19-01-2025, 07:51 AM
|
#[47]
|
|
:: كــاتب نشــط::
|
اقتباس:
قبيلة عبدالباسط سبدرات
مصطفى عبدالعزيز البطل
6 May, 2013
[email protected]
الحلقة (4)
قلنا فيما سبق أن السجل الذي قدمه الاستاذ سبدرات كشف عن ضخامة عدد من تولوا المنصب الوزاري في السودان، وان سبدرات نفسه أبدى استغرابه لذلك، وذكر أنه فوجئ بأسماء كثيرة تقلدت الوزارة، لم يستطع التعرف عليها ولم يكن قد سمع بها من قبل. ويبدو لى أن الانفجار السكاني، في قبيلة الوزراء قد حدث خلال حقبة الانقاذ.
وقد فوجئت أنا شخصياً أثناء مطالعتي للقوائم السبدراتية باسم أحد أقربائي وقد صار وزيراً في عهد الانقاذ ثم غادر المنصب. ولم اكن قد علمت بذلك، واستغربت أن أحداً من أفراد اسرتي لم يحفل بإخطاري بنبأ توزيره. في السودان القديم الذي خبرته كانت الترقية من الدرجة (دي اس) الى الدرجة (بي) خبراً تسير به الركبان وتطير به البرقيات الى الاقرباء والأهل والأحباب في طول البلاد وعرضها، فما بالك بالوزارة؟
وقد فكرت للحظة أن أبعث مهنئاً قريبي ذلك بثقة العصبة المنقذة وتوليه منصب الوزير، الذي وصفه عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته، وان اختلف الإطار، بقوله: (الوزارة منصبٌ شريفٌ ملذوذ). ولكنني تذكرت انه فقد المنصب، فأقلعت عن التهنئة حتي لا أكون كمثل ذلك الأخ الذي قيل أنه كان يسير بجوار المقابر فوجد جثماناً مسجى على سرير وحوله قوم يتهيأون لمواراته الثرى. وتعرف على واحد من القوم، فحياه وسأله عن سبب وجوده هناك فرد الرجل بأن زوجته توفيت وانه جاء مع اهله لدفنها. وهنا اندفع الأخ قائلاً: "ياخي البركة فيكم. لكين انت اتزوجت متين. أنا لم اسمع بزواجك؟". فجاءه الرد: "الحقيقة تزوجت قبل سنة تقريباً". وهنا قال الأخ: "بالله؟ تصور ما سمعت، ياخي ألف مبروك"!
اتخذ سبدرات منهجاً مبسطاً ومباشراً لعرض المعلومات، فهو يسجل اسم الوزير، وخلفيته القبلية ان تيسرت له معرفتها، ثم مكان وتاريخ الميلاد، والمؤهلات العلمية، ثم تاريخ تسنم المنصب الوزاري وتاريخ مغادرته، وتسلسل المناصب والمسئوليات التي نهض بها بعد ذلك. غير أنني لاحظت أن سبدرات خرج عن هذا النهج خروجاً مباغتاً في بعض الأحيان فأضاف الى التعريف عبارات قصيرة تحمل أحكاماً قيمية، فكتب عن أحد الوزراء، على سبيل المثال: (وهو من أنظف الناس لساناً وقلباً)، وكتب عن آخر أنه كريم و صاحب دار تفيض بالضيوف).
وقد احترت في فهم مثل هذه الاضافات المفاجئة التى تتركك نهباً لأفكار متباينة. اذ أن المرور على عشرين وزيراً، مثلا، بمنهج تعريف جامد وصارم، ثم الاشارة الى الوزير الحادي والعشرين فجأةً بأنه نظيف اللسان والقلب، أو أنه كريم وداره مفتوحة للضيوف، ربما يمنح إحساساً خفياً يشي بأن الوزراء السابقين في القائمة ربما كانوا من البخلاء، أو أنهم لا سمح الله، (مُش ولا بد) من وجهة السريرة والاخلاق. كما لاحظت أنه تخير عدداً محدوداً للغاية من الوزراء، فأضاف الى تعريفاتهم عبارات من شاكلة (من أسرة نجيبة)، مما يغري بتوظيف مفهوم المخالفة المعروف في حقل القانون، في شأن أسر بقية الوزراء!
والمؤكد أن سبدرات توسع في تعريف الوزراء الذين اتفق انه كان قريباً منهم، ففي وصف وزير الرئاسة الأشهر في عهد مايو، الدكتور بهاء الدين محمد إدريس، قرأت عبارات لافتة للنظر اذ كتب: (صموت كالأسماك، خجول لدرجة الإغماء، هادئ ككوب لبن، يستر عينيه كي لا يفضح تحديقه بنظارة أنيقة). وأشار الى ان موضوع الدكتوراه التي حصل عليها الوزير الراحل من جامعة ألمانية، هو بيضة الناموسة. والأدق هو (تكوين الجنين في بويضة الناموسة). هكذا نطقها المرحوم الدكتور بهاء الدين امام المحكمة التي مثل امامها بعد سقوط النظام المايوي، فأضحك القاضى وممثلي النيابة والمحامين والحضور أجمعين!
في أمر تثبيت المؤهلات العلمية للوزراء بذل سبدرات غاية جهده، وان شابت عمله بعض هنات. ومن ذلك انه كتب في تعريف وزير الدولة الدكتور أمين حسن عمر، أنه حصل على درجة الماجستير والدكتوراه من الولايات المتحدة. والحق أن ابن مدينتي الشهباء عطبرة، حصل من الولايات المتحدة على درجة الماجستير فقط. وقد عانى أمين، في أمر مؤهلاته الإكاديمية ولقبه العلمي، على يد مناضلي الكيبورد ما عانى. إذ افترى عليه المناضلون وأذاعوا عنه الذائعات الكواذب، واتهموه كيداً بأنه ألصق لقب الدال باسمه عنوة واقتداراً طلباً للرفعة وطمعاً في الوجاهة، كما فعل كثيرون في سودان الانقاذ. ولم يعجبني بالطبع ذلك الافتئات. وقد حصل أمين على درجة الدكتوراه من جامعة القرآن الكريم بالسودان عن اطروحة في مجال أصول فقه السياسة الشرعية. ولا يجادل أحد ممن عرفوا الرجل أنه حجة في علم اصول الفقه. وقد نشرت رسالته للماجستير بأكثر من لغة، كما نشرت رسالته للدكتوراه ونفذت طبعتها الاولي، ثم ألحقها بطبعة تانية.
ولا أعرف ماذا فعل صديقنا وحبيبنا الاكاديمي المحترف الدكتور ابراهيم أبوعوف، الذي شغل ثلاثة مناصب وزارية على عهد الانقاذ، بعد أن جرده سبدرات من لقبه ودرجته العلمية الرفيعة التي حصل عليها من جامعة كليرمونت، فخر جامعات كاليفورنيا. ومنحه عوضاً عنها رتبة لواء، بعد أن ألحقه، غضباً عنه، بخدمة القوات المسلحة، فقدمه على أنه اللواء ابراهيم ابوعوف!
أصبر علينا قليلاً يا استاذ سبدرات. بقيت 27 حلقة فقط، ثم نخلى سبيلك!
|
....
|
|
|
|