبي والذين تجاوز أكثرهم الإنجاز المحفوظي ؟ .
لقد كتب غاستون باشلار في كتابه العلامة " جماليات المكان" عن استعارة الأدراج عند برجسون في حديثه عن الذاكرة ، حينما قرر أن الذاكرة لا تشبه الأدراج لكي نحفظ بها ذكرياتنا .. تلك الاستعارة التي رددها حتى الأعياء كل من تحدث عن الذاكرة عند برجسون ، يقول باشلار :" وقد أصبح بإمكاننا حين نصغي لبعض المحاضرات أن نتنبأ بأن استعارة الدرج على وشك الظهور" .. فهل يمكن قول شيء مثل هذا عن اسم الطيب صالح : أي إننا عندما نفتح أي ملحق ثقافي ، أو نقرأ حوارا أدبيا ... فإننا نستطيع أن نتنبأ أن اسم الطيب صالح أو صورته على وشك الظهور ... ألا يحق للطيب صالح أن يهتف حينها : أنقذونا من هذا الحب القاسي .. كما هتف محمود درويش من قبل عندما كان يتم ربط اسمه اعتسافيا مع كل حديث عن القضية الفلسطينية ، بينما تنزوي فتوحات نصوصه بعيدا .
أيضا يمكن للمتابع أن يلحظ بأسى أن كل هذا الهوس الإعلامي حول الطيب صالح لم يقربنا من عوالمه شبرا واحدا ، لم يضف لمعرفتنا به سطرا ، فقد ظل يردد حتى الإعياء المقولات الجاهزة التي لاكتها الأقلام منذ السبعينيات عن الصراع بين الشرق والغرب ، تلك المقولات التي تلتقط الإشارات الظاهرة للنص وتلصقها بالواقع دون أن تنتبه إلى أن هذه القراءة المتعجلة كفيلة بإفقار النص ، واختزال خصوبته وتحويله إلى خطاب مضموني مباشر من الدرجة الثانية كاختزال عالم "موسم الهجرة" بتلك المقولة الجاهزة عن الصراع بين الشرق والغرب .
إن هذه القراءة الجاهزة لموسم الهجرة تشبه مثلا أن نقول " رواية " ذهب مع الريح " لمرجريت ميتشل " تتحدث عن الحرب الأهلية الأمريكية ، أو أن رواية " البحر والسم" للروائي الياباني " شوساكوندو " تتحدث عن الضعف المهني الأخلاقي للأطباء ، لأن مقالا واحدا مدعما بالوثائق والإحصاءات والبراهين يمكن أن يفي بالغرض ، فالرواية " "لاتتحدث عن" "، إنما " تخلق عالما " كاملا مكثفا غنيا يمد (بضم الياء ) فيه جسر الحدس بين الباطني بعوالمه الحدسية المروعة ، وأفاعي فراديسه ، وطمي غرائزه البدائية ، وأحلامه المنتهكة بضراوة واقع قاس ، ورغباته المستترة بمطارق التابو ...، وبين الخارجي بكل جزيئاته التي تتفلت من البصيرة الكليلة ..كل ذلك معجون بفتنة السرد وحرائقه وشهد ثماره المضيئة ... وفي ركن صغير من هذا العالم نستطيع أن نرى الأطباء في" السم والبحيرة " وهم يشرحون الأسرى الأحياء ، منحدرين رويدا "لأقصى ما يمكن للمرء أن ينحدر إليه" .
لماذا استباحة الرواية إذن ؟ الرواية التي نعنيها هي تلك الرواية التي " تتحول إلى فخ هائل يرقص فيه الموت ، وتنوس الحياة ،حين تصير حلما للمخيلة فيه ينفجر الزمان والمكان ،وحيزا لأفكار أبعد ما تكون عن الفكر …..تبدأ كلعبة لامتلاك الزمن ، وتنتهي بمرآة يبحث فيها الخاسر عن جهة خامسة ، وزمن رابع " كما يقول الراوي في رواية" توقيت البنكا " لمحمد علي اليوسفي .
هل من الضروري سرد قائمة طويلة بتلك الروايات ليشهر أصدقاء جوبلز مسدساتهم الصدئة ؟
يظل قوس السؤال مفتوحا ..

