الموضوع: أرض الميّت
عرض مشاركة واحدة
قديم 22-02-2012, 05:42 PM   #[6]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

[justify]أحاطت هالة من الغموض بهذا الغريب الأسطوري؛ فخشيه البعض واعتبروه ساحراً، وآمنوا أن كلبه الأسود ما هو إلا مارد من الجن يُساعده في أفاعيله الشيطانية، بينما اعتبره آخرون من أولياء الله الصالحين، ومن أصحاب الكرامات. وبأمر من العمدة اجتهد شباب القرية -بهمة غير متوقعة- في بناء منزل من الطين ليقيم فيه التمتام؛ عِوضاً عن الخيمة التي سكنها عند قدومه. وعندما انتهوا من بناء بيته وقرروا مساعدته على الرحيل، شاهدوا ما لم يروه في حياتهم؛ إذ تحكي الجدة مِسكة إن الخيمة التي من مادة غريبة بدأت -بحركة من إصبع التمتام- تتقلّص بشكل تلقائي حتى أصبحت كغريرة من الخيش؛ فطواها ووضعها في جرابه أمام دهشة الجميع؛ ثم مضى معهم، وكأنه لم يفعل شيئاً قط!

كان يُمسك بآلة غريبة، يُمررها على الأرض، وهو يتابع طرفها المضيء باهتمام بالغ. يحفر حفرة بطول قامته، ثم يخرج منها، ويُمرر آلته على الأرض من جديد، ويحفر في مكان آخر. لم يجرؤ أحد على أن يسأله عمّا يفعل. كانوا يتوقعون منه أشياء غريبة، وينتظرون أن تبزغ الحكمة من بين أصابعه في كل حركة يؤديها. قالت الجدة مسكة: "رغم غرابته؛ إلاّ أن أحداً لم يُشكك في سلامة عقله. آمن الجميع بأن ما يفعله هو شأن لا قبل لهم به. كل ما فعلناه هو انتظار أن نرى ما سيحدث، ولكنه مات قبل أن نعرف عمّا يبحث بالتحديد!"

دخلت صابرين (ابنة العمدة) تاريخ القرية من أبوابه المشرعة عندما تمكنت من بتر ذيل كلب التمتام الأسود بفأس أبيها. هي الوحيدة التي حكت ما جرى، وصدقها الجميع، عندما رأوا الفأس في يدها اليمنى، والذيل الأسود المبتور في اليسرى. خافت زوجة العمدة على ابنتها من أذية الجن، فحبستها شهراً في البيت، ولم تنقطع الأبخرة والآيات القرآنية عن سرايا العمدة طيلة الشهر، حتى ظنّ الجميع أنها سلمت بفضل دعوات الشيخ عبد الصبور وأحجبته الغليظة.

اعتاد التمتام على الجلوس عند شاطئ النيل في الأوقات التي لم يكن يجرؤ فيها أهالي القرية على الخروج من منازلهم، ولم يستبعدوا منه ذلك وسط غرائبه الكثيرة. ولا تتذكر الجدة مسكة أول مرة شاع فيها خبر علاقة التمتام بجنيات الماء، اللواتي كرّسن حياتهن لاصطياد الشباب، وإغواؤهم بأجسادهن الملساء العارية، وسحبهم إلى النيل وإغراقهم هناك، وجعلنه شغلنه الشاغل.

لم تبد الجدة مسكة متأكدة -وهي تحكي لنا إحدى حكايات أرض الميّت مع جنيات الماء- ما إذا كانت هؤلاء الجنيات يُغرقن الشباب فعلاً، أم يأخذنهم إلى عوالمهن السفلية تحت الماء. قالت: "يحكي البعض إنّ هؤلاء يذهبون باختيارهم طائعين، ويختارون أن يعيشوا معهن في عوالمهن، حيث يتزاوجون هناك، وينجبون، ومن يختار الزواج من جنيّة، فإنه لابد أن يوافق على ألا يعود إلى دنيانا ثانية."

كنت أعرف أن الجدة مسكة –كعادة النساء في أرض الميّت- تحاول إخافتنا بتلك القصص عن جنيات الماء لمنعنا من السباحة في مياه النهر ليلاً أو دون صحبة راشد، ولكن ورغم ذلك اليقين الجارف؛ فإنني لم أستطع أن أمنع نفسي من سماع المزيد، وأخاف في كل مرّة. كانت تلك إحدى الطرق التي يتبعها الكبار لضمان انصياع الصغار للأوامر، فيما كانت طريقة للحض على النوم كذلك. علّمتني جدتي عدّ النجوم، قالت إنها تساعد على النوم كثيراً؛ ولكنها لم تكن تجدي نفعاً معي على أية حال.

