سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   الدعوة للخروج للدعوة (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=29186)

ابوبكر بشير سردار 25-12-2013 08:47 AM

الدعوة للخروج للدعوة
 
- ذات مرة ذهبت الي احدهم زيارة عمل .. كان الوقت صباح "جمعة سبت" ..
انت قائل شنو ؟ مش السبت "جمعّوه" برضو ..
بس ما فيهو صلاة جمعة .. فيهو عطَلة سااااي ..!
صاحبنا هذا لم يكن موجودا في بيته .. اتصلت عليه اعلمه بحضوري وانني انتظر بالقرب من باب الشارع .. !
دعاني للدخول الي الصالون ريثما يصلني لانه ليس بعيدا عني ..!
- دخلت الي الصالون الذي كان فيه ثلاثة اشخاص اوصافهم كالاتي :
- الاول الذي يجلس بالقرب من باب الصالون صغيرا في السن عمره مابين الـ19 والـ22 سنة .. يرتدي جلبابا ويضع علي راسه طاقية .. سلم علي بحرارة
- الشخص الثاني داكن البشرة عمره مابين الـ 35 الي 40 سنة .. يرتدي جلبابا ويلف علي راسه عمامة .. يبدو عليه الارهاق والتعب سلم علي ببرود .. كان يداهمه "النوم" بين لحظة واخري فيميل مرة يمينا ومرة شمالا وتارة يكاد يسقط الي الامام .. فينتبه في كل مرة "مفزوعا" ينظر الينا واحدا بعد الاخر .. ثم يغرق في موجة اخري من
"الدقسان"*
* حاشية :
- ("الدقسة" هي النومة الخفيفة .. ومنها قولهم فلان "داقس" يعني ما جائب خبر .. و"دقسه" بمعني خدعه وغشاه ..!
اما الدقوسة فهو الكثير الوقوع في "التدقيس" .. او قل سريع الاستجابة "للتدقيس" )
- اما الشخص الثالث فيبدو انه اكبرهم سنا .. ملامحه تشبه اخوانا "الارتريين" .. يرتدي جلبابا ايضا ويضع العمة علي كتفه بإهمال .. هو اقصرهم طولا لكنه أكبرهم حجما ..!
اما ثلاثتهم فيشتركون في اطلاق "لحاهم" .. "دقونهم" يعني ... الغير مشذبة .. ويحملون سبحا تختلف في اشكالها .. لكنها تتوحد في "الهمهمة" الصادرة من افواهم..!
- بعد ان صافحتهم اخترت مقعدا بعيدا عنهم .. جلست عليه اتاملهم .. انهم من جماعة "الدعوة والتبليغ" .. شكلهم يوحي بذلك ..!
- لحظة صمت .. ثم بدأ اصغرهم سنا الحديث بهمة "كأنه وجد صيدا سمينا" .. معرفا نفسه .. ثم الثاني .. ثم الثالث .. ثم اتي دوري .. عرفت نفسي باختصار ثم سكت ..!
- لحظة صمت اخري ثم تحدث هذا الاصغرهم سنا .. !
بدأ حديثه بطريقة توحي لك ان هذا المتحدث "يسمّع" في مادة اجاد حفظها اجادة تامة ..!
- في ناس كده يحفظوا ليك الحاجة بالنقطة والشولة .. ما تقدر تغالطوا ..
يتغالط لي كيف ؟
ده حافظ "صم"
- الاستاذ الكان بدرسنا "قواعد اللغة العربية" في المرحلة الثانوية كان "كفيفا" .. يتبرع احدنا باحضاره من المكتب .. فيجلس علي الكرسي ثم يخرج من جيبه "طبشيرا" يناوله لاقرب طالب اليه ثم يملي عليه الدرس .. ابتداءا من العنوان والامثلة ثم القاعدة او الخلاصة .. ثم يطلب منا اخراج كتاب القواعد وفتح الصفحة رقم كذا .. ثم يأمر احدنا بالقراءة ويقوم هو بالشرح .. كان كثيرا ما ينبه القاري بقوله .. هنا في نقطة ياحمار مفروض تقيف فيها .. هنا في شولة ياغبي .. هنا توجد علامة تعجب .. هذا الحرف "زينا" وليس "ذالا" يا زلنطح .. وهكذا كان يحفظ الكتاب عن اخره ..!
- كنت معجبا ببيت شعر كان يردده استاذي هذا كلما تسلل طالبا حاملا حذائه مغادرا الفصل "متخفيا" .. كان استاذي هذا يشعر به فيقول ..
اذهب ..!
فقد ... "ذهب الحمار بام عمرو فلا عادت ولا عاد الحمار"
- قلنا ليكم في ناس بكونوا حافظين الحاجة حفظ .. قعدتو تغالطوا ..
