و..
البلابل في إصرارهن المتواطيء ضدي.. ينثرن صوتهن الربيع :
(لو سألت علينا كنت عرفت نحن الليلة وين)..؟؟
(وذات الرداء الأسود) تواصل الرقص الفادح وتتطاول هوناً ما.. ثم فجأة تنكسر كدمعة.. وتنحني مهفهفة الأعطاف لتدور نصف دورةٍ، ثم تستوي علي إستقامة شمّاءْ.. لتهطل علي قلبي كغيمة.. فأجد نفسي متورطاً في فراغٍ كنت بعيداً عنه.. بفعل فشلي في الإلتزام بسرعة متابعة الإلتواءات والإنحناءات الرشيقة التي تسبق كل حركةٍ وأُختها..
حيث أنها كانت قاموساً للحروف كلما إنطفأ حرفٌ نبت في مكانه حرفٌ آخرٌ يُكمل المعني ويوجعني..
كانت تتمايل بجنونٍ غريب وضفيرةٍ تطيشُ من إستواء الشَعر.. فتهرب لتعلن عن نسلٍ آخرٍ للجمال.. ضفيرة تتسلقها بقلبك .. ضفيرةٌ تسحب الليل من أوّلِهِ وتجبره علي مجالستك...!!.. وتلك هي المرّة الأولي التي يجالسُني فيها الليل.. لائذاً كنتُ بليل الضفائر إتقاءً لقيامة الإنعطافات المفاجئة..
كانت ترقص بإنتشاء عفوي كأنَها تستجدي فناءً روحياً.. تدور حولها.. حولي.. حول العالم كله. كنتُ محلقاً معها، وكانت هي في تحليقها بمثابة أرض أخري كنتُ أتداعي صوبها بفعل الجاذبية، وقوانين التفاح الذي يسقط فقط لأسفل..
يالصاحبة الرداء الأسود..!!
كنتُ أتاملها من ليل ضفائرها وحتي حذائها الخفيف.. ذلك الذي يعطي إنثناءاتها خفتها ورقتها وإيجاعها معا.. وانا أُراقبها في محاولةٍ منِّي للقبض علي الزَمن.. فالزمنُ الذي يذهب، لن يعود بسهولةٍ الا عبر مسالك الذاكرة وتعرُّجاتها الخشنة..
كنتُ اتأملُها نعم .. ولكنني في الحقيقة كنتُ أُحاولُ أن أصنع نهايةً تُرضي الحنين.. الحنين الذي سيعذبُني في مُقبل الإختلاءات أو في مواسم الإنكفاء.. أو حين تنطفيءُ حروفُ التوهُج في مفكرة إنسانٍ لا يحمل فيها سوي حكايات يرويها عن قلبٍ أكله الحنين.. وحينما يصاب المرءُ بحساسية الحنين وأكَلانه.. يودُّ لو أنّ بوسعه حكّ قلبه (انكراشاً).. ذلك أن (الحككان) كفعل في إطلاقه.. يعطي شيئاً من المتعة الآنية، إلا أنه يباعد حتماً بينك والإستشفاء.. لافرق في ذلك بين القلب وماتبقَي من منظومة الجسد..
التعديل الأخير تم بواسطة الرشيد اسماعيل محمود ; 15-07-2011 الساعة 10:43 PM.
|