تقدير موقف
- أزمة الحرب الجورجية – الروسية انتقلت الآن إلى ما يمكن تسميته "أزمة البحر الأسود". وذلك بعد حشد قطع الأسطول الأمريكي مقابل الروسي في البحر الأسود. فلهذه المواجهة ونتائجها واحتمالاتها الأولوية الآن.
- اندلعت الحرب الروسية – الجورجية إثر هجوم مباغت شنه الجيش الجورجي على أوسيتيا الجنوبية وقوات حفظ السلام الروسية فيها. وجاء الرد الروسي قوياً وحاسماً وأصبح على مقربة من تبليسي عاصمة جورجيا.
- كان من الممكن أن تجمد الأزمة على ضوء الاتفاق الروسي – الفرنسي والذي وقعه تساكاشفيلي رئيس جورجيا، لتبدأ مرحلة جديدة في العلاقات بين روسيا والغرب، كما في مسألتي اورسيتيا الجنوبية وانجازيا. ولكن جاءت ردود الفعل الأمريكية تصعيدية، حتى وصلت إلى إرسال قطع من الأسطول الأمريكي إلى البحر الأسود وقد فتحت حملة سياسية واسعة ضد روسيا شاركت فيها أوروبا كذلك.
وفي المقابل صمدت روسيا عسكرياً فاحتفظت بالسيطرة على ميناء بوتي الجورجي، كما أخذت قراراً بالاعتراف باستقلال كل من ابخازيا واوسيتيا الجنوبية. وجمدت علاقاتها بالحلف الأطلسي. وأرسلت طائراتها الإستراتيجية إلى مشارف المياه الإقليمية والحدود للولايات المتحدة (اعتبرتها كونداليزا رايس، "لعبة في ذروة الخطورة").
- أصبح الوضع بعد وقف إطلاق النار وبدء انسحاب القوات الروسية من جورجيا إلى حدود أرسيتيا الجنوبية وانجازيا ونقاط إستراتيجية احتفظ بها، كما يلي:
1- مواجهة عسكرية ( باردة ) بين الأسطولين الروسي والأمريكي في البحر الأسود.
2- تصعيد سياسي مقابل (ضربة بضربة أو اشد منها) من جانب روسيا كما من جانب أمريكا وأوروبا (إلى حد أقل).
3- الطرفان أخذا يلوّحان بالأوراق التي لدى كل منهما للضغط على الأخر عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وإعلاميا وحشداً للحلفاء وهو ما سمح للكثيرين أن يكتشفوا فجأة، بأن ثمة دولة كبرى اسمها روسيا أخذت تتحدى ما أسموه الأحادية الأمريكية. فراحوا يؤكدون على بدء مرحلة حرب باردة جديدة، فالمؤشرات كلها تشير إلى أن المواجهة بين روسيا والغرب فتحت ولكن من السابق لأوانه تحديد الملامح أو السمات التي ستأخذها، بعد أن تتحول إلى صراع طويل الأمد تحت سقف تقابل الأساطيل مما يهدد بالاشتباك حتى لو اعتبر احتماله ضعيفا.
فنحن الآن في مرحلة سابقة لما يمكن تسميته الدخول في "حرب باردة" أو حرب سياسية اقتصادية إعلامية. ولكن بالتأكيد إن المرحلة اللاحقة ستكون ذات سمات وطبيعة مختلفتين عما كانت عليه الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأميركا.
- اندلاع الحرب الجورجية - الروسية، كما الانتقال إلى مواجهة أمريكية – روسية في البحر الأسود لم يحدثا صدفة، أو بلا مقدمات . فالصراع بين الناتو وروسيا اخذ يتراكم مع توسع الحلف الأطلسي لتطويق روسيا. والصراع الجورجي الروسي راح يتداعى منذ انتقال جورجيا إلى استعداء روسيا وطلب الانضمام لحلف الناتو وزرع قواعده في اوسيتيا الجنوبية وابخازيا، أي في عقر الدار الروسية.
- المفاجئ فقط الشكل الذي تطور إليه الصراع: شن الحرب من قبل جورجيا، والرد الروسي من حيث الحجم والحسم، وتدخل الأساطيل الأمريكية في البحر الأسود. ولكن ما عدا الشكل، فإن تطورات الصراع من حيث الجوهر كانت ذاهبة باتجاه المواجهة بين روسيا والغرب.
- الغرب لم يقابل روسيا بالتين ثم بوتين بإيجابيه مقابلة، وإنما راح يطوقها عسكرياً بحلف الناتو، ويعبث بداخلها من اجل تفكيكها، وتجاهل دورها السياسي إذ وجه لطمة قوية بتفكيك يوغسلافيا وشن حربا على صربيا. وأرسل حليفها ميلوسوفيتش للمحكمة الدولية, وأخيرا وليس آخرا إعلان استقلال كوسوفو. والاهم زرع قواعد الرادار والصواريخ المضادة للصواريخ في تشيخيا وبولندة.
