ميزالونا في زقلونا(2) عطبرة بعيونها
توافد الأهل و الأقارب على منزلهم من كل حدْب و صوب ..
يعانقونه و هم من طرف خفى يرمقون زوجته الروسية بتمعنٍ و نظرات متفحصة. سُمْرة المُلْتَفِّين حولها تزيد من إنبعاث وهج بياضها الثلجي .. يحدوهم الشوق إليه بعد هذه الغربة الطويلة التي لم يألفوها من قبل .. فأطْول غربة في نظرهم هي غربة سكان المدن عن قراهم و العودة إليها في مواسم المناسبات و نهاية الأسبوع كالعصافير في هجرتها بحثاً عن القوت و أوبتها لأعشاشها.. كنور ..كدباس ..خليوة ..العكد .. أم الطيور .. ( و الله يا جنا بقيت أبيض زى الروس .. حتى شعرك بقى ناعم ) .. تختلط عفوية الأهل بأتيكيت ميزالونا و نظرات زوجها التي تحثها و تشجعها على الإندماج في هذا الكرنفال الإحتفائي. تتابع بنظرتها المندهشة عناق زوجها الطويل لفتيات و نساء و رجال .. تجفلها زغاريد تنطلق من قريباته .. أشاحت بوجهها ذعراً عندما نحروا العجل عند عتبة الباب و جعلوها تخطو عبر الدم إلى الحوش الذي تتناثر فيه العناقريب بحبالها التي غيرتْ الشمس ألوانها. تبتسم بين الفينة و الأخرى لشقيقة زوجها الصغيرة التي تقف ملتصقة بها تحدق النظر إلى زرقة عينيها و شعرها الفضي الطويل و بشرتها (الجبنية). أمه إمتلأتْ نفسها زهواً و فخراً .. فها هو فلذتها يعود و معه الشهادة الكبيرة بعد غيبة طويلة ، أكل فيها الشك قلبها .. بعد أن أرهقتْها الشائعات طويلاً بأنه لن يعود بعد أن تزوج من أجنبية .. ترمق ميزالونا من حين لآخر بشيء من الإمتنان .. فرغم عدم رضاها في دواخلها بهذا الزواج .. إلا أنها تشعر بأن الفتاة تحب إبنها و إلا لما جاءت تتبعه إلى هنا .. ( عشان خاتر عيون ولدي .. رِدْتَها و الله ) .. و هي (تصوط ) جك العصير و تضرب حافته بالملعقة .. فتموسق الرنة مزاجها المعتدل فتتورد خدودها بحمرة الفرح اللامتناهي .. فرح فارقها طويلاً .. و ها هو يعود بزخم أفقدها توازنها .. تدلق مجاملاتها بلا حساب.. فتعانق ( الشّفّة ) رغم الخصام .. و تقالد ( النعمة ) و هي في خجل شديد منها لأنها لم (تحمِّد) لإبنتها السلامة بعد ولادتها القيصرية ،، فتبالغ في إكرامها لتغطي ندمها و تقصيرها. في مناسبات كهذه .. تنكسر حواجز نفسية كثيرة و يجتاز الناس بعض حدود قناعاتهم حباً في إستطلاع شيء جديد عليهم .. كوصول هذه الروسية إلى هذا الحى الهاديء .. الكل يريد أن يخرج بمعلومة قبل الآخر .. فهو كرمْى حجر على سطح بركة ساكنة .. فتمتد دوائر لا نهائية تتسابق نحو الأطراف ، و هكذا هي الحكاوي عن فرد جديد أو دخيل على سكون بركة الحى. مكث فيهم أسبوعاً مسترخياً يتلقى حفاوة الإستقبال .. أدْخَلَ صديق الصبا ( عبدالقادر) جردلين من المريسة سراً.. و توسط به ( المنضرة) و دلق فيه حفنة من مسحوق الكركدي و كتلاً من الثلج .. ضحك عبدالقادر و هو يمازح ود المرضي : هاك أشرب( المريسوف ) على وزن ( إسميرنوف ) يا شيوعي .. قزايز الفودكا و الجِنْ البتشربوها الصباح بكان الشاى .. إن شاء الله ما تنفعكم. و أطلق ضحكة مجلجلة و هو يحرك الجردل بكوز ألمونيوم منبعج. يلعب المشروب برأس عبدالقادر قليلاً .. ( عليك الله حسع يا ود المرضي .. جنس الروسيات ديل زى نسوانا ؟ آآآ ) نطقها و إبتسامة خبيثة تقف في منتصف الطريق بفعل مَطَب سَفَة من التنباك. قال ودالمرضي كمن لم يفهم السؤال : زيهن في شنو يعني ؟ قال عبدالقادر و هو يكرع كوزاً من المشروب و هو يتكلم داخل الكوز فيرجع الصدي إلى فمه ليعود إلى الكوز مرة أخرى : ما تستهبل يا غتيت .. إنت لسع مكار؟ قطعتْ ميزالونا حديثهما الذي كاد أن يكون وصفاً ماجناً لتساؤل عبدالقادر غير البريء. كرعتْ معهما المشروب و كأنها تشرب ليمونادة السكة حديد في زجاجاتها ( المدردمة ).. كسَرَ المشروب قليلاً من حدة الحر المطبق .. و نُذُر كتاحة صيفية تلوح في الأفق فيتلون سماء عطبرة بلون أرجواني كشفق المغيب. أراحت جبهتها على كتف زوجها و هي تهمس كلاماً ناعماً.. فبحلق فيها عبدالقادر و جزء من لسانه يتدلى و كأنه يحلم غارقاَ في نصف إغفاءة .. و سائل هلامي يندلق من (سفته) الماكنة في خط ملتوي على أطراف فمه حتى نهاية ذقنه .. فيمسحها بطرف كُمْ جلبابه. رفع ودالمرضي رأسها برفق و حدثها بالروسية فهو يعرف مزاجها إن هي تخدرتْ بالمشروب : دة هنا ما ممكن .. طنطنتْ كثيراً و هي تتجرع المشروب. إستساغت طعمه .. فصارت تغرف بنفسها دون أن تنتظر عبدالقادر. وقف ودالمرضي ليصافح جموعاً من المستقبلين .. عندما شق المكان صراخ ميزالونا .. إلتفتَ نحوها فإذا هي تشير فَزِعةً إلى عبدالقادر الذي كان يلتهم قطعاً من ( الكبدة النية) المعطونة في صحن ( البصل و الليمون و الشطة) .. ( الله ياذاك يا عبدالقادر .. مش كفاية منظر السفة كمان تسفسف في الكبدة النية قدام البنية.؟). لم يأبه عبدالقادر بهذه الجملة ، فقد كان تائهاً في مذاق (مَزّتِه) و هو يستمتع بقرقشة الكبدة بين أسنانه الصدئة. إستأذن أسرته و أخذ زوجته و إنطلق ليروي غليل حنينه بين ثنايا مدينته العزيزة. إيهي يا عطبرة .. مر بالمدرسة الغربية ( الأولية ) : هاهنا يا عزيزتي عرفنا طعم الزمالة في عمر مبكر جداً.. تداعت إلى ذاكرته أيام ( خُرْتاية الكتب ) المصنوعة من ( قماش الوزْن عشرة و الدمورية ) .. و سندويتشات الفول من (عم شَنَاكة اليمني) في سوق القيقر ترقد مستكينة مع الكراسات و الكتب.. و الجزمة (الباتا) البيضاء تبرق بياضاً بفعل الطباشير. و معلم الأجيال الأستاذ ( بدوي ) الذي كان ( يفش غبينته ) بأن يعض قلم التصحيح الأحمر بين أسنانه حتى ينكسر .. موسيقى القِرَب كانت تقطع الهدوء المخيم ، يُمَوْسِقه صرير أقلام الرصاص. عرج بها إلى نهر عطبرة من جهة قشلاق البوليس .. : هنا يا ميزالونا تعلمنا أن نسبح ( مع التيار و ضد التيار ) .. فالسباحة في هذا النهر المجنون هو كأن تجتازي مفازة في ليلة حالكة السواد دون دليل أو راحلة .. و هنا يا عزيزتي غرق صديق عمري في غمرة هيجان النهر و نحن نتراهن على الغوص في ذلك الماء العكر .. ألا رحمك الله يا صديقي .. لا زلت أذكر صياحه و التيار يأخذه بعيدا و كأنه علق في شيء يسحبه إلى أسفل و نحن وقوفاً لا حول لنا و لاقوة .. ثم خاصمْنا النهر طويلاً .. تحاشينا حتى النظر إلى مياهه و شطآنه .. و هاهنا يا عزيزتي المدرسة الأميرية الوسطى .. أترين كل هذه الميادين ؟ كلها شهدت ( شيطنتنا ) و لقاءات ( السداسي ) و تحديات ( الدافوري ) و دوري المدارس .. أما هذا الصرح .. فهو مدرسة عطبرة الثانوية الحكومية .. صومعة العلم التي أوَتْ مئات طالبي العلم من أبناء الشمال .. و هنا .. عاشت البلابل مع والدهم طلسم ناظر الثانوية .. أتذكرين تلك الأغنية ( غالين غلاوة ) و أنت تنطقينها ( قالين قلاوة ) ....؟ *** و نتابع ... |
[web]http://sudaniyat.net/forum/viewtopic.php?t=3745[/web]
أبوجهينة ممكن تشوف كل البوست هنا تحياتي |
رياح الخماسين المحملة بذرات تراب البطانة الحمراء جعلتْ من (ميزالونا) رويداً رويداً أشبه بقطعة من المعجنات تخرج للتو من فرن مايكرويف. أخذ لونها يأخذ لون البشرة ما بعد (حفرة الدخان) ..
