عرض مشاركة واحدة
قديم 13-08-2008, 09:08 AM   #[34]
أسامة الكاشف
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية أسامة الكاشف
 
افتراضي

العزيز خالد
الخبر التالي على ذمة صحيفة الأحداث:

حول تبرئة الزبير باشا رحمة سينمائيا (بأثر "رجعي") بدر الدين حامد الهاشمي
من الصعب على رجل أعمى أن يجد قطة سوداء في غرفة مظلمة والقطة لاوجود لهامثل صينيأعلن كاتب إسفيري ساخر عن عزمه كتابة سيناريو شر يط سينمائي (فيلم) عن الزبير باشا رحمة، ليس من أجل التوثيق لتاريخه ونشاطه (أيا كان نوعه) بل بهدف "تبرئة" الرجل مما نسبه له أعداؤه (و أصدقاؤه) من تهمة المتاجرة في الرقيق. و أدى هذا الإعلان عن عاصفة مدوية لم يهدأ أوارها إلي الحين, ما بين مستحسن للفكرة مشيدا بها لرفع "الظلم التاريخي" عن شخصية هامة من أعيان البلاد و قوادها، دعاة الحضارة و التمدن الذين نشروا الدين و عمروا الأرض و أبطلوا عادة أكل لحوم البشر (حرفيا) و فعلوا كذا و تركوا كذا و صاروا كما نسمع مساء كل جمعة حزين "أسماء في حياتنا"، وما بين مستنكر لهذا "الفعل الشاذ" و"العمل المنكر" من محاولة تجميل من لا يمكن لصورته "المقيتة" أن يجملها فيلم أو تحسنها خدعة سينمائية، فالرجل تاجر في البشر و باع فيهم و اشتري (ليس كما فعل ذلك العضو الحساس الذي وصفه شاعرالحقيبة "أبو صلاح" في "بدور القلعة")، و يزعمون أن تنفيذ الفيلم مضر بأناس كثر في هذا البلد "ظلت سيرة الرجل تمثل لهم أسوأ حقبة في تاريخ العلاقات بين "شطري البلاد" خاصة وهو يأتي في "ظرف دقيق و حرج من تاريخنا تواجه فيه البلاد إنقسامات عميقة أثنية و دينية وثقافية، و سيضر بالنسيج الإجتماعي السوداني". هكذا يقول معارضوا الفيلم المقترح، و الذين لم يجد بعضهم بأسا في الإعتراض و السخرية من أن يتصدى لكتابة سيناريو ذلك الفيلم المقترح "طبيب بيطري" ليس له من الأمر شئ و أولى به أن يتفرغ "للختم على الذبيح بسلخانة بحري" كما كتب أحدهم، و كأن الأمر كان سيكون "مبلوعا" أكثر إن تصدي للمهمة خريج معهد للدراما و المسرح! و في هذه النقطة بالذات قمت ببحث صغير في الشبكة العنكبوتية حتى أزيل بعضا من جهلي عن مؤهلات كاتب السيناريو و مهاراته المفترضة فلم أجد غير أن يكون الكاتب ملما باللغة المكتوبة و المنطوقة (و عالم بالفروقات بينهما) و بقية الشروط التي يطلبها كل المخدمين في الدنيا (مثل الإبداع و الموهبة و الدقة في العمل و خلق الأفكار الجديدة و القدرة على العمل دونما إشراف أو عون أو مراقبة، والإلتفات إلي التفاصيل الدقيقة و المعرفة بالتاريخ و إجادة العمل على الحاسوب الخ). سقطت عندي بعد ذلك أهمية نوع تخصص كاتب السيناريو (مع إستعدادي لتغيير فكرتي إن ثبت لي غير ذلك). بقى أن نلتفت إلى جوهر القضية و فائدة (أو خطل) إستخدام السينما كوسيلة لتمجيد شخصية ما أو لتشويه صورتها (كيفما تكون عليه نية القائمين على الفيلم)، إذ أن الأفلام تفشل عادة في الثوثيق لحياة المشاهير رغم الجهد العظيم والأموال الطائلة التي تصرف عليها، إما بسبب اغفال جوانب معينة من حياة المؤرخ له تتنافي مع الصورة "المثالية" التي يرغب منتجوا الفيلم في ترسيخها في ذهن المشاهد، أو بسبب تشويه متعمد لحقائق تاريخية لتتماشى مع التاريخ "الذي عادة ما يسجله المنتصر" كما قال تشيرشل. أثارت فكرة الفيلم قضية الرق في السودان من جديد، و هي قضية ظلت لعقود متتالية كوميض الجمر تحت الرماد لا ترواح مكانها بين نفي قاطع من جانب فريق و تأكيد مستميت من جانب آخر...