ولهذا كان لا مفر من بروز ظاهرة بوتين: استعادة قوة الدولة الروسية وعودة روسيا دولة كبرى في أوروبا والعالم. وقد ساعده في ذلك غرق المحافظين الجدد في مشروعهم الشرق أوسطي، وحاجتهم إلى صوته في مجلس الأمن، ثم ارتفاع أسعار النفط مما سمح له بسداد الديون وإنعاش الاقتصاد وامتلاك فائض مالي ( 400 مليار دولار ). وقد بني ذلك على ترسانة صاروخية – نووية – تكنولوجية عسكرية موروثة من الاتحاد السوفيتي. فبوتين تمكّن من تصفية مراكز القوى الصهيونية والمؤمركة ضمن تلك المعادلة من دون احتجاجات تذكر ( أمريكا تخلت عن حلفائها في الداخل الروسي مقابل تصويت بوتين لمصلحتها في مجلس الأمن ).
- بهذا تشكلت شروط المواجهة: استمرار تطويق روسيا عسكرياً من قبل حلف الناتو ( ليس له وظيفة أخرى ) وعوامل أخرى من جهة، واستعادة روسيا لقوتها من جهة أخرى، ومن ثم تمكنها من وقف ما تعتبره عدواناً على أمنها القومي ومكانتها كدولة كبرى. وقد جاء الهجوم الجيورجي المغامر وغير المحسوب ( وإن كان بموافقة أمريكية) ليمنح روسيا فرصة لإعطائه درساً، ومن خلاله توجيه الرسالة المطلوبة إلى أمريكا وأوروبا.
- لكن إدارة بوش ومعها أوروبا ( نسبياً) لا يسهل عليها الاعتراف بروسيا نداً وشريكاً كما يريد بوتين. وهذا يفسر لماذا التصعيد العسكري والسياسي ( غير المدروس أيضا) بعد توقف إطلاق النار بين روسيا وجورجيا. ولهذا تُلحظ درجة من التخبط الغربي في كيفية الرد وكيف يكون وما هو مستواه الراهن والقادم؟. نحن الآن في مرحلة الفعل ورد الفعل لاستراتيجيات مدروسة جيداً. ومما يزيد هذا الإرباك، الردود الروسية التي راحت تكيل الصاع صاعين في مواجهة كل خطوة وتهديد : (1) أساطيل مقابل أساطيل، وأضف إرسال طلعات الطائرات الإستراتيجية إلى مناطق تمس الأمن القومي للولايات المتحدة (2) حلف الناتو يهدد بتجميد العلاقة بروسيا، وروسيا ترد بقطع طريق الإمداد الذي يمر عبرها إلى قواته في أفغانستان (بما يتضمن ما هو أكثر من ذلك في أفغانستان، تهريب السلاح). (3) إجراءات اقتصادية تقابلها إجراءات مضادة (4) حشد الحلف الأطلسي يقابله حشد منظومة شنغهاي ( اعتبار الصين وأربع دول أسيوية ( من الجمهوريات السوفيتية السابقة) أن روسيا تلعب بفعالية في تهدئة الأزمة مع جورجيا .. له مغزاه.
باختصار، قبل الحديث عن مرحلة حرب باردة جديدة يجب الانتهاء أولا من أزمة "لبحر الأسود " المتصاعدة لأن المرحلة القادمة ستتأثر في الكيفية التي ستنتهي فيها هذه الأزمة. مثلا هل ستجمد الأساطيل في البحر الأسود ويمضي الصراع ضمن المعادلة الراهنة لكن من دون تصعيد ومن دون خطر الاشتباك؟ هل سيحافظ على وقف إطلاق النار من قبل جورجيا أم ستُدفع لخوض حرب بالوكالة؟ طبعاً دائما هنالك احتمال ثالث.
يبدو أن الأزمة الراهنة في البحر الأسود ستقرر مدى مصداقية كل طرف في الاستعداد لخوض حرب نووية. وذلك شرط تكريس ما سُمى " بتوازن الرعب النووي ". ومن هنا سيبدأ الصراع دون سقف المواجهة المباشرة، كما يحدث الآن في البحر الأسود بين روسيا وأمريكيا. فالتصعيد الراهن متجه إلى الوصول لنقطة المصداقية تلك حتى تنتهي الأزمة ( بدون الدخول في الشكل والإخراج ) على طريقة "اتفاقات وقف إطلاق النار" ( مع الفارق طبعاً) حيث يبقى الصراع محتدما، ولكن تحت سقف جديد وضمن خطوط و قوانين لعبة جديدة. وهي بالتأكيد المواجهة السياسية والاقتصادية والإعلامية، وسباق تسلح، وضربات غير مباشرة تحت الحزام أو بالوكالة.
- ملحوظة ثانوية:
إدارة بوش تعمل على استخدام الأزمة الراهنة في المعركة الانتخابية المحتدمة بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي وهو ما سيسهم في مدى الذهاب في التصعيد.
