عرض مشاركة واحدة
قديم 21-06-2010, 07:53 AM   #[11]
معاوية محمد الحسن
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية معاوية محمد الحسن
 
افتراضي

لقد أظهر سياق التطور التاريخي من بعد كارل ماركس كثير من المعضلات التي و كما سلف تتصل بمفاهيم الماركسية الأساسية حول حتمية التطور التاريخي و ذلك لا هدف الماركسيين علي الدوام كان معرفة مجري النهر في حين أن التاريخ في العادة يضعنا أمام ثورات مفاجئة و غير متوقعة مثل الثورة التكنولوجية التي التي من خلالها استطاع العالم الرأسمالي مثلا أن يتغلب علي معظم مشكلاته التي كان كارل ماركس يظن أنها ستتفاقم الي الدرجة التي سوف تطيح بالنظام الرأسمالي نفسه فقد رأينا أخيرا مثلا و بفضل التكنولوجيا أن الرأسمالي يرفض استغلال العامل و يتحرر منه بدلا من أن يتحرر العامل من الرأسمالي و هذه مفارقة عجيبة جدا !
أن الصناعة الحديثة تكاد تقوم بالكامل علي الدور الذي تلعبه الالات الذكية فمثلا نجد ان أي سيارة حديثة اليوم يقوم بإنتاجها نحو عشرين عاملا فقط بمساعدة هذه الالات و هكذا فان هذه المخترعات الحديثة قد أدت الي تقليل دور العامل الماهر في عملية الإنتاج و ازداد بالتالي دور العلماء و المخترعين و لكن الغريب في الامر هنا ايضا كما يري الباحث العراقي د. كمال مجيد أن هؤلاء العلماء و المخترعين لم يتحولوا الي طبقة برولتاريا مستغلين ( بفتح الغين ) و ذلك لان هؤلاء ادركوا ان اختراعاتهم تجلب لهم كميات هائلة من الاموال لذلك رفضوا تسليمها للرأسمال الجاهل و هذا جانب من الجوانب التي اغفلتها الماركسية الكلاسيكية

الماركسية و الدين :

يمكن وصف الفلسفة الماركسية في هذا الاتجاه و الي حد بعيد بأنها فلسفة قد برزت بالاساس ضد عملية اغتراب الانسان , ان عملية الاغتراب نفسها قد تبلورت و بشكل واضح من خلال مقولة ماركس الشهيرة حول الدين , الدين افيون الشعوب أنه أهة المضطهدين و المحرومين و نتاج اغتراب الانسان عن ذاته التي فقدها خلال مسيرة التاريخ الطويلة أو أنه يحاول العثور عليها مرة اخري و يمضي ماركس بالتالي الي تحديد هدفه النهائي و هو جعل البشر ذوات التاريخ الفاعلة لا موضوعاته
لقد أفاد ماركس ايما إفادة بالطبع من مقولات فيورباخ من ان الانسان هو الذي يصنع الاله لا العكس لكن تبقي حقيقة مهمة جدا و هي ان الماركسية عموما قد ظهرت في وقت كانت الفلسفات المثالية و سلطة الكنيسة طاغية الي درجة كبيرة حين كانت العلوم الحديثة تنمو و تذدهر بالمقابل لذلك جاء نقدها للدين عنيفا و متطرفا الي درجة كبيرة جدا بالدرجة التي لم يول فيها كارل ماركس نفسه اهتماما كبيرا بالعلوم الطبيعية نفسها مثل الفيزياء و الرياضيات بل انه يكاد يجهل هذه العلوم علي عكس رفيقه فريدريك انجلز الذي كان علي دراية مبهرة بمثل هذه العلوم و السبب ان ماركس قد انفق جل طاقاته في محاربة الفلسفات المثالية و نقد هذه الفلسفات
ان عملية الاغتراب التي يمثلها مشروع ماركس باكمله تتجلي في ثلالثة ابعاد و هي البعد السياسي المتمثل في سلطة الطبقة العاملة و الاغتراب الروحي المتمثل في الدين و الاغتراب اللمتثل في ميدان العلاقات الاقتصادية و هو الذي يعتبره كارل ماركس الاساس هنا
بالطبع لن نستطيع هنا ان نلم بكل جوانب المسألة في هذه المساحة و بهكذا جهد متواضع لكن عندي جملة اشارات محددة حول مسألة الدين و الماركسية لابد من ذكرها و أرجو أن لا يفهم امثال الاخ نبيل اني أريد تفنيد النظرية الماركسية و نسفها و تفجيرها فانا لا حول لي و لا قوة كهذه بل أنا فقط ممن كن مغرما بالماركسية نفسها ردحا من الزمان و لكنمع تقدم الايام ما عادت تستهويني و انما فقط اسجل صوتي بالمقابل لا اكثر و لا اقل و قديما قال جوته ( قل كلمتك و أمض )

