((كان يوم جنوني غريب.. بل ربما كانت نقطه جديدة في تاريخ حياتي ..من يصدق أنني أردت له أن
يكون اليوم الأخير ... لكن القدر كان مختلفا .. أكاد لا اصدق أنني اكتب كلماتي هذه على دفتر جديد
..بعد أن قررت أن أغلق كل دفاتري وألقيت بأقلامي وأفكاري ومشاعري في بئر سحيقة ...((ليكن ما
كتبته بالأمس مجرد ذكرى وتذكرة ولتكتبي اليوم بداية جديدة لحياتك.. لاجل الغد ..ليكن ميلادك الجديد ..))
هذه كلمات فوزية التي همست بها في روحي عندما أهدتني هذا الدفتر .. كبديل عن مذكراتي القديمة
والتي كنت قد أهديتها إياها هذا الصباح ..أردتها أن تقرأ عني بعد أن ارحل .. ربما لتعذرني .. أو لتذكرني ..
لكنها الآن ستقرأ عني بينما أولد من جديد واكتب تفاصيل حياة جديدة .. ولازلت املك قلب ينبض رغم
جراحه العميقة ورئة تتنفس رغم فقر الهواء... لا اعرف ما الذي حدث معي تحديدا .. بعد أن اجتمعت بأولئك
النساء وسمعت قصصهن .. وكيف بعثن من رماد الفشل شموس كبيرة .. قصص لا يملك المرء إلا أن ينحني
لصحاباتها تقديرا وإجلالا .. استصغرت ذاتي جدا .. وشعرت بتفاهة أوجاعي وسطحية تفكيري وجراحي
.. صدمت للمكان الذي كنت أمارس فيه ما اسميه بالحياة عندما اكتشفت أنني كنت أمارسها على هامش يبعد الآلاف السنين عن حقيقتها وجوهرها ..
عندما كنت في السيارة عائدة مع فوزية ..
.. شعرت بألف باب ينفتح وألف نافذة تشرع في أعماقي دفعة واحدة ..وكأنما تحطمت
بقيه الأسوار التي أحاطت بحواسي .. واخفت النور عن أعماقي ... وعجزت تماما عن منع نفسي
..ووجدتني دون وعي احكي لها أدق تفاصيل حياتي .. أخبرتها أن ما فعلته برجل الحافلة كان رد فعل
مكبوت .. تجاه عبد الحليم ... أخبرتها عن الطعنة التي سددها لقلبي ولكرامتي .. وحكيت لها
عن معاناتي .. الدائمة.. مع الآخرين .. عن رؤيتي المهشمة لذاتي ..عن أحلامي الميتة ..عن أبي
وأمي .. وأخي .. وأخواتي .. وعن كل شيء حتى قراري بالرحيل عن العالم وتفكيري الجاد بالانتحار ..
تعاملت مع أحزاني وجنوني باحترام وهدوء مثير للدهشة .. وكأنها كانت تعلم عني كل ما قلته مسبقا ..
لم يبدو عليها أنها تفاجأت .. لم تذعر .. ولم تجزع .. ولم تهزأ بي أو تستصغر ما كنت أعانيه
لم تلمني على شيء .. تركتني افرغ كل ما تعفن في نفسي من أوجاع وجروح .. استمعت إلي بإصغاء
ضمتني حينا .. وبكت معي حينا .. لا اعرف كم من الوقت بقينا على جانب الطريق .. لكنها عندما
أخبرتني عن رغبتها بأن اذهب معها إلى البيت كانت الشمس قد اتخذت آخر خطواتها في مسارها غربا
لازلت غير قادرة على التوقف عن البكاء .. لكن دموعي كانت تحمل طعما مختلفا بعض الشيء
بل كانت تحمل طعما وهذا يكفيني .. ))
|