مبر محمود 15-01-2012 01:06 PM

دفع د. هاشم ميرغني بهذه المناقشة منطلقاً من سؤال مركزي، مفاده: هل يمكن لنصوصنا السرديّة أن تحتل بإطمئنان مكاناً في رفوف المكتبة العربية والعالمية؟. وهو بلا شك سؤال تغافل عن الإجابة عليه الكثيرين ممن يشتغلون في هذا المضمار، وسبب التغافل في ظنّي لا يرجع لإفتقار ساحتنا الأدبية للنقّاد والمراجعين، بقدر ما يرجع لإفتقار نقّادنا لأبسط أدوات النقد والمراجعة، ولإنشغالهم المفرط بشخوص الكُتاب دون المكاتيب، وللحمولات الأيدلوجيّة الضخمة التي يسقطونها عادةً على أي عمل هم بصدد نقده. وكل هذا من الوضوح بمكان. فمع كل رؤية نقديّة ما نلبس إلا أن نلاحظ مدى سطوة الأيدلوجيا وتغلغلها في القراءة والتقييم، للدرجة التي يلتبس علينا فيها ما إذا كانت رؤاهم النقديّة هذة لعمل أدبي أم لمنفستو سياسي!. وفي الوقت الذي تشهد فيه حركة النقد الأدبي في كل العالم تطوّراً ونضوجاً وهو تطوّراً متزامناً بطبيعة الحال مع تطوّر حركة الأدب نفسه، نجد أن نقّادنا الأشاوس ما خرجوا من عباءة بساطة المراجعة الشفاهية المغتضبة الغير عميقة الموروثة والمتفرخة من عهد دواوين أنس الرفاق القديمة في ثلاثينيات القرن المضى. ومن مزالق هذا النوع من المراجعات إنه يعطي القراء -خصوصاً القراء المبتدئين- تصوراً جميلاً ولكنه غير أمين لأعمال أدبيّة قد تكون دون المستوى، وطبعاً يمكن أن يحدث العكس أيضاً. كل هذا بالإضافةِ إلى أن بعض الأعمال يتم تسويقها بواسطة النقّاد ليس لقيمتها الأدبية وإنما لقيمتها السياسية بإعتبارها خادمة لمشروع أيدلوجي محدد، وفي ذلك وأد للأدب ولمعانيه وإجهاض لبذرته التي غرثها بتعب جميل وقلق نبيل في أرض الوجود الأنساني أدباء حقيقيين.

اشرف السر 15-01-2012 01:28 PM

مقال جدير بالوقوف عنده وتأمله والتشبع بمعانيه لكل معتنٍ بأمر الكتابة
ولو على مستوى "البوستات" في منابر الانترنت..
رغم اختلافي معه في بعض الجزئيات الصغيرة حول الترهل اللغوي بالتفاصيل،
وحول إعتداده "بالإرث النقدي الضخم"، فالناقد إن لم يكن قد مارس عملية الإبداع نفسها ككاتب رواية، فأنا لا أعتد به كثيراً، فهو كمن ينظر لبناء ما "وينظر" حوله، رغم أنه لا يستطيع وضع طوبتين معاً في ذلك البناء..
ورغم ذلك فإن د. هاشم ميرغني قد وضع مبضعه على مواقع ما يؤلمني تماماً...


تحياتي لك يا مبر
ول د. هاشم ميرغني

قيس شحاتة 15-01-2012 01:34 PM

تحياتي مُبر

مما لا يُختلف فيه أن يد السياسة امتدت لتُسيطر على ما يمكن أن نسمّيه - بوجه عام - سوق النشر والمكاتيب بكافة أشكالها وضروبها ومناحيها.. وكانت النتيجة أن صارت الكتب والصحف والروايات والأغاني والأشعار ...الخ ، مسخاً مشوّهاً لثقافة مجتمع أغرقته السلطة - بجهلها وخوفها - في لجج التفاصيل التافهة حتى غدا لا يفكر إلا لماماً ، ولا يُبدع إلا مصادفةً ، ولا يُنتج إلا نادراً .. مجتمع مكبّل الفكر ، مقيّد العقل ، مثبط الهمم .. يُرضيه - أو لا يرضيه - من الغناء ساقط القول ومن الشعر ركيك الكلام ومن الروايات ابتذال المعاني .. بينما يختبئ (الثمين) فيه خلف هذه النتواءات القبيحة والبارزة .. مُرتضياً بالأسافير ، أو مراكز الشباب والثقافة ، أو منتديات الجامعات ، أو ... متقوقعاً في محيطه ، تاركاً المجال لجماعة الجهل النشط ؛ أولئك الذين يملأون المكاتب سعياً ويزحمون المكتبات غُثاءاً بما يحقق مرامي السلطة في صناعة الجهل المُفضِي إلى الخنوع والتسليم والقبول.

