كان الليل قد أرخى ستائره المخملية .. وقد لجأت نساء البيت إلى مخادعهن في صمت
جنائزي مهيب .. بقيت صفاء متيقظة تراقب النجوم .. فكرت ...الجو بارد جدا ..
والسماء صافية ...والهدوء صاخب في هذه الليلة .. إنها ليلة مناسبة للموت محرضة على الوداع
وداع ...كل من عرفني وجرحني في هذه الدنيا القاسية ..كل من طعنني يوما وقتلني يوما ..
وكل من أوصلني إلى هذا السقوط..
كانت قد حضرت محلول الصبغة .. ووضعت السائل الأسود في كوب من الألمنيوم حتى لا يتبين
احد ماهيته حضرته كما كانت تحضر كوب الحليب الدافئ الذي تتناوله عادة قبل النوم ..
ووضعته بالقرب منها ورقدت على سريرها تنتظر أن ينام الجميع ..
..وبعد ساعات انتظار .. تناولت الكوب من مكانه.. لم تشعر بالخوف .. لا تدري بماذا تشعر
يضيق صدرها .. نظرت الى السائل للحظات ... ترددت .. قربته إلى شفتيها ..
أبعدته .. شمته .. وضعته جانبا .. ثم نهضت من مكانها بخفه وسكبته في المرحاض ..
عادت بتثاقل وتدثرت بغطائها للحظات قبل أن تمد يدها إلى دفترها وتقرر أن تكتب على ضوء هاتفها
((منذ الأمس ..كنت قد قررت الرحيل في هذه الليلة .. خططت لكل شيء حتى لا يكون هناك
أي مجال للخطأ ..فبكمية الصبغة السامة التي استخدمتها كانوا سيجدونني في الصباح جثة هامدة ..
لكنني لم أفعل... ليس لأنني كنت خائفة .. فأنا احتسي السم في كل يوم
منذ زمن طويل .. أتذوقه في أحاديث الناس في معاملاتهم ...في المرآة كلما نظرت إليها
وفي كل ركن وكل زاوية في هذا البيت...في الحي في الشارع في المدرسة
وفي قلبي ..
لكن ثمة شيء ما لا يمت للخوف بصلة .. جعلني أرجئ موعدي مع الموت لا ادري
ما اسميه .. شيء يشبه الشرارة التي تدغدغ بدفئها عبث الشتاء المستطير ..
شيء أخاف أن افكر به حتى لا يهرب مني مجددا .. شيء يدعى بصيص الأمل ..
وفي كل الأحوال ربما كانت هذه الليلة أجمل من أن أودع العالم فيها .. ربما ..))
|