سودانيات .. تواصل ومحبة

سودانيات .. تواصل ومحبة (http://www.sudanyat.org/vb/index.php)
-   منتـــــــــدى الحـــــوار (http://www.sudanyat.org/vb/forumdisplay.php?f=2)
-   -   أبو حازم .. نهر عسل الحكايات المنساب أبدا (http://www.sudanyat.org/vb/showthread.php?t=56990)

imported_معاوية محمد الحسن 25-09-2012 07:13 AM

أبو حازم .. نهر عسل الحكايات المنساب أبدا
 


يا جميل يا نور الشقايق
املأ كاسك و اصبر دقايق
مجلسك مفهوم شوفو رايق
عدو ناقص زول ولا تام ..
( خليل فرح )

حينما التقيت بالسيد احمد ابو حازم لاول مرة منذ خمسة عشر عاما علي رصيف الوراقين بالقرب من السور الشمالي للجامع الكبير كانت هناك شجرة نيم عالية أدموا جوفها بالمسامير و ملصقات الإعلان و بائعة شاي شاحبة الملامح علمت لاحقا ان رجالا تتبعهم قافلة من سيارات الشرطة كانوا يرفعون راية مكتوب أعلاها ( من اجل عاصمة حضارية ) قد أقصوها بفعل القوة لأجل إزالة التشوهات الحضرية عن المكان و كان هنالك أيضا رجل معتوه يرتدي بزة عسكرية مهلهلة و يعصب جبينه بشارة حمراء ظل يذرع الرصيف حافيا من بدايته الي نهايته و هو يرفع عقيرته بصيحات الجنود في الحرب يحملق فيه اسكافي متبلد الأحاسيس ’ شحاذ ضرير و باعة متجولون . رجال و نساء كثر يبدو أن غالبهم قد قدم من مناطق السكان الأقل نموا , في حين بدا النهار و كأنه يدفع موجة عاتية من الأسى نحو بحر المدينة التي بدت بالمقابل مثل سفينة تتقاذفها الرياح و هي توشك علي الغرق .

أذكر كيف التقينا في ذاك اليوم و أذكر أيضا بصات المايقوما و الفتيحاب و ام بدة حمد النيل و الناس يتدافعون صوبها و حتي عناوين تلك الكتب المصفوفة امام البائعين (حكومات العالم الخفية – فضح اسرار الماسونية ) ( امل دنقل – الاعمال الكاملة ) ( تاريخ السودان الحديث –نعوم شقير ) ( كتاب المطالعة للصف السادس الابتدائي ) ( اضحك بسرعة – احلي 1000 نكتة ) ( حول العالم في ثمانين يوما ) و ما زلت اذكر أيضا الرجل الذي قدمني إلي ابي حازم . كان احد الوراقين , قصير القامة لكن همته عالية و فمه حين يتحدث ينفرج في الغالب عن ابتسامة حلوة بدت كافية جدا حينذاك لازالة وعثاء النهار و مشقته البالغة .

تطلعت الي ابي حازم في دهشة كبيرة , رجل طويل و اخضر , تماما مثل شجرة النيم . يبدو أن الأيام قد أدمت جوفه كثيرا لكنه ما يزال يمنح افيائه للجميع هكذا بلا مقابل و تعلو ثغره ابتسامة عذبة مثل نهر موسمي سريع الاندفاع و بالغ الصفاء . يدخن بشراهة و صوته ينساب هادئا لكنه مجلجلا بالخشوع و المحبة مثل اجراس كاتدرائية عتيقة .

قلت له ( كأني التقيتك قبل هذا في زمان ما , مكان ما . لست أذكر علي وجه التحديد ) ضحك و قال ( المهم اننا التقينا ) و حين انتصف النهار كان قد قرأ علي نصا قصصيا بديعا بعد أن قضينا علي علبة سجائر كاملة و أربعة فناجين من القهوة ثم أرتفع صوت الأذان من المئذنة العتيقة . صوت ذو نبرة فاترة و متراخية , كأن المؤذن كان يحاول ان يعثر علي صوته الضائع بينما اخذت وتيرة الحركة في الشارع تتصاعد بصورة مزعجة . هؤلاء القوم تغص بهم الطرقات و الساحات و ميادين المركبات العامة , يجيئون من نواحي البلاد كلها , جلهم ذوي مسغبة و احزان موجعة . سحناتهم شتي لكن كدر الهم علي الوجوه واحد . تري أين يقصد هذا العجوز ذو السبعين عاما مثلا و قد احتسي كوبا من عصير المانجو ثم غرس بصره في أرداف احدي الفتيات المتبرجات قائلا ( لا حول و لا قوة .......) و ذاك فتي عشريني وحهه يقول أنه من بلاد البجا و محبوبته التي تسير الي جانبه قمحية اللون و فارعة الطول و امرأة كأنها سنبلة القمح لكن جفاف الحقل و قد ذهب بنضارتها و رب صبية تبيع الدردونما و النبق و قد الحت عليك في ان تبتاع منها و لكنها التجأت الي ظل الجامع حين كسدت بضاعتها تاركة بصرها و هو معلق في وحوه السابلة .