سماح محمد 15-01-2012 02:56 PM

تحياتي يا مُبر
وشكرا لإيرادك هذا المقال الجميل والشيّق والذي يفتق في الذهن مئات الأسئلة
أعجبني فيه توزيع المسئولية بين الكُتّاب والنُقّاد.
وأتفق حول تحليله لمأزق النقد الذي كبلته الايدولوجيات والمجاملات وغيرها مما أسلفتم..

وحول أزمة استسهال الكتابة الروائية رغم إحساسي بقسوة ذلك وتحامله على بعض الروائيين الشباب، الا ان بعض أسئلته التي طرحها كأسباب يتوقع تأثيرها على هذا المشهد حملتني لأتساءل عن أن:
هل الكتابة الروائية تتطلب دراسة أكاديمية لمناهج الكتابة والنقد؟
هل يكفي الكاتب بجانب موهبته قراءاته ال(نجيضة) للاعمال الأدبية المتنوعة لينجح في إنجاز أعمال روائية متميزة؟؟أم أن المسألة تحتاج بعض الإحترافية والإطلاع الأكاديمي ؟؟
وأجدني أربط ذلك بمهن إبداعية كالتمثيل والغناء..ونجاح الكثير من الموهوبين غير الدارسين للمجال فيها..
ولي استشعار غير دقيق حول ان الاطلاع الاكاديمي المكثّف قد يقيد أفق الروائي، داخل أُطر قد تحدد إبداعه..:rolleyes:

عموما..يمكن أن نستخلص من المقال دعوة للكتابة بمسئولية وللنقد بأفق واسع ...

ولا أنسى أن أنصب إعجابي بهذه الفقرة الجميلة جدا من مقال الدكتورهاشم ميرغني:

اقتباس:

أيضا يمكن للمتابع أن يلحظ بأسى أن كل هذا الهوس الإعلامي حول الطيب صالح لم يقربنا من عوالمه شبرا واحدا ، لم يضف لمعرفتنا به سطرا ، فقد ظل يردد حتى الإعياء المقولات الجاهزة التي لاكتها الأقلام منذ السبعينيات عن الصراع بين الشرق والغرب ، تلك المقولات التي تلتقط الإشارات الظاهرة للنص وتلصقها بالواقع دون أن تنتبه إلى أن هذه القراءة المتعجلة كفيلة بإفقار النص ، واختزال خصوبته وتحويله إلى خطاب مضموني مباشر من الدرجة الثانية كاختزال عالم "موسم الهجرة" بتلك المقولة الجاهزة عن الصراع بين الشرق والغرب .
إن هذه القراءة الجاهزة لموسم الهجرة تشبه مثلا أن نقول " رواية " ذهب مع الريح " لمرجريت ميتشل " تتحدث عن الحرب الأهلية الأمريكية ، أو أن رواية " البحر والسم" للروائي الياباني " شوساكوندو " تتحدث عن الضعف المهني الأخلاقي للأطباء ، لأن مقالا واحدا مدعما بالوثائق والإحصاءات والبراهين يمكن أن يفي بالغرض ، فالرواية " "لاتتحدث عن" "، إنما " تخلق عالما " كاملا مكثفا غنيا يمد (بضم الياء ) فيه جسر الحدس بين الباطني بعوالمه الحدسية المروعة ، وأفاعي فراديسه ، وطمي غرائزه البدائية ، وأحلامه المنتهكة بضراوة واقع قاس ، ورغباته المستترة بمطارق التابو ...، وبين الخارجي بكل جزيئاته التي تتفلت من البصيرة الكليلة ..كل ذلك معجون بفتنة السرد وحرائقه وشهد ثماره المضيئة ... وفي ركن صغير من هذا العالم نستطيع أن نرى الأطباء في" السم والبحيرة " وهم يشرحون الأسرى الأحياء ، منحدرين رويدا "لأقصى ما يمكن للمرء أن ينحدر إليه" .
شكرا لك
وتحياتي للجميع

