|
:: كــاتب نشــط::
|
موضوعات ذات صلة :
الخطـــر قائــــــــم
بقلم : م. هشام مبارك
تابعنا جميعا ما نشر في الصحف عن فيضان النيل لهذا العام حيث إنه شريان الحياة لكل المصريين كما تابعت شخصيا تصريحات وزارة الموارد المائية والري عن هذا الموضوع ما نشر بجريدة الأهرام بأن نسبة الطمي في مياه الفيضان تبلغ2500 جزء في المليون وأن الإطماء السنوي يبلغ120 مليون م3 وكتبت عن ذلك مقالا نشر في باب قضايا وآراء بجريدة الأهرام يوم السبت2001/11/24 مضمونها أن هذه النسب والكميات غير دقيقة ولابد أن تكون أكبر من ذلك كما أني قدرت العمر الافتراضي للسد العالي بـ250 سنة بدلا من500 سنة وأن الطمي سيصل إلي توشكي بعد أربعين سنة كما توقعت أن الطمي سوف يتركز في الثلث الأوسط من بحيرة ناصر حيث تنعدم سرعة المياه أو تقارب الصفر, وسيشكل ذلك سدا عشوائيا عند كرسكو التي تقع جنوب السد العالي بمسافة180 كيلو مترا.
وقد تفضل بالتعقيب علي مقالي الدكتور/ ضياء الدين القوصي مستشار وزير الري في نفس صفحة المقال فقال إن عددا كبيرا من الدراسات قدرت رواسب الطمي السنوية ما بين20 إلي120 مليون م3 وأضاف بأنه في المؤتمر الدولي لأطماء الأنهار الذي عقد بالقاهرة في نوفمبر2001 قدرت إحدي الباحثات كمية الطمي المترسب بما يتراوح بين62 مليون م3 إلي47 مليون م3 سنويا كما أضاف أن كمية الطمي المترسب اغلبها في القطاع السوداني من بحيرة ناصر ويعود السبب في عدم التعامل مع الطمي حتي الآن إلي أسباب اقتصادية لأن عمق الرواسب تحت سطح المياه لم يصل بعد إلي المستوي الذي يسهل معه رفعها ونقلها إلي جانبي البحيرة. وأضاف أن تحديد الكميات الفعلية للطمي يحتاج إلي المزيد من الاقطاعات خصوصا في المناطق الجنوبية التي تتراكم فيها الرواسب بمعدلات تزيد علي المناطق الأخري وإني أعتبر ذلك منه كلمة حق كما سيتضح ضمن هذا المقال.
أما عن تأثير الطمي علي محطة الرفع في توشكي فقد أفاد بأن القناة الموصلة للمحطة يمكن تطهيرها بشكل مستمر بعد تشغيل المحطة وأني أقدم له عظيم شكري لاهتمامه بما ورد في مقالي.
كما أشكر السيد الوزير لأن الوزارة لم تكتف بهذا الرد فبادرت بنشر تحقيق صحفي بجريدة الأهرام أيضا يوم الأثنين2001/11/26 في باب تحقيقات الصفحة13 بعنوان دلتا جديدة للنيل عن الأطماء في بحيرة ناصر وقد تحدث في هذا التحقيق بجانب السيد الوزير مجموعة الخبراء والمستشارين في الوزارة ولهم جميعا آراء علي درجة كبيرة من العلم والخبرة في مجال الري والهيدروليكا والمساحة وكان التحقيق الصحفي يدور كله حول الطمي وعملية الإطماء.
وكانت أهم النقاط التي تضمنها حديث السيد الوزير والسادة مستشاري الوزارة ما يلي:
1. يتركز معظم الطمي في الجانب السوداني ولم يتسرب منه إلي مصر سوي10% إلي15% من إجمالي الطمي المترسب في البحيرة ولم يذكر كم حجم الإجمالي؟.
2. تحديد العمر الافتراضي للسد العالي بـ312 سنة ووصول الطمي بكميات مؤثرة إلي توشكي بعد50 سنة.
3. احتمال إقامة سد جديد في منطقة المضيق المشهورة بالبحيرة ولم يذكر لماذا وأين يقام هذا السد.
