بحثتْ ميزالونا عن زوجها .. و لكن بحثها لم يَطُل .. فقد وجدته منبطحاً بجوار صديقه عبدالقادر .. بينما المشروب كالعادة يتوسطهما ..
جلستْ متكئة على جنبه ..تبادلهما كأساً بكأس ..
قال عبدالقادر و هو يبصق ( سفة ) لتخرج متناثرة عبر الباب : حليلنا نحن .. نسوانا ما نشوفن علا بالليل ريحتن ريحة تكل ..
مدَّتْ شقيقة ودالمرضي رأسها من الشباك : ميزالونا .. يلاكي ، العروس قاعدين يعلموها الرقيص ..
ترجم لها زوجها .. فهبَّتْ واقفة و هي تكرع كأساً مترعة ثم تضع قبلة عجْلى على خد زوجها ..
أصْلَح عبدالقادر من طاقيته إلى الأمام و قال هو يشمر عن ساعده : الما عرس روسية حرم مدفون بالحيا ..
ثم أطلق ضحكته المجلجلة و هو ( يدردم ) سفة في بطن راحته و هو يتبع ميزالونا بنظرة إعجاب مشوبة بالتحسر.
قال ود المرضي و هو يصلح من إتكاءته : تعرف يا عبد القادر .. البت دي وقفتْ معاى وقفة ما ساهلة أيام الغربة .. بحبها بجنون .. حب يمكن ما تتصورو قدر شنو و شكلو كيف .. لكن تصدق يا عبدالقادر .. مرات كدة بشتاق لحاجات كدة ضاربة في أعماق أعماقي .. حاجات مافي إلا عند السودانيات .. يعني في ونسة دقاقة كدة الواحد ما بيعرف ينزل لمفرداتا إلا بالدارجة بتاعتنا .. رغم إني بعرف اللغة الروسية كويس جداً .. لكن في حاجات كدة .. غايتو ما قادر أعبر ليك ..
نظر إليه عبدالقادر ملياً .. ثم (كتح) كأسه و هو يتحاشى إنزلاقة السفة مع السائل و قال و هو يقطب بين حاجبيه : عرس لى روسية خرسا ولا بكما .. أنا بنضم معاها ونسة دقاقا .. يا زول خلينا بلا مفردات بلا أعماق .. و الله فعلا البني آدم ما بتملا عينو شي غير التراب ..
تسلل ودالمرضي إلى مكان تعليم رقيص العروس تاركاً عبدالقادر مع تحليقه بأدوات ( الكيف ) و أحلامه التي لازمته طوال عمره دون أن تتحقق..
وقف خلف أمه و خالته محنياً رأسه حتى لا يراه أحد..
كانت هناك تقف وسط الحلبة .. بقوامها البديع .. تحاول أن تجاري العروس في تمويج جسدها مع إيقاع الدلوكة و ( صفقات ) البنات و غناء المغنية بصوتها الذي يستحث العروس على الميلان و الدوران ..
إتسعتْ عينا ودالمرضي دهشة و هو يرى هذه القوقازية الأصل تضبط موسيقى جسدها مع هذا الإيقاع الإفريقي الصاخب ..
تضع يديها على صدغيها .. و ترمق العروس لتجاريها .. و تشجيع البنات يتعدى العروس ليدفعها لمزيد من ( الإنفداس ) و رَمْى يديها إلى الخلف .. لتعود بنوبة من الضحك و قد إحمرَ وجهها بفعل المجهود و الشراب الذي يبدو أنه تفاعل من ( الكتمة ) في تلك الغرفة الضيقة ..
رجع ودالمرضي لصديقه ...
و في رأسه تتزاحم مشاعر شتى ..
أيمكن أن تعيش معه هنا إلى الأبد ..؟ ألن تتركه بعد أن تمل هذه البلد ؟
رجع بذاكرته إلى أيام الجامعة في ليننغراد ..
كيف قابلها في بهو السكن الجامعي .. بوجهها المستدير الطفولي ..
تقاسمتْ معه كل روبل معها ..
علتْ شفتيه إبتسامة عندما تذكر يوماً من أيام ( الفَلَس ) .. و قد إحتسى نصف زجاجة فودكا وحيداً في غرفته الضيقة ..
و عندما عضه الجوع .. تذكر أن ليس معه ما يبتاع به أي طعام .. فقرر أن يتكوم على جوعه .. و يشرب بقية الزجاجة حتى يتخدر و ينام ..
وقفتْ على شباكه حمامة مبللة بالماء ترتجف برداً ..
نظر إليها فرأى فيها وجبة كاملة الدسم .. و هو الذي تعود على أكل الحمام من البرج الذي شيده أبوه أعلى سقف الحمام و ملأه بالحمام..
دخل المطبخ على أطراف أصابعه و أتى بفتات الخبز و صار يرميه أمام الحمامة .. و هي تتقدم لتلتقطه بحذر .. تتقدم خطوة و تنفر مرتدة خطوتين .. حتى أتى بها إلى منتصف الغرفة و عاجلها بمسند الكنبة ..
و قبل أن تكمل ( فرفرتها ) كانت قد دخلت في ( الحلة ) العامرة بماء ساخن ..
نتف ريشها على عجل .. و أفرغ أحشاءها .. ثم وضعها لتموسق جوع بطنه الذي صار قاب قوسين أو أدنى من وجبة هنيئة ..
كرع ( السليقة ) ثم ( قرقش ) الحمامة و مص عظامها .. و جلس يغني :
ينوحن لى حماماتن .. همن عيني غماماتن ..
عندما دخلتْ ميزالونا المطبخ و رأت ريش الحمامة صرخت و ولْوَلَوَتْ ..
هجمتْ عليه تضربه براحة يدها على صدره و بطنه ..
لم يعرف سبب ثورتها إلا بعد أن صالحته بعد خصام إمتد لعدة أسابيع ..
فمعظم الروس لا يحبون أن تذبح الحمامة ..
قال في سره : الحمام ال ضبحناهو في بيتنا .. لو جبنا ريشو هني يسوي ليهو مصنع مراتب و مخدات.
|