اولا : تزعم الماركسية أن الدين ماهو الا عبارة عن تمظهرات لوعي فوقي تشكل في ظروف تاريخية معينة و الواقع أن الدين ليس وعيا تاريخيا جاء في ظروف تاريخية و حسب و انما هو جزء اساسي من تاريخ الوعي الانساني و أصيل و مكون جوهري من مكوناته و هناك فرق بين كون الدين مجرد وعي تاريخي فحسب و كونه جزء من تاريخ الوعي أي يمثل عنصر رئيس من عناصره
حسب الماركسية ان الدين نفسه كنتاج لظروف تاريخية سوف يبدأ في التلاشي ربما او الاضمحلال بمجرد بزوغ فجر المجتمع اللاطبقي ( اللا منظور و اللامرئي من وجهة نظري ) لكن علي عكس ذللك تماما اثبتت التجربة الانسانية نفسها خلاف ذلك تماما و وضحت مدي فعالية الدين في المجتمع الانساني الي جوانب عوامل اخري كالقومية حتي ان الكثير من الباحثين و مع رسوخ التجربة الدينية و اذدهارها يوما بعد اخر في ظل تنامي العلوم و اذدهارها ايضا ذهبوا الي التساؤل حول ما اذا كان الدين معطي بيولوجيا ام لا بمعني ان الدماغ البشري نفسه مهيأ في الاساس و معد للاضطلاع بالمهام العقائدية كجزء من اولوياته ام لا علي عكس بعض نظريات الحداثة في مرحلة معينة مثل الماركسية و الفرويدية التي عدت الظاهرة الدينية في منشئها راجعة بالاساس الي طفولة الجنس البشري ( انظر ايضا فرويد في كتابه الطوطم و التابو )

ثانيا : كما سلف فان الماركسية قد برزت في ظروف كان الفكر الديني مسيطرا فيها الي درجة في حين قامت في ذاك الوقت ايضا ثورة في ميادين العلوم الطبيعية مثل نظريات اسحق نيوتن و غيره فأخذت الماركسية تتطرف باتجاه نقد الدين و مع ذللك و بحسب الكثير من الضالعين في مجال الماركسيات تعد مسألأة الدين الحلقة الاضعف في فكر كارل ماركس لأنه لم يولها الاهتمام الكافي بل وجه ممعظم طاقته الي ميادين الاقتصاد السياسي و نقد الرأسمالية و اكتفي فيما يخص مسألة الدين بان وضعها ضمن سياق عام من المفاهيم المتصلة بمنهجه المادي عموما فأكد علي تبعية الظاهرات الروحية و من بينها الدين و الثقافية لمجمل العلاقات الاقتصادية و حسب لكن ماركس نفسه لم يقدم درسا علميا مستفيضا فيما يخص مسألة الاديان و هي مسألة شائكة و معقدة جدا و يبدو ان ماركس كان غرضه و منذ البداية تصويب سهامه باتجاه ميدان الصراع الاجتماعي لا باتجاه الالهة و الدين و لكن حتي هنا فان الظاهرة الانسانية تبدو معقدة جدا بدرجة مذهلة فاذا قرانا مثلا انماط الانتاج في بلدان متخلفة مثل السودان لا نكاد نرسم خطوط فاصلة بين ماهو ثقافي روحي بحت و ما هو يشكل طابع مادي بحت بل أن الدين قد يشكل بنية داعمة لعلاقات اقتصادية كثيرة و تختلط الامور بحيث ان الماركسي مثلا لا يمكنه أن يصف ( ال الميرغني ) في الشمالية بانهم اقطاعيين مثلا لأن الاهالي هناك استقطعوا هؤلاء السادة الروحيين اراضي ضخمة طواعية و بإحالات دينية و المدهش ايضا ان ( ال الميرغني ) انفسهم لم يحدث أن أستغلوا تلك الاراضي لمصلحتهم الذاتية قط كما يفعل الاقطاعيين بل كانوا و الي اليوم يقفون ريع هذه الاراضي في مشروعات خيرية تعود بالنفع لطلاب الخلاوي و الي الأهالي عموما فتامل !



معاوية محمد الحسن غير متصل   رد مع اقتباس