4. التفكير بالاستعانة بالجانب الصيني في تطهير البحيرة حيث إن لديهم خبرة في تطهير النهر الأصفر بالصين.
5. معلومة واحدة عن الاقطاع السوداني ومفادها أن الطمي وصل ارتفاعه الي50 مترا.
كما أن الحديث يعطي الانطباع للقارئ بالآتي:
1. تم ذكر نسبة التركيز للطمي قبل إنشاء السد العالي والمياه جارية ولكن المطلوب هو نسبة التركيز عند مدخل البحيرة وبعد إنشاء السد والمياه محتجزة كما أنهم لم يذكروا نتائج محطة رصد الطمي في دنقلة.
02 اتجاه عام من الجميع علي عدم ذكر حجم وتكوينات الإطماء في القطاع السوداني, ولا أعلم لماذا ولم أستطع تفسير ذلك؟
3. رأي يفكر في طرق مناسبة لتطهير مجري النيل من الطمي المترسب.
4. رأي آخر ينتظر مزيدا من ترسيبات الطمي حتي تتكون دلتا جديدة من جنوب وادي حلفا حتي توشكي.
وقد انتظرت كثيرا بعد نشر هذا التحقيق حتي أعطي الفرصة لغيري أن يعقب عليه أو يدلي برأيه في هذا الموضوع المهم وخاصة من أساتذة الري والهيدروليكا في كليات الهندسة بالجامعات المختلفة, ولكن للأسف لم يتقدم أي منهم بذلك رغم خطورة الموضوع.
وإني كمواطن مصري يهمه مصلحة بلده أولا وأخيرا أطلب من السيد الوزير مرة أخري إعطائي الفرصة لأن أبدي رأيي وملاحظاتي وأرجو أن يتسع صدر سيادته لما أبديه من آراء وملاحظات وأوضح أولا بأن تباين الآراء بالتحقيق الصحفي ممكن أن يثري الحوار ولكنه يضعف القرار الذي نحن في أشد الحاجة إليه وبأقصي سرعة كما أن هناك اسئلة قائمة وتساؤلات مفتوحة, ولكن الإجابات غائبة والردود غامضة ولا أدري لماذا؟ مما جعلني أستعين بتقرير صادر من الوزارة عن دراسة حركة الأطماء داخل الحدود السودانية بعثة أبريل سنة2000.
وسوف أستعرض القطاع السوداني من بحيرة ناصر الذي يمتد من وادي حلفا إلي شلال دال وهو بطول حوالي150 كيلو مترا وهو المورد المباشر لمياه البحيرة والشريان الأعظم خطرا حيث يتجمع في مجراه معظم الطمي من بداية التخزين حتي اليوم, وقد انشأت وزارة الري عام1973 رؤوسا لقطاعات عرضية شرق وغرب مجري النيل علي طول بحيرة ناصر وهي معروفة المناسيب في26 موقعا منها11 موقعا في القطاع المصري, و15 موقعا في القطاع السوداني وتقوم البعثات البحثية التابعة للوزارة مرتين سنويا بعمل قطاعات عرضية رئيسية كما تؤخذ قطاعات أخري ثانوية خلف أمام القطاعات الرئيسية, وذلك لمعرفة مناسيب الطمي المترسب خلال السنة المائية ومتابعة ما وصل إليه الإطماء والنحر في كل قطاع, وكذلك لقياس السرعات المختلفة لمياه النيل سواء في الأعماق أو الأجانب. ثم تعمل تقارير بعد انتهاء مهام هذه البعثة ترسل للمختصين بالوزارة لتحليلها لمعرفة الموقف أولا بأول.
وفي التقرير الخاص بالقطاع السوداني حول دراسة حركة الإطماء داخل الحدود السودانية بعثة ابريل عام2000 كانت البيانات المسجلة للإطماء كما وردت في صفحة24 ـ25 من التقرير كما يلي:
(أ) في المسافة ما بين مدخل البحيرة حتي جنوب قطاع كجنارتي يكون عرض المجري ضيقا حيث يتراوح بين(300 ـ1000 متر) ويتراوح عمق المياه ما بين(6,45 ـ19,7 متر).
