قصة قصيرة
"علي مقبول زكريا"
تلك لحظة عبرت خاطري ذات مساء ، لم أكن أخالني أقف عندها في مساء مشابه ، لكنها أوقفتني حين رن هاتفي وأنا في لحظة استغراق عميق أحسب اللحظات التي مرت انتظارا دون جدوى ، وأنا رقم بين عشرات المنتظرين في الرصيف ، غير أن الذي انتظره لم يصل ، وعندما سمعت تلك الرنة التي مللت الاستماع إليها من كثرة ملازمتها أذني منذ بدأتُ تعاملي مع ذلك الاختراع العجيب ، عبرت خاطري ذات اللحظة التي عبرته قبل سبعة أشهر وبضعة ايام . وقبل ان أجيب على الهاتف فكرت ماذا سأقول له إن كان هو المتحدث في الطرف الآخر ، وبقدر ما تمنيت الايكون هو تمنيت أن يكون هو لأحسم وإلى الأبد تلك المعضلة التي ظلت تلازمني منذ أن عرفته .
علي مقبول زكريا حفر اسمه ثلاثيا هكذا في ذاكرتي ، يتمتع بكاريزما لا أعرف كيف أصفها ، ذو شخصية قيادية ، لا لتوفر أدني صفة من صفات القيادة فيه ، لكنه يتمتع بها ، ربما كانت تقاطيعه التي تسرب ذاك الإحساس أول وهلة لمن يراه ، تحس من خلال تعاملك معه أنه ينبغي عليك أن تطيع أوامره حتى دون أن يصرح بها رغم أنه غير مطلبي ، ولا جاف الطبع ، فقط ثمة شيئ في صوته يميزه من بين الأصوات المشفرة في ذاكرتي السمعية ، كان يقلقني جدا أن ألتقيه مثلما يقلقني مجرد الرغبة في الاعتذار عن لقائه ، وبعد أن رفعت الهاتف أمام وجهي لأتاكد من أنه المتصل ألح علي ذلك الخاطر فأسرعت بإعادة الهاتف وهو مايزال يرن إلى جيبي مرة أخرى .
ربما يكون وهما صنعته ، ولكن اسمه له رنين غريب " علي مقبول زكريا " أشبه بلافتة لمحل عتيق في شارع عريق ، يمكنك أن تضع تحته الكثير من الصفات أو المهن أو التخصصات " جواهرجي ، ساعاتي ، خردوات ومنيفاتورة " فقد اعتدت أن أحفظ مثل هذه اللافتات التي اعتبرها جزءا من تراث مدينتي التي نشأت فيها حيث ما يزال بعضها موجودا إما في البنايات القديمة أو في أزقة قصية من ذاكرتي .
هل حقا يمكن أن يصنع الإنسان وهما ثم يصدقه ، ولكن كيف يمكن لهذا الوهم أن يتخذ هيئة وتقاطيع وملامح ؟ وفوق ذلك كاريزما ، بل كيف يمكن لهذا الوهم أن يشاركنا استخدام التقنية ويكون له رقم هاتف يشغل هاتفي بالرنين ويقلق خواطري بالمزيد من الأوهام .
نعم ليس وهما ، بل هو هو ! اسمه يدل عليه " علي مقبول زكريا " طويل القامة ، جاد الملامح ، ليس بالنحيف أو البدين ، نظراته ثابتة تدل على ثقته في نفسه ، وصوته يلح علي أن أتذكره ، وليتني سمعته قبل أن أراه فقد بددت علي ملامحه تاريخ صوته الذي قد يرتبط عندي بملامح أخرى لو سمعته دون أن أراه.
أذكره جيدا عندما التقيته أول مرة ، تبادلنا حديثا سريعا بعد مغادرتنا لموظف العلاقات العامة في تلك الشركة وفرقت بيننا الممرات ، ولكنا في تلك العجالة تبادلنا كروتنا الشخصية ، لم أتوقع وقتها أن سيتصل بي إلا عندما فاجأني ذات مساء بمكالمة سريعة ، لم يجتهد كثيرا في تذكيري به بل تعامل معي باعتبار أن تذكره أمر مفروغ منه ، وبثقة واضحة في نبرات صوته دعاني لحفل عشاء مختصر في أحد الفنادق المغمورة ، ودون تردد شكرته على الدعوة وبفرح غامر وافقت على تلبيتها ، وبعد عدة أشهر من هذا الحدث سألت نفسي عن مبرر واحد يجعلني أقدم على إجابة الدعوة ! بل أشارك آخرين المجلس والوجبة ويبدو عليهم جميعا أنها لحظات لقائهم الأولى ببعضهم البعض ، وربما تكون الثانية لكل واحد منهم على حده بالسيد علي مقبول زكريا . ولعل هذا الاستنتاج عمق في الإحساس بأنه وهم من صنع خيالي .
