صعود أبا داماك الأسد للهرم الروحي، و الردة الثقافية في مُقتبل التاريخ
زاوية لتقصي نزعة الضراوة و التراجيديا في الوجدان السوداني
|
صعد الإله أباداماك الأسد ذات مفاصلة تأريخية زاخرة بالدلالات و المعاني، و تربع على عرش الهرم الروحي إلهاً رسمياً للنوبين ... كانت من قبله الوحدة العقدية و الثقافية قائمة بين مصر و السودان يمثلها الإله آمون رع الملقب بالحمل الوديع ....
دلالات شتى إنطوت عليها تلك الحادثة التأريخية حينما قام أركماني بتحطيم معبد آمون رع على مشارف البركل و إعلان أباداماك الأسد إلهاً رسمياً للوسط النوبي... |
هذه الردة العقدية حملت ركاماً من الدلالات الثورية إجتاحت مجمل أوجه الحياة، صعد على إثرها أباداماك الأسد إلهاً لا يشق له غبار و رمزاً للقوة و المنعة سكن وجدان النوبين...
|
لعل الباحثين في هذا المجال لم ينتبهو للدلالات السيكولوجية لهذه الحادثة فيما عدا احمد زين العابدين على ما أذكر، حيث مجمل النظر لهذه الحادثة ركز على تقييم الحادثة في أنها محاولة لفصل الدين عن الدولة، و لكن إذا حاولنا تقصي المغزي السيكلوجي و الوجداني لهذه الواقعة واضعين في الإعتبار الدلالات الرمزية للحمل الوديع الذي يمثله آمون رع، و الأسد الذي يجسده أباداماك، فإن النوبة ربما إتجهوا لتطوير إله بمواصفات متسقة مع الوجدان و نزعاته،، الأسد يحمل معاني الضراوة و القوة و الشراسة، و هي معاني تجسد نزعات الداخل النفسي و الوجداني، و هم الذين قال عنهم الإنجيل في أسفاره " يثير المحاربون السود الذين قدموا من أرض كوش الهلع". في حروب الأزمان الغابرة لم يكن هذا الهلع إلا شكل من أشكال الضراوة. آمون رع الملقب بالحمل الوديع لم يك له أن يشبع وجدان ينزع للضراوة و الحمية، و هو بهذا المعنى ربما كان حالة عقدية و عبادية منفصمة عن الداخل، و بالتالي كانت الثورة عليها شكل من أشكال إنتفاضة الوجدان و إنتصاره لمعانيه و نزوعه طالما فقد خاصية الإشباع الذي يخلق نوعاً من الإنسجام بين الداخل و الخارج بدلاً من إنفصام الوجدان ما بين نزوع داخلي إلى العنف و الحمية و الضراوة، و معبود خارجي يحمل دلالات أكثر نعومة و تسامح.
|
قال التاريخ أنهم حطموا معبد آمون رع على مشارف جبل البركل..و حادثة التحطيم نفسها إرتداد عنيف يجسد تلك الضراوة، حيث أن الردة العقدية يمكن لها أن تتم بسلاسة طالما أنها إنسلاخ معنوى يُعنى بتوجهات جديدة للروح لا الجسد..و لكن التحول إلى إله يحمل معاني ذات دلالة مرتبطة بالضراوة و الشدة كان لابد أن تكون أحداث التحول من ذات المنطلق...أو هكذا كان إعلان الذات في أبعادها النفسية و الإنفعالية.
|
صاحب هذا التحول تغيرات هائلة في الجوانب الفنية و الثقافية، حيث بدأ تكوين اللغة المروية. ثم إنداح الوجدان و إنطلق الذوق لينجز منظومته الفنية.
