سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   أُسطورة الثقافة و داء الحُكم (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=38206)

imported_أحمد يوسف حمد النيل 09-07-2007 11:04 PM

أُسطورة الثقافة و داء الحُكم
 
[align=center]أُسطورة الثقافة و داء الحُكم[/align]

... فعلا ً قد تكون الثقافة أسطورة و اختيار شكل الحكم قد يكون معضلة كبيرة , عندما يهدد المجتمع بمنظماته و تكتلاته و إثنيته هدم نُظم محددات الثقافة و التي تنبني من النظم : التربوية و الأسرية و الدينية والأخلاقية و الجمالية و اللغوية و الاقتصادية و السياسية و القانونية. فتكون الثقافة رغم فولاذيتها و رسوخها مادة مذابة تحت بطش الهمجية المدنية و عشوائية رسوخ اتجاهات الثقافة و مناهلها.

و لعلني في هذا المقال لابد لي أن اعبر بعض السطور من كتاب (سوسيولوجيا الثقافة) للكاتب عبد الغني عماد –مركز دراسات الوحدة العربية -بيروت –الطبعة الأولى 2006م. و الذي قام بعرضه إبراهيم غرايبة في موقع : http://www.aljazeera.net/KnowledgeGate /
و قد ورد فيه التعريف السوسيولوجي للثقافة :
"وقد يكون التعريف السوسيولوجي للثقافة يشمل المقاربات الأخرى لفهمها (الأنثروبولوجية والأيديولوجية)، باعتبارها (الثقافة) تحليلا لطبيعة العلاقات والترابطات الموجودة بين أنماط الإنتاج الفكري وسماته العامة من جهة، ومعطيات البنية الاجتماعية بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والبيئية، التاريخي منها والمعاصر من جهة أخرى."
و قد وردت عدة تساؤلات هامة في عرض الكتاب : "من أين تأتي الثقافة؟ من المجتمع ؟ أم التاريخ ؟ أم الدين؟ أم عمليات التفاعل بين الأفراد؟ أم التقاليد و الشعائر و الطقوس؟ أم التراث الشعبي؟ " و كانت الإجابة على كل هذه الأسئلة كالآتي :
"في الحقيقة تأتي الثقافة من كل الاتجاهات، وتشرب من أكثر من نبع، وتلك هي إشكاليتها، فالثقافة هي فعل تفاعل يترجم إدراك الإنسان بكافة تجلياته الفطرية والتركيبية، ويجد المرء في الثقافة خاصة الشعبية منها، نماذج جاهزة تحوز على صدقية كبيرة في بيئته ووسطه، يعمد إلى تبنيها بشكل تلقائي كونها شائعة ومعممة."

