باريســـية تحت المطر
(((3)))
عاد إلى شقته ونفسه تضطرم بمشاعر تلك الجلسة الساحرة. لدرجة التفكير في الخروج عسى أن يصادف لحناً من أعماق السكون الذي يكتنف جنبات الحي الراقي. ولكن دفء المكان بعد ما عاناه في مشواره منعه من الخروج مرة أخرى.
لم يتوقع أن يلتقيها سريعاً كما حدث، إذ فاجأته عصر اليوم التالي بمحادثة تطلب فيها لقاءه في نفس المقهى مع الفطائر لتسمعه لحناً أبدعته بعد استماعها للألحان العربية.
وكان لقاءه هذه المرة قدر ربطه بها برباط أعتبره أزلياً حيث تلاقت الأرواح في سماء النغم وهامت سعيدة لا يحدها الزمان أو المكان، فعلم بأنه منذ اليوم قد فارق ساحته السابقة إلى ساحات هذا الملاك المبدع.
وفاجأها قائلاً: "أمرتبطة أنت؟".
فهمت قصده فباب التخاطر قد فتح بينهما.
وظنت أن به لطفاً خفي، ولكنها أجابته بدبلوماسية:
"هل تعرفني كفاية"؟.
وكان الجواب حاضراً:
"أكثر مما تعرفين نفسك".
ولم تحر جواباً فسكتت ... ولكنه أندفع يعبر بعفوية عن مشاعره تجاهها. الشيء الذي جعلها تألف تلميحه وترى فيه بعض من المنطق.
واستمر في اندفاعه:
".. رأيتك فعانقت عيناي سراً تفتحت له الأبواب ليفيض علي من السعادة ما لم أعهد له مثيلاً من قبل، فقد داهمتني كشذا ورد باغتني من وراء سور.
ويستمر:
روحك تسري داخلي، وعندما أخلو إلى نفسي لا أذكر لون شعرك، ولا شكل عينيك، ولا طول قامتك أو درجة امتلائها، فكل ذلك قد تحول إلى أثير سحري يغمرني، فأغيب وأنا حاضر وأصحو وأنا نائم ... رأيتك فأفقدتني إرادتي وألقيت بي في طور جديد، يفنى وسط الزحام ويصادق الألم ومسارات النجوم".
وها أنا الآن مشتعلاً بجنون لا علاج له، ولا يدركه الفناء. وكيف يفنى وهو كالبحر وقد تلاقت في دوامته العنيفة الأرض والسماء فلا يقنع بأقل من احتواء العقل والروح معاً ...
وكالسحر انتقلت عدوى ما يحسه إليها، وكيف لا يحدث وهو يتغنى بلحن نبيل لا تقاومه أنثى. فما بالك بها وهي من عطرت روحها أنغام السماء لحناً ورواء.
وأجابته قائلة: ".. لا أنثى تستطيع أن تقاوم الذي فاجأتني به
ولكن ألا يمكن أن يكون شعورك هذا بسبب الغربة وتماهيها
خاصة وأنت تملك حساً عالياً
علينا التروي فهذا قرار أعلم بأنه يساوي عمراً في مجتمعاتكم
فأنا ابنة أبي وأفهم العقلية الشرقية".
كانت هذه آخر كلماتها،
ولأنها عنتها غادرته على وعد مبهم باللقاء
|