[align=center]*
إحساس الشاعر و الفنان ...
و إشراق الإيثر
[media]http://sudaniyat.net/upload/uploading/Zaraoka_Fe_Galbe0.mp3[/media]
*
[bimg]http://sudaniyat.net/upload/uploading/LAB-0191.jpg[/bimg]
[/align]
***
عالم عباس ومحمد مرغنى
من غير حياء أشتاق)
وما صبابة مشتاق على أمل من اللقاء كمشتاق بلا امل
(إنها ليلة الأوجاع، تتراقص الحروف أمامي، تتلوّى وتناديك، فهل أنت سامعها؟!)
تَقَضَّى الليلُ إلا أقلُّه، وتركني، حارساي الشوقُ والسهرُ.
ويا ليل الغربة والمشتاق، ويا ويلي أنا!
آوي إلى غرفته المنعزلة مكتئباً، أدار شريط كاسيت ظَلَّ يدخره لمثل هذه الليالي المؤرقة. صدح محمد ميرغني، بعنفوان شجوه وغضارة صوته، من كلمات إسماعيل حسن:
"اشتقت ليك
لما الشمس فرد الجناح، لملم مصابيح النهار
و الكون لبس لون الجراح
والعتمة نامت في الدروب
والليل لبس أجمل وشاح."
استلقى في عتمة ليلته الموحشة، على ديوان المتنبي، رفيق أرقه وقلقه يتبادلان السؤال:
مالنا كلنا جوٍ يا رسول أنا أهوى، وقلبك المتبول
كلما عاد من بعثت إليها غار مني وجار فيما يقول
وانبجست نافورة الأحزان. وفي غيبوبته تلك، همس النعام آدم ببصيرته النافذة في أذنه:
(الليل طويل، طويل طولاً يجنن
لا شوفتن تبل الشوق ولا رداً يطمّن
أريتك تبقى طيب أنت
أنا البي كلو هين!)
أرتعش في يده ديوان المتنبي وهو يقرأ:
لياليَّ بعد الظاعنين شكول طوال، وليل العاشقين طويل
ومع المتنبي، يردد النعام آدم في شجن يقطع نياط القلب:
(الليل طويل، طويل طولاً يجنن
لا شوفتن تبل الشوق ولا رداً يطمّن.)
لم يصمد، لم يجد عزاء، يا للأرق!
ألا حيّ قبل البين من أنت عاشقه ومن أنت مشتاق إليه وشائقه
ومن لا تواتي داره غير فينة ومن أنت تبكي كل يومٍ تفارقه
كان يقرأ لأبياته تلك التي تقول:
وشوق كالتوقد في فؤاد كجمرٍ في جوانح كالمحاش
(ومحمد ميرغني ما زال على الكاسيت يغني:
(في اللحظة ديك مديت معابر شوقي ليك
وحنين حنيني الطاغي ليك)!
أحكم الليل وثاقه عليه، واعتصره ذلك الشوق الحارق فمضى يقول:
سبّحتُ باسمك في الركعة الألف،
بعد هجوع المصلين والعاشقين الذين يشقون لليل قبواً،
يلاقون أحبابهم في سكون.
رأيتك تنشَقُّ عن مهجتي وردةً كالدهان،
أدافع عن وجنتيك خيوط الضياء الحبيس بقلبي
أداري عيون النهار
لتنمو بحرية، عن فضول المرائي، وعن عنف نبضي،
يدفِّع نسغ المودة في عرقك المشتهى
لأحميك بين ضلوعي المدرع بالصمت
يا سدرة المنتهى
وأصغي إليك إذا الليل جن!
ما زال ذاك الشوق الموَّارُ يُحْكِمُ حصاره، فلا يفلت. ترى ما الذي رمى به في هذه المهلكة؟ أما الأحبة فالبيداء دونهم، فيا ليل الغربة ليت دونك بيدُ دونها بيدّ! أما زال المتنبي يتتبعه؟:
وقفنا ومما زاد بثاً وقوفنا فريقي هوى منا، مشوق وشائق
تأخذه رعشة وهو يردد قوله:
يا حزن مليون ارتعاشٍ، لفني ليلي بأكفان الكآبة
لكنني ما مت
إن دمي يسيل مع الدموع وتصطلي روحي صبابة!
محمد ميرغني ما زال يعالج أشواقه من خلال رعشاته:
في اللحظة ديك، والناس بتسأل
عن دياراً أصلو ما معروفة وين!
حاول أن يتعزى بأقواله:
من شوقه لحبيبه
يأتي زمان ينهض المصلوب فيه، ويعتلي درجاً مُدَمَّى،
درجاً تكون من حطام ضلوعه بصليبه
مسترشداً بنحيبه يعلو....
يتسلل إلى خاطره النعام آدم فيهمس في أذنيه ويسكب من رحيق غنائه المعتق:
(مشتاقين، انتو متين تجونا
مشتاقين، والليل طال علينا
ونار الشوووق
ياخي نار الشوووووق!)
والفراش قتاد، والروح بين اللهاة والحلقوم، والحمى، والندم!، ويعزيه المتنبي:
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
إن القتيل مضرجاً بدموعه مثل القتيل مضرجاً بدمائه
الندم، الندم، ندامة البعد الجغرافي، ندامة الاختيار الجزافي، ندامة العودة المستحيلة وهذا العطش الخرافي والشوق الحارق في المنافي، هذا الحصار الرهيب، أكلان القلب الذي لا يمكن حكه، وفوران الدماء الحبيسة في الأوردة والشرايين، والصراخ المكتوم، والمتنبي :
فيا شوق ما أبقى، ويالي من النوى ويا دمع ما أجرى، ويا قلب ما أصبى
يزاحم وردي :
(بالذي أودع في عينيك إلهاما وسحرا
والذي أبدع فيك الحسن...
لا لا لا،
لا تدعني للأسى يدفعني مدا وجزرا
أثقلت كفي الضراعات وما تقبل عذرا
مرحباً يا شوق، !)
وأصدى فما أبدي إلى الماء حاجة! والمتنبي ما زال خدن الروح:
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشوق إليها و الشوق حيث النحول
وكثير من السؤال اشتياقٌ....
وخيوط الصباح تتسلل من فروج النافذات، وأصرخ
( لو لحظة من وسن
تحملني
ترجعني
إلى عيون وطني!)
وهيهات هيهات!!!
ومازال محمد ميرغني يسكب من دنِّ شوقه، بصوته الأسيان الممتلئ:
شوق السحاب الراحلة
والكون بيحلم بالخريف
وبقيت ضعيف
(شوق من فوقه شوق من فوقه أشواق بعضها فوق بعض)
وبقيت ضعيف!
(و لا مفر من الشوق إلا إليه..)
ما بارح الشوق المبرح مهجتي
ما زالت النيران تلفح ممعنات في الحريق!
وحين انتبه، كان الشوق يذيبه شيئاً فشيئاً حتى سال رحيقاً من شوق، ثم تبخر جزيئات شوق، ثم ذرات، حملها الريح مع أول شعاعات الفجر الندية. صارت روحه تركيبة شوق أثيرية، اختلطت بالأكسجين، تُسَمَّى شوقسجين يختلط بأنفاس العاشقين. صار العاشقون بعد أن يحتبسوها ملياً في صدورهم، يطلقونها أوكسيشوقٍ حَرَّى في زفراتهم الملتهبة!
ومحمد ميرغني يخرج من أعماقه آخر آهاته:
في اللحظة ديك
احتجت ليك،
واشتقت ليك!!
+
[mark=#FFFF33]منقول من أرشيف شاعرنا و استاذنا العالم عباس[/mark]
***
|