الموضوع: كاجومي - رواية
عرض مشاركة واحدة
قديم 24-12-2012, 11:22 PM   #[18]
imported_هشام آدم
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية imported_هشام آدم
 
افتراضي

كانت محنة نِعْمَات الصَّادِق أنها وجدت نفسها في اختيار صعب: فإما والدها وأسرتها، وإما عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة الرجل الذي أحبته بكل جوارحها، ورأت إنه الشخص الوحيد المناسب لها، ولكنها لم تتردد كثيرًا؛ فاختارت ما أملاه عليها قلبها، وهربت معه ليلًا إلى قريته، حيث تزوجا، وأرسلت إلى أبيها تطلب منه العفو ومباركة الزيجة، ولكنه ظل على موقفه المعاند، وأعلن على الملأ تبرأه منها، وشعر بشيء ما انكسر داخله. حاول صديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر مواساته والتخفيف عنه، فاكتشف أن ما يعتمل داخله أكبر بكثير من مجرد حزن أبوي معتاد، عندما صارحه بقوله: "ما يحزنني أن أرى ابنتيَّ تخفقان في اختياراتهما وأنا على قيد الحياة." فربت على كتفه، وهو يقول بثقة: "أعلم أنك لن تستطيع التبرؤ من إحداهن." اكتفى الصَّادِق ضَوْ البَيَت بأن نظر إليه مباشرة في عينيه، وقد ارتسمت على وجهه ملامح صراع عضلي محتدم بين الحزن والابتسام، ثم قال: "صدقت هذه المرة أيها الأعور. أنت دائمًا تفهمني، ولا أعلم لماذا أنت بالتحديد!"

تولدت صداقة غريبة وقوية بين الصَّادِق ضَوْ البَيَت ومَسْعُوُد الطَّاهِر في حقبة موغلة في القدم عندما كانا شابين يافعين تقابلا في عراك غير متكافئ بدأه الصَّادِق ضَوْ البَيَت مع مجموعة من الشبان، في حفلة عرس، على فتاة ابتسمت في وجه أحدهم فلم يعرفوا في وجه مَن منهم ابتسمت. أقسم كل واحد منهم بأنها ابتسمت في وجهه هو، وإنه هو الأجدر بها، بينما وقف الصَّادِق ضَوْ البَيَت ليقول بنبرة تحد عنفوانية: "إنها فتاتي حتى وإن لم تبتسم لي، ومن كان يجد في نفسه مروة على منافستي فليأخذها مني بالقوة وليس بشيء آخر." بدأ العراك بين الصَّادِق ضَوْ البَيَت والشبان قبل أن يمر مَسْعُوُد الطَّاهِر مصادفة، وهو يحمل صينية الجِرْتِق بيديه متجهًا إلى سرادق الحفل. يقول مَسْعُوُد الطَّاهِر عن تلك اللحظات:
"ما كرهت شيئًا في حياتي كما كرهت الظلم. كان عرس خالي وَدَاعَة الله الشَّرِيِف ذلك المساء، وكنت عائدًا مسرعًا إلى سرادق العرس حاملًا صينية الجِرْتِق قبل انتهاء الحفل بقليل عندما وجدتهم وقد تكالبوا على أبو نِعْمَات كالنمل، ولم أكن أعرفه وقتها. وللحق فإنني رأيت فيه جلدًا لا يليق إلا بفارس عربي أصيل. كان يمسك بالاثنين منهم كأنما يمسك بعرائس الدمى ويضربهما ببعضهما، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة دائمًا. وضعت صينية الجِرْتِق جانبًا وشمرت عن جلبابي ودخلت وسط المعمة دون أن أعرف من المخطئ ومن المصيب وما أصل الحكاية، ولو كنت أعرف لتركتهم يقتلونه، ولارتحنا منه، ولما فقأت عيني حينها."

يضحك، ويضحك جميع من يسمعونه حتى الصَّادِق ضَوْ البَيَت الذي مازال محافظًا على قوته كأنما راهن الدنيا على ذلك. عندما يهدأ الضحك يرفع الصَّادِق ضَوْ البَيَت رأسه وصدره معًا، وهو يقول: "وقد أسميت ابني على اسمك. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ وليته فلح! لقد أصابته لعنة اسمك عليك اللعنة أبد الآبدين." يرد عليه مَسْعُوُد الطَّاهِر بكل كبرياء: "لو عاشت أختي المَبْرُوُكَة لربته أفضل من تربيتك. خيّبك الله." ولكن الصَّادِق ضَوْ البَيَت يعلق وكأنه كان يعرف أنه سيقول ذلك: "لو كنت أعلم أنها ستموت وتترك لي ثلاثة أطفال في رقبتي لما تعاركت من أجلها في عرس خالك الشَّرِيِف." منذ ذلك اليوم توطدت علاقة قوية بينهما وزاد من أواصر هذه العلاقة زواج الصَّادِق ضَوْ البَيَت من شقيقته مَبْرُوُكَة الطَّاهِر التي ماتت بعد أن أنجبت له ثلاثة أبناء: نِعْمَات وامْتِثَال ومَسْعُوُد الذي لا يعرف أحد عنه شيئًا منذ سافر.

