النور بن الشيخ موسى أبو قصة
كان عظيم القدر والشأن، أمه جارية أم ولد، ولده الشيخ موسى آخر عمره، وكان بينه وبين عمه الشيخ محمد ولد مرزوق وقفة، ونفاه عن أبيه، وقنجر إلى التاكة، ثم بعد ذلك أبوه الشيخ موسى جاء إلى إبن أخيه محمد الزين قال له:” أنا سلكتك وأرشدتك وزوجتك ابنتي، هذا جزائي تمرقوا من البلد؟ أن إن كان مو ولدي أذبح وأسميه!”، وارسل له الشيخ محمد ورده، وجاءه الشيخ عبد الله راجل قري بمرقعة موسى وقال له:” بعدي أدها النور ولدي بعدما يكبر”، أول ما لبسها أعطاه الله القبول عند الملوك والسلاطين، وملوك الفونج والعرب، ودفن بأم جضلة، وولده موسى جمل العاج نظيره في الهيبة والقبول.
أبو عاقلة بن الشيخ حمد
جلس بعد أبيه الشيخ حمد ليدرس العلم وسلوك طريق القوم على نهج ما كان عليه أبوه وجده دفع الله، وممن أخذ عليه طريق القوم الشيخ إسماعيل بن مكي الدقلاشي وغيره، وكان جليلا وسمينا، له هيبة ووقار وسكينة، فإن إنسانا رأى جسمانه قال:” بعد الموت عفنة قبره تمنع الناس من زيارة القبور”، فلما سمع الشيخ قال:” تبين البركات بعد الممات”، فلما توفي رضي الله عنه طلعت من قبره رايحة أحلى من العنبر والكافور، وله من الأولاد حمد العمسيب، والشيخ قسم الله، وجميع نسل الشيخ دفع الله من نسل هذين الرجلين.
إسماعيل صاحب الربابة
بن الشيخ مكي الدقلاشي، وأمه اسمها خيرة، سقرناوية، أهداها للشيخ مكي سلطان تقلي، فحملت منه وولدت النور فقالت للدقلاشي:” جانا شيخا” فقال لها:” جاكم إخيا هديا رضيا”، ثم حملت فولدت إسماعيل، فقال لهم:” يا دقالشة جاكم شيخكم”، فإن الشيخ مكي أخذه الجذب في حب الله ورسوله، خرج هايما وساق معه ولده النور، وإسماعيل في المهد، قبل أن يتكلم، ودخلا الخلاء، وأنقطع خبره إلى الآن، ووجدت العرب النور في الخلا غرب الحرازة، وجابوه، والشيخ إسماعيل تكلم في المهد قال:” النور بجي، أبوي ما بيج”، وحفظ القرآن على الفقيه محمد ولد منوفلي خليفة أباه الشيخ مكي، وتعلم الفقه والتوحيد على الشخ مختار شارح الأخضري، وشرع في تدريس الرسالة والتوحيد والقرآن، وله أشعار وقصايد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وكلام بين فيه صفات الأولياء، والف كتابا في الطريقة وآداب الذكر، وله شرح على قصيدته في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله:ـ
“‘ني رأيت في ليلتي في منامي
خير البرية ضاحكا مستبشرا الخ...”
وله كلامات يتغزل فيها بمدح النساء مثل تهجه وهيبة، مثل ليلى وسعدى في كلام المتقدمين، وأخبرني تلميذه الفقيه أبو النور الرياشي قال:” أول ما تقوم عليه الحالة يمشي في حوشه ويحضر البنات والعرايس والعرسان للرقيص، ويضرب الربابة: كل ضربة لها نغمة يفيق فيها المجنون وتذهل منها العقول وتطرب لها الحيوانات والجمادات، حتى أن الربابة يضعونها في الشمس أول ما تسمع صوته تضرب على نغمته من غير أحد يضربها، وفرسه بنت بكر يشدوها له ويلبسوها الحرير والجرس، وقوادها ماسكها، أول ما تسمع ترنمه كلام الحرب وهو يقول:”
بنت بكر المردا
سطلية العرضا
فإن الفرس تقوم وتقعد وتداني برأسها ويديها وتقول :” شلو شلو!”، وجاءته امرأة وهو في تلك الحالة فقالت:” يا ياب الشيخ ولدي ما تجيبو لي، ساقوه شلك، ما تجيبو لي منهم؟”، فقال لها:” ولدك ما تشوفيه في هذه الهمرجة؟!”، مشت تكوس، ولدها فيها! سألوه الناس، قالو له:” الجابك شنو؟” قال:” أنا هذه الساعة باكل مع أولاد شلك في لحم حوت في مركب، جاءني عصار وجابني هنا!”
