كرنفال الدموع.. بقلم حافظ حسين
رغم قراره النهائي بعدم مغادرة السودان للأبد الا أنه لم يستطع مع ذلك صبراً سوي ثلاثة عشر يوماً, سبعة منها قضاها متجولاً بأكبر المستشفيات المختصة بالامراض النفسية و العصبية بالوطن, و ما تبقي من أيام قضاها باكياً علي قبر جلال.... جاء هذا الطبيب من بريطانيا محملاً باعلي الشهادات في الأمراض النفسية و العصبية, وبعض أوهام الاشتراكية الممزوجة بدين خفيف من سلالة (الناس سواسية كأسنان المشط), كما بجعبته آمال عراض لوضع أسس أخلاقيات للمهنة.... في ليلة الرحيل الأخيرة ذهب الي المقابر حاملاً شاهدين, علي أحدهما مكتوب بخط كوفي منمق (جلال لا يحتاج الي فاتحة أحدكم), و في الأخر المقابل كتب (قتلناك كم مرة يا جلال؟!!!!) .... توصل هذا الطبيب الي مكمن عقدة جلال و لكنه جاء متأخراً و إن لم تأتي للأبد أحياناً خير من أن تأتي متأخراً,,, في اليوم الثاني لوصوله وجد نفسه ضم طاقم الطب النفسي, و صدمته علي العموم لم تكن بقدر رهافة حسه أو مثاليته, لأنه ببساطة قارئ جيد لسودانيزاون لاين و متابع لصيق لأحوال البلد عبر الفيس بوك و تويتر.... رغم أن كل المحيط محفز علي الإستغراب و التساؤل, الا أن أكثر ما أثار انتباهه يوم مروره الأول شاب عشريني يعلو وجهه قناع سميك من الكأبة, راقد بإستسلام مميت, و حزن مدر للدموع, و لكن كل هذا عجز عن أخفاء وجه الشبه بينه و بين الممثل الأمريكي ذائع الصيت ويل سميث, راقد بكامل الإستسلام و مخالف بجنزيرين ينتهي كل منهما بطبلة نحاسية اللون علي كل من رجله اليسرى و يده اليمنى.... سأل د. ياسر احد طبيبات الامتياز التي ترافقه كالظل عن هذا الشاب و لكن قبل أن تجيب الأخيرة صاحت بخلعة ممزوجة ببعض الحرج قائلةً: (جلال صباح الخير.... عم عثمان شكله الليله أتأخر .... لكن خليني سرعة أمشي المكتب أجيب المفتاح... معليش يا جلال). لم يجب جلال علي هرطقات هذه الطبيبه وإنما واصل تحديقه في المروحة التي تصدر صوت مضرس ناجم عن إحتكال الحديد مع الحديد, لم يحرك ساكناً كأنما المخاطب جلال آخر... المهم حرر عن أطواقه و بدء روتين حياته اليومي كشاب حزين منهك... بعد إنتهاء المرور سأل د. ياسر بقلق منع من ظهوره مهنيته, سأل عن هذا الشاب الذي يطبل ليلاً و يحرر نهاراً , استرسلت هذه الطبيبة لدرجة التبرع في وصف حالته, مثل: كيف أنه شاب وسيم و جيد الهندام لدرجة حين دخوله المستشفي أول مرة ظنته Co-patient , و كيف أتي وحده دون مرافق و بكلمات وضاحة و صلبه شرح حالته أنه كل ليلة يصاب بنوبة تشجنات يفقد فيها الادراك بما و من حوله و نهاراً يكون في كامل العادية.... و عندما أردف دكتور ياسر مرة أخري سائلاً عن موطن جلال ردت الطبيبة قائلة: (علي ما أعتقد من دارفور) في ملف أصفر مكتوب عليه (سري للغاية او confidential ) , ملف ملقي بإهمال علي منضدة مهترئة لم يجد فيه هذا الدكتور سوي إسم جلال ثنائي, عمره, و بعض الخربشات الغير مقرؤة التي تصف حالته, إضافة الي أنواع العلاج التي يتلقاها, مما حد به للسؤال مرة أخري عن انواع العلاجات التي يتلقاها المريض المقيد فردت قائلةً: (قاعد ياخد ليثيوم, و هسي قرروا ليه جلسات كهرباء قاعد يأخد فيها) فلتت من هذا الدكتور خلعة أخترقت جدر المهنية مصحوبة بكلمة ليثيوم متعجبة, و كي يداري عدم مهنيته أمام الطبيبة المتدربة سألها ببعض الحيادية قائلاً: (طيب آخر مرة عملتوا ليه فحص لوظائف الكلي متين؟) هزت الطبيبة المرافقة رأسها علامة عدم المعرفة علي الإطلاق أو ما دهشةً حول علاقة وظائف الكلي بعلاج الليثيوم.... المهم جمع هذا الدكتور كل المعلومات الممكنة و المتاحة و بقلق تجلي في طقطقة أصابعه و شراهة في التدخين في انتظار معرفة ماذا يحدث لهذا الجلال ليلاً....