كان الوقت يمر على عجل في ساعات الظهيرة وما بعدها كديدن نهارات الشتاء ... وكانت صفاء قد انتهت من غسل الحناء على شعرها توا عندما دخل إبراهيم إلى البيت لفت رأسها بمنشفة وأسرعت إليه .. _مساء الخير.. إبراهيم كيف حالك _بخير الحمد لله _أريد مكالمتك _ماذا تريدين ؟ _لقد حصلت على وظيفة جديدة في مكتب للخدمات الاجتماعية _هل كنت تبحثين عن وظيفة؟ _لا .. لكنها جاءت . فقبلت بها _والمدرسة؟ _لم أقرر بعد لقد أخذت إجازة ريثما أقرر _المهم كيف المرتب؟ _ممتاز _حسنا إذا .. اقبلي به علقت ابتسامة صغيره بشفتي صفاء وهي تمشط شعرها وتفكر في رده فعل أخوها وقبوله السريع لسفرها عندما علم بأمر المرتب المجزي .. ثم تلبسها حزن مجهول لا يفتأ يزاور روحها من وقت لآخر .. هل سيأتي يوم يستيقظ فيه إبراهيم من غيبوبته الطويلة هل يمكن أن يصبح رجل يمكن الاعتماد عليه والثقة به ؟ فكرت في عدد المرات التي تزوج فيها وطلق .. وان أطول مدة قضاها متزوجا كانت عامين وجاءت ثمرتها طفله لا يعرف اليوم أين أراضيها .. بعد أن أخذتها والدتها وهربت بها إلى بلادها الكبيرة .. دون اثر .. لابد وأنها اليوم صبية جميلة .. مسكين إبراهيم .. تركيبته تمنعه من الامتزاج مع أي كان وكأن الآخرين هم بحيرة ماء عذب وهو قطرة زيت عنيده تطفح دوما على السطع تتحرك مع الريح دون هدف واضح تصطدم بجزيئات الماء بعنف فتنفصل عنها أجزاء صغيره ويتواصل تضاؤلها وتلاشيها بين الأمواج انقطعت أفكار صفاء عندما ارتفعت الحان هاتفها الحادة تناشدها الاجابه على الاتصال ففعلت _مرحبا _أهلا من يتحدث ؟ _الأستاذة صفاء؟ _نعم من المتحدث؟ _ربما لا تعرفيني .. أنا جيهان سعد .. صديقة أختك أمل _أهلا بك .. _أريد مكالمتك بشأن أمر ضروري جدا .. _تفضلي _لن يجدي الحديث في الهاتف ..... هلا التقينا ؟ _بالتأكيد .. أين ؟ حفظت صفاء عنوان المكان وأسرعت تبدل ثيابها وقلبها يخفق قلقا وخوفا والتساؤلات تعصف بكيانها .. ترى ماذا تريد أن تقول؟ ..لا تعرف كيف قطعت الطريق إلى تلك الكفتريا التي اتفقت مع جيهان أن تلقاها فيها وما أن وصلت إلى المكان حتى هبت فتاة في العشرينات من العمر .. لمقابلتها كانت صفاء قد رأتها من قبل في مناسبات مختلفة .. كانت تعرفها فصافحتها وسلمت عليها باسمها قبل أن تتخذ مجلسها وعلامات القلق تطغى على ملامحها .. سألتها جيهان ان كانت ترغب بشرب شيء فنفت لم تلح عليها بل دخلت فورا في صلب الموضوع وقالت _هل تعرفين يا أستاذة صفاء أن أمل قد قدمت لمنحة في إحدى الدول الأوروبية المخصصة للمتفوقين من خريجي الكلية .. وأنها إن حصلت على درجات عاليه كما اعتادت أن تفعل وتم قبولها .. ستغادر متى ما تحدد موعد سفرها .. والأمر ليس ببعيد _لا .. لم تخبرني . .لكن الآن ظروفها لم تعد كالسابق وخططها تغيرت .. أمل مخطوبة وزواجها سيكون بعد شهرين وبضعة أيام .. الم تخبرك ؟! لم تبدو المفاجأة على وجه جيهان .. قالت _اعرف كل شيء عن هذا الأمر .. وأنا هنا لأقول لك أنها قررت المضي في مشروعها هذا بعد إن أرغمتموها على الارتباط بشخص لا تريده ..لقد قررت إن تغادر الوطن دون أن تخبر أحدا . وان لم أخبرك الآن بالأمر كنتم ستستيقظون في احد الأيام ولا تجدون لها أثرا .. شعرت صفاء بثقل يجتاح رأسها وقالت _لماذا تخبريني بكل هذا الآن؟ هل طلبت هي منك ذلك _لا لم تفعل وستغضب إن عرفت أني أخبرتك _إذا أنا لا افهم لماذا قررت إخباري .. ؟ _فالحقيقة الأمر يتعلق بأخي .. امجد استرجعت صفاء بسرعة هذا الاسم وصورة الشاب الذي رأته في الشارع ذات يوم مع أمل؟ _ماذا عنه؟ _انه يحب أمل .. ويرغب جدا في الارتباط بها .. أخي شخص مثقف ومتعلم ومنفتح يا أستاذة صفاء .. ومستعد لمساعدتها في كل خطوة لتبلغ النجاح الذي تريد يمكنك السؤال عنه أينما شئت .. ولا أخفيك سرا .. فأنا أظن أن أمل معجبة به أيضا .. لكنها لم تشأ أن تراهن على أحلامها لذلك رفضت كل عروضه ولم تصغي لكل محاولاتي ربما لديها بعض المشاكل في ما يخص الثقة .. أو نظرتها العامة للرجال صمتت صفاء وهي لا تدري ما تقول _أستاذه صفاء . لقد اتصلت بك لأنني اعرف انك الأقرب إلى أمل فهي لا تتحدث عن احد من عائلتها سواك.. ليتك تساعديني . فأنا اهتم لأمرها والأمر أخي أيضا .. لا أعرف بالضبط ما يمكنك تقديمه لكني واثقة من انك ستفعلين ما بوسعك لصالحها .. أنا لا اشك في قدرتها على الاعتماد على نفسها وتسيير أمورها على أكمل وجه إن فعلتها ورحلت .. لكني أشفق عليها من الوحدة والغربة التي لن تنتهي أبدا مادامت قد قطعت الخيط الذي يربطها بأهلها ..