والنساء التي يتغزل بشعره فيهن هيبة وتهجة، وتهجة هذه جعلية كرتانية، فقال فيها شعرا:،
“حر الفونج مرق طالب الدبيبة
قميصه للتراب حاقبله عيبه
خشم تهجة شبيه لبن الكشيبه
كفل من تورتو وفي ود دليبه
صب مطر الصعيد وصاح المغرد
خفيف القلب من الكركاع بعرد
خشم تهجة على الكنداب مجرد
مريسة فيتريت وورد أم برد”
وقال رضي الله عنه في هيبة:
“صب مطر الصعيد ياليت عايد
فوق خشم البيوت جروا الكسايد
النسوان بلا هيبة أم قلايد
لحم سوقا رخيص مشري بحدايد
صب مكر الصعيد وطلق علينا بردو
خشم هيبة يشبه طيات البحردو
تعجبك في الرقيص حين ما تهردوا
يا خنية من حواها وقضى غرضو”
فإن زوجها خاف عليها منه وقنجر بها إلى تقلي، فلما سمع الشيخ بذلك قال:ـ
“نسل السيف نلوح فوق أم قباله
تكرب الزوم مكان اسمع مقاله
وجها مقطع فوق السندالة
تخلات عروسك ديك بطالة
نسل السيف السيف نلوح فوق أم عوايد
نطلب العنكش أم طبعا موافق
وجها إن شافتو الحمل تدافق
تخلات عروسك ديك ما بتوافق
نشد نحتفل فوق أثرها
نشق أم رترت اليهتف مطرها
مهرة الضنقلاوي المكنوز ضهرها
يعاف المورود الداخل كجرها”
وبالجملة فهذا الرجل من الملامتية، فرقة من الصوفية يفعلون اللوم في الشرع توبيخا وهضما للنفس، ومن أنكر عليهم يعطب، وقتل رضي الله عنه وهو شهيد ببحر أليس، قتله شلك، معاه فقرا صلحا رباهم على نغمته، رحمة الله على الجميع.
وسبب خروجه أنه سافر من بلده يجبي إلى سنار في شفاعة، ويجبي جبيل بين الشقيق وعد الجمع، ونعى نفسه من شلك قال:” يجي في ويوا نرقد سجى ويوا”، وإذا ركب تحوشه الفقرا شايلين النشاب، الفرس ما بتتشاف من كثرتهم، شايلين التهليل بالنغمات الحسن، وناس البد والسادر والوارد والنساء والرجال شايلين التهليل على نغمته، ودخل على الملك سايمين ولد دكين، قال له:”انت لحنت في شعرك الفلاني”، قال له:” الشيطان القاعد فوق راسك أخبرك بذلك”، قال :”بقتله!” أعمامه قالوا له :” بتقتل ولد شيخنا! ولدا غرقان سكران وبطران دمه يخربنا” وشكاه على الفقيه محمد ولد منوفلي، شيخه، قال:” أنا ما بقدره، حافظ الكتاب وشايله الشباب، فإنه ركب فوق فرسه ورجع لما قطع البحر غاروا عليهم شلك، قتل في حدود الأربعين ونيف.
....
