كلمات ،،، برامج ،،، وأماسي
بعض من جهد المنتدى الثقافي السوداني ببلجيكا
كلمة افتتاح برنامج توثيق لأعمال الفنان إبراهيم عوض
الكتابة فعل مرهق جدا ، حالما يرتبط الأمر بظاهرة تزيد حروفها عن الأبجدية المتداولة ، تزيد عنها بثلة من الشجن والشجى ، وباقة من الوجدان ، ومشاتل من الموسيقى والهوى والأشواق ، تزيد عنها بروحين وقلب ، مدينتين من إلفة وحبور ووطن ، تزيد عنها بآلاف المساند التي تبيت معطونة بالدمع وتصحو على لهفة لقاءات تتمشى في الخواطر فتحصد مشاويرها الحب الأبدي وألوان الحيوات الجميلة وذاكرة وطن كلما تتشقق بفعل الجفاف ، كلما تنبت من بين شقوقها شتلات آخر أكثر خضرة وسماح وتتلقفها خرطته الكاملة – إلا من بعض روحٍ في الجنوب مضت – ولكنها ستعود قريبا لتثمر الغناء والاجتماع رغما عن أنف السياسة المزكومة .
الكتابة ليست مجرد فعل ، ولكنها فعل وفاعل ومفعول به ، الفعل أن تتقطر عليك أمطار سماءها المدرارة أغنيات وقصائد تنسج الوجدان السليم ، والفاعل فيها شوق وإلفة ومحبات كثر لا يسلم منها قلب صحيح إلا وقد تكسّرت أطرافه وبات يغني
ليه بتسأل عني تاني
بعدما شلت الأماني
رحت خليتني لزماني
وانت عارفو علي جاني
لو بتفكتر الليالي تداوي غلبي
ولا تاني ترجع الأفراح لقلبي
انت واهم يا حبيبي
دي الليالي أمرّ ليّ
من دموعي الفي عينيّ
وتصحو حينها آلاف القلوب المفعول بها الحب والوجد والأمنيات والأحلام ، كلما غسلت الدمع عن عينيها نبت الدمع في قلبها شعرا وموسيقى ، كلما آلمتها الليالي ، كلما ضمدتها بإبراهيم عوض وهو يصدح
تاني ما تقول انتهينا
بتنهي جيل ينظر إلينا
باني آمالو وطموحو
ومعتمد أبدا علينا
انحنا قلب الدنيا دي
ونحن عز الدنيا بينا
تاني ما تقول انتهينا
نحن يادوب ابتدينا
أما أنا فلم ابتدئ بعد
وأي بداية لفنان تتلاقفك من تواريخه آلاف البدايات والنهايات ، النهايات المستمرة ، والبدايات المتلاحقة
إبراهيم عوض عبدالمجيد ، من مواليد حي العرب الأمدرماني الشهير ، لم يكن حيا للعرب يوما ولكنه حيا لكل للسودانيين الذين تكونوا بين الغابة والصحراء ، تكونوا بين كل حروف الدنيا ضمن مشروع كوني ضخم ، فكانت المروية ولغات النوبة والعربية والأفريقية وخليط سحر الطلاسم والكجور
الليلة يستقبلني أهلي:
خيلٌ تحجل في دائرة النّارِ،
وترقص في الأجراس وفي الدِّيباجْ
امرأة تفتح باب النَّهر وتدعو من عتمات الجبل الصامت والأحراجْ
حرّاس اللغةَ
– المملكة الزرقاءْ
ذلك يخطر في جلد الفهدِ
، وهذا يسطع في قمصان الماءْ.
الليلة يستقبلني أهلي:
أرواح جدودي تخرج من فضَّة أحلام النّهر،
ومن ليل الأسماءْ
تتقمص أجساد الأطفالْ.
تنفخ في رئةِ المدّاحِ وتضرب بالساعد عبر ذراع الطبّالْ.
الليلة يستقبلني أهلي:
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً
جمجمةً،
مصلاة من جلد الجاموسْ
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوسْ
لغةً تطلعُ مثلَ الرّمحْ من جسد الأرضِ وعبَر سماء الجُرحْ.
الليلة يستقبلني أهلي.
وكانت الغابة والصحراءْ
امرأةً عاريةً تنامْ على سرير البرقِ في انتظارِ ثورها الإلهي الذي يزور في الظلامْ.
وكان أفق الوجه والقناع شكلاً واحداً.
يزهر في سلطنة البراءة وحمأ البداءةْعلى حدودِ النورِ والظلمةِ بين الصحوِ والمنامْ.
فكان حي العرب مهد مولد ميرغني المامون وأحمد حسن جمعة وسيف الدين الدسوقي ، وعاش فيه أحمد الجابري وصالح سعد ورمضان حسن والتاج مصطفى وغيرهم من نجوم إبداعنا الثر
وكان مهدا لمولد تاريخنا الغنائي وحواضره كلها ، ولد فيه إبراهيم عوض في العام 1933 م ، وخرج منه للعالم فنانا متفردا في العام 1953 م وهو يلتقي مع الشاعر العملاق صاحب الدين البليغ على ذائقة السودانيين عبدالرحمن الريّح في " هيجتني الذكرى"
هيجيتني الذكرى هيجتني الذكرى كيف عيوني الساهره
يا نواعم تتطرا
الشجون مهتاجه والخواطر ذاكره
ومن يومها والعيون ساهرة والشجون مهتاجة والخواطر ذاكرة ،
ذكرى من اهواهو في ربيع ايامو
كاالملاك التائه لاهي في احلامو
سامي في اخلاقو راقي في هندامو ..