كما متعارف عليه قبل مغيب الشمس بلحظات دخل الرجل الخمسيني بيمناه يحمل الجنازير و اليسري كانت للطبل و بآلية رتيبة بادله جلال إياها, قيده و كل أنصرف الي حاله.... و لحظة إنتهاء منادي المغرب من المقطع القائل (لا اله إلا الله), بدأت رحلة جلال الفصامية و لكن ليس كما السابق , أي كانت دون تشنج, شتم, أو أي محاولة شروع في الانتحار, و إنما بدأت حفلته بدموع شقاء صامتة, علي أثرها فقدت الدكتور كل ما يملكه الاطباء و هو (البرود), فقد بروده المهني و شارك في كرنفال الدموع الصامت. جلال من دارفور حقيقة و ليس فقط إعتقاد أطباء, كان ترتيبه السادس بين خمسة أشقاء و ثلاثة شقيقات, و لولا جدته الكجورية لكان اليوم في كامل السلام سوي كان ذلك بمغازلة بنات الحور أو لعب سكج بكج مع الأقرع الشجاع, ترعرع بين تنانير هذه الجدة و أضحت كل عالمه, فهو الوحيد من بين أشقائه يتسلق شجرة الهجليج ليلاً ليأتي لها ببيض السمبر الذي تستخدمه في تركيب أدويتها, كما أنه صار مرافق جيد لها في مهمة نبش قبور الاطفال حديثي الولادة و تقليم أظافرهم لمهام تعرفها هذه الكجورية... و حد علم الجميع أن هذه المرأة في سباق مع الزمن كي تعمده خليفة لها بعد وصوله السن التي تسمح بذلك..... ذات يوم أتوها الخدام الغير مرئيين مغرباً و في الحال بدأت رحلة تبرجها المعتادة لمثل هكذا مناسبات و ذلك بخلع كل ملابسها و العودة الي العصور الحجرية محيطة المناطق المحرمة فقط من جسدها بجلد تيتل متشلل عند كاشف عن افخاذ كثيرات الشبه بارجل الجرادة, و كذلك لبست السوار المنضوم من أسنان ثعبان الكوبرا علي ساعدها الأيسر... بدأت في الحوار مع الخُدام بلغة لم يفهمها أحد, إستمر هذا الحوار أكثر من المعتاد .... و من مجمله أن الخُدام قرروا دك القرية ليلة الجمعة المقبلة و لها فرصة أن تنجي واحد فقط من القبيلة .... فكرت طويلاً و في النهاية حسمت الأمر و قررت تحمل عقوبة لا يموت فيها و لا يحيا و تخبر كل القرية بما هو مسطر, و لكن الخدام ردوا علي تفكيرها مقهقين (أن القدر قد أكمله دورته و خير لها أن تموت مع قومها مرة واحدة بدل أن يموت الجميع و تعيش هي في برزخ لا يموت فيها و لا يحي)... في النهاية لابد مما ليس منه بدء و عليك يا أرض الفجيعة تحمل ما ترميه سماء الرزيلة. في اتجاه معاكس للقبلة يممت وجهها و بدأت في قراءة السبحانية بالمقلوب مستخدمة عقد أسنان ثعبان الكوبرا كمسبحة.... صلت ثلاثة ليالي و وهبتها أرق لجلال.... و في ليلة الجمعة بينما الكل نيام, صهلت الخيل, دوي الانتوف و بدء الحريق, هرول جلال تجاه الجبل و في الصبح كان الناجي الوحيد من القرية التي تحولت الي هبود و منذ يومها كل ما جن الليل أنفصم جلال..... هذا ما توصل اليه الطبيب العائد كان سعيد لإكتشاف العقدة و حزين في الآن نفسه علي سببها, و لكن قبل أن يشرع في العلاج رن هاتفه ليلاً و إذا رسالة من جلال تقول: (أن لم تأتي للأبد خير من أن تأتي متأخراً... فعفوا ايها الدكتور الموت قبلك قد أتي) ركب دكتور ياسر دابة الريح مسابقاً الموت و عند دخوله العنبر إشتم رائحة أستون قوية منبعثة من فم جلال, و عرف أن كليتيه أيضاً تحولت الي هبود بفعل الليثيوم. |
اقتباس:
ياحافظ الكتابة يامجنون قراية اولي شكرا اشرف |
كرنفال من الحزن ...
|
بين تلاحُق أنفاسي..
و تلاقُح كل أحاسيس الدهشة بداخلي.. و تلاحُم خفقاتي المُتتالية.. بأنفاس "جلال" الأخيرة.. و إغماض عينيه الأبدي.. أقول لك حافظ.. أذهلتني.. |
والله العظيم قريت البوست دا اكتر من ٧ مرات ومافهمت شئ يستحق الفهم ياحافظ واشرف!..فى شنو؟:confused::confused:
وانا ماعاوز ارد رد بتاع منتديات عربية والسلااااااام:o:o:o |
اقتباس:
ملحوظة: مداخلتي دي ذاتها وفد مقدّمة:D، لمّا الزول يقرا النص |
.........................
|
سمح القول من خشيم سيدو ..
و أشرف .. |
ياسلااااااااااااااام
|
| الساعة الآن 09:08 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.