حبوبة بنت الخبير
* بنت الخبير
كانت امرأة شجاعة وفصيحة وذكية ولماحة، وعندها من سرعة البديهة ما جعلها حاضرة العبارة المقنعة صانعة لكل مقام مقال، فإذا ما لمحت امراً معوجاً مخالفاً لطبيعة الأشياء قومته بلسانها بعبارات سجعية يبقى صداها ما بقيت الأيام، وما تلكم القصة الشهيرة التي كان بطلها نساج ذلك الزمان، وقد قيل والحديث يرويه حفيدها الأخ التوم عبدالرحمن خبير ابن عبدالرحمن خبير، شيخ حارة بيت المال في زمانها الزاهي الذي هو بدرجة محافظ في زماننا هذا.
عبدالرحمن خبير كان له وزنه القومي والاجتماعي اذ كان آمراً وناهياً وعطوفاً ومساعداً لأهل ام درمان، وذلك يوم ان فكر نفر منهم في النزوح خارج ام درمان الأم إلى المهدية، وبحكم معرفته لهم ساعدهم على الاستقرار والسكنى وامتلاك الأرض حيث سهل إجراءات حيازتهم لتلك الأراضي.
تلك كانت لمحة سريعة أو مدخلاً مقبولاً نلج من خلاله إلى (حبوبتي بت الخبير) هكذا يقول التوم الخبير.. ويرجع سريعاً إلى قصة النساج الذي اعطته حبوبة بت الخبير (فردتها) لإصلاح تلف اصابها.
جاءته مرة اثر مرة، ولكنه لم يقم بإصلاحها.. وبعد ان اصابها اليأس جاءته مرة اخيرة وعلمت انه لم يصلح تلك الفردة فطلبتها منه وقالت قولتها الشهيرة:
"انت ما غلتان.. غلتانة انا.. البحيب فردتي لي زولا من تحت مدفون ومن فوق مجنون".
وكانت تلك العبارة في منتهى البلاغة مما اذهل النساج فوقف محتاراً امام ذلك الهجوم الوصفي الساخر والمعبر.
ولشرح عبارة (من تحت مدفون ومن فوق مجنون) التوم الخبير يقول:
كان النساج يحفر حفرة في الأرض بحيث يكون نصفه جسمه فيها، وبتلك الحفرة (البكرة) التي امامه على المنسج يحركها مرة إلى اليمين ومرة إلى الشمال مما يجعل النساج غير مستقر في اتجاه واحد، فيلتفت يمنة ويسرة ويبدو كالمجنون، وبذلك تكون (حبوبة بت الخبير) قد نجحت في وصفها وأصابت النساج في مقتل.
حبوبة بت الخبير كانت لها علاقات اجتماعية طيبة لا سيما مع الإمام عبدالرحمن المهدي ومولانا السيد علي الميرغني، ومع كثير من بيوتات أم درمان التي تكن لها الاحترام والتقدير.
*
|