أصدقاء الأسافير ( المسافة بين اللقيا و الرحيل )
مقدمة الفواجع : عندما يبذر الآباء بذرة في رحم الأرض ، و يُولُونَها الرعاية من ماء و سماد ، و يتعهدونها بالاهتمام و الحماية من بغاث الطير و دود الأرض ، ثم يأتي قضاء الله المحتوم مادّا يد المنون ليختطف هذا الأب دون أن يرى انبثاق غرسه يشق سطح أديم الأرض ، فيترعرع النبت في كنف الأبناء و الأحفاد ....
هنا الفجيعة على الأب تبقى و لا تبقى ...
تبقى لأن الفقد قَصَم ظهر مسبحة الأسرة
و لا تبقى ، لأن الغرس أتى أُكُله بعد حين
***
عرفنا أصد قاءا عاشرناهم و عشنا معهم بالوطن ، و عندما توفاهم الله ، كان الحزن معطونا بحفنة من صبر مقيم ، و معفّرا بتراب الأرض ، فالقبور التي سكنتها أجسادهم ، تدب عليها أقدامنا ، نترحم عليهم كلما مررنا عليها أو طافت ذكراهم بمعالم كنا نغشاها سويا.
عرفنا أصدقاء في المهجر ، تقاسمنا الهموم سويا مع أحلامنا و آلامنا ، و عندما قُبِضت أرواحهم ، كانت الفاجعة متعاظمة ، لأنهم كانوا كجدار نستند عليه في هاوية الغربة.
ثم دلفنا إلى عالم الأسافير
عرفنا أشخاصا ، أحببناهم حبا يضاهي كل من جاء ذكرهم هنا ، رغم أننا لم نلتقيهم
لندلف من هنا رأسا إلى شخصية مثل شخصية المرحوم خالد الحاج
توغلنا إلى سراديب شخصيته من خلال ما يكتب و ما يدلق من ردود.
اختلفنا معه ، و لكن كانت روحه تظل هي هي .. روح خالد
اتفقنا معه ... فنشعر بأن نقاط الاتفاق و الاختلاف كانت ( ونسة ) لا بد منها
الفاجعة هنا عندي من نوع غريب
فالشخص الذي لم ألتقية إلا عبر جهاز أو هاتف و كنت أتلهف لرؤيته ، ذهب و لن يعود ...
فراق طويل .. طويل ..
و كأنه طيف تراءى ثم توارى .. و لكنه طيف يترك وراءه بصمات من أنفاسه.
رحل ، و كأنه حلم يقظة ... و لكنه حلم يمكنك أن تجزم بأنه كنت أحد أبطال أحداثه ثم عدتَ إلى عالم الواقع لتروي عن شخصية الحلم الرئيسية ...
هذا واقع غريب ، أن تعايش شخصا حتى ثمالة العلاقة الحميمة ، ثم تعرف أنك لن تراه رأي العين.
ذات غربة ، جاءني خبر ولادة أبنتي ( رنا ) ... كنت بعيدا جدا بحيث لم أتمكن من حضور ولادتها بالسودان ، و قبل عودتي بأسبوع متلهفا لرؤيتها ، ماتت ، دون أن أراها ، و مما زاد من أمر حزني أنه لم تكن هناك صورة فوتوغرافية لها لكى أتفرس ملامحها و أختزن بعض السلوى . لذا كان حزني مضاعفا ..
رغم طول أحداث هذه القصة المحزنة ، إلا أن موت خالد الحاج جعلني أقارن هذا النوع من الموت و الفقد ..
خاتمة الفواجع : عندما يبذر الآباء بذرة في رحم الأرض ، و يُولُونَها الرعاية من ماء و سماد ، و يتعهدونها بالاهتمام و الحماية من بغاث الطير و دود الأرض ، ثم يأتي قضاء الله المحتوم مادّا يد المنون ليختطف هذا الأب دون أن يرى انبثاق غرسه يشق سطح أديم الأرض ، فيترعرع النبت في كنف الأبناء و الأحفاد .... و هكذا هي بذرة خالد الحاج ... و شخصية خالد و ذكراه العطرة
لك الرحمة يا أبا جعفر و المغفرة
أنت حي فينا و ستبقى فلا خوف عليك ، و إنا لمحزونون
|