نادي كثيرون بضرورة وضع قضية الرق و الإسترقاق (و أي قضية أخرى) في إطارها التاريخي الصحيح، و أن لا نجرم و نبرئ كيفما يحلوا لنا. فإسترقاق الإنسان "لأخيه" الإنسان هو أمر مثبت تاريخيا منذ القدم، و فيما نحن بصدده الآن فهو بمقياس اليوم (و هو المقياس الإنساني الصحيح) جريمة شارك فيها و بدرجات متفاوتة الأفارقة أنفسهم و العرب و الأتراك والأوربيون من مختلف أقطار القارة العجوز. بيد أن أغلب الناس يبنون مواقفهم (و يثبتونها أو يحركونها) فيما لا يتعارض و مصالحهم دون كبير إعتبار للحقائق المجردة ، فلذا فمن المنطقي – من وجهة نظري الضعيف- عدم توقع أي فائدة تذكر من إنتاج فيلم عن الزبير باشا، ليس من أجل التوثيق المنصف العادل، بل فقط من أجل تبرئته من جريرة الإتجار في الرقيق. فأمر تجارة الرقيق إبان ذلك العهد كانت ممارسة ليست مستهجنة (بل مستحبة) من ضمن ممارسات إقتصادية و سياسية و إجتماعية و عسكرية سادت في القرون الماضية، و إن كان مجرد إنتاج فيلم عن حياة الرجل بقصد تبرئته يحل المشكلة "ما كانش حد غلب" كما يقول المصريون. فليس أسهل على من هم أشد علما و دراية و حرفية و إمكانيات من الذين أعلنوا عن رغبتهم في إنتاج الفيلم الدفاعي أن ينتجوا فيلما غاية في الإتقان الحرفي و الإبداعي يدين الزبير رحمة و يجرمه كتاجر رقيق سئ الذكر... والبادئ أظلم. و علي أية حال فمن المشكوك فيه في ظني عمل فيلم سوداني موضوعي (غير دعائي) يمتاز بالصراحة و الشفافية عند تناول أي شخصية سودانية عامة. فليس سرا أن أغلب الشخصيات السودانية (كغيرها من الشخصيات العامة في أنحاء الدنيا) لها جوانب مشرقة و أخري أقل إشراقا، بيد أننا – على وجه العموم- نعمد إما للتمجيد و التقريظ المفرط أو الهجوم الشخصي الكاسح (حسب ما نهوى) و لا توسط بيننا (إعمالا لبعض قول الشاعر القديم). و لعل بابكر بدري (و مذكراته) من الإستثناءات القليلة في باب الصراحة و الشفافية. فلقد جاء مثلا على لسان بابكر بدري عند زيارته للزبير رحمة في منفاه في مصر بعض تعابير تفوه بها الأخير تشي بحدة و تفحش في القول لا يمكن تكراره هنا... لو قدر لأحدهم إنتاج فيلم عن الزبير، هل كان سيغفل مثل هذه "الظاهرة" التي قد تقدح في شخصيته و لكنها تظل مفتاحا مهما من ضمن مفاتيح شخصية الرجل العديدة!؟ و أهم من ذلك، ماذا عن الشواهد التاريخية التي تشير إلى ضلوع الزبير في التعاون مع الحكم التركي و مع غوردون (قاتل إبنه سليمان بن الزبير) الذي كان يصر على إحضاره من منفاه بمصر كي يعين حاكما للسودان، و كان يعتقد أن ذلك هو السبيل الوحيد لتهدئة الأوضاع و القضاء علي الثورة المهدية!. مما هاجم به معارضوا الفيلم المقترح أن الزبير رحمة تاجر بالبشر في جنوب السودان و ذلك فعل قبيح ... و أنا مع القائلين بأن الرجل لا شك فعلها و هو من المخطئين، و ليس بوسع المرء الدفاع عن الشر سواء أن كثر أو قل، و لكن كما نقول فإن "شقي الحال يقع في