اسوي ليكم شنو انا؟
هسة في داعي للفة الطويلة دي ؟
تاني مانحكي ليكم حاجة ..؟
- اخذ ذلك "الداعية الصغير الحافظ" يحدثني عن وجوب الخروج للدعوة ... مستدلا مرة باية ومرة بحديث واحيانا بقصة .. كان يحدثني عن ذلك .. وكنت احدثه عن ضرورة احياء قيم الاسلام في المسلم اولا .. وبعد ان يرتقي باخلاقه ويتمسك حقيقة باسلامه ويقيمه في نفسه اولا عندها يمكنه الخروج للدعوة .. قلت له الدعوة سلوك واخلاق قبل ان تكون كلاما نظريا ومحاضرات ..!
- حدثني عن عدد الذين دخلوا الاسلام في اوربا وامريكا وغيرها .. فحدثته عن عدد الذين تركوا الاسلام في بلاد المسلمين .. وقلت له ان معظم الذين اسلموا في الدول التي ذكرت جاء اسلامهم نتيجة اعجاز علمي عندما قارونه بالاسلام وجدوا ان القران قد ذكره قبل الاف السنين ..
يا اخي الان لاتثمر الدعوات والمحاضرات في اسلام الاخرين لانها فاقدة للمصداقية والسلوك والاخلاق .. ليس لعيب في الاسلام ولكن لجهل من تبني هذه الدعوة ..
نحن الان في حاجة لان نقيم دولة الاسلام في انفسنا اولا ..
دولة الاسلام الحقيقي ثم بعد ذلك نفكر في نقلها لغير المسلمين ليهتدوا بها ..!
- يبدو ان حديثي هذا قد هزه فذكر لي قصة ذلك الشخص الذي اعلن اسلامه ففرحوا به وذبحوا له الذبائح وجمعوا له الاموال .. فذهب ولم يعد اليهم ... وعندما ذهبوا للسوال عنه وسط اهله ردوهم وقالوا لهم ان فلان هذا رجع عن اسلامه .. وعندما سألوهم لماذا ؟
ردوا عليهم بان السرقة عندنا والخمر عندنا والميسر عندنا والربا عندنا والغش عندنا ..
فلماذا يذهب ليبحث عن ذلك بينكم ..؟
- قلت له هذه القصة لاتحتاج لتعليق بقدر ما تحتاج لبحث دواعي حدوثها .. ومعرفة اين تكمن العلة ..!
- ان ما ينتظر الدعاء والائمة من دور داخل المجتمع المسلم واصلاح فهمه للاسلام اكبر مما ينتظرهم من الدعوة خارج المجتمع الاسلامي .. والاسلام ليس في حاجة "للكم" .. بقدر ماهو في حاجة "للكيف" والتطبيق السليم واتباع نهجه القويم الذي اتي به خاتم الانبياء والمرسلين عليه افضل صلاة واتم تسليم .. عندها ستجد انهم يسعون للاسلام زرافات ووحدانا ..!
- نظر ثلاثتهم بعضهم لبعض .. ثم تحدث صغيرهم هذا .. ("الاثنين الاخرين لم يتحدثا اطلاقا .. واكتفيا بالمتابعة") .. تحدث مؤيدا لحديثي .. الا انه واصل تسميع ما يحفظ .. وقدم لي "وثيقة الدعوة" للخروج للدعوة ..!
- قلت له يا اخي كل مسلم داعية في حدود مملكته باخلاقه وسلوكه وهذا ما يطلبه ويدعو له الاسلام والتأثير بالسلوك والاخلاق اقوي من التأثير بالالفاظ والحروف المنمقة .. بل اقوي من تأثير السلاح ..!
والخروج "فرض كفاية وليس فرض عين" .. ويبدو انه كان يتوقع مني هذه "الفروض" فرد علي بسرعة .. يمكنك ان تنوي فقط الخروج اذا لم يكن متاحا لك او ان تخرج في ايام اجازتك ان كنت موظفا او طالبا او في اوقات فراغك ان كنت عاملا وتجد متسعا من الوقت ..!
ابتسمت وقلت له "ان شاء الله" ..!
- ثم دخلنا في موجة صمت ليست طويلة قطعها صوت قادم اخر ملقيا علينا تحية الاسلام .. رددنا عليه باحسن منها .. ثم جلس علي احد المقاعد ..!
انه رجل كهل .. يمشي الهويني .. يبدو انه فوق الثمانين من عمره .. خط الزمن علي وجهه تجاعيدا تبين من خلالها معاناته مع الحياة القاسية والمرض .. في يديه رعشة باينة .. ينظر بطريقة تبين لك ضعف عينينه وعدم قدرتها علي تبين الاشياء .. يرتدي جلبابا وينتعل حذاءا يبين من شكلهما عوزه وفقره ..!