مبر محمود 15-01-2012 04:15 PM

سلام يا أشرف ويا قيس ويا سماح،
سعيد بوجدكم هنا وبما تركتموه من أثر، وسعيد أيضاً لأنكم مثلي وجدتم في ما كتبه د.هاشم مَعبراً معقولاً وممتازاً للدخول على عوالم الأدب والأدباء والنقد والنقّاد وهلم تفاصيل!
قطع شك سأعود اليكم بالتفصيل، ولكن قبل ذلك- والكلام موجّه لأشرف على وجه التخصص- دعوني أقول إن د.هاشم ميرغني هو كاتب وشاعر وقاص له العديد من النصوص المنشورة على صفحات الصحف السيارة، كما إنه أحد المحكمين لجايزة الطيب صالح للإبداع الروائي، كل هذا مضاف لكونه أستاذ جامعي في إحدى جامعات البلاد.

اشرف السر 15-01-2012 04:51 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مبر محمود (المشاركة 433138)
الكلام موجّه لأشرف على وجه التخصص- دعوني أقول إن د.هاشم ميرغني هو كاتب وشاعر وقاص له العديد من النصوص المنشورة على صفحات الصحف السيارة، كما إنه أحد المحكمين لجايزة الطيب صالح للإبداع الروائي، كل هذا مضاف لكونه أستاذ جامعي في إحدى جامعات البلاد.

مبر

هو علم على رأسه نار

فقد ذكر د. هاشم في مقاله ما نصه:


اقتباس:

الضعف الواضح في تمثل تقنيات السرد الروائي ، وعدم تشرب منجزاته التطبيقية والنظرية على الصعيدين المحلي والعالمي ، على المستوى النظري فيبدو وكأن الروائي يسبح بعيدا عن الإرث النقدي الضخم الذي شاده نقاد أمثال : تودوروف وكريستيفا ولوكاتش ولوسيان غولدمان وسعيد يقطين وصبري حافظ وعبد الملك مرتاض ورجاء نعمة ويمنى العيد وسيزا قاسم وعبد المحسن بدر،وعبدالله إبراهيم ومحمد عزام والسريحي ....إلخ إلخ

وقد قلت لك في ردي ما نصه:
اقتباس:

مقال جدير بالوقوف عنده وتأمله والتشبع بمعانيه لكل معتنٍ بأمر الكتابة
ولو على مستوى "البوستات" في منابر الانترنت..
رغم اختلافي معه في بعض الجزئيات الصغيرة حول الترهل اللغوي بالتفاصيل،
وحول إعتداده "بالإرث النقدي الضخم"، فالناقد إن لم يكن قد مارس عملية الإبداع نفسها ككاتب رواية، فأنا لا أعتد به كثيراً، فهو كمن ينظر لبناء ما "وينظر" حوله، رغم أنه لا يستطيع وضع طوبتين معاً في ذلك البناء..
ورغم ذلك فإن د. هاشم ميرغني قد وضع مبضعه على مواقع ما يؤلمني تماماً...
وقصدت اعتداده هو بالإرث النقدي الذي خلفه نقاد تخصصهم في الحياة هو النقد
النقد العلمي..
الذي يضع الشروط والمسارات والآفاق للكتابة...
مع عدم تجرؤ الناقد منهم من تقديم نموذج يحتذى من أعماله هو الخاصة...

قصدت محترفي النقد فقط...
ولم أقصد بكلامي د. هاشم ميرغني
فكتاباته لا تحتاج من هو مثلي للإشادة بها