بدأت النساء في زيارة جلال التمتام سراً، وحكين له قصصهن السريّة، والأحاديث التي تجري وراء الجدران الجالوصية، حتى أنّ إحدى زائراته السرّيات كانت زوجة العمدة نفسها. ومما أذكره من كلام الجدة مسكة، إن جُراب التمتام احتوى قصص نساء القرية وحكاياتهن التي لا يعلمها إلاّ هو؛ ولذا فإن معظم نساء أرض الميّت دنّ له بالولاء والمحبة المحفوفة بالسريّة.

النساء أكثر إيماناً بالخرافة، لأنهن الأقل حظاً من التعليم في أرض الميّت التي تنتشر فيها نباتات العُشَر كالوباء، حتى خطب الجمعة التي يلقيها الشيخ عبد الصبور على أهالي القرية لم تخل من ذكر النساء ومكائدهن، ومازالت إحدى المخطوطات القديمة التي احتفظت بها عائلة كَلَس تحوي خطبه التي ألقاها في صلاة الجمعة والعيدين، وجاء في بعضها:

"النساء إحدى الآفات التي خلقها الله لامتحان قلوب الرجال، هنّ الامتحان والابتلاء الحقيقي والأشد في حياة المؤمن. النساء كالشياطين لولا أننا نراهن عياناً، إنهن كالفيضانات والطواعين وكافة الابتلاءات التي تواجه أحدنا في طريقه إلى الجنّة. من أرخى لهن أذنيه فكأنما أسلم إلى الشيطان زمامه. ألم يكنّ آخر ما حذر منه الرسول وهو على فراش الموت (ما تركت فتنةً أضرّ على الرجال من النساء)؟ أولم يحذرنا ربنا منهن (إنّ كيدهن عظيم)؟ فكيف بنا نراهن على متاع الدنيا وهي زائلة لا محالة؟ فاتقوا الله في أنفسكم وفي دينكم، ولتتق النساء الله في أنفسهن وفينا، فلا يخرجننا من الجنّة مرتين."

ويبدو أن خُطب الجمعة –وقتها- لم تخل من ذكر النساء والشياطين ونباتات العُشَر التي يُشاع أنها ثمار الجن والعفاريت، وحتى اليوم يتناقل الناس مقولته المشهورة عن العُشر:

"ما كثرت في مكان؛ إلا كانت إشارة إلى وجود الجن والشياطين، فهي لا تُزرع، ولا تُقطع ولا يُستفاد من ثمرها، وإن أصابت عصارتها عين الإنسان فإنها تُصيبه بالعمى."

ويتفق جميع الرواة على أن الشيخ عبد الصبور هو الشخص الوحيد الذي لم يُحب جلال التمتام؛ رغم افتتان الناس بما يحمله في جُرابه من خردوات سحرية، وحكمته التي يشهد له بها الجميع، ولكنه لم يستطع فعل شيء حياله، لأنه حظي باهتمام واحترام شديدين لدى عمدة القرية؛ لذا صبّ جام غضبه على كلبه الأسود بعد موته. هكذا فسّر البعض ثورته على الكلب المسكين.

أشاع جلال التمتام لأول مرة روح الفلسفة والتأمل في القرية، وتنقل الجدة مسكة عنه قوله: "الله ليس في السماوات، وليس في الأرض. الله ليس في المكان لأنه في كل مكان. ليس شيئاً؛ لأنه كل شيء. الله هو الإنسان وموهبته الكبرى، وهو الكون وإبداعه وتناسقه، وهو حيث لا نتوقع أن نراه ونسمعه. كونوا قريبين من الطبيعة تكونون أقرب منه حيث هو." ولكن أحداً لم يكن ليفهم، رغم إعجابهم بما يقول.

