الموضوع: كاجومي - رواية
عرض مشاركة واحدة
قديم 23-12-2012, 03:11 PM   #[13]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

كانت نوبة بكاء صادقة وطويلة، حتى أنه في نهاية الأمر بدأ يشعر بالملل والخدر في يده، فتوقف عن ملاطفتها وتهدئتها، وغفا قليلًا قبل أن ينتبه على سؤالها المباغت: "عَبْد الوَاحِد، هل تحبني؟" فأجابها بكل هدوء ودون تردد أو حتى دون أن يجهد نفسه في البحث عن طريقة دبلوماسية: "لا!" نظرت إليه بعمق في عينيه، ولكنه بدا صادقًا فيما قاله، فشعرت بخيبة أمل جارحة جدًا ثم إنها أعادت رأسها على صدره وسألته مرة أخرى: "إذًا فماذا تسمي علاقتنا هذه؟" انتظرت أن تسمع منه إجابة صادقة كسابقتها، ولكنه لم يفعل. ظل صامتًا ينظر إلى سقف الغرفة، وكأنه غارق في التفكير:
- أهو سؤال صعب إلى هذا الحد؟
- ليس كذلك، ولكن أعتقد أنني لا أملك أن أسمي هذه العلاقة.
- من يجب عليه تسميتها إذًا، أنا؟
- هل يتوجب علينا فعلًا تسميتها؟
- أحب أن أعرف كيف تنظر إليّ. أعني هل تزدريني، تحتقرني؟
- وأنتِ هل تشفقين عليّ أم تحبينني؟
- لِم أنت حاد في ردودك هكذا؟ أنا لا أشفق عليك، ولكني لا أعرف حقيقة شعوري تجاهك. لم أختبر هذا الشعور من قبل، ولهذا طلبت مساعدتك.

