باريســـية تحت المطر
(((2)))
كان يسكن في بداية عمائر الحي المجاور. وعند وصولهم دعاها - مشيراً إلى مقهى صغير - إلى فنجال من القهوة يكسبها شيء من الدفء لإكمال المسافة إلى منزلها.
أجابت دعوته شاكرة فمظهره الطفولي يوحي بالثقة. ودخلا إلى المقهى وصحبها مباشرة إلى شرفة المقهى المطلة على الحي الراقي. وانسل هو بعد أن طلب القهوة ليحضر بعض الفطائر العربية من شقته القريبة من المكان.
أقبلت على الفطائر بفرحة ذاكرة له بأن هذا يذكرها بلحظات طفولة لا تنسى حين أصطحبها والدها إلى بلاده. وإمعاناً في استجلاب الذكرى سألته أن يسلفها - إن كان يملك - بعض اسطوانات الموسيقى العربية.
وكانت فرصة تتيح له لقاء آخر. وقد انتهزها في سرور حيث لم يضيع وقتاً، فقفز خارجاً من المقهى وعاد ومعه عدد من السي دي. وأخذ يحكي لها عن قصة كل لحن من الألحان التي تحملها الأسطوانات ومدى اتصالها بالتراث العربي القديم، وكيف إن بعضها يبحر بمستمعها إلى الدفء الشرقي الساحر واحتضانه كلوحة تشكيلية متكاملة.
وبدورها حدثته عن الموسيقى الغربية. وكانت فرحته بمعارفها الموسيقية أكبر من فرحته بالأنثى فيها. فقد حدثته كثيراً عن السمفونية التاسعة وكيف إن بتي (بتهوفن) وصل فيها غاية ما يستطيعه بشر في عالم البناء الصوتي، فأبدع لحن هو في عين الزمان سماوي وأرضي.
استمر حديثها دافئاً ومتدفقاً إبداعاً وموسيقى حتى أحس بها كموجة أثير تسري في المكان لا شخص يتحفه بمعارف حبيبة إلى قلبه. فقد كانت بارعة في الوصف والسرد والربط للمواضيع. الشيء الذي أنتقل به إلى البعيد.
يتبع...
|