تقول الجدة مسكة إنه جعلهم يُعيدون النظر في كل شيء، حتى تلك المسلّمات التي أظهرها لهم بائسة وعديمة الجدوى. ومن المقولات التي نقلت عنه: "لم يخلقنا الله لنعبده، وإنما لنعرفه؛ تلك هي العبادة الحقّة!" تكرر جدتي ذلك دائماً وهي ترسم ابتسامة لم أستطع فهمها على وجه الدقة. أحاول الآن تذكرها، فلا أستطيع، ولكنها ابتسامة ساحرة تشتعل بالحكمة، والإيمان على أية حال. أذكر أنني عندما سألتها عن شكله وأوصافه، فكّرت قليلاً ثمّ قالت:

"يُشبه الموتى! رجل أبيض نحيل، ذو قامة طويلة لا يُعكّرها إلاّ تقوّس في ظهره يبدو إنه تقوّس مرضي أكثر منه أمارة على الشيخوخة، ورأس أصلع إلاّ في مؤخرته؛ إذ تنساب شعرات طويلة وناعمة متفرّقة بشكل عشوائي تُغطّي قفاه جزئياً. له شفاه سفلية غليظة غير متناسبة مع حجم شفته العليا على الإطلاق، وأصابع يده النحيلة كأعواد خيزران مكسوّة باللبّاد المرن، ولا تختلف عن أصابع قدميه كثيراً، وعيناه جاحظتان في هدوء كأنه يرى بهما في جميع الاتجاهات في وقتٍ واحد، وبعض الثآليل القاسية على أحد جوانب رقبته الطويلة".

أكثر ما يُميّزه –كما حكت جدتي- تفاحته البارزة التي تتوسّط حنجرته والتي لا تكف عن الحركة كلّما تكلّم أو ابتلع ريقه، قالت عنها: "إنها تفاحة نادرة ومخيفة، تكاد تنزلق خارج حنجرته لولا حفظ الله ورعايته."

ضحكت فجأة وهي تحكي لنا عن فلسفته ودينه الخاص، وتذكرت ما قاله أحدهم، عندما وقف كمن اكتشف سرّ زرقة مياه النيل: "ربما يحفر التمتام الأرض بحثاً عن الله!" ولكن الجميع أخرسوه واتهموه بالجهل. أذكر أنني ضحكت كثيراً كذلك، ولكن ضحكة الجدة مسكة تميّزت عن ضحكاتنا بالوقار والهيبة.

قيل أن التمتام مات دون أن يعرف بموته أحد، ضلّت روحه تحوّم في الأرجاء دون أن تهتدي إلى طريقها أخيراً. البكاء والصلوات ومراسيم العزاء هي التي تهدي الأرواح –بطريقة ما– إلى طريق البرزخ دون أن تحتاج إلى التفكير. الأرواح لا تفكّر؛ لأنها بلا أدمغة، ولكنها عندما تحاول ذلك؛ تصدر ضجيجاً يُخِل بفيزياء الطبيعة. عندها يتولّد الوهم؛ فنتوهّم الأشياء ونعدّها هذيانات حمى التايفويد المزعجة.

عندما فاحت رائحة العفن –وليس عندما افتقدوه وهو يجر حبل القارب ليعبر الجدول المائي إلى الضفة الأخرى، أو حين يحفر في القرية بشكل عشوائي دون أن يعرف أحد عما يبحث– عرف الجميع بموته. قلّة منهم فقط قاموا بدفنه مُحتملين تلك الرائحة النتنة، هذا عملهم!

الجيّد في الأمر أنّ أحدهم استطاع نزع الصورة من كفّه المتيبسّة. صورة من ورق كلاريك رديء جداً ليس معروفاً في ذلك الوقت؛ رداءة الورق هي ما فسّرت تكسره بسهولة في يد عجوز لا يقدر على أن يتحكم في حركات أطرافه، ولم يستطع أحد أن يتعرّف على السيّدة البيضاء في الصورة، أو يستدل على العلاقة بينها وبينه. قال البعض عندما علموا خبر وفاته: "كان يجب أن يموت منذ عشرة أعوام أو أكثر، فهو عجوز كفاية." بينما استشعرت في كلمات الجدّة مِسكة نبرات حاسدة وهي تقول: "يا له من رجل محظوظ؛ إذ مات منتصف الليل؛ أنهى يومه كما يُنهي عامل البنطون يومه المهني: عرف كلّ ما دار في يومه ذلك، وشهد الأوقات كلها: خروج النساء إلى النهر وعودتهن، وخروج الرجال إلى الغيطان وعودتهم، ولعب مع الأطفال، وضحك، وتناول عشائه، وشرب كأس مائه البارد؛ ومات". ولكن موته لم يكن سبباً في حزن أحد، غير النساء!