كلما خطر ببالي ردني إلى أزمان غريبة في ذاكرتي . خليط بين فصول العام ، تقاطع شوارع مزدحمة وافتراقها فجأة بذات الوجوه والأنفاس ، حالة ضبابية تغشى دواخلي فأصاب بالرهبة أحيانا وأحس بالحيرة أحيانا أخرى تجاه ذلك الغموض الذي يكتنف صدري ولا أجد له تفسيرا ، وأحيانا أتذكر ملامح وأماكن تقربني منه وأراه فيها أقرب للصورة التي أخطأها تركيز مصورها على البؤرة ، وأزداد حيرة . الملامح تكاد تشير إليه والاسم يبعدني منه ، آآآه ليتني استطيع استرجاع صوته في مخيلة سمعي ، عساي أوجد تطابقا ما أوتنافرا يريحني ، وتترى في ذاكرتي تباعا مدن ، شوارع ، مطارات ، زنازين، وأبعد من ذلك مدارس عبرتها ، مراتع صبا عبرتني ، ملاهي شباب أتوق لعبورها مرة أخرى، أماكن عمل ولا جدوى .
أتعبني التفكير فيه كثيرا ، استعدت في ذاكرتي العديد من الأصدقاء القدامى وطفقت أسأل عنه ، وبدا الاسم مألوفا لدى الكثيرين أول وهلة ، أو هكذا أشعروني لتستغرق الإجابة وقتا يقنعني باهتمامهم لأمري ثم تأتي الإجابة : " ربما اتذكر لاحقا وأخطرك " كلهم قال نفس الشئ الا واحدا منهم نصحني أن ألجأ إلى محرك قوقل للبحث ربما أجد له أثرا ، ثم . . ! ولا خبر عنه ، حتى اسمه جاء مفككا " علي" ، "مقبول" ، "زكريا" .تارة في قائمة الطلاب المقبولين أو أن اسمه الأوسط لكاتب مبتدئ أمام مقال هزيل في منتدىً إسفيري أو أن اسمه الأخير لسياسي في حزب مغمور يكتب مذكرات بائسة تؤكد على خيبة جيله أو . . .
أو . . . أغلقت جهاز الحاسوب فانفتح محرك بحث آخر في حاسوبي الباطني وارتجت المعلومات فيه وتداخلت ، ومع كل أيقونة تظهر صورته مقرونة باسمه كأنه فايروس عنيد .
قررت أن أغلق ملفه في ذاكرتي أو هاتفي أو استبدل الشريحة برقم آخر واعتبر نفسي لم ألتقه البتة .
لم أجرؤ حتى على المحاولة فأصبحت كمن استهوته اللعبة فقرر أن يواصل فيها ليعرف الخاتمة مع الشعور بالإثارة وكثيرا ما تمنيت لو يكون في بلادنا مخبر خاص كما في الأفلام التي أدمنت مشاهدتها زمنا تحت مسمى " فيلم أجنبي " وتداعت الأسماء في غفلة من وعيي " كانون ، تشرلوك هولمز، أجاثا كريستي، خوري وعبيد " ويبقى اسمه الأكثر بريقا في سماء الإثارة عندي ولو في هذه اللحظات التي طالت وأنا لا انفصل عنه ، يتبع خواطري كما يتبعني ظلي كل حدث ظلُه أحداثٌ تتعلق به و،هو ظلٌ لكل اسم يجول في ذاكرتي حضورا ونسيانا ، وملامحه تشوش تاريخ صوته المرتبط عندي بملامح كان يمكن أن استجمعها بمعزل عن ملامحه التي كرسها في منذ أن التقيته في ذلك الممر المريب .
حدثت نفسي كثيرا بالسفر خارج البلاد ، ربما تفيدني الإجازة في القضاء على هذه التهيؤات حيث أقتنعت أن الإجهاد الذهني والعصبي الذين أعاني منهما ربما أصابا وعيي بخلل لايمكن تخطيه إلا بالراحة وتغيير الأمكنة والمشاهد والشخوص والتفاصيل الرتيبة . ومن ضمن ما فكرت فيه أن أعرض نفسي على طبيب نفساني ، ولكني ترددت في ذلك ، فماذا سأقول عن حالتي والطبيب سيلح علي أن أسرد قصة حياتي منذ الطفولة وأن أطلعه على المخفي من خصوصياتي والأصعب من ذلك سيجعلني أتذكر أي شخص اسمه "علي" أو " مقبول" أو " زكريا" لأتحول كلي لمحرك بحث جديد يعبث به طبيب لا يطرق بابه إلا من يئس أهله في مداواته وهزموا خوفهم من قيل وقال ، وعلى أقل تقديرسيطبق في ذلك الطبيب نظريات علم النفس من السلوكية إلى الباراسايكولوجي.