... إذن يجدر بنا أن نعلم شيء واحد هو إن الثقافة رغم تعدد محدداتها و اشكالياتها في مجتمع مثل السودان , قد تقود إلى نسيج اجتماعي معافى , و لنعرف أيضا إن الدعاوى الاثنية و العرقية و الشعوبية و الدينية بمعزل عن نسيج المجتمع , في محاولة لبناء جسد مغاير جديد في خضم جسد الوطن الكبير, لهو تدمير و مغالطة لشواهد التاريخ و التراث المشترك و النسيج الاجتماعي الذي تآلف منذ آلاف السنين.
... و في نظري إن الخطوات التي دائما ما تبدو في المبادرات السياسية في ساحة السياسة السودانية و مسيرة الحكم , إن كانت من وعي قانوني و دستوري و أخلاقي أو من لاوعي الحكام الذي هو نتاج مسيرة الثقافة الطويلة , قد تهدم عرى الوطن الواحد. و ما تزال الثقافة تمثل أسطورة قديمة و أفكار بالية , ما لم تبتعد عن إثارة الفتن الاثنية و العرقية و الدينية و الطائفية. و بالتالي فهي صفحة المسيرة السياسية السودانية بالية الملامح. و ما لم تنقرض أسطورة الثقافة بمعناها الحالي قد تكون دورة حياة السياسة السودانية بهذا الشكل المريض الذي يتعاقب على حياة المواطن المغلوب في ثقافته و جدرانها المهددة بالسقوط المستديم. فمقاربة سطوة الحكم بشكلها الحالي الانفرادي , يمثل عناد ثقافي سياسي خطير , يدل على السقوط في أمراض لا وعي السياسة السودانية.
... فمعضلة الثقافة الكبرى هي عدم تقبل الآخر الثقافي , و بالتالي نشأت من بين هذا الفهم عدم تقبل الآخر السياسي . و الذين يريدون إعادة صياغة المجتمع وسياقته بما ليس يشببه و بما ليس فيه , هم أباطرة أسطورة الثقافة المنحلة و منظري السياسة المجلوبة من خارج سرب الوطن الذي يغردون فيه. و لقد كتبت من قبل في مقال لي (دولة المذهب التي لم تشرق فيها الشمس): " و من خطورة التوجه الفكري و المذهبي إن الدولة تحمل تداعياتها بأكف إداراتها لأنها تصر على مذهب واحد في وسط مجتمع متنوع مما يتنافى مع طبيعة الإنسان الذي لا يصبر على نمط معين طوال فترة حياته. فترسم بذلك نسخ متكررة من الشعوب يحول بينها و بين استلهاماتها وإبداعاتها و البنيوية الخلاقة. فتذوب فكرة الأمن الاجتماعي و النفسي."
... المجتمع السوداني لا يحتاج لنبوءات جديدة و لا أفكار جديدة تعيد تشكيله الروحي و البنيوي الأصيل , أكثر مما انه يحتاج لإعادة تنظيم الصفوف الناشزة , و احترام التشكيل الكلي لوطن و رقعة حباها الله بهذا التعدد و الذي هو من جهة أخرى وجه طبيعي للتسلسل الثقافي. في وقت فيه إن جوهر الثقافة يكمن في ذلك. فرب الكون الذي خلق الناس جعلهم شعوبا و قبائل ليتعارفوا. لا ليتناحروا, و لا يجدر بطرف مهما كان له من حقوق إن يفرض بحكم سطوته فرضية التعارف و التمازج أو فرضية اجتماعية مستحدثة تتناقض و مغتنيات الشعب الأصيلة بشكل قد لا تتفق معه فيه الأطراف الأخرى. و بما أن الناس قد تربطها حتمية تاريخية و تراث و أعراف مشتركة و فوق كل ذلك ملكية الأرض و التراب بكامل الحقوق الدستورية و القانونية , فليس من العقل و المنطق أن يقع السياسيون في خطأ الإثارة الشعوبية و القبلية و الإثنية. أما من الناحية الدينية فقد يكون من المنطقي تعدد المعتقدات في مجتمع تتعدد فيه الإثنيات و القبائل و بالتالي تتعدد الأديان. و ليس هنالك حق مدني مكفول لأي سلطة قانونية لكي تمارس زعزعة النظام المدني بفرض معتقداتها الخاصة بها , أو جعل كل المنظومات الاجتماعية تحت وصايتها مما يتسبب في ظهور المفهوم الاستعلائي الاستعماري و هذا بدوره يقود لحدة الخلاف و تعميق هوته. و الحكام الذين يفعلون ذلك يرجعون بنا أربعة عشرة قرنا عندما بدأت دعوة الإسلام لأول مرة ففرضت الجزية على الذين وقعت أراضيهم تحت هيمنة الإسلام و الحرب على من ينكرونه. و لكن الآن قد زالت هذه الأفكار بزوال دواعي دفع الجزية و الحرب. أصبح المجتمع يعيش في منظومة متناغمة , امتزجت فيها السحن و المعتقدات و أصبحت رقعة الوطن هي الحدود الجغرافية التي تكفل لكل فرد الحياة المدنية السليمة. تحت طائلة القوانين و التشريعات التي بنيت على أساس من هذا التناغم.
