25-04-2011, 10:45 AM
|
#[474]
|
|
:: كــاتب جديـــد ::
|
عِلم أساطير الأولين
الأخ بلّة لك الشكر على الترحيب و لك المودّة العامرة
أخونا بابكر عباس
نعم هناك ملايين الحدوس الصائبة التي ذهبت أدراج الرياح، بالمعنى الحرفي للعبارة، يعني ممكن في مكالمة بيناتنا أقول ليك عدد من الحدوس الصائبة حول أكثر القضايا العلمية تعقيداً، بل حتى حول ما لم يطرحه العلم بعد، دون أن أعي ما أقول، و أحيانا دون أن أعنيه، لكن يأتي لاحقا ما يثبت صوابه، كحدس، لكن هذا الإثبات اللاحق لا يدين بالطبع لحدسي بأي شيء، و لا رابط.
مواضيع مثل كروية الأرض أو مركزية الشمس بالنسبة للأرض، سبق إلى القول بها بعض الأقدمين، لكن دون تعليل، لهذا ذهبت حدوثهم هذه أدراج الرياح، لكن جاء لاحقاً من قال بهذا و قدم له التعليل الموضوعي، فصار علماً باقياً.
سيدي الكريم عبد المحسن
يبدو أنني طرحت سؤالي عن قيمة ما تقوم به هنا بطريقة أضرت به، و أنا كنت قد قرأت إجابة لك عن مثل هذا التساؤل، خذ مثلا قولك:
اقتباس:
|
أُريد "حالياً" تبيين الفكرة الأساسية للموضوع وشرحها. من أجل استعادة كل ما يمكناستعادته من تلك الرموز، وإعادة بناء التاريخ الحضاري للإنسانية مرّة ثانية بصورةأفضل مما بين أيدينا اليوم. كي تتضح لنا معاني ودلالات هذه المفاهيم التي ما زلنانحملها ونعيشها ونتنفسها في كل شيء، ورُغم ذلك نجهل مصادرها ومعانيها الحقيقيةوجذورها التي جاءت منها. وأيضاً لكي نعرف كيف تمَّ تشتت الإنسانية الأولى من لدنمكان واحدٍ وكيفية انتشارها واختلافها فيما بعد، بكل ما نراه ماثلاً أمامنا اليومعلى نحو كوكبي.
|
هذا إلى جانب ما لفرضياتك هذه من فائدة في جهة إنشاء براديجم جديد بلغة توماس كون، تنزاح بموجبه الأطر الحالية لنظريات الخلق على أقل تقدير. لكن هذه غايات بعيدة، لا تهاون معك في طلبها، فما تدعيه لمقولاتك هنا لا يستوي معه منهج اللا علم الذي تتعبه هذا، ما تقول به يجب أن يستتبعه منهج موضوعي في التعليل إن كنت تريد له أن ينتقل من أزقّة غوث الزمان و شعاب مكّة إلى براح الأخذ و الرد.
السؤال عن قيمة ما تقوم به بهذا المعنى، يضمر، تساؤلاً حول هذا الإمعان في اللابرهانية، حسناً لنوضح: أنت تنطلق من فرضية معينة، قلت يا محسن على سبيل الإعلان عنها:
اقتباس:
|
إنَّها تقوم بتمثيل الجريمة على مسرح أحداثها عبر تبنيها فعلاً وقولاً. لقد اختلفت ثقافات الإنسانية في موقع تلك الجريمة، وظرف مكانها كثيراً لا قليلاً،ولم يكن السودان في أي يومٍ من الأيام أحد تلك الأماكن المفترضة. ولكنني قمتُبإجراء بحوث مكثّفة على رموز الثقافة السودانية، وبمقارنة مضامين حوافظ الرموز التيتحملها تلك الثقافة، من خلال لغاتها الدارجة مع أقدم رموز اللغات الإنسانية، فوجدتُفيها، وفي أرض السودان، فرضاً قويَّاً لأن يكون منطلق تلك القصص كان هو السودان
|
و حسنٌ أنك قلت "منطلق تلك القصص"، نعم هي قصص، فالجريمة "الكولد كيس" التي تريد البحث عن مكان حدوثها، هي ذاتها تحتاج في الأساس لبرهان، لا يمكن أن يكون برهانها هو أن الناس دائما اقتنعوا بحدوثها، و نسجوا حوله الأساطير و الأديان، هذا لا يجدي، أنت بدرجة ما كمن يأخذ فرضية حكمة الله العلي القدير كمسلمّة، ثم يستخدمها لتفسير نظام الكون. في حيز الحوار العلمي لا يوجد شخص اسمه آدم بالمواصفات الدينية، و لا توجد جريمة قتل راح ضحيتها هابيل، لكن هناك مجالات أخرى من مجالات نشاط هذا الذهن الإنساني تفيض بتفاصيل هذه الأشياء، و هذا جانب من معنى حديثي عن وضع جهدك هذا في موضعه، أي الاعتراف بأنه هو ذاته ينطلق من أسطورة، لأسباب -نتباين حولها- اشتغل الناس منذ القدم على إعادة تركيب هذه الأسطورة (و غيرها) و التعبير عنها بطرق متباينة، على رأسها هذه الرموز، فمن المقبول إذن أن نجد إنعكاساً لهذه الأساطير في التعبير –و حتى اللغويات تقول بذلك-، و من الرائع أن يأتي شخص مثل محسن خالد ليفك هذه الرموز أو يعيد قرائتها بشكل أفضل من غيره، لكن هذا كله تزحلق داخل أسطوانة الأساطير، أنت تسرح بالبقرة المقدسة من وادٍ إلى وادٍ آخر، دون أن تستوثق من قداستها.
