22-12-2012, 02:47 PM
|
#[8]
|
|
:: كــاتب نشــط::
|
أخذت رائحة البول التي حملتها رياح غير مهذبة الاتجاه تأتيه، وتدخل خياشيمه، لتعيده قسرًا إلى السوق المركزية لأم لَبَخَة، حيث ذات الرائحة متوفرة بكرم بوليني جم، بفضل المساحات الضيقة التي لا تسمح لك بالهرب منها. يفرغ العابرون حمولات مثاناتهم المنتفخة في أي زاوية متاحة لتصبح الرائحة، بعد ذلك، رائحة مألوفة ومعتاد عليها من قبل رواد السوق والباعة على حد سواء. لسبب ما شعر بالتقزز والاشمئزاز من تلك الرائحة، وعرف أنه تقزز زائف؛ إذ لا يتذكر أنه تقزز منها من قبل؛ لاسيما عندما اضطر إلى الخروج للعمل في السوق. ساقته الرائحة بسلاسة إلى سلسة من الذكريات المزعجة في السوق، حيث المشاجرات اليومية مع الزبائن وأرباب العمل الذين يسيرون على مبدأ (الزبون دائمًا على حق) بعميانية مستفزة، ولا يتذكر أن أحدهم اهتم لحقه عندما اعتاد أن يكون زبونًا، الأمر الذي سبب له ضيقًا ذا طابع عدائي.
تذكر مشاجرته الكلامية مع تلك السيدة التي أصرت على نعته بعديم النظر عندما أرادت شراء صدرية دون أن تعرف مقاسها بالتحديد، فأطال النظر بعيني نسر جامدتين إلى صدرها مباشرة، قبل أن يخبرها أخيرًا بأن مقاسها غير متوفر، وتطوع بإسداء نصيحة لها بألا تتعب نفسها بالبحث في السوق. خرج رب العمل من مكان ما عندما ارتفع صوت السيدة، وهي تردد بغيظ: "ماذا تعني بأن مقاسي غير متوفر؟" بدأ رب العمل مبادرته لتهدئة السيدة باعتذار مبدئي، وبدأ يسأل عن المشكلة لاحقًا. وعندما سأله عن مبرراته أجاب بوضوح تام: "هي تحتاج إلى خُرْتَايَة وليس صدرية بشرية!" وكان ذلك آخر يوم له في العمل.
أزعجته ملاحظة بائعة شاي في السوق حول إصفرار أسنانه، وسألته بنبرة لا تخلو من الإشفاق الحقيقي: "ألا تستاك؟" فأخبرها، وهو ينوي ألا يستمر في الحديث حول هذا الأمر كثيرًا، بأنه ليس بحاجة إلى الاعتناء بأسنانه، لأنه ببساطة لا يتوقع أن تطلب منه فتاة أن يقبلها. عندها ضحكت بائعة الشاي، محاولة لفت انتباهه إلى أن الأمر متعلق برائحة الفم النتنة وليس بتقبيل أنثى. أطال النظر إليها قبل أن يقول: "ليس هنالك سبب يجعل فتاة تقترب مني إلى الحد الذي تتمكن فيه من شم رائحة فمي إلا إن كانت تريدني أن أقبلها." ثم إنه نهض دون أن ينتظر ردًا منها وأخذ يهز رأسه في استياء بالغ من فضولها واهتمامها بأشياء لا تعنيها على الإطلاق. كان يقول دائمًا: "وجودنا صدفة بين الناس لا يعني أننا نسمح لهم بمعرفة كل شيء عنا." وهو ما برر قلة أصدقائه الذين كانوا على استعداد لتحمل طبيعته النزقة والمتقلبة على الدوام.
الحياة في أم لَبَخَة، بالنسبة إليه، لم تكن مثيرة بما يكفي لتخليق عاطفة مثالية تجاهها، وتفاقم الأمر أكثر عندما استشعر الضيق بسبب معضلته العتيدة التي لم يستطع لها دفعًا ولا حلًا، لاسيما كلما رأى والده أو نظر إلى نفسه في المرآة. ذات يوم صعد على ظهر عربة قديمة من طراز رانج روفر منزوعة الإطارات وسط السوق، وصاح بأعلى صوته: "أنا قرفت!" وتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه لينهي المهزلة بطريقة تراجيدية ملائمة. تجمهر الناس حوله، وراحوا يضحكون من منظره وكلماته التي بدت لبعضهم مضحكة وهزلية وكاسرة للروتين اليومي. ألقى بعض العساكر القبض عليه، واقتادوه إلى مركز الشرطة، ظنًا منهم أنه في حالة سكر. أولئك الذين لا يعرفون كَاجُوُمِي عرفوه بأبْ قَرْفَة لصيحته الشهيرة تلك، وتندروا بحالته ومبادرته الغريبة التي لم يسبق أن فكر بها أحد. قال البعض: "إنه على حق، لقد قرفنا نحن أيضًا. الحكومة تفعل الأفاعيل بالمواطنين!" ورأوا أن صيحته تلك ما هي إلا تعبير سياسي بالغ البساطة والعمق، بينما رأى البعض أنه مجرد عاشق يمر بمحنة عاطفية حادة، ووجدوا في ذلك موعظة يجب معها الحذر من النساء.