(ب) في المسافة من جنوب كنجارتي وقطاع مرشد وقطاع جيمي ووصل السمك إلي(57,59 ـ51,71 ـ60,37 متر) علي التوالي بمعدل(1,71 ـ1,52 ـ1,78 متر سنويا ويقل الترسيب تدريجيا كلما اتجهنا جنوبا أو شمالا من هذه القطاعات.
(ج) في المسافة من شمال جيمي حتي قطاع عبد القادر يتسع المجري فجأة ليصبح2,25 كيلو متر عند قطاع مضيق أمكا ويزداد العرض حتي يصل عرض القطاع الي اكثر من10 كيلو مترات عند قطاع عبد القادر وكذلك تزداد اعماق المياه لتصل الي ما بين(27,8 متر ـ33,7 متر).
وباستعراض هذه البيانات يمكن رسم قطاع طولي من بداية البحيرة في الجنوب حتي مشارف مدينة بو سمبل بطول205 كيلو مترات منها150 كيلو مترا في السودان و55 كيلو مترا في مصر وعلي طول هذه المسافة نجد أن الطمي قد اجتاحها وترسب بها مكونا هضبة تبدأ بارتفاع إطماء يبلغ7,8 متر في اقصي الجنوب عند الدكة ويستمر ارتفاع الطمي في الصعود ليصل ارتفاعه الي57,95 متر عند كجنارتي وذلك خلال مسافة93 كيلو مترا ثم تبدأ شبه مصطبة أفقية للهضبة لمسافة22 كم ليصل ارتفاع الطمي الي60,37 متر عند جيمي والتي تبعد عن الحدود المصرية بمسافة34,5 كيلو متر, ثم يهبط ارتفاع الطمي فجأة الي26,16 متر عند أمكا ثم يرتفع إلي45,5 متر عند الجندل الثاني ويتدرج هبوطا حتي يصل ارتفاع الطمي إلي30,38 متر عند بداية الحدود المصرية ثم يتدرج بعد ذلك ليصل إلي مدينة بو سمبل علي بعد55 كيلو مترا شمال الحدود مع السودان ولم يذكر التقرير ارتفاعات للطمي في هذا الجزء, حيث إن هذا التقرير كان يخص القطاع السوداني فقط.
كما ورد بنفس هذا التقرير عن الجزء السوداني صفحة8 أن منسوب سطح مياه البحيرة عند الدكة كان(178,5) متر وذلك في يوم2000/4/28, وأن منسوب سطح المياه للبحيرة عند دبروسة علي الحدود المصرية كان(178,17) متر وذلك في يوم2000/5/11 وبتوقيع مناسيب سطح المياه علي القطاع الطولي الذي يوضح شكل وتكوينات الاطماء يتضح ان منسوب الطمي في المصطبة العليا للهضبة يرتفع عن منسوب الماء بمقدار15 مترا عند جيمي ومقدار13 مترا عند كجنارتي أي أن مجري النيل في هذه المنطقة شبه مغلق بالطمي لمسافة30 كيلو مترا وذلك في أواخر أبريل2000 قبل انتهاء السنة المالية بثلاثة أشهر أي قبل ورود الفيضان في أغسطس2000, ولا أعرف ما الموقف الحالي لترسيبات الطمي في هذا الجزء بعد أن علاها إطماء عام2000, وإطماء عام2001, وذلك بالمعدلات السنوية للإطماء عند كنجارتي وجيمي.
وبإجراء بعض العمليات الحسابية البسيطة يتضح أنه علي مدي36 عاما السابقة من بداية التخزين الكامل لمياه البحيرة حتي الآن فإن اجمالي حجم الطمي المترسب يبلغ حوالي10800 مليون م3 ويأخذ السنوات المتوسطة الفيضان في الاعتبار كما حددها السيد الوزير فيمكن ان يصل متوسط الاجمالي الي8 مليار م3 بمعدل متوسط حوالي222 مليون م3 سنويا وهذا الحجم الضخم من الطمي والمكون لهذه الهضبة المعترضة لمجري النيل والذي يصل وزنه الي16 مليار طن في حالة تشبعه بالماء ويصل الي12,8 مليار طن بعد الجفاف من الضخامة بحيث إنه يمكن لهذه الكمية أن يتم تصنيع4000 مليار طوبة حمراء تكفي لبناء سور ارتفاعه5 أمتار بطول اكثر من3 ملايين كيلو متر, كما أن نفس الكمية يمكنها أن تغطي الأرض الزراعية جميعها في مصر بسمك يصل إلي ثلث متر وأن حجمها يمكن أن يمثل أربعة أضعاف حجم المجري المائي لقناة السويس بعد توسيعها.