لم يجبها على الإطلاق، وظل مطرقًا وواجمًا، وكأنه لم يسمع منها شيئًا. حتى هي نسيت الأمر برمته، وعادت تسند رأسها على صدره، وهي تقول: "أنت قاس جدًا." ساد صمت ثقيل وكأنهما قررا عدم مواصلة الحديث، وكانت الحركة الوحيدة التي تبادلاها ذلك الوقت هي التدخين بشراهة. تأخذ نفسًا عميقًا من التبغ، وتعطيه إياه، ليأخذ نفسًا عميقًا ويعيده إليها مرة أخرى، عندما انتهيا، نهضت نِعْمَات الزُّبَيَر عن صدره، وتمددت إلى جواره، وبدأت تحكي:
"أتدري، في صغري كنت أحب اللعب مع الأولاد كثيرًا، ولكن أبي لم يحب ذلك. يقول إن البنات لا يجب عليهن اللعب مع الأولاد، وأن لكل منا لعبة خاصة به. كنت أحب اللعب بالكرة والسَّكَّجْ بَكَّجْ ، ولم أجد متعة في ملاعبة العرائس، رأيتها لعبة سخيفة. لا أذكر أنها أغوتني يومًا. ألعاب الأولاد بها إثارة وحركة وتفاعل، بينما ألعاب البنات تفتقر إلى كل ذلك. كنت بدينة جدًا بالنسبة إلى فتاة في سني، وتعرضت كثيرًا إلى السخرية من الأطفال. عشقت الشكولاتة ولم أستطع أن أتوقف عنها، رغم معرفتي بأنها السبب في بدانتي. بدا الأمر بالنسبة إليّ أنني سوف أموت إن توقفت عن أكلها، فآثرت الحياة ببدانتي على الموت! بسبب بدانتي فقدت الكثير من التجارب التي تعيشها الفتيات عادة، فلم أعش قصة حب عنيفة كما حلمت دائمًا. كم تمنيت أن تكون لي مغامرات عاطفية، وقصص أحكيها لصديقاتي اللواتي كن يحكين لي عن قصص جديدة كل مرة. أحببت أن أشعر ذلك الشعور الغريب: أن أمتلك سرًا خاصًا بي وحدي، ولكن فتيان الحي نظروا إليّ كواحدة منهم. بعضهم كانوا يستخدمونني كمراسلة أنقل رسائلهم إلى صديقاتهن. ذات يوم قررت أن أقرأ إحدى الرسائل، وعندما قرأتها بكيت كثيرًا، وحسدت صديقتي على ما كتب فيها. هل تدري: تمنيت أن يقبلني أحدهم، أن يغازلني أي شخص، أن يُتحرش بي ككل الفتيات. إنه شعور جميل بالفعل. لا تصدق فتاة عندما تغضب لأن شخصًا ما تغزل أو تحرش بها، لأن ذلك يعني لها أنها فتاة مرغوبة ومثيرة. أجل، كل الفتيات يعجبهن أن يكن مثيرات للرجال، وإلا فما قيمة الأنوثة إذًا؟
لم تكن لي قصة عاطفية أنشغل بها؛ فكرست وقتي وجهدي كله للدراسة وتفوقت فيها. عندما كبرت والتحقت بالجامعة لم يتغير شيء في حياتي قط. رأيت وسمعت ذات القصص التي افتقدت إلى مثلها، ولكنني لم أحظ بفرصة لتجربة واحدة منها. ذات يوم، أذكر أننا كنا نستعد لامتحانات آخر العام الدراسي، قررت الذهاب إلى مكتبة الجامعة والانكباب على القراءة، عندما سمعت أصوات بشرية خافتة تأتي من بين الأشجار الكثيفة. اقتربت بحذر شديد فرأيت شابًا ممسكًا بفتاة وهو يقبلها بشغف ويتلاطفان جسديًا. وجدت نفسي واقفة أختلس النظر إليهما حتى أحسست بأن قدماي غير قادرتين على حملي. لا أخفي عليك، فقد تمنيت أن أكون مكان تلك الفتاة ولو للحظات قليلة. أسرعت إلى المكتبة، وكأنني أحاول الهرب من تلك الصورة التي ظلت عالقة بذهني. حاولت التركيز في القراءة، ولم أستطع. انتهى بي الأمر أخيرًا وأنا أمارس العادة السرية في إحدى دورات المياه. هل تصدق ذلك؟
لا أعرف إن كان والدي راهن على رفضي، أم إنه أراد أن يتخلص مني عندما دخل علي ذلك اليوم ليخبرني أن رجلًا طلب يدي للزواج. الحقيقة أنني شعرت بفرحة غامرة لم أشعر بها في حياتي، حتى قبل أن أعرف من هو هذا الرجل. أخذت الأمر بسذاجة متناهية للغاية: ذكر يريد أن يتزوجني، هذا يعني أنني سوف أمارس الجنس أخيرًا. هذا كل ما فكرت به وقتها. أخذ يتحدث لي عنه وعن ظروفه الاجتماعية ووضعه الاقتصادي، ولم انتبه لشيء من ذلك على الإطلاق، رحت أفكر في تلك اللحظة الوردية الحالمة التي تسمى (ليلة الدخلة). أخيرًا سوف يحتضنني رجل ما، ويقبلني ويداعب جسدي. أخيرًا سوف أمارس الجنس! كان الجنس بالنسبة إليّ أسطورة خرافية، أو حلم محرم بعيد المنال.
عندما جاء العريس لوضع اللمسات الأخيرة على ترتيبات الزواج رأيته لأول مرة، وذهلت مما رأيت: إنه ببساطة رجل قرر أن يتزوج قبل أن يموت، كأنه خشي أن يقابل الله أعزبًا؛ فقرر أن يتزوج من أي فتاة قبل أن يداهمه عزارئيل. قلت لنفسي: "شيء خير من لا شيء."
كان واضحًا بالنسبة إليّ أنني لن أحظى بفرصة أخرى للزواج إن أنا رفضته. عرفت أنه فرصتي الوحيدة والأخيرة لأحظى بما أريده. ما هي احتمالية أن يأتي رجل آخر ليطلب يدي للزواج في ذلك الوقت. أقول الحقيقة إنها، بقليل من التفاؤل الإيجابي، احتمالية تقترب من العدم. أعتبرت الأمر وكأنه قدر فرض علي، وتوجب علي قبوله والتماهي معه. ومنذ الليلة الأولى لزواجنا عرفت أن فكرة التعري أمام رجل هي أصعب ما قد تقوم به أنثى على الإطلاق. تطلب الأمر بعض الوقت حتى استشعر ذلك الإحساس الذي تمنيته ووافقت على الزواج من أجله. شعرت بالتقزز لمنظر جسده المجعد، وتورم عانته المشحمة، وكرشه التي كظهر فرس نهر، وملمس يديه المتقشرتين، ورائحة فمه المعبقة بالنيكوتين. عندما قبلني لأول مرة أوشكت على التقيؤ، وأمضيت وقتًا طويلًا في التسوك تلك الليلة. هل تصدق إنني اضطررت إلى تعلم التدخين للتخلص من هذا الأمر؟
عندما صارحت أمي برغبتي في الطلاق من زوجتي لأول مرة، رمتني بنظرات ساخطة كأنها عيني إله غاضب، ولم تكترث كثيرًا لما حكيته لها من معاناتي معه، قالت إنني فتاة مدللة ووصفت أسبابي التي شرحتها لها بأن أسباب تافهة، ولا تستحق أن تهدم فتاة بيتها من أجله، إلا إن كانت بلا عقل. كان علي أن أخوض محنتي وحدي، دون أن أجد من أحد أي تعاطف ولو على سبيل المجاملة. هل تدرك قساوة ذلك؟
لحسن الحظ فإنه لم يعش طويلًا بعد زواجنا، وترك لي ثروة هائلة. عرفت أن الله حاول تعويضي عما عانيته معه بتلك الثروة، لأنه إن كان من الصعب بالنسبة إلي الحصول على زوج من قبل، فقد أصبح ذلك في حكم المحال، فمن سوف يرغب في الزواج من أرملة بدينة يتناقل عنها الناس إنها قتلت زوجها لترثه؟ حتى أهلي صدقوا تلك الإشاعات التي أطلقها بعض أقارب زوجي، ورفض والدي أن يقبل أي دعم مادي مني بحجة أنها أموال حرام، وتبرأت مني أمي أمام نساء الحي؛ لاسيما عندما اكتشفت وجود علبة تبغ في حقيبتي. قالت عني علانية إنني فتاة ساقطة، وأن المال الحرام جعلني أنحرف. هل تصدق ذلك؟ ظلت تصفع وجهها بلا رحمة، وتقول بأنها لم تحسن تربيتي! منذ ذلك الحين قررت أن أعيش حياتي وأن أستمتع بها متقبلة كل ما فيها. أحاول دائمًا أن أحتفظ بتعاستي لنفسي وألا أظهرها للآخرين، ولهذا تراني أضحك باستمرار. لا أحد يستحق أن أفقد حياتي من أجله. إنها حياتي أنا، ويحزنني كثيرًا أن البعض ينظر إليّ كمومس فاجرة، ولكن ذلك لن يجعلني أتوقف عن عشق الحياة، ولن يقتل فيني رغبة أن أكون كما أحب أنا وليس شخص آخر.
"

