تحياتي د. عايد
والحمد لله أنكم والإخوان بسودانيات بخير كما نحن والحمد لله تعالى.
وموضوع موفق جداً لكتاب تحتاجه المكتبة الإنسانية فقد كتب نصر حامد أبو زيد بأن أهل الأدب متفقين على أن النص الجيد يعطي قراءة متطورة بتطور الزمن.
ولا شك في أن كتابات شيخ الرواية العربية تستحق هذا التصنيف... الشيء الذي ينعكس على شخوص رواياته. والذين تغلب عليهم صفة الاستغفار (من غفير) أي السعي للحماية والإصلاح الاجتماعي.
علماً بأن أي لقاء مع شيخ الطيب فيه الكثير من المتعة ... فقد كتبت سابقاً في خواطر شاردة عن عبقرية
شيخ الطيب والتصاق شخوص رواياته بنا في حالة صوفية حبيبة للقلب، وقلت فيها:
"... في حضرة الوابور القادم من دنقلا كانت لي وقفة مؤثرة اختلط فيها الواقع بالخيال المختزن من إبداعات الطيب صالح - لرسم لوحة وجدانية غنية بالروعة والنقاء ... ترى من هم أهل كرمكول (قرية الطيب صالح) من بين الواصلين وهل من بينهم أبناء وأحفاد شيخ الحنين، والزين، ومحيميد، ومحجوب، وود الرواسي؛ وهل حملوا نصائح هؤلاء الأفذاذ .... ".. الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين أثنين: (الصداقة والمحبة)".
ووسط هذا الزخم الوجداني كانت هناك حقيقة تشع من جموع القادمين المتناثرة في الساحة وهي أن الفضاء الصوفي المختلط بالاسطورة هو الذي صاغ أبواب الخيال والواقع في حياتنا ... ترى من فيهن شبيهة البدر البفوح ياسمين (مريم) والتي مثلت الخلفية العاطفية والأسطورية في إبداعات شيخ الرواية السودانية ....
فمن منا ينسى تقاطر الندى دسماً حرفاً فحرف. يسقي ظماء القلوب ليحيلها واحة خضراء، وغيماً تكثف في المدى ألقاً. وذلك حين يتحفنا الطيب صالح شادياً في رائعته (مريود):
".. محجوب قبل خدها وهو يغالب الدموع فتغلبه. وانحنيتُ عليها وقبلت جبهتها، فتشبثت بي وطوقتني بذراعيها، فأحسست بها مثل سرٍ عزيزْ، مثل شيءٍ عسيرٍ مستحيلْ. ذلك العطر. ذلك الشباب. ذلك الحلم. دارت عجلة الزمان القهقرَى، حتى توقفت عند ليلة صيفٍ قمراءْ، ليست من ليالي هذا الزمان ولا هذه الأرض.
وسمعتُ حس بكائي كأن أحداً غيري يبكي الدموع التي ظلت حبيسةً كل تلك الأعوام. هذه حصتي من كل شيء. هذا نصيبي وإرثي. مات عنها وتركها لي لتموت على صدري. لعلني لهذا عُدت.
----------------------
دائماً ما أصدق حكاية وادي عبقر عندما أقرأ للطيب صالح ... فلا يعقل أن يتحمل العقل الإنساني توليد كل هذه التراكيب التي تتأرجح بين عالمي الغيب والشهادة بكل ذلك اليسر .... ولي سؤال أخي القارئ: (ألم تعجب بمريم التي تكررت من موسم الهجرة إلى مريود بزخم يزداد كل مرة.. وأنت تقرأ رسمه المبدع لشخصها؟.).. ثم تقول ليت كل نساء الدنيا مريم...
رحم الله شيخ الطيب.
بحر العلوم
مرافي الشوق
والبدر البفوح ياسمين
كم رتعنا فى خيرك
وما قصرت في فد يوم
زولن جميل وحنين
وفي حرف القلم أسدين.
وفي الختام تحياتي لكل من معك حفظكم الله ورعاكم.
|