ولا مجال الآن للتحدث عن العمر الافتراضي للسد العالي في ظل هذا السلوك غير المتوقع لترسيبات الطمي والذي خالف كل ما هو متوقع ومخطط له في أثناء التصميم والذي خصص له السعة الميتة أسفل مجري النيل من بداية البحيرة جنوبا حتي السد العالي شمالا للترسيب داخلها.
إني مازلت أحذر وأكرر تحذيري من خطورة الموقف والوزارة مسئولة أولا وأخيرا عن الموارد المائية وكيفية تدبيرها وذلك قبل توزيعها للري وحتي الآن, فإننا مازلنا متضررين من عدم استكمال مشروع قناة جونجلي في جنوب السودان والذي تم إنجاز80% منه وتوقف في عام1983 بسبب الحالة الأمنية والقتال الجاري بهذه المنطقة والذي كان باستكماله ستزيد الموارد المائية لنا, والآن الوضع الخطير داخل بحيرة ناصر وبين أيدينا ولم نبدأ في مجابهته وهو الأمر الذي يثير تساؤلا شديدا نحوه وأني يا سيادة الوزير أقف بجوارك وليس في مواجهتك, كما أنني أتمني للسد والبحيرة وجميع مشروعات الري العملاقة في توشكي وسيناء كل توفيق وتقدم وازدهار بل أتمني أضعاف ذلك من تنمية وتوسيع للرقعة الزراعية سواء في سيناء أو في جنوب الوادي, ولكن بشرط توافر الموارد المائية الدائمة لها, كما أحلم مثل كل المصريين بالتوسع الزراعي في وادي اللقيطة شرق مدينة قوص في محافظة قنا, وكذلك التوسع الزراعي في الساحل الشمالي بعد تطهيره من الألغام والتوسع في الغرب امتدادا من منخفضات توشكي إلي الواحات الداخلة والخارجة مكونا واديا موازيا لوادي النيل, وذلك لا يتأتي إلا بالجهود الجادة العملية لتطهير مجري النيل من الطمي, والإسراع في ذلك بكل ما نستطيع حتي لا نجابه بوضع خطير يصعب علينا تداركه سببته الطبيعة وليس للإنسان يد فيه, ولكن له القدرة علي مواجهته وإزالة آثاره أولا بأول لنضمن ونؤمن مستقبلنا ومستقبل مصر, وإذا كان الأمر يتعلق باعتبارات اقتصادية بحتة, كما ذكرت سيادتك فإن ذلك لا يعادل أبدا المخاطر المنتظرة مستقبلا سواء كانت الفيضانات عالية أو منخفضة.
وإني لا أنتقد أحدا أو أهاجم مشروعات بل علي العكس فإني أحاول التحذير من كل ما يتسبب في الإضرار بها, حيث إنها إضرار للوطن وسكانه, ولكل من يعيش علي جنبات الوادي من إنسان وحيوان ونبات, وإني أعتقد أن مشروع تطهير مجري النيل من الطمي له الأسبقية الأولي عن أي مشروعات أخري في جميع المجالات بالدولة لنضمن توافر الموارد المائية الدائمة حيث يقول الله تعالي في كتابه الكريم وجعلنا من الماء كل شيء حي صدق الله العظيم.
السيد الوزير هذا هو رأيي, وإني أعتقد الآن أنك تتفق معي علي أنه ليس هناك متسع من الوقت للبدء في تخليص مجري النيل من الجلطة الطميية حتي لا تصاب مصر في شريانها الوحيد.
وأتمني للوزارة جميعها كل التوفيق والسداد فيما تتولاه من مسئولية لمشروعات عملاقة ضخمة شمال وجنوب الوادي.
المصدر:
http://www.ahram.org.eg/Archive/2002/3/9/OPIN12.HTM
|