القيد"، فلقد فعلها قبله وبعده أقوام كثر لم ينالوا عشر معشار ما ناله الرجل من الإدانة و الشجب (و ليس في هذا مما ينقص من جرمه)، ووقع عليه اللوم وحده و صارت "تجارة الرقيق" و كأنها ماركة مسجلة بإسمه لا يشاركه فيها أحد ... ألم تك تجارة الرقيق (تلك التجارة التي نشأت مع فجر التاريخ فيما قبل عهد الفراعنة و حيمورابي) تجارة رائجة في السودان و بقية العالم شارك فيها بنسب مختلفة الأوربيون و المصريون و الأتراك و السودانيين أنفسهم (ما بين بائع و مشتري) جميعا في مملكة سنار و التركية السابقة و المهدية و غيرها دون أن يرهق أحد إحساس بذنب أو تأنيب ضمير أو وخز ندم. جاء في وثيقة أوردها الأستاذ فتحي الضو في كتابه "السودان: سقوط الأقنعة" أن قادة الطوائف الثلاث (السادة الشريف الهندي و علي الميرغني و عبد الرحمن المهدي) الذين لم يتفقوا على شئ أبدا و أجمعوا عليه مثلما إجتمعوا على رفض مقترح من "مصلحة مناهضة الرق" التي أنشأها الإستعمار لمنح "ورقة الحرية" للأرقاء، إذ أرسلوا للحاكم مذكرة مشتركة حاولوا فيها صد الحكام عن الإستمرار في هذا المسعى بدعوى أن "أغلبية الأرقاء الذين أعتقوا أصبحوا لا يصلحون لأي عمل، إذ جنح النساء منهم نحو الدعارة، و أدمن الرجال الخمر و الكسل" و أضافوا أيضا: "نتمنى أن تصدر الحكومة أوامرها لكل موظفيها في مواقع السلطة بأن لا يصدروا أي اوراق حرية إلا إذا برهن الأرقاء على سوء المعاملة"! و الجنرال غوردون و الذي بنيت شهرته – ولو جزئيا- علي محاربته لتجارة الرقيق، ألم يلغ و يوقف جهود الحكومة التركية لمنع الرق و ذلك في أول خطاب جماهيري له عند وصوله الخرطوم (للمرة الأخيرة) صبيحة يوم 18/2/ 1884 و ذلك بغرض كسب ود أهل الخرطوم و قال لمستقبليه بالحرف الواحد: "أعلن لكم أيضا أنني أبيح تجارة الرقيق و أسمح بها تماما كما كان الأمر في الأيام السالفة"!؟. و بعد أن أتت المهدية ألم تحافظ على الرق و تقيم له سوقا في أمدرمان تباع فيه الفتاة الصغيرة بنفس ثمن بقرة تسر الناظرين (نحو 100 – 160 دولار)! رغم ذلك فإن المرء منا ما أن يسمع إسم الزبير باشا حتى تظهر كلمة "تجارة الرقيق" بأحرف كبيرة بارزة أمام ناظريه، بينما لا يثير إسم غوردون أو أبو السعود و أبو عموري و غطاس و كوجك (و هم تجار رقيق من رجال الشمال) ذات الأثر! و سآتي في آن آخر على تجارة الرقيق التي بدأها البرتغاليون و الإسبان و بقية الغربيين...تلك التجارة التي بنيت علي أن الإنسان الأسود بطبيعته (و طبعه) في أسفل درجات سلم الرقي الإنساني و أنه غير قابل للتعلم و لن تجد معه محاولات التحضر لذا فإن إسترقاقه يعد أمرا مقبولا (أخلاقيا)، ثم صحا ضمير هؤلاء فقاموا بإستعمار أفريقيا السوداء تحت ذرائع شتي منها تحرير الرقيق فيها! بل وحافظ أنبل الرؤساء الأميركيون و من أكثرهم شهرة في الدعوة لمحاربة الرقيق توماس جيفريسون (و الذي تظهر صورته علي فئة الدولارين) في داره و مزرعته علي أكثر من 187 من العبيد و الإماء ( تسري ببعضهن)!