(الحاجَة أم الإختراع) .. هذه المقولة ربما إنطلقت بعد هذه الإكتشافات المذهلة من ( شاف و طلح و دلكة) .. ما أبرع هؤلاء النسوة اللائي جلسن في عز الهجير و ( ضل القايلة ) يقمن بتجربة كل هذه الأخشاب بصبر و أناة . تُرَى كم من بشرة إحترقتْ ؟ و كم من جسد تضرر ليقدمن للأجيال هذه الوصفة التي لن تندثر. مهما تفننت بيوتات التجميل فإن نساءنا لن يتخلين عن هذه الممارسات التجميلية التقليدية التي صارت في رسوخ مجرى النيل و ثبات راسيات جبالنا. القومة ليهن .. تتسع عينا ميزالونا يوماً بعد يوم من أشياء بدائية تراها كل يوم و لكنها أشياء تنم عن ذكاء خارق و ألمعية ترقد في قاع الفطرة.. لقد خُلق هذا الشعب ليعيش هنا فقط .. على أديم هذه الأرض و تحت سديم نجيماتها.. هواؤها هو فقط الذي يضخ هذه البراعة في صدورهم و يبثها نمطاً مميزاً في شرايينهم .. أما خارج هذه الأرض سرعان ما يحتضرون ... فهم كالحيتان خارج مياهها .... هذه الوجوه السمراء .. تكْرَعُ ماءاً لا يعترف ( بالشَّب) في عز الدميرة فيمد لسانه لصهاريج عطبرة و يندلق كما يشاء بلونه الطبيعي ليقالد هذه السحنات التي ألِفَتْ الشمس فأبَى إلا أن يصالحها على مدار السنة بثلاث فصولٍ مختزلاً فصل الربيع الذي يمر مرور الكرام في روزنامة العطبراويين و من جاورهم من الغبش شرقاً و غرباً .. لم يكن بائعو اللبن وقتها يعرفون أنه يمكن غش اللبن ماءاً .. حتى و إن عرفوا هذه الفعلة المخزية لأكتسى الحليب لون الطمى و لسان حاله يقول خذوا البائع فجريرته بينة. تستهويها شلخات النساء .. فتمرر أصابعها الرقيقة البيضاء برفقٍ على مجرى الشلوخ .. و كأنها تتخيل منظر المرأة و هي في عز عملية التشليخ ، فتمط شفتيها : ( أووووه ) كمن تسترجع معها لحظات الألم تلك. تتوقف طويلاً عند ( الشلوفة المدقوقة ) ... تسأل ببراءة إن كانت عملية دق الشلوفة مؤلمة. فقد راقتها فكرة أن تكون لون شفتيها بلون واحد لا يتغير .. تضحك ( حاجة بتول ) و بطنها المترهلة تهتز و هي تحرك ( مروحة السعف ) لتصطاد به هواءاً معدوماً : البنية لو دقينا شلوفتا بتبقى زى عروسة المولد.. تتلفت ميزالونا لتعرف سر الضحكات من حولها و هي تضع إبتسامة حيرى على شفتيها. يترجم لها ود المرضي .. فتبادلهن الضحك .. ( يا حليلا .. قلبها أبيض متل لونَا ) .. لن تنسى ميزالونا ما عاشت تلك الأيام التي سبقتْ عرس شقيقة زوجها ..( سعاد ). فــ ( سعاد ) كانت مخطوبة لأحد الأقارب الأباعد. تمت خطبتها بمباركة الأسرة كلها حتى يتم تقريب صلة القربى البعيدة هذه. و لكن دون سابق إنذار جاءهم خبر بأن الخطيب قد تزوج في كوستي .. حتى لم يكلف نفسه عناء الحضور و الأعتذار .. تهامست النسوة وقتها بأن أمه لم تكن راضية عن هذه الخطوبة .. و قالت البعض بأنها قد إستعملت السحر لتبعده ، فقد كان تعلقه بسعاد كبيراً. لذا فقد تحزّمتْ أم سعاد و شمَّرتْ عن ساعديها لتبقى أيام العرس ذكرى باقية في سِفْر الأسرة .. حرمتْ ميزالونا نفسها من النوم حتى لا تفوتها شاردة أو واردة من طقوس الزواج .. فما أن تسمع زغرودة في ركن من أركان المنزل .. حتى تهرول مستفسرة بعين الدهشة و التساؤل. زغردتْ ( الرَكَز) و هي تأتي ( بالقرمصيص ) .. فكانت ميزالونا أسرع من أم العروس لتتفحص هذا القماش المبهرج الناعم الملمس. تتنقل بين بيت زوجها و بين البيت الذي (حبسوا ) فيه العروس لتهيئتها ... تتلقفها أعين الفضول و هي في مشاوير الذهاب و الإياب .. ( يا خواني قولوا للبنية تقعد في بكان واحد .. قبال العرس يبدا البنية بتقع من طولا .. ) .. تشفق عليها أم ود المرضي كثيرا.. تشعر بأنها أصبحت قريبة منها جدا... ما فتيء (عبدالقادر) يجلب المشروب المسكر طيلة مكوث صديق صباه .. فإرتقى بالصنف ليجلبه في زجاجة يدسها في كم جلبابه الواسع الأيسر و هو يلقي بالتحية بيده اليمنى زيادة في التمويه على الحضور .. ثم ينسرب كالأفعى إلى ( المنضرة ) .. يضع الزجاجة خلف الكنبة .. ثم يدلف إلى المطبخ و يتناول كوبين في جيبه و يعود إلى مكمنه و هو يتحسس ( حقة الصعوط ) الفضية.. يبتلع عبدالقادر كأسا و هو يقطب جبينه و يمط شفتيه : بت الكلب الليلة صنفها كاتول عديل .. ثم بنصف عين يسأل ودالمرضي : عليك الله يا جنا كان ما حكيت لى عرسك كان كيف في الصقيعة ديك ؟ يتجاهله ود المرضي.. فيعاود عبدالقادر سؤاله : لا دلكة و لا حفرة دخان و لا جرتق .. دخلت على البنية سآآآآآآآآكت و ريحتكم فودكا فودكا ؟؟؟ إبتسم ود المرضي لثرثرة صديقه و هو يتناول قبضة من الفول السوداني .. |
بحثتْ ميزالونا عن زوجها .. و لكن بحثها لم يَطُل .. فقد وجدته منبطحاً بجوار صديقه عبدالقادر .. بينما المشروب كالعادة يتوسطهما ..
جلستْ متكئة على جنبه ..تبادلهما كأساً بكأس .. قال عبدالقادر و هو يبصق ( سفة ) لتخرج متناثرة عبر الباب : حليلنا نحن .. نسوانا ما نشوفن علا بالليل ريحتن ريحة تكل .. مدَّتْ شقيقة ودالمرضي رأسها من الشباك : ميزالونا .. يلاكي ، العروس قاعدين يعلموها الرقيص .. ترجم لها زوجها .. فهبَّتْ واقفة و هي تكرع كأساً مترعة ثم تضع قبلة عجْلى على خد زوجها .. أصْلَح عبدالقادر من طاقيته إلى الأمام و قال هو يشمر عن ساعده : الما عرس روسية حرم مدفون بالحيا .. ثم أطلق ضحكته المجلجلة و هو ( يدردم ) سفة في بطن راحته و هو يتبع ميزالونا بنظرة إعجاب مشوبة بالتحسر. قال ود المرضي و هو يصلح من إتكاءته : تعرف يا عبد القادر .. البت دي وقفتْ معاى وقفة ما ساهلة أيام الغربة .. بحبها بجنون .. حب يمكن ما تتصورو قدر شنو و شكلو كيف .. لكن تصدق يا عبدالقادر .. مرات كدة بشتاق لحاجات كدة ضاربة في أعماق أعماقي .. حاجات مافي إلا عند السودانيات .. يعني في ونسة دقاقة كدة الواحد ما بيعرف ينزل لمفرداتا إلا بالدارجة بتاعتنا .. رغم إني بعرف اللغة الروسية كويس جداً .. لكن في حاجات كدة .. غايتو ما قادر أعبر ليك .. نظر إليه عبدالقادر ملياً .. ثم (كتح) كأسه و هو يتحاشى إنزلاقة السفة مع السائل و قال و هو يقطب بين حاجبيه : عرس لى روسية خرسا ولا بكما .. أنا بنضم معاها ونسة دقاقا .. يا زول خلينا بلا مفردات بلا أعماق .. و الله فعلا البني آدم ما بتملا عينو شي غير التراب .. تسلل ودالمرضي