في مركز الشرطة، لف أحد العساكر ورقة بيضاء على شكل قمع ووضعها على فمه، وطلب منه أن يتنفس بقوة داخلها، للتأكد من تعاطيه للكحول، وبعد إخضاعه إلى اختبار السكر المعتاد، جلس كَاجُوُمِي بهدوء تام على إحدى الأرائك الخشبية الطويلة التي بلا ظهر، وهو يستمع بنصف اهتمام إلى ما يقوله أحد العساكر في صيغة تهديد: "إذا كنت تصطنع الجنون، فنحن الجنون بعينه. أعدك بأنك سوف تتمنى أن لو كنت مجنونًا بالفعل." كان الجو داخل مخفر الشرطة شديد الحرارة، فراح يتصبب عرقًا، الأمر الذي أشعره بمزيد من الاستياء.
بعد ساعات؛ عندما دخل الضابط المناوب إلى المخفر بمشيته المتثاقلة، وهو يضرب الأرض بحذائه العسكري بقوة، وقف العساكر بطريقة آلية، وألقوا التحية. كان كَاجُوُمِي وقتها قد أسند ظهره إلى الجدار، وراح في غفوة قصيرة، قبل أن توقظه صفعة من أحدهم، ويأتيه صوت آمر: "هل جئت هنا لتنام؟" فرفع بصره ورمق صاحب الصوت بنظرة حانقة، وهو يقول: "فضلًا .. جيئ بي!" الأمر الذي دفع الضابط للسؤال عن سبب وجوده في المخفر. تقدم أحد العساكر وألقى التحية العسكرية مرة أخرى، وهو يقول: "لقد وجود وهو يحدث شغبًا في السوق."
بعد ساعات من التحقيق، أنهى الضابط المناوب الأمر برمته، بأن أجبره على التوقيع على تعهد كتابي بألا يكرر فعلته مرة أخرى، وختم كلامه قائلًا: "هذه القرية مليئة بالمعتوهين والمجانين، وليس ينقصنا عبء إضافي. اذهب ولا ترني وجهك هنا مرة أخرى." ولم يغادر كَاجُوُمِي قبل أن يصرح بملاحظته عن حرارة الجو داخل قسم الشرطة، وضرورة اقتناء مروحة سقف لتفادي هذه المشكلة، فنظر إليه الضابط المناوب، وهو يحاول التأكد من جديته حول هذه الملاحظة، قبل أن يشير إليه بيده إلى باب المخفر، ويطلب منه المغادرة، دون أن ينطق بحرف.
بدأ الأمر بما يشبه العبث الساخر، ولكنه فيما بعد جرى كقدر حتمي غير مدروس؛ إذ تحقق النصف الأول من أمنية كَاجُوُمِي بعد ثلاثة أيام من صيحته المشهورة، وتسبب صدع أرضي مفاجئ في إحداث خُوْر عملاق في القرية شقها من شمالها إلى جنوبها، أسموه (خُوْر أبْ قَرْفَة)، وأصبح فيما بعد اسمًا ثانيًا للقرية التي غادرها مغاضبًا ذات صباح بلا تخطيط مسبق. أصبح الجميع يرددون اسم خُوْر أبْ قَرْفَة بسلاسة وتلقائية وكأنه اسم تراثي عتيق.
الأطفال الذين ولدوا بعد رحيل كَاجُوُمِي بعشرة أعوام أو أقل قليلًا، خرجوا ليجدوا قريتهم بهذا الاسم، ولم يتساءل أحد عن سبب التسمية، إلا فيما ندر، بدواعي الفضول وليس بدواعي التوثيق المعرفي على أي حال. في المواسم الخريفية الماطرة يمتلئ الخور بالمياه ويستحيل نهرًا يستمر طيلة شهرين كاملين، ثم ينضب ليستحيل نهرًا في موسم الخريف التالي. تلك الحادثة كانت الأكثر إقناعًا لأهل القرية بأن عَبْد الوَاحِد رَحَمَة يمتلك موهبة نادرة ومخيفة، وكانت سبب ترسخ لقب كَاجُوُمِي والتصاقه به إلى الأبد.
نهاية الفصل الأول
|
|
|
|
|