عاد كَاجُوُمِي إلى قريته محملًا بغضب وجراح عميقة، وجد نفسه مضطرًا لمواجتها في سن مبكرة، ثم بدأت المحنة تأخذ شكلها الموضوعي لديه عندما شاهد ما لم يكن يتوجب عليه مشاهدته على الإطلاق. لاحظ كَاجُوُمِي إن علاقته بجده لأمه الصَّادِق ضَوْ البَيَت لم تتعد حدود الأمر والإطاعة:
"احضر كأس الماء."
"لا تغلق الباب بقوة."
"اجلب إبريق الوضوء."
"لا تلعب بالكرة داخل البيت."

لذا لم يستشعر الحزن على فقدانه. حتى هو ظن الأمر متعلقًا بحداثة سنه عندما توفي جده، ولكن كلما كبر في السن كلما تأكد له شعوره تجاه جده العربي، وفي أحيان كثيرة كان يقول لأصدقائه: "أنا سِدِرَابِي، وجدي الصَّادِق السِّدِر." ويبصق على وجهه سرًا عندما لا يجد نفسه مصدقًا لهذا الإدعاء الكاذب. حاول كثيرًا أن يقنع نفسه بواقع الأمر ليريحها من ذلك العنت، ولكنه لم يفلح على الإطلاق، وبقدر ما حاول الانتماء إلى السِّدِرَاب بقدر ما وجد نفسه غير منتميًا لهم؛ بل وكارهًا فوقيتهم التي لا يخفونها عن أحد.

ذلك النهار الصيفي الحار، بينما كان جالسًا في فناء بيت جده الصَّادِق ضَوْ البَيَت يصنع من الطين أشكالًا مختلفة ثم يكسرها ويصنع أشكالًا أخرى، سمع جده وهو يتحدث إلى صديقه مَسْعُوُد الطَّاهِر وهما جالسان تحت رَاكُوُبَة من أعواد الخيزران والخوص المرن: "كنت أتمنى لنِعْمَات زيجة أفضل من هذا، ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه." ثم إنه انتهره وأمره باللعب في الخارج، عندما اكتشف أنه يسترق السمع لما يقولانه. التصقت عبارة "ليس كل ما يتمنى المرء يدركه" بذهن كَاجُوُمِي منذ تلك اللحظة، رغم أنه لم يفهم معناها وقتها، وبدأ يستخدمها بكثرة بمناسبة وبدون مناسبة، حتى عندما انتهرته أمه ذات يوم وسألته لماذا لم يغتسل بعد عودته متسخًا من الخارج، أجابها: "ما يتمنى المرء لا يدركه." أحس بأنه يمكن استخدام هذه العبارة كإجابة رادعة لأي شيء، وكان على يقين بأنها عبارة سحرية لها مفعول نافذ للغاية، حتى وإن لم يدرك معناها الحقيقي على وجه الدقة وقتها، ولم تجابها عبارة أكثر قوة وسحرًا سوى عبارة "إنها مشيئة الله" التي يستخدمها والده كثيرًا.

انتبهت نِعْمَات الصَّادِق لما يمر به كَاجُوُمِي وتحدثت إلى عَبْد الكَرِيِم رَحَمَة حول ذلك: "ابنك عَبْد الوَاحِد أصبح مفرط الحساسية وانعزاليًا في الآونة الأخيرة، هل هذا أمر جيد أم سيء؟" ولكنه قمع خوفها الأمومي بعبارة عبثية للغاية: "هكذا هم الأطفال دائمًا." لم تقتنع نِعْمَات الصَّادِق بتلك الإجابة، واتبعت حاستها الأنثوية. حلقت شعر رأسه، وألبسته عمامة من القماش الأحمر يتدلى منها عقد من الجلد البقري منته بتمائم وخلاخيل مختلفة الألوان، وأخذته إلى ضريح الشيخ أبُو حَمَامَة الذي تزوره نساء الضاحية كل يوم جمعة بعد صلاة العصر. وقفت أمام الضريح مباشرة، ووضعت كَاجُوُمِي أمامها، وبدأت في التضرع:
"يا شيخ أبْ حَمَامَة
يا صاحب الكرامة
يا شفيعنا مع المصطفى يوم القيامة
جئت أطلب السلامة
لابني عَبْد الوَاحِد أبْ عِمَامَة
أصابته العين اللوامة
اشفه بحق (يس) و (القيامة)
طمن قلبي واجعل لي علامة
"

ثم إنها أخذت من تراب الضريح، وسكبته على رأس كَاجُوُمِي، وراحت تقرأ آية الكرسي والمعوذتين، وكررت ذلك سبع مرات. وكان كَاجُوُمِي وقتها يبكي، وينظر إلى أمه من خلال شلالات الرمل المنكسبة من فوق رأسه، وهو يقول: "ماما .. ما يتمنى المرء لا يدركه!" وهي تكرر: "بسم الله عليك من الهامة واللامة. بسم الله عليك من الناقصة والتامة. حرَّستك بالقرآن وكلمات الله التامة." بدا كأنه جثة تم انتشالها من تحت الأنقاض بمنظره المشعث المغبر ذلك، وراح الأطفال يضحكون عليه وهو عائد مع أمه، وقد علقت العمامة الحمراء على كتفه ليبدو كالدراويش، وأضمر في نفسه الانتقام منهم عندما تنتهي أمه من طقوسها ويرتاح قلبها.



imported_هشام آدم غير متصل