إلى مكان تعليم رقيص العروس تاركاً عبدالقادر مع تحليقه بأدوات ( الكيف ) و أحلامه التي لازمته طوال عمره دون أن تتحقق.. وقف خلف أمه و خالته محنياً رأسه حتى لا يراه أحد.. كانت هناك تقف وسط الحلبة .. بقوامها البديع .. تحاول أن تجاري العروس في تمويج جسدها مع إيقاع الدلوكة و ( صفقات ) البنات و غناء المغنية بصوتها الذي يستحث العروس على الميلان و الدوران .. إتسعتْ عينا ودالمرضي دهشة و هو يرى هذه القوقازية الأصل تضبط موسيقى جسدها مع هذا الإيقاع الإفريقي الصاخب .. تضع يديها على صدغيها .. و ترمق العروس لتجاريها .. و تشجيع البنات يتعدى العروس ليدفعها لمزيد من ( الإنفداس ) و رَمْى يديها إلى الخلف .. لتعود بنوبة من الضحك و قد إحمرَ وجهها بفعل المجهود و الشراب الذي يبدو أنه تفاعل من ( الكتمة ) في تلك الغرفة الضيقة .. رجع ودالمرضي لصديقه ... و في رأسه تتزاحم مشاعر شتى .. أيمكن أن تعيش معه هنا إلى الأبد ..؟ ألن تتركه بعد أن تمل هذه البلد ؟ رجع بذاكرته إلى أيام الجامعة في ليننغراد .. كيف قابلها في بهو السكن الجامعي .. بوجهها المستدير الطفولي .. تقاسمتْ معه كل روبل معها .. علتْ شفتيه إبتسامة عندما تذكر يوماً من أيام ( الفَلَس ) .. و قد إحتسى نصف زجاجة فودكا وحيداً في غرفته الضيقة .. و عندما عضه الجوع .. تذكر أن ليس معه ما يبتاع به أي طعام .. فقرر أن يتكوم على جوعه .. و يشرب بقية الزجاجة حتى يتخدر و ينام .. وقفتْ على شباكه حمامة مبللة بالماء ترتجف برداً .. نظر إليها فرأى فيها وجبة كاملة الدسم .. و هو الذي تعود على أكل الحمام من البرج الذي شيده أبوه أعلى سقف الحمام و ملأه بالحمام.. دخل المطبخ على أطراف أصابعه و أتى بفتات الخبز و صار يرميه أمام الحمامة .. و هي تتقدم لتلتقطه بحذر .. تتقدم خطوة و تنفر مرتدة خطوتين .. حتى أتى بها إلى منتصف الغرفة و عاجلها بمسند الكنبة .. و قبل أن تكمل ( فرفرتها ) كانت قد دخلت في ( الحلة ) العامرة بماء ساخن .. نتف ريشها على عجل .. و أفرغ أحشاءها .. ثم وضعها لتموسق جوع بطنه الذي صار قاب قوسين أو أدنى من وجبة هنيئة .. كرع ( السليقة ) ثم ( قرقش ) الحمامة و مص عظامها .. و جلس يغني : ينوحن لى حماماتن .. همن عيني غماماتن .. عندما دخلتْ ميزالونا المطبخ و رأت ريش الحمامة صرخت و ولْوَلَوَتْ .. هجمتْ عليه تضربه براحة يدها على صدره و بطنه .. لم يعرف سبب ثورتها إلا بعد أن صالحته بعد خصام إمتد لعدة أسابيع .. فمعظم الروس لا يحبون أن تذبح الحمامة .. قال في سره : الحمام ال ضبحناهو في بيتنا .. لو جبنا ريشو هني يسوي ليهو مصنع مراتب و مخدات. |
اقتباس:
الحبيب ابو جهينة إبداع إبداع لابعد الحدود كل حرف يجذبك لان تقرا ما بعده عمق في الثقافة السودانوية اشبه بأسلوب الطيب صالح في رائعته موسم الهجرة الى الشمال .. بتتناول قضايا مهمة جدا فتحت لها الكثير من البوستات .... رفعت البوست لاني خارج الان وساعود اليه مرة اخرى ,,, تحياتي |
| الساعة الآن 05:22 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions, Inc.