في غمرة تساؤلاته تلك، تفاجأ بالمرأة الثعلب أمامه، وهي تنظر إليه بمكر مقزز، قبل أن تداهمه بسؤالها: "أمازلت واقفًا هنا أيها الوسيم؟" استغرب سؤالها أولًا ثم إنه هز رأسه مؤيدًا: "يبدو كذلك." فانطلقت المرأة في ثرثرة بدت له أنها بلا نهاية، تحكي له عن نفسها، ومن أين جاءت، وأين تقيم:
"اسمي نِعْمَات الزُّبَيَر، أصدقائي ينادونني نَعُوُمِي، وأنا أحب هذا الاسم كثيرًا. كنت في زيارة عائلية طارئة لأسبوع في نِيَالا، ولكنني أملك بيتًا في أمْبَدَّة. الجو حار اليوم! حر أمدرمان لا يطاق، أتدري لماذا؟ لأنها أرض حجرية ومحاطة بالجبال من كل جانب. لا أدري لماذا لم يفكروا بوضع مظلات لينتظر تحتها المسافرون والمودعون؟ لقد كتب على الشعب السوداني أن يعاني طيلة حياته."
بدافع رد الجميل، كما قالت، عبرت له عن استعدادها لاستقباله في منزلها حتى يعثر على أقاربه في الخرطوم، وعندما صرح لها بأنه لا يعرف أحدًا في الخرطوم، عرضت عليه بسخاء متهور الإقامة في الجزء الآخر الفارغ من منزلها. ابتسم كَاجُوُمِي في سخرية وهو يتذكر رزمة نقوده الورقية، وأجابها بشيء يشبه الخجل: "ولكني لا أملك مالًا كافيًا للسكن." عندها أمسكت المرأة بتلابيبه بيد ممتلئة، وهي تقول: "ما بين الخيرين حساب!" وانطلقت به إلى موقف سيارات الأجرة القريب.
سيدة في الرمق الأخير من خريفها الثالث، بملامح حادة وماجنة، شديدة التبرج، ممتلئة الجسد، متوسطة القوام، قمحية اللون، وبدت عليها علامات الثراء بوضوح لا تخطئه عين. سارت أمامه بخطوات واسعة وحثيثة، وهي تتكلم مع إحداهن في هاتفها النقال مطمئنة إياها بأنها وصلت إلى الخرطوم أخيرًا بعد رحلة مضنية. لاحظ اهتزاز أردافها المتوحشة، وحاول أن يمنع نفسه من النظر إليها ولكن دون جدوى. قال في سره أخيرًا: "إنها أرداف بحجم المكان!" سمعها تحكي لمحدثتها في الطرف الآخر من الهاتف عن قصة اختطاف حقيبتها اليدوية عند وصولها، واكتشف عندها أنها كانت تحوي مجموعة لا تقدر من الجواهر الثمينة والعملات الورقية، إضافة إلى بطاقة ائتمانية لم يعرف فيم تستخدم على وجه الدقة. قاطعت نظراته المتهكمة لأردافها، وهي تربت على كتفه قائلة عبر الهاتف: "إنه شاب وسيم وشهم، وممتلئ الرجولة." ثم أطلقت ضحكة ماجنة، وهي تضيف: "بالتأكيد، لا يمكنني أن أترك شخصًا مثله يضيع من يدي." وغمزته بطريقة ذات مغزى.
أحس كَاجُوُمِي أنه تورط في علاقة من نوع غريب مع هذه السيدة، ولكنه سار معها بطريقة قدرية للغاية. لم يجد أمامه حلًا آخر غير أن يتبعها وأن يصغي لما تقوله، وكأن ثمة علاقة حميمة قد بدأت بينهما للتو. قال في سره: "المضطر يركب الصعب." ووجده مبررًا كافيًا لمتابعتها بعميانية. لم يتكلم كثيرًا، واكتفى برسم ابتسامة ثابتة تعني القبول على كل شيء وأي شيء، حتى ولو كانت ملاحظة سخيفة وساذجة، اكتشف ذلك عندما أخبرته بطريقة سرية لا مبرر لها بأن الجو حار جدًا، فنظر إليها وابتسم ابتسامة لا تعني أي شيء. تعمدت كثيرًا أن تضع كفها على ركبته، وحاولت إظهار ذلك وكأنه يحدث بطريقة تلقائي غير مقصودة، كان وقتها قد تمكن من تخمين ما يمكن أن ينتهي إليه أمر هذه العلاقة الطارئة، ولكنه أصر على الانقياد لها برضوخ غريب حتى بالنسبة إليه.
انشغل لبعض الوقت بإلقاء النظر إلى بيوت أمدرمان ومحالها التجارية وشوارعها الضيقة والمزدحمة، كلابها، وأغنامها السائبة. كل شيء بدا بالنسبة إليه باهتًا وضبابيًا وكأنه في حلم غير واضح المعالم. تذكر قريته الصغيرة القابعة بهدوء وجودي قاتم، بأرضها الترابية الرطبة محاطة بكثبان رملية مجنونة وثائرة على الدوام. حين تتشبع الأرض الترابية بالمياه الباردة، وتبصقها وحلًا في أقدام العابرين، تعالج كيمياء المطر بطريقة ساذجة ومزعجة للغاية، تستحيل إلى مستنقع طيني يعج بالبشر والضفادع. يعمد الأطفال إلى الضفادع، ويربطون قوائمها الخلفية بخيوط رفيعة وطويلة ويسوقونها، وهي تتقافز أمامهم مذعورة أو يتسابقون بها في خط طيني طويل، وعلى الفائز أن يطارد البقية بكرات طينية يلطخ وجوههم بها. تذكر تلك المشاهد التي قفزت فجأة إلى مخيلته، وهو يرى مجموعة من الأطفال يلعبون السيجا في إحدى الطرقات، فارتسمت في وجهه ابتسامة هادئة كأنه لم يقصدها. انتبه فجأة مستشعرًا يد السيدة الثعلب تمسح عرق جبينه، وهي تقول: "ما الذي جعلك تبتسم؟"
كانت عربة الأجرة وقتها تخترق أحشاء أمدرمان برشاقة، فانتبه إلى مكانه كائنًا له وجوده الآني. نظر من حوله قبل أن ينظر إليها مباشرة، وهو يقول: "هل ابتسمت فعلًا؟" استمرت السيدة نِعْمَات الزُّبَيَر في مسح عرق جبينه دون أن تكترث كثيرًا لوجودهما في الشارع. فكر إن النساء يثيرهن رؤية الرجال متعرقين كأنهم يفرزون مع عرقهم روائح هرومانتهم الذكورية التي تحرك فيهن الكوامن. أحس بنفسه قطًا مدلًا، وهي تمسح عرقه من منبت شعره ورقبته، ولم يعجبه ذلك الإحساس كثيرًا، فدفع يدها عنه بعنف، فنظرت إليه بزهو بالغ، وأبدت إعجابها بعنفوانه، وهي تقول: "قوي وجامح كخيل أصيلة." لاحظ أن سائق عربة الأجرة يراقبهما من خلال مرآته الأمامية بشيء من الفضول والإزدراء في ذات الوقت، فبادره بسؤال له مغزاه: "هل نحن في الطريق الصحيحة؟" فلم يجبه السائق وإنما اكتفى بالتوقف عن مراقبهما والتركيز على الطريق.
|