هنا تفتقت بعض من ملامح الشخصية و بقيت الضراة محمول نفسى سكن الجينات إستعداداً للتوارث و صبغ منتوج الذهن و الوجدان. |
البعض الآخر حملته جينات مهاجرة من جزيرة العرب، حيث أن الصحراء و خصائصها الفيزيائية هي الأخرى فريدة في تكوين واقع نفسى له ميزاته...الصحراء تصبغ قاطنها بصفات الفروسية و الميل لصفات مثل الصبر و الجلد و الإعتداد بالنفس...ذكر ذات مرة أحدهم و أعتقد أنه الهندي جواهر لال نهرو في كتابه "لمحات من تأريخ العالم" أن العربي يكفيه فخراً تشبيهه بالحمار"..و حالة الرضى هذه يجسدها واقعه الجغرافي من أن الحمار يمتاز بصفات مثل الصبر و الجلد و هي صفات تعطي ميزة نوعية في الصحراء و تجعل الفرد أكثر إستعداداً للإنسجام و الإستمرار في الحياة.هكذا جاء الشعر العربي تجسيداً لتلك القيم التي تنزع نحو الضراوة و الشدة...فصدح عنترة ذات قصيدة ملتهبة يقول:
سلِي عنَّا الفزاريين لم أشفينا من فوارسها الكبودا وخلّينا نساءَهم حيارَى قبيل الصبح يلطمن الخدودا ملأنا سائرَ الأقطار خوفا ً فأضحى العالمون لنا عبيدا و يقول في موضع آخر: سَلِي يا عبلُ عنَّا يومَ زُرْنا قبائل عامر و بني كلاب وكمْ من فارسٍ خليّتُ ملقي خضب الراحتين بلا خضاب يحرِّك رجلَه رعباً وفيه سنان الرمخ يلمع كالشهاب من هذه القيم النازعة نحو الضراوة تشكل الوجدان و الثقافة التي هاجرت مستصحبة زخمها و إختلطت بأخرى لا تقل نزوعاً نحو الضراوة..... |
من هذه الخلفيات تشكلت الذات السودانية و جداناً و ثقافةً و إنداحت مكونة فضاءاتها,,فكان الغناء السوداني مشبع بالضراوة، في التراث:
بتريد اللطام أسد الكدا السام هزيت البلد من اليمن للشام سيفك ال للفقر قلام و فيه أيضاً: بوصيكم عليه السيف السنين أسعوه.. ثم تجلي آخر لا يقل عنف و ضراوة عندما يصدح خلف الله حمد: سيفو وكتين إنشرع بياخد السيف و الدرع |
سكنت التراجيديا الغناء السوداني و موسيقاه...كانت الجذور في "الطرمبيل" الآلة التقليدية للنغم،و الزمبارة آلة الرعاة، و هي يمكن أن تكون نسخة تقليدية غابرة لآلة الفلوت التي التي تصبغ الموسيقى بالتراجيديا و الحزن...تشق الأغاني التي تجسد الشجن و الحزن طريقها إلى الذوق السوداني و ترسخ ...و هناك أصوات لها إرتباط وثيق بهذه المعاني من هذه الخلفيات تشكلت الذات السودانية و جداناً و ثقافةً و إنداحت مكونة فضاءاتها,,فكان الغناء السوداني مشبع بالضراوة لعبت أغاني الحماسة دور كبير في إشعال الحروب أو الثبات فيها _ تاريخياً_ و ذالك لما تنطوي عليه من قوة تحريضية هائلة على القتال و الثبات_ و إرتبطت كذلك بمعارك معروفة في التاريخ، و هي حاضرة إلى يومنا هذا بقوة في خارطة الغناء بقدرتها الفائقة على إستثارة المشاعر و تغذيتها بإحساس البطولة...يتمايل الناس بها طرباً أو قل إستعراضاً و تمثلاً للقيم البطولية التي تنطوي عليها ...
|
إذن هي مخاطبة ذكية لوجدان صبغته الضراوة و الميل للعنف و البطولة... و لدي إعتقاد بأن هذه الأغاني أكثر قدرة على إستثارة مشاعر مجموعة محددة من الناس لها أبعادها الديموغرافية، فهي إذا تحرينا الدقة أقرب لتحريك أناس ذوو جذور بدوية أو قل ريفية على وجه الدقة، فغالباً ما تكون الحفلات في هكذا وسط إجتماعي زاخرة بمثل هذه الأغاني التي هي محببة و أقرب للوجدان...هذه المجموعة يمكن القول بأنها تمثل الذات السودانية البحتة في بعدها الفني و الوجداني طالما أنها بقيت بعيداً من نطاق الإستلاب الثقافي و الفني و محاولات العولمة الدائمة لمصادرة الوجدان و الذوق؛ و بالتالي يمكننا القول أن هذه المجموعة ما زالت محافظة على خصائص الشخصية السودانية إستناداً على بعدها من مجال الإختراق.....
إشارتنا إلى أن هذه المجموعة تحفظ أسرار الوجدان و الشخصية السودانية ضرورية من حيث أن هناك موجة هائلة لإجتياح الوجدان و الذوق تحركها ميديا ضخمة في سياق ما يسمى بالعولمة _ و بالتالي يمكننا القول أن أغاني الفراسة أو الحماسة تحفظ مكنونات الوجدان الأصيل و النازع نحو الضراوة و العنف.... |
هذه الضراوة حاضرة في مراسم الفرح،، البطان شكل من أشكال الضراوة و إستعراض الفراسة و القدرة على التحمل. القدرة على تحمل الأذى ربما ترتد للجذر الصحراوي في الخارطة الجينية. سبق و أن أشرنا إلى أن صفات مثل الصبر و الجلد و القدرة على تحمل الأذى تمنح العربي ميزة نوعية إستناداً على معايير الجغرافية و مضامين الآيكولوجيا..