- انعكاسات المواجهة الروسية – الأمريكية على منطقتنا:
أول انعكاس لمرحلة المواجهة الجديدة التي سينتقل بها الصراع إلى موقع الأولوية جاء من جلال زيارة كونداليزا رايس الأخيرة إلى فلسطين. فقد صعدت من التوجه إلى إيجاد اتفاق فلسطيني - إسرائيلي ليس لهدف خدمة الانتخابات الأميركية فحسب وإنما أيضا لخدمة الحشد العربي والإسلامي ضد روسيا. وقد أصبحت له الأولوية
– الكيان لصهيوني وجد نفسه متورطا إلى جانب جورجيا في الحرب ضد روسيا مما اضعف موقفه وزاد من هشاشته حتى إزاء التوصل إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية وتقديم تراجعات تحت ضغوط رايس.
لقد قلق قادة الكيات الصهيوني من لقاء الأسد – ميديدف السريع الذي مثل من جانب روسيا رسالة شديدة اللهجة لإسرائيل وأمريكا. فلم يكن بلا دلالة الحديث عن صفقة أسلحة، أو التصريح الروسي بأنهم "لا ينوون إحداث تغيير في ميزان القوى الإستراتيجية في المنطقة" هذا يعني أنهم يستطيعون، واللبيب من الإشارة يفهم)
– يبدو أن أمريكا أصبحت أشد حاجة إلى عقد اتفاق فلسطيني إسرائيلي بعد اندلاع أزمة المواجهة مع روسيا وكذلك الكيان الصهيوني. مما سمح لكونداليزا رايس أن تتحدث عن توصل المفاوضات "إلى خطوط للاتفاق لم يسبق لها مثيل في الماضي حتى قبل سنة" وقالت إن "مواقف الطرفين تقاربت بشكل مثير للإعجاب رغم وجود فجوات بينها" وتقدمت بأفكار جديدة، كما أعلن، تحدثت عن تبادل الأراضي، وما يبقى من المستوطنات، والأهم إشارتها إلى ما يتعلق بالقدس وما أسمته "الحوض المقدس" وتقصد المسجد الأقصى وقبة الصخرة ومحيطهما. وقد أشارت إلى ترتيبات إدارية وأمنية بين "شطري المدينة" أي الاقتراب من موضوع القدس القديمة وهي العقدة التي ارتطمت بها المفاوضات.
وبالمناسبة: صرح مسئول فلسطيني أن المفاوضات الآن جارية على مدار الساعة بهدف انجاز اتفاق قبل 21/9/2008 (زيارة عباس لواشنطن).
وخلاصة:
إن الإستراتيجية الأمريكية القادمة بعد الانتخابات الرئاسية، بل حتى منذ اليوم، ستتجه إلى التركيز على مواجهة روسية ومحاصرتها والضغط عليها، خصوصاً، إذا لم ينتهي الصراع الحالي بلّي ذراعها.
هذا التركيز سوف يدفع أكثر باتجاه إيجاد حل لما يسمونه الصراع "الفلسطيني الإسرائيلي" أو "العربي – الإسرائيلي" وذلك لأجل الحشد ضد روسيا ومن يمكن أن "يتحالف" أو يتعاون معها مثل سوريا وإيران والمقاومات والحركات المعارضة، وعدد من الدول التي ستُؤثر "الحياد" أو "الحياد الايجابي".
ومن هنا ستخضع السياسات الأمريكية في منطقتنا لأغراض أولوية الصراع ضد روسيا ( كما سبق وخضت السياسات الأمريكية إزاء روسيا والصين وغيرهما لأغراض أولية الصراع ضد منطقتنا). وهو ما أتاح لروسيا والصين وغيرهما من الدول (الهند البرازيل حتى فنزويلا) فرصاً ثمينة للتقدم من وراء ظهر أمريكا الغارقة في مشروعها الشرق الوسطي المؤثر والمهيمن.
ونقطة أخيرة: هذا التحول في الإستراتيجية الأمريكية والأوروبية سيفتح معركة إعلامية سياسية وفكرية ضد "الاستبداد الروسي" و"القيصرية الروسية" و"النزاعات الإمبراطورية"، بل وضد الروس وروسيا. الأمر الذي سيفرض على الحملة ضد السلام والعرب والمسلمين/ وما سمي ب"الإسلاموفومبيا" بالتراجع التدريجي وحتى بقفزات.
ولنتذكر أن العلاقة بين الغرب والإسلام إيديولوجيا، أو العلاقة بين الغرب و العالم العربي والإسلامي سياسيا، ارتبطت بالإستراتيجية الغربية العالمية. وليس كما ذهب البعض إلى البحث عن الجذور الدينية أو الثقافية أو الحضارية لهذا الصراع. فأولويات الإستراتيجية هي التي تحكم اتجاه الصراعات الإعلامية والثقافية والفكرية. وهذا الذي يفسر تراوح العلاقة بين العداوة إلى "الغزل" فنصف العداوة ونصف "الغزل" وفقا لأولويات تلك الإستراتيجية المتغيرة بدورها.
|