النساء العجائز يُخلصن في عملهن في المناحات التي تقيمها القرية عند موت أحدهم. يذكرنَّ شجرة العائلة والمآثر والخصال التي يتمتع بها، ويفعلن ذلك بلحن مُوحّد. ولكن في حالة هذا العجوز أخذت النياحة شكلاً آخراً. جاءت كل النساء للمأتم السرّي الذي أقمنه في دار زوجة العمدة حيث لا تطالهن يد شيخ القرية وعيونه، وبكينهُ بحرقة بالغة، ورغم أنّ النائحات لم يعرفن له شجرة عائلة لتذكرنه بها في نياحتهن؛ إلا أنهنَّ نُحْنَه بأكثر مما نُحْنَ شخصاً آخر؛ ظللنَّ يُكررنَّ: "أيها العجوز المرتحل المسكين، يا من أضأت ظلمات الصدور التعيسة بالحكمة الآسرة، يرحل عنّا جسدك الآن، لتبقى روحك في الأرجاء من أجل النساء العازبات والراغبات في الإنجاب، وليبارك الله روحك إلى الأبد." استغفرت إحداهنَّ سبعين مرّة بعد انتهاء المناحة؛ علّ الله أن يغفر لها كذبتها تلك.

مات جلال التمتام أخيراً كما تمنى البعض، وترك وراءه كلباً أسود علّقوه –بعد قتله- على عارضة خشبية، وثلاث دجاجات وديك لا يُلقح ولا يؤذن، وبعض الخردوات التي استولى عليها عمدة القرية في غفلة من الناس، حين أمرهم بحمل جثته إلى منزل الشيخ عبد الصبور ليغسّله استعداداً للصلاة عليه، وبعد مغادرتهم جميعاً، بحث عن خردوات التمتام حتى وجدها ودسّ بعضاً منها داخل ثيابه، ودسّ بعضها الآخر تحت عباءته، وغادر دون أن ينتبه إليه أحد.

أعاد الشيخ عبد الصبور جثة جلال التمتام في نفس العربة إلى العمدة مرّة أخرى، ورفض تغسيل الجنازة أو حتى الصلاة عليها لأنه لا تجوز الصلاة على الساحر، وأن الأولى بجثته الحرق، وليس الغُسل، ولم يشأ العمدة أن يتحمّل ذنباً كهذا، فأمر بدفن الجثة سراً دون تغسيل أو صلاة. وظلت أسطورة جلال التمتام أكثر الأساطير الشعبية تداولاً في أرض الميت، برغم ما في رواياتها من تناقض واختلاف، ورغم نهايته المؤسفة والغامضة التي أضفت على حياته الأسطورية رونقها الخاص الذي تتمتع به الآن.

لم يؤمن أهالي أرض الميت -حتى وقت قريب من وفاة جلال التمتام- بوجود مدن وبلدان أخرى خارج خارطة منطقتهم المنحصرة بين نهر لا يكفّ عن الجريان، وجبل لم يُحدّث نفسه بالحركة والتغيّر! غير أنّ التمتام أخبرهم عن عوالم أخرى أكثر صخباً وضجيجاً من ضجيج سواقي النيل ونهيق حمير القرية ونباح كلابها. أخبرهم عن مدن من الحديد تقبع في أناقة وراء جبل ميمي وعن بيوت زجاجية يسكنها البشر، تفتح أبوابها تلقائياً بمجرّد المرور من أمامها، وسمع الناس منه لأول مرّة عن البيوت ذات الطوابق المتعددة، وأخذ الشيخ عبد الصبور دهب يُكذّب كلّ ذلك ويقول: "إنّ التمتام يستغل جهل أهالي القرية ويُروّج للخرافة والأوهام".

اعتقدوا أن العالم ينتهي عند جبال ميمي، وأن ورائها تماماً أرض المحشر العظيم. عزّز هذا الاعتقاد ما رواه البعض عن أسفار غامضة قام بها شبان مغامرون في حقب متتالية لعبور الجبل إلى الناحية الأخرى، وأنّ أحداً منهم لم يعد مرّة أخرى. قيل إن جبل ميمي يحرسه العفاريت، كما أن مياه النيل تحرسها التماسيح!

