عرض مشاركة واحدة
قديم 02-04-2011, 09:36 PM   #[60]
Mema
:: كــاتب نشــط::
الصورة الرمزية Mema
 
افتراضي

كانت الشمس لا تزال تطل من الجهة الشرقية .. الساعة لم تتجاوز العاشرة صباحا ..
الشوارع هادئة في هذا الوقت من الصباح .. التزمت صفاء بالصمت وهي تستقل المقعد
المجاور لفوزية والتي كانت خلف مقود عربتها الصغيرة .. تقطع بها الطريق من منزل صفاء
إلى مكان لازالت تجهله ولم تشاء أن تسأل عنه أو ربما لم يساورها الفضول ..
_هل تعرفين يا صفاء لطالما تمنيت أن تكون لي أخت ..
صمتت للحظات قبل أن تتابع ..
_أنت محظوظة
تطلب الأمر بضع ثوان قبل أن ترفع صفاء رأسها لتبحث في ملامح فوزية عن السخرية
أو ما شابه ذلك لكنها كانت في منتهى الجدية فكرت أنها لا تلومها على ذلك فهي
لا تعرف ما كانت ولازالت تعانيه بقيت تتفرس ملامحها للحظات فالتفتت إليها فوزية بحركة
سريعة قبل أن تعاود التركيز على الطريق وتقول
_ألا توافقيني ؟
أبعدت صفاء عينها إلى الطريق دون أن تقول شيئا
تابعت فوزية
_إنها سمه البشر .. الكل يصبو لما لدى الآخر وينسى الاحتفاء بما لديه ..
_إلى أين نحن ذاهبتان
ترسم فوزية ابتسامتها المشرقة على شفتيها وتقول
_أريدك أن تلتقي برفيقات السفر وعضوات قافلة الحرية
_قافلة الحرية ..
كررت صفاء بشيء من الاستنكار ..
_نعم هذا اسم قافلتنا التثقيفية .. ألا يعجبك؟
_ اعرف انه اسم مكتبك .. لكني صدقا أتحفظ على ما يأتينا من تحت مظله ما يسمى بالحرية ...
_معك حق .. فالكلمة تستخدم كثيرا في غير مكانها
_وما هو مكانها برأيك
_مكانها هنا .. قالتها فوزية مشيره إلى موقع القلب في صدرها .. ثم رفعت سبابتها
لتشير إلى صدغها مردفة .. وهنا
صمتت صفاء مرة أخرى .. فقررت فوزية مواصله الحديث عن الأمر قالت
_ اعرف ما تفكرين به الآن يا صفاء .. فالكثيرات من من التقيتهن كن يفكرن مثلك تماما
.. كن يعتقدن أننا نحاول أن نفسد معادلة الكون .. من خلال ما يسمى بالمساواة بين
الرجل والمرأة وما إلى ذلك من شعارات لا تناسب مجتمعنا ..فالانحلال والتمرد والفوضى
هو أول ما يخطر بالبال عندما يذكر لفظ الحرية فيما يخص قضايا المرأة .. والسبب يرجع كما ذكرت
لتلويث هذا المعنى العظيم بكثرة استخدامه في غير موضعه..
لكنهن غيرن رأيهن بعد أن عرفن حقيقة القيود التي نرغب في كسرها والمساحات التي نطالب
بها والحقوق التي ننادي لأجلها ... نحن نعمل لأجل المرأة .. كامرأة .. وهدفنا الأساسي هو أن
نزيد وعيها بأهميتها وبذاتها ونفتح عينيها وذهنها على قدراتها الحقيقة .. نسهل لها سبل المعرفة
ونزيد من وعيها لتتضح لها الرؤيا وتستوعب دورها في الحياة لتؤدي رسالتها على اكمل وجه..
بتوازن تام بين كامل أنوثتها وإنسانيتها ..بعيد عن تعقيدات لا حصر لها ومثبطات وقيود يعاني
منها تفكيرها .. وتئن تحتها روحها ...وهكذا ستصبح فرد متكامل و جزء فعال من المجتمع .. أي كان
موقعها فيه ..
كانت صفاء مشوشة التفكير .. ولم تستطع الخوض في معاني حديث فوزية .. فآثرت التمسك الصمت
_وصلنا
رفعت صفاء بصرها لتجد أنها أمام مبنى مكتب فوزية .. ولم تمض إلا دقائق حتى كانتا في قاعة
الاجتماعات والتي امتلأت عن آخرها بنساء من مختلف الأعمار والفئات ..فكرت صفاء أن هناك قاسم
مشترك يجمع بينهن على الرغم من التباين الواضح في ألوانهن وأعمارهن وطبقاتهن الاجتماعية
.. ثم شعرت أنها وحدها
المختلفة عنهن .. كيف أخطأت فوزية اختيارها .. وهي الخبيرة
زبيدة ..ربه منزل وجده ..!! امرأة في الستين من عمرها .. على عكس اغلب النساء في هذا العمر
تبدو ممتلئة بالحياة والحيوية لم تتوقف عن التنقل في أرجاء القاعة تحمل معها ضحكتها المجلجلة
وحكاياها الطريفة ونكاتها الممتعة ..