كان كَاجُوُمِي يستمع إليها وكأنه لم يتوقع أن تكون حياتها قاسية على الإطلاق. أدهشه أن يجد خلف ذلك الوجه المتبرج الضاحك إنسانًا منكسرًا يعج تاريخه بالنكسات والمحن المتكررة. نظرت إليه مطولًا وكأنها تختبر قدرة قصتها على خلق تغييرات جذرية في ملامح وجهه. قبلته في ذقنه ومرغت وجهها في لحيته ثم انطلقت في نوبة من الضحك الهستيري الذي انتهى في النهاية ببكاء حار. وضع رأسها على صدره، وراح يربت على كتفها برفق وحنو حقيقيين هذه المرة. مرر كفه على جسدها الممتلئ العاري وأحس بشهوة عارمة ورغبة في مضاجعتها. عندما أحست نِعْمَات الزُّبَيَر بعدم براءة لمساته، رفعت رأسها ونظرت إليه بعينين تحملان معان يعرفها تمامًا، نظر إليها بالمقابل، وقال لها: "لا شيء سوف ينسيك هذا الحزن إلا جنس عنيف." ومددها إلى جواره ثم اعتلى جسدها وغابا في صراع لحمي شبق.


نهاية الفصل الثاني



imported_هشام آدم غير متصل