نيمة ود جبارة ونفيسي بت بغداد..
نيمة ود جبارة في شبا لها «حكاوي» تغوص في أعماق قرية ساكنة في الظاهر لكنها تضج بالحياة في أعماقها... ما أن هدأت عجلات «قطار كريمة» على رصيف المحطة.. حتى وبدأ صخب العناق والنحيب والفرح يتناثر هنا وهناك.. إنها مسيرة ثلاثة أيام من الخرطوم.. مسيرة لهفة وشوق إلى عناق الأهل هناك عند «جبل السروي» و«درب الباشا».. جمعنا «عفشنا» كعادتنا عند الوصول وأعيننا تتفحص المستقبلين على الرصيف.. ضجيج المحطة وصخبها ولهفتنا يجعل من المحطة مشهدا مليودراميا بامتياز.. الدهسيرة، حزيمة، مقاشي... شبا، البركل، عسوم.. الأراك، الكنيسة، المقل... هكذا هي أصوات «كماسرة» لواري كريمة.. ما أن يخفت صرير عجلات القطار إلا وتختلط تلك الأصوات بأصوات المستقبلين والباعة المتجولين... كات ذلك المنظر واحدا من أجمل ما عايشت خلال طفولتي وأنا في طريقي إلى «شبا».. قريتي الوادعة في خاصرة النيل.. كنت وأنا في القطار يسرح بي خيالي إلى أهلي وعشيرتي هناك.. إلى أقراني وأصدقائي: مامون مكاوي، مبروك قرن، النزير الساعوري، مجدي فاروق، مزمل ومحمد الرحيمة، وعادل الجُضل، وأولاد علي الجدي وآخرين.. لكنني وبشكل خاص كنت أتوق إلى امرأة كانت ذائعة الصيت هناك.. امرأة يخشى لسانها الجميع.. امرأة قادرة على رسم البسمة في شفاه الجميع.. امرأة تملك قدرا من «المحنة» قادر على تذويب آلام الكون نفسه.. فما أن تتوقف عربة «عم رابح» أمام نادي شبا، إلا ويتيه نظري بين أهل القرية باحثا عن «نفيسي بت بغداد» أم القرونة.. |
نان يا طارق..
نفيسي بت بغداد دي.. من شدة ما عرفتها.. بقت تزاول لي.. وزي الشفتها وبعرفها جد جد... شكلي ح اشاركك فيها في بوم ما.. اها الان ياخ.. بقترح عليك تسوي مسلسل ليهو شنبات عن نفيسي بت بغداد.. سيناريو طويل ومفصل عن حياتها ومشاهدها.. منذ طفولتها وانت ماشي.. تحياتي .. |
اقتباس:
ليتني استطيع ان اكتب عن جميع حكاويها |
يتسالم القادمون ويمسحون دموعهم في «الدرب» قبل وصولهم إلا منازل ذويهم.. القرية يعتليها شئ من الفرح لقدوم الأحباب من الخرطوم وبورتسودان.. فحياة الناس هنا هينة وسهلة لا يعتريها شئ إلا سفر حبيب هنا.. أو موت عزيز هناك.. أو زواج قبلي أو بحري.. لكن سيرورة الحياة تستمر.. يتسالم الناس هنا ويضحكون وهم يبكون.. دموع حنينة تحس دفئها وتغوص داخلك دون استئذان.. ما أن تطأ قدماي أرض شبا حتى تتلقفني أيادي نساء القرية: طروووق واحلاتي حمد لله بالسلامة.. في تلك اللحظة تكتشف أن كل القرية تجمعك بها صلة دم وقرابة.. - دي عمتك حواء بت الخضر ود كنيش - وديك عمتك فاطني بت كنيش - وديك خالتك بت موزة - وداك جدك الدقير ود الريح - وداك عمك طه ود جعفر ود خالة ابوك لزم - ودي عمتك زينب القروني ومرت جدك عمر ود بغداد - ودة ود عمك سيد أحمد القروني كانوا يمطرونني قُبلا ويسمعوني كلاما حنينا لا زال رنينه في أذني.. صدق مشاعر الناس هنا وحبهم لا تخطئه الأحاسيس مطلقا.. كما النيل والنخيل والأرض.. يهبوهم الحياة ويصدقونهم المشاعر.. لكنني كنت أتوق إلى «بت بغداد» إلى «نفيسي» حبوبتي.. كان وجهها يتراءى لي بين القوم وهي ممسكة بعكازها كأنها «تُحفة» وضعت عند «بير ود جبارة».. ما أن أصلها إلا وأرتمي في حضنها: حبوبتي انتي طيبي تضمني إلى صدرها: الزين ودي الزين جاني واجيدلي ما أن تجلس في ذلك «العنقريب» الذي ارتبط بـ«بير ود جبارة» إلا وتتضعني في حجرها وتسألني: أبوك كيفنه يا الحبيب.. طيب في عضامه ديل؟ - نصيح يا حبوبتي وصلنا المحطة ويسلم عليك مرسلك سُكر وقروش مع أمي.. - عفيت منه قدر الجبال وقدر السحاب ما شال جبيرين ود حشاي.. وأخوك إبراهيم نعل ما صايدو شي باقي طول مني يا الزين؟.. - قطعلنا التصاريح وقالي سلم علي أمي نفيسي وقولها بس آخد إجازتي وأجيك.. شوفتو يغمتلو في شي لي أمي ويقولها: ديل أديهن أمي نفيسي.. - عفيت منه الحبيب ود الحبيب ماني مرباهو أنا يا ولدي.. ما أن يتسالم القوم هنا ويمسحون دموعهم إلا وتحمل بعضهم الحمير إلى بيوتهم في أطراف الصحراء عند «الحُجار» و«جبل السروي».. كنت في الغالب أذهب مع والدتي إلى بيت جدي «ود أبو دية» في «السواعير» هناك حيث جدي يوسف ود أبو دية وحبوبتي فردوس الريح.. فبعد أن تحتضنني حبوبتي الفردوس وتمطرني قبلا تأخذني إلى جدي الضرير ود أبو دية وقبل أن اسلم عليه تكون هي قد أخبرته: طارق ود عاشا.. يتوسط جدي «عنقريبه» ثم يرفع يديه باحثا عني: حباب طارق ود عاشا.. ما أن تلمسني يديه حتى يضمني باكيا كعادته ودموعه تنزل على صدره.. هذا المنظر رسخ في ذهني لكثرة تكراره كل عام.. كان بعد أن يبكي يستغفر وينادي حبوبتي: يا الفردوس سولوم الغداء لا تخلوهم يجوعوا.. كنت أقف قليلا لأتأمله.. رجل في الثمانين من عمره.. ضرير لا يشغل باله سوى مواقيت الصلاة وصحة بناته وولديه فتح الرحمن وعبد العزيز.. لأول مرة في حياتي أرى إنسانا ضريرا.. كان الأمر غريبا على طفل مثلي لكنني استوعبته ثاني يوم وصولي وأصبح مقبولا بالنسبة إلي.. كان يحضن أمي باكيا بصوت يهز سكون ذلك المكان من القرية.. إلى أن «تنهره» «حبوبتي» الفردوس: يا راجل هي جات فشان تسالمك ولا تبكيها.. يستغفر ربه ثم يرد عليها: نان أنا أبكي ما من شوقي لي عاشا.. ماها بتي - الفردوس: نان في زولا غالتك خلها الترتاح وبعدين أشبع منها - عاشا: يمة الرسول فيكي لا تكاتليهو أبوي خليني اللشبع منه هذا المشهد كان يبكي كل من في البيت وحتى القادمون من الجيران والأهل للسلام علينا.. |
حكي طاعم كالعادة ياود جبرين
|
اقتباس:
يا سلام يا طارق ياخ. واصل الله لا يهينك. |
اقتباس:
|
اقتباس:
كيفنك ياخ ياخي تديني تلفون ضارب أجي الامارات واضرب والقى تليفونك برة الشبكة عاد دة كلام دة |
داايما ياطارق حين تحكي اهلي
تاخذني الى ابي هناك في مرقده حيث لا رجوع يالله |
طارق اتعبتنا
معاك حكاويك دائما تهز دواخلنا وتتركنا كالهشيم جسد بلاروح |
اقتباس:
|
اقتباس:
وكتين يتاورنا الشوق مانا قاعدين نلقى غير الكتابة |