مبر محمود 15-01-2012 10:00 PM

قال الفرزدق: "كان الشعر جملاً بازلاً عظيماً، فنُحر، فجاء امرؤ القيس فأخذ رأسه، وعمرو بن كلثوم سنامه، وزهير كاهله، والأعشى والنابغة فخذيه، وطرفة ولبيد كركرته، ولم يبق إلا الذراع والبطن فتوزعناهما بيننا".
لقد جاءت القصة في مساق السخرية من شاعر صغير مبتديء كان قد عرض شعره على الفرزدق فراح الفرزدق يسخر منه ومن شعره، ويقول له هذا القول عن (الجمل البازل) الذي تقاسمه الرجال الفحول (الأوائل) ولم يبق منه شيء.
وقول الفرزدق هذا أخذه هنا كمثال ذو دلالة ليس إلا، وبمثلما هو للشعر فيمكن أن أسقطه أيضاً على الرواية، وهو قول ظاهره السخرية، ولكنه ينطوي على تصور عقلي له جذوره وله ممارساته العريضة قديماً وحديثاً. كما له إنعكاساته النفسيّة ليس على الأدباء الجدد فقط وأنما حتى على النقّاد والقراء رعايا الكلام، ويمكن رصد هذه الإنعكاسات في الكثير من مداولات النقد الأدبي السوداني المعاصر، فغالبيّة النقّاد يبدأون قراءاتهم النقدية للأعمال الجديدة وكأنهم مسقوفين بفرضية إن هذه الأعمال مهما بلغت من الجودة فهي لاتخرج من نطاق "الذراع والبطن" اللتان أشار إليهما الفرزدق بعاليه! وهذه الفرضية للأسف إنطلت على الكثير من الكتّاب وتسربت لإحساسهم بأعمالهم فأصبحوا فقيري التجويد، قليلي الطموح، مستسهلين لأمر الأدب، جاهلين لجوهر عمله، ومبلغ أمانيهم أن تنال أعمالهم إعجاباً في مجالس سمر الأصدقاء. وهذا الإستسهال بدوره سمح للكثيرين بإقتحام المجال دون دراية وموهبة. وطبعاً حديثي هذا يتتانص في جزء منه وبوجهٍ من وجوهه مع حديث د.هاشم ميرغني المتعلق بموقع الطيّب صالح في خارطة الأدب السوداني لكونه -اي الطيّب صالح- أحتاز على جمل الأدب السوداني بما حمل، ولم يترك نقّاده في غمرة إحتفائهم به لغيره حتى الذراع والبطن. وهذا الحديث الإعتراضي ليس تبخيساً لقدر الطيّب صالح، فالطيب صالح عندي علامة فارقة في خارطة الأدب السوداني والعربي والعالمي، ولكنه لفت نظر الى إن هنالك تشويشاً بسببه سُلّط على أذهان جميع الأدباء اللاحقين له، فبدلاً من أن يستثمر النقّاد وجود الطيب صالح في مشهدنا الكتابي لتحفيز الأدباء الأخرين، نجدهم عملوا على أن يكون هو أحد العوامل الرئيسية المسبطة للخلق الأدبي في بلادنا، وإن دل ذلك على شئ فإنما يدل على إن هؤلا النقّاد أنفسهم واقعين تحت طائلة التشويش. ويا لها من محنة!!

أسعد 15-01-2012 10:09 PM

مقال كارب ولكن مدخله تشوبه السطحية
مقال يعتبر حجر يلقى في بركة الادب السوداني الراكضة
ونحن بالجد شعب نحتاج الى قليل من النقد
او فلنستعيض قول الشاعر مع بعض التعديل (اعطني نقدا اعطك شعبا طيب الاذهان)
علي الاقل النقد دا يمرقنا من شرنقة العاطفة المكبوتين فيها دي

بس صاحبك الدكتور ادهشتو استباحة الرواية!
ولم تدهشه استباحة الغناء ، استباحة الكورة، استباحة السيراميك والخ الخ !!
نحن شعب مولع باستباحة الاشياء الناجحة (في نظرنا)
تربطنا علاقة حميمية بالقرود في حب التقليد وعدم الخروج عن المألوف
حتى مثقفنا لمن لقى النضارة في دربو عمل فيها عمايل القرد والنظارة في كتاب المطالعة

نحن شعب يحب التقليد ويكره التجديد
عشان كدة دايرين سنين عددا عشان نتغير وبعدين نقعد في واطة الله ونقول لييييييه السياسين بعملوا كدة؟
ولييييه الادباء بسوا كدة؟
وليييييه الفنانين بتبهدلوا كدة؟

لا يستقيم الظل والعود اعوجو ياخ ^_^
عليه نحن محتاجين نقاد على شاكلة الدكتور كاتب المقال ومبر وغيرهم عشان يعيدو تخطيط خارطة الطريق لروح الشخصية السودانية




بالجنبة كدة
يا مبر ياخ والله حقو تتفرغ شوية للعلامة معاوية محمد نور وتعمل اعادة تسليط ضوء عليه
أنا متأكد انك ممكن تمرق اشياء فاتت علي غير الكتّاب والنقّاد الذين تناولوا مسيرة معاوية محمد نور


الساعة الآن 09:21 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.