الموضوع
:
كسلا أو حين ينفتح جرح الشوق على ملح الذكريات
عرض مشاركة واحدة
01-07-2026, 12:42 PM
#[
1
]
Abdullahi Gaafar
:: كــاتب نشــط::
كسلا أو حين ينفتح جرح الشوق على ملح الذكريات
كسلا أو حين ينفتح جرح الشوق على ملح الذكريات
(إلى أصدقاء الزمن الجميل وخصوصا جدا نجاة حسن حسين وبرعي بلة)
كسلا أو اللحظة التي ينفتح فيها جرح الشوق على ملح الذكريات وتصعد إلى قمة الذاكرة كل الوجوه التي كانت يومًا أجمل من الجغرافيا وأصدق من الخرائط وأقرب إلى القلب من أي طريقٍ يُفضي إلى عذوبة الشرق ولطف جماله
في كتاب الذاكرة والحنين كسلا ليست فصلًا عن مدينة أو مكان جغرافي هي فصلٌ عن الناس الذين جعلوا المدينة ممكنة. أولئك الذين كانوا يجلسون معا ويحوّلون الحياة إلى كلامٍ جميل والكلام إلى دفء والدفء إلى ذاكرةٍ لا تموت. هي الأصدقاء وهم معالمها التي لا تُكتب. ليس الجبل ولا القاش ولا الشجر هي الوجوه التي كانت تضيء حين نتحدث والأصوات التي كانت تملأ الليل بطمأنينةٍ دافئة. كسلا تبدأ من ضحكة صديقٍ رفع كوب الشاي وقال شيئًا دافئا وقادرا على تحويل التعب إلى حكاية والحكاية إلى غناء عذب. وكسلا في ذاكرة عشاقها ليست مكانا هي حالة ، مزاج، ارتعاشة، وذكرى لا تُقال إلا همسًا. هي أيقونة الشرق الذي يلمع كبرق والقهوة التي تفوح رائحتها من العيون التي تُربك والغناء الذي لا يُقال إلا لمن يعرف أن الجمال أحيانًا يحتاج إلى أن يُحاط بالصمت قبل كتابته على صفحات الدفاتر
وكسلا تبدأ قبل الوصول إليها في تلك الرجفة الخفيفة التي تصيبك حين يتجه القلب شرقا وفي تلك الحزمة من البريق التي تظهر في العيون حين تتذكّر أن الجمال يمكن أن يكون بسيطًا مثل فنجان قهوة ومعقّدًا مثل امرأةٍ لا تقول كل ما تعرف. هي مدينةً تُفتح أبوابها بالحياء وبالخطوات التي تعرف كيف تمشي على أطراف الجمال حتى لا توقظه. مدينةً تستقبل العاشق بصمت وتختبره قبل أن تمنحه سرّها. هي وجوهٌ تبتسم بابتسامة فيها شيء من الماء والقهوة وشيء من الطيبة وشيء من الحزن الذي لا يُقال إلا في آخر الليل.
مدينة إذا دخلتها تغيّرت وصرت أنت أكثر صدقًا وأقلّ قابلية للحزن تصيبك بحالة وجد وارتخاءٌ في الروح فتضع تعبك وتُعيد ترتيبك من الداخل لتراها كما رآها إبراهيم الكامل امرأةً من شرق السودان إذا نظرت إليك أربكتك وإذا ابتسمت أعادت إليك طفولتك وإذا صمتت صار الشعر كلّه محاولة لفهم هذا الصمت. أو كما أحسها رحمه الله جبالٌ تتوضأ بالندى وعيونٌ تتكلم قبل أن تنطق ومساءاتٌ تعرف طريقها إلى القلب من غير دليل. مدينة حين يحاصرك الشوق إليها تراها كجرحٌ جميل في خاصرة الشرق جرحٌ يلمع ببريق الذكريات التي تنهض القصيدة من نومها فيتذوق القلب عذوبة الشرق من ماء وعيونٍ وأحاديث مساء دافئة
هي مدينةٌ لا تُكتب إلا بضمير الجمع مدينة لا تُرى في الخرائط ولا في الصور التي يلتقطها العابرون ولا في الكتب التي تتحدّث عن جبال التاكا ونهر القاش كسلا تُرى بكامل بهاء حسنها وزينتها في جلسة ونسة وفي ضحكةٍ خرجت من صدر صديقٍ يعرف كيف يخفّف عن أصدقائه وفي حكايةٍ ناقصةٍ أكملها آخر بالخيال وفي تلك اللحظة التي شعرنا فيها أن الليل صار أوسع من همومنا. كسلا مدينة تعود إلينا وتعيش فينا لتفتح أبوابها على جدران الذاكرة كلما ضحك صديق أو مرّت أغنية أو اشتاق القلب لجلسة ونسة كانت أطول من الليل وأصدق من العالم
نجاة حسن حسين… برعي بلة… أصدقاء الزمن الذي لا يُنسى… حين تعودون وحين نعود ويعود الأصدقاء إليها ستعود كسلا إلى نفسها وستعود المدينة التي لا تُرى الا بطيب عشرات الونسة ولا تُسمع الا بالضحك و لا تُحسّ الا بالقهوة ولا تُكتب الا بالحبّ لا بالجغرافيا. حينها وحين يجلس أحدكم ويرفع كوب الشاي ويقول شيئًا دافئا ولو بلا معنى ستعرف المدينة أنها عادت وستتغير الأشياء وسيصبح جبل التاكا أعلى والقاش أكثر حياة والشجر أكثر خضرة والطرق التي كانت صامتة ستبدأ في الكلام والنفوس التي كانت مغلقة ستفتح أبوابها والليل الذي كان طويلًا يصير أقصر وأكثر دفئًا وأقرب إلى القلب
لعنة الله على هذه الحرب الظالمة ورد الله غربة الجميع
دمتم بخير
Abdullahi Gaafar
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى Abdullahi Gaafar
البحث عن المشاركات التي كتبها Abdullahi Gaafar