أحمد بن الشيخ عبد الله الطريفي
أخذ الطريق من الشيخ دفع الله وسلكه وأرشده، والسبب في ذلك أن أباه الشيخ عبد الله لما سافر إلى الحج وأوصى الشيخ على أولاده الشيخ دفع الله، أحمد كان أول أمره معجبا بنفسه عنده حرابا وشعره إلى كتفه يروق من حلة أبو عاقلة إلى حلة العقدة في الهوى، ذات يوم جاء قاطع إلى الهوى ما وجد المركب، رقد فوق المشرع جاء الشيخ دفع الله قبل طلوع الفجر ليتبرد في البحر، شاف الإنسان الأسود راقد، كلم أحد الفقرا قال له:” شوفوا منو؟”، قال له:” أحمد ولد الطريفي، قال له:” أحمد”، ضربه بأصبعه فوق رأسه “ما هذه طريقتنا”، مسكه أحد الفقرا، بعدما فرغ من التفتيحية أتى به إليه، أخذ الموسى وفرعه بالزيانة، فتمه أحد الفقرا، ثم أداه لناس القرآن، أمرهم أن يحفظوه سور الصلاة، وفرايض الوضوء والغسل، بعدما عرف ذلك سلكه الطريق وامره بحضور مجالس العلم، ذات يوم الشيخ يقرأ في مجلس الظهر قال له:” ما فهمنا!” قال:” من هذا؟ قيل له:” أحمد بن الطريفي”، فخرج نور من فم الشيخ إلى عرش المسجد فوقع فوق أحمد فوقع مغشيا عليه، فرقد أياما، ثم بعد ذلك جاءه الشيخ فقال له:” يا أحمد يا ولدي خدمتك حرمت علينا”، وأعطاه فقرا يلازموه ويقضوا حاجته، وإذا زار الشيخ إدريس يجيبوا له حمارا يركب فوقه، وكان من أكابر أولياء الله تعالى، ومن أهل الكشف كجده أبو عاقلة الكشيف، وسرقت عجول أخبر أهلهن قال:” رموهن في الترعة الفلانية”، وكان الأمر كما قال، وتوفي رحمه الله تعالى سنة الجدري، وذلك أن امرأته أم أولاده بنت عمه أبو قرن قالت له:” دفع الله ورد من الجدري” والمزين يزين فيه، قال لها:” أنا ما بقدر على حرقة الحشا، تقدريها انت الشديدة”، فتوفاه الله تعالى بالجدري ومات من أهل بيته نحو ستة عشر انسان”، وأمهم قعدت بعدهم برهة من الزمان.
إبراهيم ولد بري
ولد بالجزيرة نسري، وأمه أم هاني بنت علي ولد قنديل ـ رجل ولي من الصواردة ـ حفظ الكتاب على الشيخ الولي باسبار، وقرأ خليل على الشيخ صغيرون، وتعلم علم الكلام على الشيخ حسين أبو شعر ـ تلميذ محمد ولد عيسى ـ وصحب في التصوف محمد ولد داوود الأغر، وحج بيت الله الحرام، فقال الفقيه أبو الحسن:” الحج مثل حج الحاج ابراهيم والحاج عوض الكريم”، وكان ورعا زاهدا لا يقبل الهدية إلا الشئ اليسير مثل السورج والمطاطيل والنبق. وجاءته امرأة من ناس قري فعزم لها فولدت ولدا فجاءت تزينه عنده، وجابت معه ماية أشرفي فضة، فلما أعطته إياه صاح وقال:” اسمعوا يا أجاويد الله، أنا سراق، البلد براي ما فيهو سراق، أنا آكل ماية أشرفي!”، وجاءه الملك عبد السلام الفتلوب فقال له:” ياب الحاج اسأل الله يديني دار أبوي”، فلما ولي قال له:” يا ياب، داري من المقرن إلى حجر العسل اختار لك فيها دارا أدفعها لك، فقال الحاج:” اسمعوا يا أجواد الله، أديت نفسك النار، تدي أبوك النار معاك؟” فامتنع عن قبولها. وجاءه الشيخ حمد السميح وقال له:” يا ياب الحاج، بدورك تسأل الله لي يديني دار أبوي”، فقال له:” عجيب ولد العجيل حي ما بتلقاها، بعده تجيك عشر سنين تخربها” فكان الأمر كما قال: بعد عجيب جاءته عشر سنين ثلاثة منها خراب، ووقعت له كرامة عظيمة مع إدريس ولد سليمان ملك السعداب، والسبب في ذلك أن رجلا من ناس قري يقال له معروف ولد الضو دفع له الملك عبد السلام دارا، فلما ولي إدريس أخذها منه، ووقع على الحاج إبراهيم، جاءه قري حين زواجه لستنا بنت الشيخ عجيب، فقال له الفقيه حسن بن عبد الرسول:” جاءنا الحاج أول الزوال والناس في صلاة الجمعة شايل فروته على كتفه وعكازه على ظهره، حاقب يده عليه، كلم الفقرا وأجاويد البلد يمشوا معه إلى عند الملك، فمشوا معه، وقال له معروف، صاحب عبد السلام ومساعده على الملك:” ما برد له شبرا واحدا، أجمع البعر وأكوي البحر في صرته”، فقام من عنده غضبانا، فقال له:” إنشاء الله أجمع اخواني الفقرا وأكويه في صرته”، وطلبوه الجماعة بالمبيت عندهم ليستريح هو وفقراه، فحلف ما يقيم، ويقال أنهم غشوا كونية في قري يقال لها أم دكين، ملوا ركوته فيها، فتخلف البحر ولم يشيل زبل الغنم، ودعا عليه بسلب الملك، فلم يتولى من ذريته أحد إلى زماننا هذا، وهذه الوقعة سنة ست بعد الألف والمايتين، وتعرف عند الناس ببعر الحاج، وتوفي سنة الوداع وعمره ماية وعشرون سنة، فهو أكبر من علي أخيه، وقعد بعد موته ستين سنة وتوفي إلى رحمة الله تعالى.