و إذا كان الحديث عن فوائد، فلنا أن نتحدث عن مخاطر أيضاً، فشعوب السودان أو إفريقيا إجمالا لا ينقصها دين جديد، أو مخدّر آخر، و ليس عدم وعيها بحقيقة ريادتها الحضارية و سبقها على العالمين هو بالذات ما يقعدها أسفل سافلين. لا أرغب بمعاداة الحقائق إن كان الطريق إليها متسقاً و منهجه بناء، فالطريق إلى الحقيقة أهم من الحقيقة ذاتها، فأكثر البلاوي التي حاقت بالبشرية جاءت من جهة الحقائق التي تختص بعض الناس، و تهبط عليهم، و تدعوهم لحمل الناس إليها، شعوبنا هذه تحتاج لأسس جديدة لحياتها، ليست غامضة ولا سحرية، هي أسس السيادة الشعبية و احترام الحريات و بناء دولة العلم و الكفاءة الاقتصادية، أما إعادة تخديرها من موقع الهزيمة الحضارية أمام الغرب و الخصومة من تفوقه الفعلي و الواقعي علينا، فهو مجرد تعبير عن رغبة في التعويض، و منهجك هنا إلى الآن لا يخدم تلك الأهداف قدرما يلبي حاجات بعض المتنازعين مثل صديقي بابكر عباس، و هم أحد صنفين: من يريدون طمأنينة قلبية زائفة، فيما يخص صراع القلب و العقل، أو من ينشدون تفوقا مهما كان معناه على عالم تقدّم عليهم بأشواط.
حينما سألتك عما تضيفه إلى/ تهدمه من اللغويات، كنت أعني أن ما تقوم به، هو إعادة قراءة لكن ضمن ذات المنهج الذي تقرّه اللغويات في جهة اصطناع العلامات و في جهة تحويرها بحسب الهجرات و التواصل الإنساني، و في عودة لاحقة سأقتبس لك ما يوضح فكرتي هنا أكثر، فالكتابين ليسا في يدي هذه اللحظات في المكتب.
ألاحظ في النص القرآني، حين الحديث عن قصة إغواء إبليس لآدم و حواء في الجنة، أن النص كثيراً ما يتحدث عن هذا الإغواء على أنه تمّ لهـ"ما" معاً، حيث يستخدم القرآن صيغة المثنّى بما يرجح وسوسة الشيطان لهما معا، مثل قوله:
"فأزلّهما الشيطان عنها"
"فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ"
بل ألاحظ أن النص القرآني يذهب أبعد في إضعاف فرضية التسلسل بطريقتها الرائجة هذه، أي إغواء الشيطان لحواء أولا ثم إغواءها هي لآدم تاليا، ففي إحدى المواضع من سورة طه ستجد أن النص يميل بالعكس لكون الوسوسة من الشيطان قد كانت مباشرة لآدم أولا و وحده ربّما:
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
هنا الحوار و الإغواء أعلاه بين آدم و الشيطان، ثم التنفيذ "الأكل" من آدم و حواء معاً.
أردت القول، إن الأسطورة البدئية التي تستند إليها ذاتها، هي ليست نسخة واحدة، و أردت القول، إن النسخة القرآنية بالذات، لا تعضّد ما سواها من نسخ من جهة تسلسل الأحداث، و بالنسبة لي فالنسخ الأخرى الرائجة مفهومة الدوافع، و صاغتها مجتمعات ذكورية تستهدف تجريم حواء و لعنها، مثلما صاغت هذه العقليات ذاتها أساطير لاحقة استهدفت تجريم اللون الأسود و خفضه اجتماعيا كما في قصة ابن نوح، فإذا كان فهمي لانتصارك للدين صحيح، و الدين عندك هو في هذا القرآن، فالواجب إذن أن تستخلص روايته من الشوائب و تنتصر لها هي، لكني أراك تضمِّن تفسيراتك للرموز تضمِّنها المعتقدات المغلوطة حولها لجهة دور حواء مثلا، معانداً في ذلك نسخة النص القرآني، إلا إن كان لديك تخريجةً ما لما يقوله نص القرآن في مثل المواضع أعلاه..
مسألة الأدلة القاطعة على وجود الله دي يا محسن لا أظنك توفق إليها لا أنت ولا غيرك، ببساطة حسب ظني لكونها تنافي طبيعة الدين ذاته القائمة على التسليم و الإيمان، فلو أضحى وجود الله حقيقة معللة بأدلة قاطعة لما أضحى من معنى للدين و للإيمان، و لو أراد الله مثل هذه الأدلة القاطعة لما اكتفى بالآيات التي تترك دائما هامشا للشك و للاختيار البشري، عن نفسي اعتقد أن الدين ذاته يضع نفسه بنفسه ضمن فلسفة اللاأدرية، أو هكذا ترجموا الـ Agnosticism التي يعتنقها صديقك برتراند رسل هذا نفسه كموقف فلسفي، و أجد أنها أفضل الآراء "الفلسفيّة" في الموضوع، و يا قيقراوي أرجو أنك تراجع الفصول الأولى من مؤلف "وهم الإله" بخصوص معتقدات آينشتاين الدينية، فالمتدينين حرّفوا أقوال الرجل و لووا عنقها ليضموه إليهم.
.
|
|
|
|
|