- ما ان استقر جالسا حتي تحرك الرجل التاني الذي قلت لكم انه يضع عمامة علي راسه وبدا الحديث بعد البسملة والحمد وتلاوة بعض الايات القرانية معرفا نفسه .. ثم انتقل التعريف الي الشخص الاخر "ذلك الذي يشبه الارتريين" .. ثم اليّ .. ثم انتقل مني الي "عمنا" هذا الواصل حديثا .. والذي عرف نفسه بصوت متقطع ومنخفض يتخلله سعال بين الفنية والاخري .. ثم انتقل الي ذلك الشاب الصغير .. ليتسلم الدفعة ذلك الشخص الثاني الذي بدا التعارف .. ليواصل كلامه عن وجوب "الخروج للدعوة" للاسلام ... حديثه نسخة طبق الاصل من حديث ذلك الداعية الصغير و"بالكربون" .. مما زاد يقيني بان هولاء عبارة عن "اجهزة تسجيل" تحفظ الحديث لترده لك كما هو ..!
- يبدو ان "عمنا" هذا يعاني من ثقل في السمع .. وهو امر طبيعي بالنسبة لسنه .. فقد كان كثيرا مايطلب اعادة الحديث مرة اخري .. كنت اتبرع بتوصيل بعض الكلمات له ..ذلك لان مجلسه كان قريبا مني .. حتي اذا تبين مغذي حديثه ومراده .. قاطعه قائلا .. "يا ابني انا كبرت في العمر وحركتي اصبحت صعبة كيف لي الخروج معكم للدعوة .. ؟
ويبدو ايضا ان صاحبنا هذا كان يتوقع مثل هذا الرد أيضا ..
فقال له نحن لانطلب منك الخروج معنا بنفسك ولكن عليك ان تنوي
ان وجدت في نفسك استطاعة ان تخرج للدعوة ..!
رد عليهم بصوت متقطع ومنخفض قائلا "ان شاء الله"
- سادت لحظة صمت بين الجميع .. قطعتها انا موجها سوالي "لعمنا" لشئ في نفسي ..
سالته .. كيف صحتك ياحاج ؟
فرد علي حامدا الله .. ثم واصل "وهذا بالضبط ما اريده" ..
ثم واصل حديث .. لكن عن معناته مع المرض ..
- "لا .. لا اريد ذكريات مؤلمة .. تحكي بأسي وحزن .. اريد ذكريات عن الماضي الجميل ذكريات حلوة تفتح النفس وترد الروح .. نحن جيل يعيش علي الذكريات .. فيهرب بها من واقع مر مؤلم ويغض بها الطرف عن مستقبل مظلم حالك .. هكذا حدثت نفسي"
بينما ظل "عمنا" يتحدث عن معناته مع المرض .. كنت افكر في طريقة اخرجه من هذا المسار .. سرحت في وجوه الجالسين .. السبح تتحرك صعودا وهبوطا في ايدي "الداعية الصغير وزميله الاخر الذي يشبه الارترتيين" .. كانت عيونهم تنظر في اللاشئ وتبدو لي "كمهموم" بشئ ما .. اما الاوسط الذي يرتدي العمامة فقد عاد لحالته القديمة مستسلما للنعاس مرة ومقاوم للنوم مرة اخري ..!
- سكت "عمنا" عن الكلام لحظة يبدو انه يحاول ان يتذكر شئيا ما ..!
- الصمت خيم علي الجميع .. اخرجت هاتفي من جيبي .. فتحت حسابي علي الفيسبوك قتلا للملل ..!
ثمة حركة شخص قادم رفعت راسي فاذا بصاحبي يلقي علينا السلام انتبه الجميع وردوا عليه تحيته .. ثم داعبني وهو مازال واقفا .. معليش يا اخونا اتاخرنا عليك ..
قلت له : كلو في الخير والبركة .. لكنني صراحة عندما دخلت الي ديوانك هذا إلتبس عليّ الامر ..
هل انا في منزلك ام في "جامع بلال" ..؟
ضحك الجميع بما فيهم هولاء الدعاة .. ودعتهم علي امل اللقاء .. وخرجت مع مضيفي نلهث وراء متاعب الدنيا .. وقد كان مستمرا في الضحك .. يضحك ثم يلتفت اليّ متسائلا .. قلت لي محتار في "ده بيتي ولا جامع بلال" ..؟
ويسالني صاحبي هذا .. لماذا لاتخرج معهم ؟
فقلت له نحن لسنا بحاجة للخروج .. نحن الان احوج لان "يخرج علينا" من يبعث فينا القيم الحقيقية للاسلام .. نحن نحتاج لان نتمسك باخلاق الاسلام وسلوكياته ونطبقها في انفسنا اولا .. ثم نذهب بها بعد ذلك للاخرين ندعوهم ونقومهم .. نحن نحتاج لرجل يخرج فينا بصدق ابوبكر وعدل وشجاعة عمر وكرم وعبادة عثمان وعلم وفدائية علي رضي الله عنهم وأرضاهم ...!


الساعة الآن 08:22 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.