أرباب بن علي بن عون بن عامر بن أصبح
ويسمى الخشن لخشونة جسمه من الوضوء والغسل، ويسمى أرباب العقائد، وأخذ علم الفقه من الشيخ الزين، وتعلم علم العقائد من الشيخ علي ولد بري، خدمه، ودعا له على قريحة فنفعه الله تعالى بعلمه، وشدت إليه الرحال في علم التوحيد والتصوف، وبلغ عدد طلبته ألف طالب ونيف، من دار الفونج إلى دار برنو، وتلامذته وتلامذة تلامذته، وألف كتابا في أركان الإيمان وسماه “الجواهر” انتفعت به شرقا وغربا، وتلامذته هم شيوخ الإسلام، منهم الحاج خوجلي والفقيه حمد بن مريم والفقيه حمد بن حتيك والفقيه محمد بن ضيف الله والفقيه هارون بن حصى والشيخ فرح ولد تكتوك والقرشي الصليحابي، وخلايق لايحصوا، وجلس للتدريس بعد شيخه، وتوفي سنة اثنين بعد الماية والألف ببندر سنار، وقبره ظاهر يزار.
المصري
هو محمد القناوي، أخذ العلم من الشيخ سالم السنهوري والشيخ يوسف الزرقاني والد عبد الباقي شارح خليل، قدم بلاد الفونج أول النصف الثاني من القرن العاشر في زمن الشيخ عجيب، ودخل بربر ومدينة أربجي وسنار، ووافقه سكن بربر وقال:” هواها أطيب من جميع البلاد”، وبنى مسجده بها لتدريس الرسالة والعقائد والنحو وساير العلوم، وولي القضاء وباشره بعفة ونزاهة، وحرم الرشوة على الحكم ونهى منها. قيل له أن قناوي ولدك ارتشى في أحكامه، فركب دابته في السوق ورفع ثوبا أبيض وقال:” قناوي ولدي ارتشى، حكمه باطل”، وأجاز أجرة كاتب الحكم وشرط فيها دجاجة وما يصلحها من فلفل وكزبرة وبصل، وكان غنيا صديقا يعامل الناس بالقرض والسلم ويمحو وثايقهما، وتوفي ببربر، رحمه الله تعالى.
المضوي
هو محمد بن أكداوي بن الشيخ محمد المصري، أخذ علم الكلام والفقه والنحو من جده المصري، وكان معجبا به ويقول له “ضو البيت”، ولما دنع الوفاة قيل له: “من الخليفة من بعدك؟ والقراءة تكون عند من؟” قال :” ضو البيت”، قال تلميذه سعد التكاوي قال:” خرجت من بلادي مسافرا لقراءة العقائد عند الفقيه أرباب، فدخلت على الفقيه عبد الماجد فسلمت عليه وهو وهو جالس على برش ومعه رجل جالس على عنقريب فاستنكرت ذلك لعظمة الفقيه عبد الماجد وخرجت، فلما قام الرجل قلت للفقيه عبد الماجد:” أنا طالب لقراءة التوحيد عند الفقيه أرباب، فقال:” الراجل القاعد تعرفه؟” قلت: “ لا”، قال :”المضوي ولد المصري، ألحقه أقرأ عنده فإنه عالم وأمين”، فلحقته في الشرق بديت القراءة عنده، وعن قريب جده المصري مات، ونازعوه أولاد عمه في الخلافة وعادوا له”، ورحل ونزل عند الفقيه عبد الماجد بفقراه، فجوه أولاد الحاج فايد الشيخ عبد القادر وحمودة، قالا له:”أبونا مات قبل ما نتعلم وترك أمنا صغيرة جميلة غنية، أمشك معانا نزوجك إياها وتقرينا، فقبل الشيخ منهم ذلك، وقام معهم بفقراه، وزوجوه أمهم، اسمها خولة، وشرع في تدريس الرسالة والنحو وعلم الكلام وعلم الأصول والمنطق، وعمرت الحلقة بشندي واجتمع عليه خلق كثيرة، ومع ذلك مرجح التصنيف على التدريس، وألف كتبا شأنها يكتبن بمداد الذهب، منها أربعة عشر على “أم البراهين”،” العمدة” التي عم النفع بها في ساير الأقطار، و “الوسط” و “ الصغير” و “ الحاشية” التي هي من أجل مؤلفاته، وشرحان على “يقول العبد في بدء