باريســـية تحت المطر
باريســـية تحت المطر
(((1)))
لم يكن يطيق أن يستمع إلى الموسيقى – مع حبه الجنوني لها – معلبة في اسطوانات أو أشرطة الكاست. فهو دائماً ما يقول يجب أن يبذل الناس جهداً لأجل معايشة الموسيقى مباشرة من المؤدي مع التهيؤ الذي يسبق الذهاب للاستماع. وتوقع نسبة فشل من المايسترو أو الاوركسترا. وإن حدث التناغم، فهي قمة المتعة المبتغاة.
وكم سخر أصدقاء دراسته من آرائه المتطرفة في سماع الموسيقي. حيث لم يبصروا من الحضارة الغربية إلا الزيف الخارجي، وجانبها الشبيه بالألعاب النارية. أما الجري وراء الإبداع والنهضة الحقيقية، فقد استعاضوا عنه بالوهم الذي يظنون فيه غناء لمشاعرهم.
وكانت أحب لحظات حياته هي الاستماع إلى تلك النغمات التي تصدر من خلف نوافذ وشرفات الحي الراقي وهي تعبر الحدائق الغناء إلى مسامعه صافية كالطبيعة من حولها. وكم تحمل الكثير من البرد والمطر في سبيل اصطياد لحن منساب من شرفة أو نافذة من البعيد.
وفي يوم وفي أثناء عودته من وقفة استماع ممطرة، سمع إيقاع خطوات رشيقة من خلفه. ثم فوجئ بنغم ينساب بجانبه ويلتفت إليه. كانت في حدود العشرين ومتناسقة في كل شيء: ملامحها ملابسها مشيتها الرقيقة. وطغى على كل ذلك نظرة عينيها التي تفيض بعواطف متباينة كما سماء باريس الحبلى بالغيوم.
وكأنما أظلته صاعقة. إذ سمعها تقول: "يبدو إنك غريب لا يعترف بقسوة جو باريس؟.. أتحب أن تحتمي من المطر بالمظلة معي؟"... أقترب منها ليحتمي بالمظلة والأرض تميد تحت قدميه. ولكن شعوره بالدفء، وتوقف سياط المطر عن رأسه أكسبه قوة للتماسك.
سألها: "فرنسية أنت؟." فأجابت بأنها خليط من أب عربي وأم بارسية. ومن هنا علم بسر عطفها عليه فكلاهما يعاني مرارة عدم الانتماء إلى المكان، وإن كان جزئياً بالنسبة إليها.
يتبع ...
|