وفي بعض الكهوف البدائية التي على إحدى سفوح جبل ميمي، وعلى صخوره الجرانيتية السوداء العملاقة التي كصخور نيزكية محترقة منذ ملايين السنين، ثمة رسوم تبدو كرسوم الأطفال تصف ما يعتقدونه: تماسيح بأسنان حادة ذات لجام، تمتطيها مخلوقات غريبة ناهضة شبيهة بالإنسان ولها قرون، وآثار معركة ضروس. ولولا الشياطين البيضاء لما تمكن أحدنا من معرفة ما بداخل هذه الكهوف حتى اليوم!

في أرض الميّت تتقاسم التماسيح مياه النهر مع بني البشر، فتسبح التماسيح في النهر ليلاً، وتستخدمه النسوة صباحاً لغسيل الثياب، والأواني. والرجال لغسيل القوارب والحمير. والشباب للسباحة، والصيد. كل ذلك باتفاق غير مكتوب بين أبناء القرية وتماسيحها. والتماسيح غير مسؤولة عمن يخرق هذا الاتفاق؛ فتلتهم الأطفال الذين يخرجون خلسة من البيوت ليدشّنوا قواربهم الورقية، أو تلك المصنوعة من الأحذية القديمة البالية، ولا عزاء لأحد.

في أرض الميّت تتقاسم العقارب والأفاعي الأرض مع بني البشر، فتهيم العقارب والأفاعي في الأرض مساءً تحت الصخور، وأوراق الأشجار المنكفئة على وجهها، وخلف كل شيء ساكن. بينما تنتشر فيها النسوة صباحاً لتهذيب الحشائش في المزارع القريبة، وتقسيم أحواض الزراعة، وعيادات المرضى، والولادات المستعجلة. والرجال لسقيا المزارع والعزاءات وحفر القبور، وإعداد الخمر التقليدية. والشباب لجلب الدقيق على ظهور الحمير، ومغازلة الفتيات، والسوق. والأطفال للعلب السَكَج بَكَج، وشليل، وتصنيع سيارات من علب الصفيح القديمة. والعقارب والأفاعي غير مسئولة عمن يخرق هذا الاتفاق؛ فتلدغ الذين يخرجون ليلاً لجنس طارئ، أو بحثاً عن مفقود، أو قضاء حاجة.

ورغم أن أرض الميّت قرية صغيرة (ولطالما رأيتها كذلك)؛ إلاّ أنها تعج بالقصص الخرافية والأساطير عن الجن والعفاريت والضباع، ولا تزال الأجيال تتناقل بفخر غير مسبوق أسطورة أسلافهم الذين روّضوا الضباع، وامتطوها عوضاً عن الحمير. الرجال في أرض الميّت يصنعون الخمر، ويزرعون الخشخاش، ويرقصون الأُولّيّ والهُمْبيق ويتفاخرون بالحمير، بينما تقوم النساء بالأشياء الأكثر أهمية؛ فهن يجلبن البرسيم، وينظفنّ المزارع والبيوت، ويصنعن التركين والأبري، بينما تهتم التماسيح والعقارب بتربية الأبناء.

ثمّة علاقة غريبة بين النوبيين وبين النهر، ولم يحدث أن تساءل أحدنا قط "لماذا نُسمّيه بحراً وليس نهراً؟" ربما لأنه واسع وهادر كالبحر، وربما لأننا لم نعرف البحر أصلاً، وربما نُسميه كذلك احتراماً له. الأكيد أن ثمّة حبل غليظ يربط النوبيين بالنيل ويجعلهم مأسورين له؛ إذ يُعتقد أنه ينبع من بين أصابع قدمي الإله، ويُحلّ البركة على كل الأراضي التي يمر بها، وحتى مجيء جلال التمتام الذي كسر هيبة النهر وتبوّل فيه علناً.

تلك الحادثة كانت كفيلة بطرد التمتام من القرية أو أن تنهي حياته داخل أحشاء النيل وتُغيّبه فيها إلى الأبد. أحد الكارهين الخفيين له أسرع بإخبار العمدة فأسرع في طلب الشيخ عبد الصبور الذي أذن في الناس أن الصلاة جامعة، وتجمّع رجال القرية حاملين فؤوسهم وعصيّهم وحبالهم إلى بيته، حيث غلّوا يديه وراء ظهره، وأوثقوا قدميه وساروا به إلى النهر ليكون شهيداً عليهم.