لو سمعت كلامو تسحرك انغامو
في جمالو الزايد كم نظمت قصايد وابتكرت فرايد
كلهن من وحيو ومن بديع الهامو
كلهنّ خرجن من ذات السحارة التي لم تزل تغمرنا بلالئ فنه السرمدي المتواصل
صادف ظهوره للعلن قنبلة هيروشيما الذرية ، فتلقفت الساحة اسمه الجديد الذي ابتدره الصحفي "رحمي محمد سليمان" الفنان الذري
ذري لأنه فجّر السائد حينها وخرج بإيقاعاته الراقصة والرشيقة ، ومضى موديلا يحاكي الناس ملبسه وقصة شعره الشهيرة ، مضى يتمايل وهو يغني لأمةٍ معتدلة ، قبل أن تتطرف في حبها له وعشقها لنمط غنائه الفريد ، وبصم بحنجرته على كراسة الغناء السوداني ومضى محفوفا بالحب والسلوى
شغلت أغنياته ومعانيه في الحب والهوى خطابات العشّاق حينها ولم يكونوا حتى في حاجة لرسم السهم الذي يشق القلب المفطور ذلك ، والذي كانت لكم منه – سادتي الحضور نصيب مشهود – حتى وإن أنكرتموها ، لم تكن أغنياته في حاجةٍ لرسوم تعبيرية لأنها كانت مغرَقةً في المعاني وعبدالرحمن الرّيح يمسك بيديه ويفتحان قلوبهما شارعا للناس جميعا .
ذرّي لأنه بنى مجده واسمه في ساحة كان يتقاسمها العبادي وعبدالرحمن الريّح وعوض أحمد خليفة وسيف الدسوقي ومحجوب سراج ، والليالي يبهرها بضوء الغناء الرحيم إبراهيم الكاشف والتاج مصطفى وحسن عطية وعائشة الفلاتية ، تخطو صوب انفجارها من أغنيات الحقيبة لكواكب الغناء الحديث
نعم كان الغناء رحيما حينها قبل أن يكاد يصبح رجيما الآن وهذا شأن آخر
نعم كان الغناء رحيما حينها والسودان يزحم براياته الاجتماعية مجاهل أفريقيا فنا وأدبا وغناء تغسل الثقافة منه مجاهل السياسة ، قبل أن تكاد ظلمة السياسة والسياسيين منبتي الفعل الآن أن تسلمنا لليل طويل ، يرمينا بشررٍ كالقصر ، والمنشية
نعم كان الغناء رحيما حينها وإبراهيم عوض يدسّ يده في جيب بدلته الكاروهات الأنيقة وينثر علينا ورود آماله القادمة
ليه بنهرب من مصيرنا ونقضي أيامنا في عذاب
ليه تقول انتهينا نحن في عز الشباب
نحن في الأيام بقينا قصة ما بتعرف نهاية
وابتدت ريدة ومحبة واصبحت في زاتا غاية
كنت تمنحني السغ=عادة ولي تتفجر عطايا
ولما أغرق في دموعي تبكي من قلبك معايا
كل هذا الحاضر والماضي تفعله فينا ، ولا زلت تتمثل مستقبلنا وتشدّ على أيدينا ؟ إذن اسمح لنا يا سيدي إبراهيم عوض أن نردد مع الفيتوري ، ونناديك
ونناديك..
نغرس أصواتنا شجراً صندلياً حواليك
نركض خلف الجنائز..
عارين في غرف الموت..
نأتيك بالأوجه المطمئنه
والأوجه الخائفة
بتمائم أجدادنا..
بتعاويذهم حين يرتطم الدم بالدم..
بالصلوات المجوسية الخاطفة
بطقوس المرارات
بالمطر المتساقط في زمن القحط..
بالغاب، والنهر، والعاصفة!
***
قادماً من بعيد على صهوة الفرس..
الفارس الحلم ذو الحربة الذهبيه
يا فارس الحزن..
مرِّغ حوافر خيلك فوق مقابرنا الهمجيه
حرِّك ثراها..
انتزعها من الموت..
كل سحابة موت تنام على الأرض
تمتصها الأرض..
تخلقها ثورة في حشاها
انترعها من الموت يا فارس الحزن..
.. أخضر..
قوس من النار والعشب..
أخضر..
صوتك..
بيرق وجهك..
قبرك..
– لاتحفروا لي قبراً
سأرقد في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبرا
وأنا أتمثل غنائنا للسياسي عبدالخالق محجوب في غنائنا للفنان النادي الثقافي الاجتماعي إبراهيم عوض هل تراني توفقت ؟
أرجو ذلك
قناعتي الراسخة إن هذا السودان الإبراهيمي الحنيف ، الذي فطن بعقله وقلبه للحياة النجيبة وآمن بها ، وأخلص لها ، هذا السودان الذي أنجب إبراهيم العبادي وباهى به ، ورسم خطا إبراهيم الكاشف ولوّن به سماوات اإابداع ، وشقّ قلبه ليدخل مضغة الحب والفن وهو يشقّ شعره مع إبراهيم عوض ويتزّين بأغنياته ، وبرع في أصابع إبراهيم دينق وهو يغني للنعام آدم ، لم يكن في حاجة مطلقا لإبراهيم السنوسي وإبراهيم شمس الدين وإبراهيم نايل إيدام وإبراهيم أحمد عمر .
أسامة معاوية الطيب
المنتدي الثقافي ببلجيكا – نوفمبر 2015 م
نواصل
|