الأمالي” الكبير في مجلد ضخم نحو ستين كراس، والصغير في سبعة كررايس، وشرح “الجزرية” شرحا جيدا، وشرح “عقيدة الرسالة” و”الأجرومية” وغير ذلك، وكان بينه وبين الخطيب عمار خوة واتحاد، وسافر إليه حين بلغه قدومه من المشرق، وسبب ذلك أن أحد الطلبة سأله عن النعامة: هل هي من الحيوان البرى أو طيرة، فتوقف فيها وقال:” هذه المسألة لم توجد إلا في كتب عمار”، بعد أيام قال لطلبته:” نسافر لعمار فإنه أتى بالكتب الغريبة من كل فن”، وسافر إليه واجتمع في سفرته بالفقيه أرباب والشيخ دفع الله، ودخل سنار ونزل عند الفقيه عمار، وأدخلهم على الملك أونسه بن ناصر وهو في الديوان وفرق الديوان لأجله، فقام به وعانقه وعاتبه وقال:” تقعد إلى أن تشيب حتى تجيني ، قالوا لك ما بيكرم العلما؟!” أداه ماية محبوب، ثم دخل عليه ثانية وثالثة، كل يوم يعطيه ماية محبوب، ودخل عليه مرة رابعة أعطاه جملين صهب وفرختين، وأوعده بالرجوع بسيره إلى الحج ويعطيه الوقف والجواهر الفي بيت الملك، والحلة أكرمته أكثر من إكرام الملك، ثم رجع بلده ثم تأهب لسفر الحج وسافر معه الحاج خوجلي، ودخل سنار ثانيا للمك، والحاج خوجلي امتنع من دخول سنار، انتظره بمدينة أربجي، وجاءه وسافر إلى بيت الله الحرام، فلما قضى نسكه رجع، فلما بلغ قوز رجب توفاه الله به، وذلك سنة أم لحم، وقبره ظاهر يزار وهو في حدود الخمسين سنة، رحمه الله تعالى.
المكي النحوي الرباطابي
أخذ العلم من الشيخ محمد المصري وأخذ عليه جميع الفنون، ثم سافر إلى الشيخ محمد ولد عيسى وأخذ عليه الفنون ثانيا، ودرس العلم عند الزيداب في جرف عجبت، ثم رحل وسكن المنسي وتوفي فيه، وممن أخذ عليه العلم الشيخ موسى ولد يعقوب أبو قصة والشريف عبد الرحمن والفقيه حامد اللين ويوسف فرفر والفقيه حميد الصاردي، وخلوق كثيرة، وشرح الشروح الجليلة منها شرحه الكبير على السنوسية في أربعين كراسا، وشرحه الوسط والصغير، وشرحه الكبير على الأجرومية في ثلاثين كراسا، وشرحه الصغير في عشرة، وشرح “عقيدة الرسالة”، ويقال أنه شرح الرسالة ولم أقف عليه.
إبراهيم ولد أم رابعة
ولد بحجر العسل، أصله تكجابي، أخذ العلم من عبد الرحمن بن جابر، فهو أحد الأربعين الذين بلغوا درجة القطبانية في العلم والصلاح، وقد قال ابن جابر في إجازته له:” الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، أما بعد، إن الأخ الفقيه الشيخ المحترم المتأدب المتواضع الشيخ إبراهيم إبن أم رابعة استحق السيادة والإمامة عندي، فجعلته قطبا في مكانه، ولسانا في عصره، وترجمانا في أوانه، ومربيا للمريدين وقدوة للمسترشدين، وملجأ للفقراء والمساكين، مظهر شمس المعارف بعد غروبها، فأذنته في كل ما حققته ونقله وسمعه مني أن يفشيه ويعلمه الناس، وقد أذنت له بإشهارها وإشهار ما فيها، وتشييع ما أشرنا إليه، ومن اطلع على ما فيها أو بلغه شئ من ذلك فليحذر كل الحذر من خراب الباطن، بتاريخ اثنتين وثمانين وتسعماية من الهجرة النبوية، وكتبه الفقير بن جابر الجهني في العرب نسبا، وبلغني أنه ثبت نسبا من ذرية السايح أحمد بن عمر وهو من ذرية عقيل بن أبي طالب، ولكن الأول هو المتواتر من آباينا، فسبحان الله العالم الموفق للصواب”.