رمت أضواء الفوانيس الزيتية، ولهب المشاعل ظلالاً عملاقة ومخيفة أمامهم، وكأنها ظلال شياطين منفلتة من مرابطها. كانت جمهرة الناس تُصدر أصواتاً خافتة كحمحمة الخيول وعزيف العفاريت. وقف الجميع أمام النهر في إجلال، وتقدّم الشيخ عبد الصبور دهب، وأدار وجهه للناس وقال:

"إنه في كتاب الله من أراد إفساداً في الأرض أن يُقتل إظهاراً للحق ونيلاً لأمان الناس، وصدق الله العليم بعباده وحوائجهم. وإنه لمن الإفساد في الأرض أن يتبوّل الرجل في ماء يشرب منه الناس والبهائم والزرع تعالياً وغروراً وجهلاً من عند نفسه. وإذ لم يُفسد هذا الرجل بقتل الأرواح بطريقة مباشرة، فإننا نستمد حكمنا من كتاب الله وشرعه، وأن نوكل أمر الرجل إلى النهر (صاحب الحق الأول) بأن نُلقيه فيه معصوب اليدين ومقيّد الأرجل؛ فإن نجا فتلك مغفرة من الله، وإن غرق فتلك مشيئته النافذة."

ثمّ إنهم همّوا به فأمسكوه وهو هادئ لا يُحاول الإفلات منهم، وقد رسم على وجهه ابتسامته الهادئة التي تُغيظ الشيخ عبد الصبور كثيراً. تقول الجدة مِسكة إنهم أرادوا حمله على قارب والمضي به إلى منتصف النهر وإلقائه هناك، ولكنه أفلت منهم برفق، وأخرج ذكره أمام الناس وتبوّل في النهر ثانية، ثمّ انحنى وشرب من مياه النهر، وقال:

"إنكم لن تقتلوني ولن يقتلني النهر، لأنني خارج هذا الزمان ومتوّحد فيه، أنا أحد عجائب هذا الزمان. إن تبوّلتُ في إناء أحدكم أو زيره فلن أُمانع في أن يقتلني بيديه، ولكن النهر يجري لمستقر له. عليكم أن تقتلوا أنفسكم أولاً لأنكم تغتسلون في هذا النهر كل يوم، وتلقون فيه أوساخ ثيابكم القذرة، وتغسلون فيه بهائكم ثم تشربون منه في غبطة. هذا النهر ليس هو النهر الذي يمرّ من هنا كل يوم!"

نظر الشيخ عبد الصبور إلى العمدة الذي أطلق وجهه بابتسامة عفوية، وملامح قناعة يقينية، وتوقف الرجال فجأة عن الحمحمة؛ ثم انصرفوا تتبعهم أضواء المشاعل والفوانيس الزيتية، وعادت العتمة المشوبة بضوء بدر غير مكتمل النمو تضرب وجوه النسوة اللواتي أطلقن زغاريدهن في ابتهاج، وتقدّمت بعضهن وحللن قيده.

بعد موت التمتام وكلبه، كان ما يزال الكثيرون يؤمنون به كرجل صالح وصاحب كرامات، وقليل من الناس فقط اعتقد بأنه صاحب حظوة لدى الملائكة الذين يسرّبون إليه بعض أخبار السماء المستقبلية والغيبيات، ويتذكّر له البعض صدق نبوءاته التي جرت في حياته كما حكا بالتفصيل. ورغم استحالة معظم نبوءاته؛ إلاّ أن أهالي القرية –حتى المتشككين منهم- لم يجزموا بأنها قد لا تحدث على الإطلاق، ولكنهم فقط استغربوا حدثوها، أو توقعوا ألا تحدث في حياتهم.

إحدى أكثر نبوءات التمتام غرابة كانت بشأن الحمير؛ إذ نقل الناس عنه قوله: "عندما تكثر الحمير، يقل البشر!" ورغم عصيان تلك الكلمات على التحقق بالنسبة إلى أهالي القرية؛ إلا أنهم آمنوا بها بكل جوارحهم، واستبشروا بها خيراً.

إحدى المؤمنات بنبوءات جلال التمتام كانت السيّدة عواضة زوجة العمدة التي ذهبت إليه خلسة كما بقية النساء، وطلبت منه الكشف عما تخبئه لها الأقدار؛ إذ خشيت أن يتزوّج عليها العمدة طلباً لإنجاب مولود ذكر.[/justify]



imported_هشام آدم غير متصل   رد مع اقتباس