اقتباس:
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الرشيد اسماعيل محمود
والناسُ في حالة متصلة من فقدان الحنين إلا أنا..كنت في حالة متصلة من إكتسابه..
فلم يبق لي سوي التدفؤ بناره وهذي الحروف.
كانت( ذات الرداء الأسود) تملؤُني حتي أخمص القلب..
دخلتُ من واسع الأبواب وخرجتُ من أكثر المنافذ ضيقاً
دخلتُ كُلاً وخرجت بعضاً..
....
....
خرجتُ من النادي وبدأتْ حالةُ المنفي تنتابني مرةً أخري..
والمنافي لا نسكنها نحن.. بل هي من تسكننا..وحينما يكون بوسعنا تحقيق بعض أمنياتنا الصغيرة..
سيكون من الممكن ربما تخفيف وطأة المنفي وتقليل إلتفاف خيوط المأساة..
كنا ضيوفاً على الأشياء...
أكثرها أقلُّ حنيناً حين نهجرها
لا شيئ ينتظرُ..
الأشياءُ غافلةٌ عنا
ونحن نُحَييِّها ونشكرها.
(محمود درويش)
ثم يا صديقي...
كم من المرات تركنا بعضنا في زوايا المكان...
ثم أودعناها الزمان...
ثم خُيِّل الينا اننا نتناقص في ذواتنا من كثر ما أودعنا منها في تلك الزوايا..
غير ان الانسان زاخرٌ بخلايا تتكاثر إنشطارياً تكفي لرصف العالم لو نريد.
خلايا لا تنتج الا مزيد من التحفيز على إقتطاع اليأس من جوفنا...
وتزيين الدرب لفتوحات جديدة...
او مع إطلالة الخيبات... تمهيد الوصول الى حارة الحنين من جديد.
انا لا أستطيع ان أجيبك عن الأماكن التي كان يخيل الى انها يتصدّع شيئٌ فيها
كلما حملتني الأقدار اليها بعد غياب...
وكنت أثق جداً في معاناتها كما انا من القبضة التي تعصر على قلبي...
حتى يذوب عصيراً من وجد.. فأسعى أفتش عن بعضي الذي سقط مني فيها...
ربما في ذا الركن... او تحت هذا المقعد... ربما ملتصقاً بأسفل ذاك المقعد...
او محشوراً بين هذا الطوب... او... او... او...
وأعود مثقلة بحنين أكتشف أني وحدي أحمله...
فالأركان تخزِّن كل الأصوات التي تلامس جدرانها ثم تطرحها للريح في نميمةٍ ماجنة..
والمقاعد ليس يعنيها الا حجم المؤخرات التي تشغلها وأوزانها...
والطوب لا يذكر منا الا آثار خربشاتنا المراهقة عليه ويُحسن اليه عامل الطلاء إذ
يغسلنا عنه ويعيد له واجهته النضرة...
حتى الأرض لا يعنيها منا الا آثار أحذيتنا.. غير أنها تذكر بعض النساء لوقتٍ أطول
لعامل الغبن والحنق الذي تتركه عليها أحذيتهن ذات الكعوب العالية...
وغيرهم كثير وكثير...
وحدنا نعود من حفل مصرعنا متخمين بكل تفاصيل الدنيا من حولنا في ذاك الحفل...
محمّلين بأكداسٍ من عذاباتٍ تعيننا على مشاوير الذكريات...
والأسوأ يا صديقي...
حتى الناس باتوا يقاسمون الأشياء عدم الشعور بأنهم معنيُّون بحنيننا اليهم...
يبادلوننا النظرات والبسمات... ويرحلون.. يسكبون ذات النظرات والبسمات
في آنيةٍ جديدة...
يلحظون إعجابنا بهم...
يحسون بأعيننا تدفئ ظهورهم من كثر نار لهفتنا لو يدنون...
وكما لفح (زيفة) الشتاء لنا... يتأبطون غراماً آخر ويندسون في حضنه ويغادرون...
لنجلس على رصيف الموازنات...
ما أعطونا... وما أخذوا...
مأ أسعدونا به... وما إنكسرنا له...
ما ترتّبَ فينا... وما تبعثّر بهم...
ما حلمنا به... وما أيقظونا عليه...
ما إرتفعنا اليه... وما أسقطونا فيه...
ثم نمضي...
لاشيئ برفقتنا الا شبح إبتسامة... وكثير من صمت.