أبو بكر راجل حجر العسل
أصله تكجابي، وهو الذي دل الشيخ حسن ولد حسونة وكشف له الحجاب وأراه ثمرة الطريق وفايدته، وذلك أن الشيخ جلس عنده بدور عنده الطريق، فقال له :”يافقير املأ هذه الركوة في البحر، فلما وصل البحر ختاها فسبقته فامتلأت وحدها، فأتى بها إليه فوجده شابا بعد أن كان شيخا فأخذ الركوة فتوضأ، ثم قال:” الله أكبر” فرأسه لحق سقف الخلوة، ثم رجع شيخا على حاله الأول، فقال في نفسه:” هذا شيخي”، فالتفت إليه وقال له:” أنا مان شيخك، أمشي أدخل خلوة في باعوضة شيخك يجيك، سيكون لك شأن عظيم وأبقى على ذريتي عشرة”، فكان الشيخ حسن إذا دخل عليه أحدهم يقوم يعانقه ويقول: وكان “أبوهما صالحا”، وياوصلهم ويقضي حوايجهم.
أبو سرور الفضلي الجعلي
ولد بالحلفاية وأمه كنونة بنت الحاج علي، فضلية، وقرأ خليل على الشيخ الزين والعقايد على الفقيه ولد بري، ودرس العقايد. خلواته قريب الحلفاية على جهة الصعيد، ثم انتقل إلى دارفور ودرس فيها، حظي حظا وافرا عند السلطنة، وهو رفيق الفقيه أبزيد، ثم انتقل إلى دار صليح عند عروس، فأكرمه غاية الإكرام ودرس العلم، وتوفي فيها، وسبب وفاته قتلته سراريه، فرضخن رأسه وهو نايم بالحجارة، قاتلهن الله.
أبزيد بن الشيخ عبد القادر
وكان عالما عاملا بعلمه ورعا نزيها من أخذ الجاه. تفقه على الشيخ الزين، وقرأ الفقه والعقايد على الخطيب عمار، ثم انتقل إلى إلى دارفور بعد أخذه للنساء وولادة الأولاد، فرارا من أكل مال جاه الشيخ إدريس، وسكن كساب وبنى فيها مسجده للتدريس، وكساه الله الهيية والقبول التام عند السلطنة وجميع ما في الدار، ثم انتقل إلى دار برقو عند السلطان يعقوب، فأجله إجلالا كثيرا ثم حصلت بينهما وقعة فرجع إلى دارفور فتوفاه الله بها، وله كرامات منها: قال الحاج خوجلي:” فلما حججت رأيته واقف فوق الجبل”، وقال الفقيه محمد نور:” لما توفي أبوه الشيخ عبد القادر أنا بردته، وحضر معي كتفي مع كتفه”، وله من الأولاد صباحي وعبد القادر وعلي وحجازي، وكلهم صالحون فضلا، وأما حجازي فكان طبيبا ماهرا كأنه ابن سينا في حكمته، وشاعرا حاذقا كأنه كعب بن زهير في شعره، وله معرفة بالخط الحسن كأنه بن مقلة في خطه، ويعرف جميع الأقلام العبرانية والسريانية واليونانية، وله معرفة بصناعة الكيما كأنه جابر في صنعته، وله معرفة بعلم النحو و الــزايـــــرجـــــــــــة يدرك بها الأمور المستقبلة كأنه جعفر الصادق في إخباره، ومع ذلك يقرأ القرآن والدلايل عامة، ويبكي باعلى صوته لا يبالي بمن حضر أو غاب، وكان يلبس الثياب الرفيعة وله قبول تام عند السلطنة والخاص والعام، وتوفي في حبس ناصر جوعا عطشا.
...
انتهى حرف الألف...
|