جلست و ابو حازم نتأمل الناس و الاشياء في الساحة الواقعة غرب المسجد و كانت الساعة تشير الي الثالثة ظهرا . صوت برنامج ( عالم الرياضة ) ينطلق من مطعم شعبي . قال :

(شوف مثلا هذا الرجل ذو السبعين عاما قد يكون احد المحالين للتقاعد و انه ربما قدم الي المدينة كي يقوم بصرف معاشه الشهري و ربما هو الان كذلك يرجع الي اهله و هو خالي الوفاض و تلك المرأة انظر اليها يبدو انها كانت بديعة الحسن في شبابها الذي أفل سريعا بفعل الفقر و الأزمات الا تبدو أيضا ا مثل قديسة تقبع في دير بعيد و هي تقوم برعاية كاهن عجوز مصاب بداء السل ؟ )

جلسنا نمارس عادة التأمل في وجوه الغادين و الرائحين و كان ابو حازم يذكرني دائما بان القاص الجيد لابد أن يتمرن علي قراءة وجوه الغرباء و استنطاقها و عندما حل اول المساء سرنا باتجاه شارع الجمهورية . جلسنا في مقهي اتينيه قليلا و بعدها تسكعنا في شارع القصر حتى انعطفنا ناحية اليسار باتجاه سينما كلوزيوم التي كانت أشبه بامرأة حزينة فقدت أبنها الوحيد في الحرب

آيات مبارك 25-09-2012 08:51 AM

نص جميل وممتع
وأبو حازم يستحق الكثير
وشكراً له لأنه جعل حكاياتك تنساب بسلاسة عن زمنٍ ضاعت آثار خطواته

دعني أصف لك هذا المكان بعد أن ببدته دعاوي التغيير الطاحنة .. حرمونا أن نرى ماذا كان يحدث من حياة هنا ..سمعنا عنها فقط ..
في جميع دول العالم يحافظون على الأماكن التي تلتصق بذاكرة الشعب . فهي من أهم الروابط التي تدعم قيم الوطنية خصوصاً أرصفة الكتب وشوارع الوراقين ..لأنها الملجأ الوحيد لأهل الأدب والثقافة.ومصدر عالي للمعرفة.
لكن يالها من أنانية يريدون أن يبدأ التاريخ من عندهم ..
.. هذه الاماكن في أذهاننا عبارة عن قصص قديمة
ا ذاك الرجل زي العصابة الحمراء قبل فترة قليلة كان يسير ويحمل صوتاً يلهب به ظهور الكاسيات العاريات
ورصيف المسجد الكبير ..أمتلأ بالكتب زات الأغلفة اللامعة والكتب و المذكرات المدرسية فقط.. وماتبقى هناك بائعته المثقفون من أبناء الشمال فقط ...
تعرف يامعاوية انا عندي قصة طوالي بحكيها .. كنت في أولى جامعة لقيت عندهم كتاب (بين الصحافة والسياسة )لمحمد حسنين هيكل المهم الكتاب ده انا لقيتو بي (100) جنيه بقيت كل مرة بجي اشوفو وارجع .القاه قاااعد . وفي يوم وقفة عيد أضحى على ماأذكر بسوق أمدرمان سمعت بائع ينادي على بضاعته الكتاب بي جنيه ..وأول ماوقعت عيناي كانت علي كتابي ذاك..
ماتبقى هو مقهى اتنيه ... بكل الوجوه التي تحمل هماً واحداً لوطن إفتراضي
وسينما كلوزيوم .. عبارة عن أطلال لمبنى لاحياة فيه
ومتاجر السوق الأفرنجي ومبانيه العتيقة .. مع الأسف كلها طليت بالالمونيوم .. واللافتات المضيئة .. ولكنها خالية الزبائن والحياة

imported_طارق صديق كانديك 25-09-2012 10:36 AM

ها نحن ننعطف معك ومع ضيفك ابي حازم ناحية اليسار باتجاه القلب، قبل أن تقع (كلوزيوم) بحزنها اليتيم على أفئدتنا وأعيننا فلا تطيل انتظارنا.

لك وله التحية

imported_هيثم علي الشفيع 23-11-2016 01:17 PM

بدا لي هذا النص (مبتوراً)

رغم اكتماله..





المهم...



هي فرصة لك -أخي معاوية-

لتشاركنا إستعادته -مرة أخرى- لفضاء التناول


الساعة الآن 07:41 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.