في مراسم الميلاد يضغطون على الزناد و يرتفع دوي الرصاص إعلاناً بميلاد الذكر، و كأنهم يبسطون أمام هذا الوليد ذاك التحدي في أن يكون رسولاً للضراوة و رمز للتحدي و التصدي |
في الشارع العام و السلوكيات اليومية هذه النزعة حاضرة بقوة، إذ أن الكثير من المشاكل القضائية و الجنائية تتم معالجتها خارج الإطار القانوني بمجهود فردي أو حتى جماعي عندما تأخذ هذه المشاكل بعداً قبلياً أو عشائرياً. و مازال الثأر حاضر في حياة العديد من القبائل و الجماعات السكانية،،و الثأر هو نوع من أخذ القصاص خارج السياقات القضائية - ترتد جذور الثأر لغابر التاريخ العربي ، حيث كان يصنف نوع من العدالة..
الهمبتة كسلوك ممتلئ بالضراوة هي الأخرى حاضرة، و كذلك التصدي لها كنوع من الفروسية في سياق ما يسمى "بالفزع" , و الفزع هو محاولة لإسترداد الحقوق خارج السياقات القانونية من يرُد حقوقه في سياق ما يسمى بالفزع تنظم فيه القصائد و الألحان. |
كنت شاهداً ذات طفولة يافعة على حادثة فريدة في ضواحي الدويم، عندما هجمت مجموعة مجهولة من الهمباتة ليلاً و تمكنت من سرقة جمل يملكه أحد الوافدين إلى المنطقة..و عندما أشرقت الشمس إستنجد صاحب الجمل المسروق بمجموعة ممن تتوفر فيهم الضراوة و الفراسة ليكونوا فزعاً عن جمله المسروق، فهبوا معه بحثاً حتى بلغوا تخوم الريف التشادي، و عندما لم يعثروا على الجمل المسروق أتوا بجمل آخر كنوع من الهمبتة التعوضية المضادة.....و حال وصولهم للمنطقة تعالت لهم الزغاريد تبجيلاً من أنهم لم يأتوا بخفي حنين.....
هذا المسلك يجسد بجلاء مدى الإستحسان الذي تواجه به الهمبتة كسلوك تتجلى فيه الفروسية و الضراوة بكل أبعادها، ثم تسكن الأدب الشعبي مبجلة ممجدة....أو هكذا تستقر الضراوة و العنف في وجدان السوداني البدوي..... علاوة على التاريخ و الفن و الأدب، لعبت الجغرافيا دور أساسي في ترسيخ نزعة الضراوة فالسودان دولة مدارية من حيث الجغرافية و توصيفات المناخ، حيث يقع بين المدارين مما جعل فترة الإشعاع الشمسي تصل إلى 10 ساعات يومياً في متوسطها..وتصل درجة الحرارة إلى ما فوق ال 40 درجة. بحكم التجربة، تساهم الحرارة المرتفعة في رفع حدة المزاج و جعل الفرد أقرب إلى ( المداقشة ) منه إلى التسامح و الليونة..لذلك نلاحظ هناك توترات و مظاهر عنف و "مداقشة عينك عينك" في الحياة اليومية نهاراً...... |
يلعب كذلك الإضطراب السياسي و مشاكل السلطة و الثروة التي ظلت ملازمة للدولة السودانية دور مهم في تأجيج الضراوة و الجنوح للعنف و تغذية الإستعداء الإثني، الأمر الذي ينفجر مع الأحداث ذات الصلة......
|
ربما ترتد نزعة التراجيديا و الحزن و الحنين للجذر الصحراوي في الشخصية السودانية، حيث صبغت نزعة الحنين و الغربة الشعر الجاهلي منذ بزوغه. و لعل الخصائص الفيزيائية للصحراء الممتدة و بعض أوجه الثقافة جعلت معانياً مثل الغربة و الترحال و الحنين بارزة الحضور في الشعر..و هي صفات تنطوي على نوع من التراجيديا..البكاء على طلال,,الحرمان من رؤية الحبيبة ....الطبيعة القاسية للصحراء
هوامش * جواهر لال نهرو لمحات من تاريخ العالم * مقال لاحمد زين العابدين ... المقال دا بتذكرو طشاش طشاش يعني مافي كوتيشن كامل منو |
| الساعة الآن 04:15 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.