ما أن يهدأ نحيب اللقيا هذا حتى ويعج البيت بالضيوف والحبان من قبلي ومن بحري.. الكل يسارع بقدحه احتفاء بنا نحن القادمون من «البندر».. وتظل «حبوبتي» الفردوس لأمي بالمرصاد لتذكيرها بكل الأحداث التي عرفتها القرية في غيابها.. - بت موزة مات ابوها وام الحسن ولدها جابولوا ولد وبت ككو بتها عرسوها... وهذا كان بمثابة أوامر لكي تقضي أمي سحابة أيامها القادمة معزية هنا ومهنئة هناك.. من الدوداب إلى عسوم.. ومن القلعة إلى البركل تحت.. ومن الكرسناب إلى البركل فوق.. يحيط النسوة بأمي في يومنا الأول ويتسامرن وتسمع ضحكاتهن من الأعماق.. وأحيانا ينتحبن لفراق عزيز غادرنا ونحن في غيبتنا تلك عن البلد.. يسألنها عن أقربائهن في الخرطوم وعن أحوال «البندر».. وحين يكون الحديث خاصا جدا تجدهن يتهامسن ويقرصن بعضهن بعضا في «أوراكهن».. ما أن تبدأ الشمس في فقد جبروتها وتحس بالضعف يعتلي دائرتها وهي تغوص في غابة النخيل.. ما أن يكسو القرية لون «المُح» ذاك.. إلا وتتجه «حبوبتي» إلى «المراح» حيث نعاجها السبع والحملان وخروف العيد.. إنه أوان «حَلبُ النعاج».. كنت أجد متعة ممزوجة بالاستغراب في علاقتها بالنعاج.. لكل نعجة اسم وتدليل.. تلك «المرهة» الزيني... وهذه «الفاجري» أم «صِلِيب».. كانت تُحدِث النعاج كأنما هن نساء في جلسة للبحث عن «اللَبن».. ما أن تنتهي من هذا الطقس اليومي إلى وتتجه إلى «التُكُل» حيث «الحِليلي المكرتبي».. ما هي إلا لحظات إلا وتنتشر ريحة «اللبن المقنن»... حيث تدور كؤوس «الشاي باللبن» بين الحضور.. - عاشا: يمة السُكر في الكرتونة المن تالا «الكَرِقة» - الفردوس: أييي شوفتو تتوزع النساء في ذلك اليوم حسب السن والقرابة والاهتمام.. وحدها «حبوبتي» نفيسي تجالس الرجال في «الديوان» ويأتيني صوتها كعادتها منذ وعيت المجيئ لهذه القرية: - علي بالطلاق يا ود تميم ماكن رجال شي - ود تميم: كيفن مانا رجال يا نفيسي - جملة الإيمان مافي واحدة فيكم راجل غير الخضر ود قرنين.. عرسلو 13 مرة - ود تميم: نان هي الرجالة في العِرس يا نفيسي ههههههههه - نان في شنو.. النوم لا عند الضحى و«الضُراط» يضحكون جميعا ثم يلعنوها: الله لا كسبك يا بت بغداد ماكي مرة شي.. ثم تقف على عكازها وتنادي: يا طارق... يا ود جمل الشيل - الفردوس: خلاص جنك قام عليك... مالك قومتي - نفيسي: الدنيي مغربت يا الفردوس وعمو الطيب بيجي يسأل منه - الفردوس: خليهو باكر بيمشي يسلم علي عمو - نفيسي: بري بري.. وين شوفتيلك راجل قاعد يبيت في حوش النسوان - الفردوس: نان هني ماهو بيت جدي - نفيسي: ما قلنا شي.. بس هناك بيت جدو ابو ابوهو قبل أن يكملن نقاشهن ذاك أكون قد جمعت ملابسي واصبحت جاهزا للذهاب معها.. هناك حيث أكون بعيدا عن رقابة أمي اللصيقة ولا أحد يستطيع أن «ينهرني» خوفا من لسان نفيسي.. - عاشا: يمة ما تتعبي روحك.. شوفيهو شال هدومو ومنتظر حبوبته.. دة ماهو ترب «القرونة» عاد ههههههه هذا كان واحدا من القرارات النادرة في طفولتي أن اختار المكان الذي سأقضي به عطلتي في «شبا».. إنني في حماية نفيسي إذن.. |
طارق ود امي ... اقراءك ... واكتم انفاسي تماماً حين طقس القراءه ... ياااااااااااااااااااااااااا الله عليك ياخ ... |
اقتباس:
الله يجبر بي خاطرك ويعليك يا رب |
| الساعة الآن 08:15 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.