منال .. طالبه في المرحلة الثانوية .. تبدو عليها الرزانة والثقة وكأنها اكبر من عمرها بكثير
وبينهما
سامية .. موظفة في شركة .
رجاء .. أستاذة ومحاضرة في إحدى الجامعات الكبرى ..
إحسان .. ربه منزل
روان .. طالبه جامعية ..
ساره .. مديره لإحدى الشركات المعروفة
نهى .. صاحبة مصنع للمخبوزات والحلويات
حنان .. صاحبة صالون تجميل
شيماء .. مصممة أزياء وثياب
هاله .. طالبة جامعية ..
أسماء كثيرة .. وقصص نجاح تدعو للفخر .. تدفقت في تلك الساعة الأولى والتي خصصت لبعض التعارف
برغم معرفه الكثيرات الوثيقة ببعضهن البعض .. كلهن كن فخورات بما يفعلن ويقدمن .. على اختلاف مواقعهن ووظائفهن واعمارهن .
..وكأنهن قد عثرن على ترياق السعادة السحري في مكان ما ..
هذا ما كان يجمع بينهن .. الرضى .. والثقة .. والفخر .. والسعادة ..
لم تتمكن صفاء من حفظ أسمائهن جميعا .. لكنها أيضا لم تستطع
أن تمنع شعور لا تفهم كنهه كان قد تسرب بداخلها عندما عرفت عن نفسها ومهنتها ..فقابلنها بالترحيب
والأعجاب .. ربما كانت المرة الأولى التي تشعر فيها بأهمية ما تفعله في هذه الحياة .. وكأنها تذكرت في
لحظة لماذا اختارت أن تكون مدرسه .. وكأنها تذكرت بعد أعوام من فقدان الذاكرة والهوية من تكون
لا تعرف كيف مضى كل ذلك الوقت دون أن تشعر به .. كانت منخرطة حتى آخر خليه في ذهنها
مع أولئك النسوة .. كانت تصغي اليهن بإمعان .. تراقب حركاتهن وسكناتهن .. تتابع مواضيعهن الجادة
والمازحة .. كانت ممتنة جدا لأنها بينهن .. سمعت قصصهن التي تحكي عن تاريخ من النضال
من اجل تحقيق الذات ..فشل ونجاح .. دموع وضحكات .. أحزان .. وأفراح .. خيبات عدة وانجازات لأمور
قد يراها البعض بسيطة لكنها تعني الكثير لهن .. لأنها ببساطه
كانت أحلامهن وقد تحولت بأيديهن وإرادتهن إلى حقيقة ..
خرجت من الاجتماع وكانت لا تزال مسحورة بما رأت وما سمعت وما شعرت..
وعندما كانت تجلس مجددا إلى جوار فوزية في عربتها .. شعرت أن ثمة شيء قد اختلف
وكأن بعض الضوء وجد طريقه إلى حيث أظلمت روحها واعتمت أحاسيسها بعصابة الموت
كان قلبها ينبض يتسارع مجنون ..
_إنهن رائعات .. أليس كذالك يا صفاء .. لقد تعرفت عليهن في ظروف مختلفة
وفي أوقات متباينة .. لكنهن الآن كعائلتي .. أحبهن جميعا .. وسعيدة لأنك أصبحت فرد
من عائلتي الكبيرة
قالتها فوزية وهي تقود عربتها رجوعا لتعود بصفاء إلى منزلها ..
قالتها ولم تكن تدري ما يعمل في نفس صديقتها الجديدة في تلك اللحظة
حتى التفتت إليها لتجدها وقد امتلأت مقلتيها بالدموع وتسارعت أنفاسها بشكل مجنون..
أوقفت العربة حالا على جانب الطريق
_ما الأمر يا عزيزتي ؟ هل أنت بخير؟
بدون مناسبة تذكر شعرت صفاء أنها مضطرة لقول ما جال في خاطرها قالت بانفعال
_لم يكن سبب ما حدث معي في المواصلات نقصان السكر .. لقد كنت في كامل وعيي
عندما هاجمت الرجل
_....
_لم أهاجمه لأنه حاول التحرش بي .. لكني فعلت لأنه قام بمحاولته تلك ولم ينظر أبدا إلى وجهي ..
لم يعرف كيف ابدو .. ولم يهتم ..لم ينتبه انني كنت ابكي .. هاجمته لأنه ألغى كينونتي و.. إنسانيتي
فكنت بالنسبة له مجرد آداه .. تصلح للاستعمال مرة واحدة فقط
ثم تلقى في سله المهملات
_صفاء..!! إن من يقوم بأمر كهذا هو شخص مريض .. عجزه عن احتواء رغباته يجعله غير قادر على التصرف
بشكل متمدن لائق ..وهو في تلك اللحظة اقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان ... وأمثاله كثر .. لا تفكري بالأمر كثيرا ..
لابد وانه سيفكر ألف مرة قبل أن يقوم بأمر مماثل بعد أن ذاق منك ما ذاق
بدون مقدمات أيضا انخرطت صفاء في بكاء حار ..



Mema غير متصل   رد مع اقتباس