حاول أهل اليسار منذ الستينات الخروج من "مطب" الزبير باشا و تجارته الذميمة بجملة قصيرة، إذ ضمن زعيم الحزب الشيوعي آنذاك في مؤتمر المائدة المستديرة (1965) خطابه للمؤتمر ما يفيد أنهم بالفعل (أقرأها "بالحيل") أحفاد الزبير بيد أنهم تقدموا في التفكير حتى أنهم أنشأوا حزبا شيوعيا! رغم الفخر المستتر بين ثنايا تلك الجملة إلا أنها قد تصلح لكل أبناء اليوم لدرء الإتهام الأزلي الذي ما فتئ يثقل عاتق من تصادف أنه ولد في المناطق التي جاء منها الزبير أو إنتسب إليها (مع تغيير كلمة شيوعي بإسم أي تنظيم أو حزب آخر)!لا بد هنا من ذكر لبعض نفاق المثقفين السودانيين الذين يكثرون الحديث عن المساواة و الأخوة بين أهل الشمال و الجنوب. (و الأخيرون يتهمون الأولين بإسترقاقهم في الماضي و حتى وقت قريب)، حتى أن سياسيا من الجنوب قال لي أيام الطلب في السبعينات وقبل أن تدركه حرفة الإستوزار و يصير مشهورا: ألاحظ دوما أن الشمالي يتحدث عن الناس في غرب السودان و شرقه و شماله دون أن يذكر كلمة "إخواننا" و لكن ما أن يتحدث عن الجنوبيين حتي يردد لاشعوريا تعبير "إخوانا الجنوبيين" و كأنه يدفع عن نفسه تهمة ما تحيك في صدره! و أسمع الآن ذات الرجل الجنوبي و هو يخطب في المنتديات و البرامج المتلفزة و هو يتحدث عن "إخوانا الشماليين" .و أخيرا...أفلا ندع الزبير رحمة و ما فعل و ما ترك... فإن كان قد باع في الناس و إشترى, فلقد فعلها قبله و بعده أزنام و أشراف و أفارقة وعرب و أوربيون و بيض و سود و مسلمون و مسيحيون و لادينيون. فلندع من يعد الزبير رحمة رجلا شريرا أثيما و شأنه، و لنترك من يعده قائدا مغوارا شريفا و ما يعتقد، و لنوفر ما سيصرف على ذلك الفيلم المقترح – إن رأى النور- لعمل إيجابي يفيد الناس و يبقي... و ليكن ذلك ببناء مدرسة أو مصنع أو مستشفى تسمي بإسم الرجل في ذات المناطق التي "عمل" بها، و قد تشفي بذلك العمل صدور من يحبون الرجل ومن يبغضونه على حد سواء. و من باب التخذيل (ليس إلا) فإني أرى أنه من المشكوك فيه جدا من ناحية فنية أن يخرج فيلم من السودان بظروفه الحالية في مجال فنيات و تقنيات السينما العصرية بصورة ترضي من يود أن يوثق للرجل أو يبرئ ساحته (سينمائيا). فالأفلام التي ظهرت حول الشخصيات الهامة في المنطقة (مثل فيلم المهدي و عمر المختار و غيره) كانت كلها صناعة غربية صرفة صرف عليها ما لا قبل لنا به، و رغم ذلك لم ترض من شاهدوها رغم حرفيتها العالية و فنياتها المتقدمة و أسماء النجوم العظام الذين شاركوا فيها... فالفيلم المقترح الذي لا هم له إلا تبرئة الزبير في نظري هو جهد ضائع لا طائل من وراءه، و لا يسعني إلا أن أقول لهم رغم كرهي للتعبير المبتذل : الناس في شنو و الحسانية في شنو؟! و أذكرهم بقول الإسباني فدريكو مايور المدير العام لمنظمة اليونسكو لفرقاء السودان "الدائمين" في برشلونة (نقلا عن الكتاب السابع من مختارات الطيب صالح): " لا تتشبثوا بذكريات الماضي بل تشبثوا بذكريات المستقبل... الماضي مثل المرآة الخلفية للسيارة... تنظر إليها لتتبين الطريق إلي الأمام...نحن لا نطلب منكم التخلي عن قناعاتكم، لكننا نطلب منكم أن تغيروا الوسيلة التي تدافعون بها عن تلك القناعات." و أذكروا قولة السياسي الأوربي الحكيم الذي طلب إلى الناس التفكر في الأمر دون الحديث عنه Immer daran denken, aber nie davon sprechen. ذلك أجدى لنا و أنفع.<>



أسامة الكاشف غير متصل   رد مع اقتباس