... فصراع الهوية الثقافية هو العدو الأخطر الذي يهدد أمن الوطن , عندما يتعامل الحكام بوسائل استبطان المتغايرات في مفهوم إدارة الحكم . لذا يظهر على سطح مسرح الممارسة السياسية من الكذب و الخداع ما يكفي لزعزعة الثقة بالآخر من قبل الجماعة الحاكمة و الشعب. و هنا يظهر عنف الفكر الغاصب لحقوق الناس البسيطة , ناهيك عن الحقوق الكبيرة و الأساسية. فتبقى ظاهرة استعطاف الشعب بطرق تبدو فيها من السباق السياسي المحموم مما يخرجهم و منافسيهم عن لب الموضوع. فمرة استعطاف ديني , ومرة استعطاف اثني , ومرة استعطاف مصلحة بغيضة أو استعطاف مادي. كل ذلك يتم تحت ممارسات نفسية في سبيل ادلجة العقول بشتى السبل المشروعة و غير المشروعة. مما يضفي على الجماعة الحاكمة صفة اللاشرعية في الحكم و التمثيل العادل للشعب.
... بعد كل هذه المسيرة المظلمة من الحكم على مدار التاريخ الحديث للسودان منذ الفترة التي تلت الانعتاق من براثن الغاصب الكولونيالي , و المنظمات المدنية بشتى طرائقها لم تزل تبحث عن الحلول في الظلام , لأن النخبة الأولى قد ورثت ثقافة المستعمر إن كان عن طريق اللغة وهي من ميزات الثقافة المؤثرة , أو عن طريق الاقتصاد فحتى الآن دهاليز مشروع الجزيرة و مكاتب التفتيش و إدارته تستخدم النمط الانجليزي في الإدارة و التعامل.و حتى خرط المشروع الهندسية لم تتبدل إن كان في نظام قنوات الري أو الهندسة الزراعية أو بيروقراطية المكاتب , و لم يطولها التحديث طوال هذه الفترة الطويلة. فثقافة الخريج الزراعي أو المهندس الزراعي من تلك الحقب لا تتعدى ان تكون انبهار و إعجاب بسياسة المستعمر الإقطاعية و صفوية التفكير. فإدارة مشروع الجزيرة في بركات بود مدني تكاد تكون أكبر إدارة مشروع زراعي في منطقة الشرق الأوسط و في الوقت نفسه إذا نظرت للزخم و الحركة التي تصنعها السيارات و الجرارات و العربات و العمال و الموظفين , تكاد أن تجزم بأن هذا المشروع لا يجوع عماله و ملاك أراضيه ولا حتى الشعب السوداني بأكمله, أما إذا تحدثنا عن القوانين و الدساتير التي تسير المشروع و علاقة المزارع بأرضه فإنها علاقة إقطاعية وضعها المستعمر. تجعل من المزارع طرف غير ذي صلة بمزرعته لا يبيع أو يشتري هذه الأراضي إلا بعقد صوري فقط في مكاتب التفتيش , أما بالنسبة لإدارة المشروع في بركات فان الأرض ملك للحكومة ولا يستطيع المزارع إن يبيع و يشتري فيها. و في بعض الأحيان يهدد المزارع باقتلاعها منه في حين فشل الإنتاج أو الإهمال لأي أسباب خارجة عن القدرة و من تلك الأسباب ضيق ذات اليد بالنسبة للمزارع ,و ما تزال الغرامة المالية التي فرضتها الإدارة الإنجليزية للمشروع ضد المزارع عندما تتسرب المياه من مزرعته دون قصد و بدون علمه دون النظر لأخطاء الإدارة في صيانة القنوات وغيرها و الإدارة تمثل الطرف الأول في العقد الوهمي الذي لا يلزمها بأي شروط جزائية في حالة التقصير في حق المزارع و المصلحة العامة. فهذه هي القوانين الإقطاعية و التي عانى منها المزارع لفترة طويلة , و لكن عندما تخرج للمشروع تجده يحتضر , فهذا الإشكال الاقتصادي وجه من أوجه الثقافة التي تربى عليها الناس في المشروع و في إدارة مشاريع غيره. فالمشاكل القانونية في هذا المشروع تعد السبب الرئيسي في تخلف المشروع , وكذلك الإدارية . فكل ذلك من تبعات الفكر الاستعماري و التي وقفت ضده الثقافة بلا معين. فظلت الحكومات المتعاقبة تنظر له كالبقرة الحلوب التي تغتني منها خزائنها دون النظر إلى مصلحة العامل الضعيف الذي أفنى فيه زهرة شبابه , و دون النظر إلى تنمية و تطوير التقنية الهندسية و الإدارية , فمن باب أولى إن يشيخ ذلك الصرح الشامخ. فأضحى سرابا ً , و علة أخرى من علل الاقتصاد السوداني و الممارسة الثقافية وسادت فيه ثقافة الإحباط و القنوط التي ورثها السودان من وراء ظهر هذا العمود الفقري لوطن ينظر إليه العالم بأنه الأغنى في هذا المجال حتى أطلق عليه (سلة غذاء العالم).
... ونخلص هنا لقول هام انه ليس هنالك أنجع من البحث في أضابير البُنى الثقافية لحل كل المشاكل حيث أثبتت التجارب و العلوم إن فلسفات الحكم و القوانين و الدساتير لا تستلهم روحها إلا من الثقافة , لأنها تفسير طبيعي وفطري لرغبة الشعوب , في نظم الحكم , و التعليم و التربية و المعتقدات و الأخلاق و القوانين و الآداب و الفنون و غيرها من أوجه الثقافة و المجتمع المدني الحديث.

و نواصل ...

أحمد يوسف حمد النيل – الرياض
09/07/2007م


الساعة الآن 07:16 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.