نظرت إلى ساعتي قبل أن اتحرك لتوضيب حقيبتي ، تحسست شعر ذقني ودلفت إلى الحمام وشرعت في الحلاقة ، أحيانا أراه بنظارته السوداء في المرآة فتقفز الموسى من يدي إلى الحوض فأستبدلها بأخرى ، وأحيانا أخرى أحس به يجلس في الكرسي المقابل للحمام من جهة الصالة ينقر باصابعه على حافة الكرسي ويهز رجله التي وضعها على الرجل الأخرى معبرا عن قلقه من تأخيري وكنت استرق النظر من خلف الباب لأتاكد من حقيقة إحساسي فيرتسم في مخيلتي مقدمة حذاء أسود شديد اللمعان فتكتمل صورته تدريجيا من الرباط المعقوف بعناية إلى شعر رأسه المستديرس فأصاب برعب حقيقي هذه المرة !
خرجت مسرعا من الحمام وأنا أضمد بعض الجروح التي أحدثتها آلة الحلاقة هنا وهناك أسفل وجهي ، وارتديت ملابسي على عجل ، لا أدري هل أحكمت قفل الباب ورائي أم لا . ولكني كنت أسحب حقيبتي خلفي لأجد عربة التاكسي في انتظاري إلى المطار ، عندها أحسست بالراحة أن هاتفي سيرتاح من استقبال مكالماته ، وأن هذه الفوبيا ربما تغادرني لغير رجعة خاصة وأن إقامتي هناك ستطول لعدة أسابيع ، أسرعت بتغيير الشريحة المحلية في هاتفي واسترحت على الكرسي أقلب كتابا في يدي ريثما ندعى إلى دخول صالة السلامة ، ورحت في استرخاء عميق أتأمل المسافرين يروحون ويجيئون حولي بكل قلقهم وتوتراتهم يفتعلون المشادة كما يفتعلون الابتسام ، وجوههم محايدة في مخيلتي ، إلا وجه علي مقبول زكريا أصبح كصورة في إطار جرئ عيناه تتبعاني جيئة وذهابا ، أتفرسها أحيانا وأحيانا أخرى أتجاهلها وصوت تنبيه إذاعة الصالة يسرب في توترا غامضا وأزداد ارتباكا كلما تنادت في ذاكرتي مشاهد طال عليها الزمن ترتبط ارتباطا وثيقا بهذا المكان ، واقترب منها بشكل مفاجئ علي مقبول زكريا عندما نادى ذلك الصوت المصطنع من إذاعة الصالة على اسمي ، تلفت يمنة ويسرة وارتعدت قليلا وقبل أن تطأ أقدامي مكتب الاستخبارات والأمن الذي دعيت لمقابلته ، توالت بتقنية سينمائية دقيقة مشاهد كنت قد طويت ملفها زمنا ، مداهمات ، مكاتب تحقيق ، ، بيوت أشباح وصوت أستطيع الآن أن أميزه بوضوح واستعيد الملامح المطابقة له ، ورغم دقة اللحظة ومقدار ما فيها من حرج إلا أنها كانت اللحظة التي احتاجها ،واستقر فيها مكتب سبعة كما كنا ندعوه أيامها مثبتا في ذاكرتي ، وما أدراك ما مكتب سبعة ، ضوء خافت لايمكنك من تبين ملامح الموجودين أو حتى عددهم ، سلسة من الأسئلة دون انتظار إجابة ، أيد ترتفع وتهوي في وجهك ، قهقهة مستفزة يتبعها بصاق قذرعلي جميع أجزاء جسمك ، وصوت علي مقبول زكريا ، نعم صوته الذي لم استطع ربطه بملامحه القديمة في الضؤ إلا هذه اللحظة ، وسيل الشتائم التي يلاحقك بها لا يشبه صورته التي كرسها فيّ طيلة عشرة أشهر وبضعة أيام ، تسمرت في مكاني مسترجعا صورتيه ولا رابط بينهما ، إلا كشاف ضؤ من عيار الألف واط موجه إلى عيني مباشرة لأستعيد ماضيا يربطني به وبقيت هناك منتظرا صوته يدعوني للدخول ..
وحين تبددت دهشتي سمعتني أصرخ وصوتي يجلجل في فراغ الصالة التي هرع المسافرون منها ليحتموا بالمكاتب الجانبية ووراء طاولات الموظفين، و الصدى يرتد متمددا في الشوارع المجاورة " أنا علي مقبول زكرياااااااا ، ساعتقلكم جميعا عن عن عن في ذواكركم كم كم كم، اين انتم تم تم تم ذاهبون يا يا يا يا يا يا ، سددت أذنيّ بكلتا يديّ تعففا من الاستماع لما يلي يا النداء فأحسست بالصوت يمزق وجهي إرباً ، لا بد أنها لحظة اللقاء الأخيرة ، قذفت بنفسي داخل المكتب اللعين فلم أجد سوى مرايا في كل الجدران وكل صوري تستجوبني في آن معا .
عبدالمنعم الكتيابي